موازنة لبنان تتجنّب العجز الاسمي... ولا تحقّق الانتظام المالي

6.9 مليار دولار للنفقات والإيرادات... وعزل خدمة الدين للعام الثاني

وسط بيروت (أ.ف.ب)
وسط بيروت (أ.ف.ب)
TT

موازنة لبنان تتجنّب العجز الاسمي... ولا تحقّق الانتظام المالي

وسط بيروت (أ.ف.ب)
وسط بيروت (أ.ف.ب)

​كرّس التزام وزارة المال، للعام الثاني على التوالي، بإعداد مشروع قانون الموازنة العامة ضمن المهلة الدستورية قبل بداية شهر سبتمبر (أيلول) الحالي، وبدء مناقشته في مجلس الوزراء، مبدأ الانتظام القانوني، من دون القدرة على التزام الإصلاحات الهيكلية في إدارة المالية العامة، ريثما تتضح الصيغة النهائية التي ستعتمدها الحكومة لمشروع قانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع.

وتُشكِّل المندرجات التي سترد في قانون «الفجوة»، المرتكز الأساسي لتحديد خريطة الطريق الإجرائية والزمنية لإصلاحات هيكلية شاملة في القطاع المالي، وبدء سريان قانون إصلاح أوضاع المصارف، وصولاً إلى إعادة هيكلة الدين العام، بما يشمل خصوصاً سندات الدين الدولية، وتحديد دور الدولة وحصتها في توزيعات خسائر الانهيارات المالية والنقدية، والمقدّرة بعد السداد الجزئي للودائع، وعمليات الحسم المطروحة، بما يتراوح بين 50 و55 مليار دولار.

ولا تبدو «الرحلة» التشريعية لمشروع القانون الارتكازي، سهلة المنال، حسب مسؤول مالي معني، لا من حيث مضامينها ولا في مهلتها الزمنية، في ظل اعتراضات وملاحظات تتناول بعض المواد الأساسية، وترتبط خصوصاً، بتوزيع مسؤوليات «الفجوة»، وآليات إيفاء حقوق المودعين نقداً وبالسندات الآجلة، ومساهمة الدولة، وتحديد طبيعة ومصير توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان. بينما تظهر، بالتوازي، اختلافات الرؤى والمقاربات، بين الجهات المعنيّة المعترضة، لا سيما صندوق النقد الدولي، والبنك المركزي، وجمعية المصارف.

ويزيد في تعقيدات المسار التشريعي، التأييد غير المضمر للانتقادات المتنوعة من قبل كتل نيابية وازنة، وعدد من النواب المستقلين، مما يرجِّح طول إقامة مشروع القانون في اللجان النيابية، بدءاً من لجنة «المال والموازنة»، وهو ما يتطابق مع توقع حاكم البنك المركزي، كريم سعيد، بتعذر إقراره قبل 6 إلى 8 أشهر، متوقعاً أن «تصبح الصيغة المتوافق عليها أمام المجلس النيابي بنهاية شهر سبتمبر الحالي»، ومؤكداً وجود «ملاحظات عليه من مصرف لبنان»، فضلاً عن ملاحظات «شديدة» من صندوق النقد.

ويؤكد وزير المال، ياسين جابر، أن «إصلاح الموازنة ليس إصلاحاً تقنياً فحسب، بل هو جزء أساسي من إعادة بناء الدولة وقدرتها على التخطيط والتنفيذ وتحقيق النتائج»، مبيناً أن «الاستجابة للأزمات تتطلب، في ظلِّ استمرار عدم الاستقرار، انضباطاً مالياً صارماً وأولوية واضحة للإنفاق، والاستعداد للتعافي والعمل على المحركات الاستراتيجية للنهوض فور توافر الظروف الملائمة».

وأشار إلى أن دور وزارة المالية هو وضع الإطار المالي، وتحديد القيود والإمكانات المتاحة، وضمان الانضباط المالي الكلي والاستدامة المالية، والتأكد من أن الخيارات والسياسات تنسجم مع الموارد المتاحة والأهداف العامة للحكومة، ومن هنا يأتي دور الإطار المالي متوسط الأجل، والذي «يحدِّد السقف المالي الذي يجب أن تتحرك ضمنه السياسات الحكومية، وبسقوف واضحة للوزارات والقطاعات، وربط الموارد بالأولويات بكفاءة، وضمانة الاستخدام الأفضل للموارد».

البنك المركزي اللبناني في بيروت (رويترز)

المشروع... بالأرقام

رقمياً، يظهر مشروع قانون موازنة العام المقبل، المرفوع من وزير المال، إلى الحكومة، توازناً «نظرياً» بين الإيرادات الحكوميّة والنفقات عند نحو 6.9 مليار دولار، أي نحو 615 تريليون ليرة، وبزيادة نسبتها 14.2 في المائة عن أرقام قانون موازنة العام الحالي. في حين تظل التوقعات على إيجابيتها، بإمكانية تحقيق فوائض أولية لا تقل عن 500 مليون دولار، بفضل زيادات ضريبية والتشدد في جباية موارد الخزينة.

وتُشكِّل مخصصات القطاع العام أكثر من 53 في المائة من النفقات في مشروع الموازنة، تتقدمها التقديمات الاجتماعيّة، بنسبة نحو 29 في المائة من الإجمالي، تضاف إلى المتوقّعة ببند الرواتب وملحقاتها التي تحوز نسبة نحو 15 في المائة. في حين جرى تخصيص النفقات الاستثماريّة بنسبة نحو 11 في المائة من الإجمالي، والأعباء الإدارية لتشغيل مؤسسات الحكومة بنحو 9 في المائة، وتم إدراج الباقي تحت بند «نفقات مختلفة».

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)

عزل بند خدمة الدين العام

ومن الواضح، استمرار عزل بند خدمة الدين العام، باستثناء ما يتعلق بمتوجبات اشتراكات وأقساط عائدة لمؤسسات إقليمية ودولية لا تحتمل «العزل»، ريثما تتضح مرتكزات استعادة الانتظام المالي وبدء التفاوض مع حاملي السندات السيادية (اليوروبوندز)، بينما برز إيجابياً الاستمرار بتنفيذ قرار عدم لحظ أي تمويل لصالح مؤسسة الكهرباء، والتي شكَّل إقراضها «السخي» أحد العوامل الأساسية لأزمة المالية العامة. مع التنويه بتواصل التقنين القاسي للغاية بالكهرباء، وتكبّد المستهلكين والشركات أكلافاً جسيمة، جراء ارتفاع سعر الديزل أويل، للتزود بالتيار من المولدات الخاصة.

الإيرادات الضريبية

وفي باب الواردات، لحظ مشروع الموازنة مساهمة كبيرة جداً بنسبة نحو 86 في المائة من الإجمالي للإيرادات الضريبيّة، والباقي من إيرادات غير ضريبيّة، ما يستدعي التنبيه من تعميق العجوزات المعيشية لمعظم الشرائح الاجتماعية، حيث تشير المسوحات الميدانية إلى ارتفاع الحد الأدنى لإنفاق الأسرة العادية إلى نحو 1200 دولار شهرياً، بينما تتدنى متوسطات معظم المداخيل في القطاعين العام والخاص عن الألف الواحد، ويستهلك الارتفاع المستمر في فواتير الكهرباء والمحروقات والتضخم العام الذي يشمل سائر بنود الإنفاق، كامل القدرات الشرائية.

وتُشكِّل الضرائب على السلع والخدمات الحصّة الأكبر بنسبة تتعدى 52 في المائة من إجمالي الإيرادات، بينما ترتقب أن تشكّل الرسوم على التجارة الدوليّة نحو 11 في المائة. في حين تشمل الإيرادات غير الضريبيّة إيرادات المؤسّسات المملوكة من الدولة مثل الموانئ، والمطار، وقطاع الاتصالات وغيرها. بينما أدخل مشروع القانون بنداً جديداً يمنح المقيمين في مهلة 6 أشهر من تاريخ نشر مشروع القانون، للتصريح وتسديد الضريبة على الإيرادات على اختلاف أنواعها التي يحصلون عليها من الخارج، ولم يصرّحوا عنها، دون فرض أيّ غرامة تحقّق أو تحصيل.


مقالات ذات صلة

توغل إسرائيلي جديد يعرقل توسع انتشار الجيش اللبناني

المشرق العربي آلية عسكرية إسرائيلية تعبر بين الدمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

توغل إسرائيلي جديد يعرقل توسع انتشار الجيش اللبناني

توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، الأحد، إلى بلدة دير ميماس التي تسكنها أغلبية مسيحية في جنوب لبنان، في ثاني عملية من هذا النوع خلال يومين.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي البطريرك الماروني بشارة الراعي خلال قداس في بلدة إيليج بشمال لبنان (البطريركية المارونية)

البطريرك الماروني: جنوب لبنان ليس ورقة تفاوض

أكد البطريرك الماروني بشارة الراعي أن «الجنوب ليس ورقة تفاوض»، مشدداً على أن حماية لبنان «تبدأ بحصر السلاح بيد الدولة وتكتمل بدولة واحدة وجيش قوي وسيادة كاملة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون واللبناني جوزيف عون يلتقطون صورة قبل اجتماع «مسار العقبة» لدعم القوات المسلحة اللبنانية بمجمع «ليزانفاليد» في باريس (أ.ف.ب)

لبنان يطلب التمديد لـ«يونيفيل» بتعذر التوافق على البديل الأممي

يعلق لبنان أهمية قصوى على الاتصالات الدولية والعربية لمنع حصول فراغ أمني في الجنوب بانتهاء المهمة التي أوكلها مجلس الأمن الدولي لقوات «يونيفيل» لتطبيق «1701».

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مستقبلاً بعثة صندوق النقد الدولي برئاسة راميريز في وقت سابق (رئاسة الحكومة)

جهود حكومية لبنانية على خط الاستقرار ودعم المتضررين

تتواصل الجهود اللبنانية لتثبيت الاستقرار ومواكبة تداعيات الحرب، بالتوازي مع سعي لحشد الدعم الدولي للبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جرافات إسرائيلية تقوم بهدم منزل في بلدة المنصوري (رويترز)

تقوية الجيش اللبناني... شرط إسرائيلي جديد للانسحاب من الجنوب

من حماية مستوطنات الشمال إلى نزع سلاح «حزب الله»، وصولاً إلى قدرة الجيش اللبناني على تولّي الأمن، تتعدَّد الشروط التي تربط بها تل أبيب انسحابها من لبنان.

كارولين عاكوم (بيروت)

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل، ما يوفر للخزانة تمويلاً أرخص في الأجل القريب، لكنه يزيد في المقابل تعرض المالية العامة لمخاطر إعادة التمويل وتقلب أسعار الفائدة.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن بنوك «وول ستريت» تتوقع أن تصل إصدارات أذون الخزانة إلى نحو تريليون دولار خلال العام المقبل. ويقدّر «بنك أوف أميركا» الإصدارات بنحو 1.07 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2027، باستثناء المبالغ المستخدمة لإعادة تمويل الديون المستحقة، فيما توقع «جي بي مورغان» نحو 1.09 تريليون دولار خلال عام 2027، مقابل 961 مليار دولار وفق تقديرات «غولدمان ساكس».

وتأتي هذه التوقعات مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ 2007، وسط زيادة الدين العام، وتنامي احتياجات الشركات إلى الاقتراض لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسن توقعات النمو الاقتصادي.

تريليون دولار إضافية

ويؤدي الاعتماد المتزايد على أذون الخزانة، التي تستحق خلال عام أو أقل، إلى رفع حجم الدين القصير القائم إلى نحو 8 تريليونات دولار، أو ما يعادل 24.3 في المائة من إجمالي الدين القابل للتداول بحلول سبتمبر 2027 وفق تقدير «بنك أوف أميركا».

ويقترب ذلك من المستويات المرتفعة التي سُجلت خلال جائحة «كوفيد-19»، ويتجاوز المستوى الذي تستهدفه لجنة استشارية تابعة لوزارة الخزانة، والبالغ نحو 20 في المائة من إجمالي الدين على المدى الطويل، باعتباره توازناً بين كلفة الفائدة ومخاطر تقلب تكاليف التمويل وإعادة تدوير الدين.

وتشير بيانات تاريخية إلى أن نسبة أذون الخزانة تجاوزت ربع إجمالي الدين القابل للتداول خلال فترات استثنائية، أبرزها الجائحة والأزمة المالية العالمية في 2008. أما متوسطها منذ ثمانينات القرن الماضي فيبلغ نحو 22.4 في المائة.

ويرى محللون أن استراتيجية التمويل القصير تمنح وزارة الخزانة ميزة واضحة في الوقت الحالي، إذ يبلغ عائد أذون الخزانة لأجل عام نحو 4.4 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة للسندات لأجل 10 سنوات ونحو 5.3 في المائة للسندات لأجل 30 عاماً.

لكن انخفاض الكلفة الحالية يأتي مقابل الحاجة إلى إعادة تمويل هذه الديون بوتيرة أسرع. وحذر محللون، وفق «فاينانشال تايمز»، من أن زيادة الاعتماد على الآجال القصيرة تجعل فاتورة خدمة الدين أكثر تقلباً إذا ارتفعت أسعار الفائدة، فيما وصف آخرون ذلك بأنه زيادة في «مخاطر تدوير الدين»، وفق «فاينانشال تايمز».

تعرض الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

استراتيجية بيسنت

وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل مساعي وزير الخزانة سكوت بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل. وكانت وزارة الخزانة قد فاجأت الأسواق الشهر الماضي بخطط لتوسيع مشترياتها من السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، في خطوة تهدف إلى المساعدة في احتواء تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة زيادة إصدارات الدين القصير لتلبية احتياجات الحكومة التمويلية الكبيرة. ويأتي ذلك رغم أن بيسنت كان قد انتقد في السابق وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين بسبب زيادة الاعتماد على الدين القصير، معتبراً أن تلك السياسة ساهمت في تخفيف شروط التمويل قبل انتخابات 2024.

وتجد الخزانة الأميركية في المقابل قاعدة واسعة من المشترين لأذونها. وتبلغ أصول صناديق سوق النقد الأميركية نحو 8 تريليونات دولار، فيما اشترى الاحتياطي الفيدرالي نحو 250 مليار دولار من أذون الخزانة خلال النصف الأول من العام، وفق «فاينانشال تايمز». كما ينظر بيسنت إلى العملات المستقرة المرتبطة بالدولار باعتبارها مصدراً إضافياً للطلب على أدوات الدين القصيرة.

عجز مرتفع

وتأتي زيادة الاعتماد على الدين القصير في وقت لا تزال فيه المالية الأميركية تواجه عجزاً كبيراً. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبقى العجز عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي طوال أفق توقعاته لعشر سنوات، وهو مستوى يزيد كثيراً على هدف بيسنت البالغ 3 في المائة بنهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

ويراهن بيسنت على احتواء الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادي كوسيلة لتخفيف عبء الدين، وقال في وقت سابق من الشهر إن المشكلة الرئيسية في الولايات المتحدة تتعلق بالإنفاق وليس بالإيرادات، وإن تحقيق نمو عند 3 في المائة يمكن أن يساعد البلاد على «النمو للخروج» من عبء الدين.

لكن ارتفاع أسعار الفائدة يضع هذا الرهان أمام اختبار مزدوج: فالنمو الأقوى قد يدعم الإيرادات ويخفف نسبة الدين إلى الناتج، فيما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة كلفة خدمة الدين، خصوصاً إذا اضطرت الخزانة إلى إعادة تمويل جزء أكبر من محفظتها بوتيرة أسرع.


الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
TT

الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)

قال وزير الدولة لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لـ«قطر للطاقة»، سعد الكعبي، إن الشركة تنتج حالياً «كمية ضئيلة جداً» من الغاز الطبيعي المسال، في ظل الاضطرابات التي أثرت على عملياتها، متوقعاً إمكانية استئناف عمليات الغاز بصورة طبيعية خلال «بضعة أسابيع» من إعادة فتح مضيق هرمز.

وأضاف الكعبي، خلال مشاركته في منتدى قطر الاقتصادي في نيويورك، أن عدداً من قطارات توسعة حقل الشمال الشرقي (NFE) سيبدأ الإنتاج في عام 2027، على أن تبدأ توسعة حقل الشمال الجنوبي (NFS) الإنتاج في عام 2028.

وأوضح أن القطارين الثاني والثالث من مشروع «غولدن باس» للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة سيبدآن التشغيل خلال عام 2027، ما سيدعم إمدادات الشركة من خارج قطر في إطار توسعها العالمي في إنتاج الغاز.

وتأتي تصريحات الكعبي في وقت لا تزال فيه حركة ناقلات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز محدودة، فيما تسعى «قطر للطاقة» إلى تأمين إمدادات بديلة للوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وكانت الشركة قد بدأت محادثات للحصول على عقود طويلة الأجل للغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة حتى عام 2031، بعد الأضرار التي لحقت بمنشآت رأس لفان.

ويُعد مضيق هرمز المنفذ البحري الرئيسي لصادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية، ما يجعل إعادة فتحه عاملاً حاسماً في عودة تدفقات الغاز إلى مستوياتها الطبيعية. وكانت بيانات حديثة قد أظهرت عودة عدد محدود من ناقلات الغاز إلى المنطقة، مع بقاء حركة العبور دون متوسطها المعتاد.


قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
TT

قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)

تتجه قطر إلى توسيع حضور «جهاز قطر للاستثمار» في السوق المحلية، عبر منصة استثمارية جديدة تتولى إدارة وتنمية أصول الجهاز داخل البلاد، في خطوة تعكس إعادة صياغة لاستراتيجيته الاستثمارية، وتفتح قناة جديدة لتوظيف رأس المال السيادي في مشروعات الاقتصاد المحلي.

وكشف رئيس الوزراء القطري عن «منصة الدوحة الاستثمارية»، موضحاً أنها ستكون مخصصة للاستثمار في الصفقات المحلية، وستتولى إدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وقال إن المنصة تأتي في إطار إعادة صياغة استراتيجية الجهاز وتعزيز جهوده في الاستثمار داخل قطر، وذلك خلال مشاركته في النسخة الخاصة من «منتدى قطر الاقتصادي» التي تُعقد في نيويورك، بالتزامن مع أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي يناقش التحولات في حركة رأس المال والاستثمار والمخاطر الجيوسياسية والمرونة الاقتصادية.

ويأتي التوجه الجديد في وقت تتوقع فيه الدوحة تدفق استثمارات كبيرة إلى قطاعات البنية التحتية والعقارات والضيافة، مع تقديرات بترسية مشاريع بنية تحتية بقيمة 38.5 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما يُتوقع أن تجذب مشاريع العقارات والضيافة استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار.

وتشير هذه الأرقام، مجتمعة، إلى فرص استثمارية محتملة بنحو 61 مليار دولار في قطاعين رئيسيين خلال السنوات الخمس المقبلة، وإن كانت لا تعني بالضرورة أن هذه القيمة ستُموَّل مباشرة من جهاز قطر للاستثمار أو من المنصة الجديدة.

رأس المال السيادي في السوق المحلية

ويضع إنشاء المنصة الجديدة جهاز قطر للاستثمار أمام دور أكثر مباشرة في تطوير الأصول والفرص الاستثمارية المحلية، بدلاً من اقتصار دوره على تخصيص رأس المال في الأسواق والأصول العالمية.

ومن شأن وجود منصة متخصصة في الصفقات المحلية، أن يتيح للجهاز التعامل بصورة أكثر تركيزاً مع الفرص الناشئة من توسع البنية التحتية ونمو قطاعي العقارات والضيافة، فضلاً عن إمكانية إدارة وتنمية الأصول المحلية القائمة ضمن إطار استثماري أكثر تخصصاً.

ويأتي ذلك في وقت تتعامل فيه الاقتصادات الخليجية مع مرحلة تتطلب زيادة كفاءة رأس المال السيادي، وتوجيه جزء منه إلى القطاعات القادرة على توليد نمو محلي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تنويع المحافظ الاستثمارية خارج الأسواق المحلية.

وتشكِّل مشاريع البنية التحتية الجزء الأكبر من الفرص المعلنة؛ إذ تتوقع قطر ترسية مشاريع بقيمة 38.5 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة.

ويمتد أثر هذه المشاريع إلى قطاعات متعددة من الاقتصاد، من الإنشاءات والخدمات الهندسية إلى النقل والخدمات والمقاولات وسلاسل الإمداد، ما يخلق مجالاً أمام المستثمرين المحليين والدوليين للمشاركة في دورة إنفاق طويلة الأجل.

أما قطاعا العقارات والضيافة، فتتوقع الدوحة أن يجذبا استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار، في مؤشر إلى استمرار الرهان على هذه الأنشطة، كجزء من توسع الاقتصاد غير المرتبط بالطاقة.

من جذب رأس المال إلى إدارة الأصول

ويمنح إنشاء «منصة الدوحة الاستثمارية» التوجه القطري بعداً مختلفاً عن مجرد استقطاب الاستثمارات الأجنبية. فالمنصة -وفق ما أعلنه رئيس الوزراء- ستكون مسؤولة عن الاستثمار في الصفقات المحلية، وإدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وهذا يعني أن الهدف لا يقتصر على جذب رأس المال إلى قطر؛ بل يشمل أيضاً توظيف رأس المال السيادي داخل الاقتصاد، والمشاركة في تطوير أصول وفرص استثمارية محلية، يمكن أن تنمو قيمتها مع توسع القطاعات غير النفطية.

وتشير الخطوة القطرية إلى محاولة بناء حلقة أكثر مباشرة بين رأس المال السيادي ومشروعات الاقتصاد المحلي، بحيث لا يكون جهاز الاستثمار مجرد مالك للأصول؛ بل يكون طرفاً في إدارة وتنمية جزء من الفرص الاستثمارية داخل البلاد.