من حماية مستوطنات الشمال إلى نزع سلاح «حزب الله»، وصولاً إلى قدرة الجيش اللبناني على تولّي الأمن، تتعدَّد الشروط التي تربط بها تل أبيب مستقبل الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان. وبينما تؤكد إسرائيل أنها لا تملك أطماعاً إقليمية في لبنان، فإن تصريحات مسؤوليها خلال الأشهر الماضية لم تحدد موعداً واضحاً للانسحاب، بل ربطته بتحقق شروط أمنية وسياسية متعاقبة.
من حماية الشمال إلى «منطقة أمنية»
ومع تكرار التصريحات الإسرائيلية التي تتمحور حول بقاء الاحتلال في جنوب لبنان، كان قد أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في 21 يونيو (حزيران) أن الجيش الإسرائيلي سيواصل عملياته داخل جنوب لبنان، مؤكداً أن قواته المنتشرة في المنطقة الأمنية «لن تنسحب» منها، ولديها حرية العمل لإزالة التهديدات.
وبعدها قال وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، إن إسرائيل «لا تملك أطماعاً إقليمية في لبنان»، لكنه شدَّد في الوقت نفسه على أنها «لن تنسحب من المنطقة الأمنية»، مبرراً ذلك بالحاجة إلى حماية مواطنيها من هجمات «حزب الله».

أما كاتس، فكان أكثر وضوحاً في رفض أي انسحاب قريب، إذ أعلن في 24 يونيو أن الجيش الإسرائيلي «لن ينسحب من المنطقة الأمنية، حتى لو كان هناك طلب أميركي». وفي اليوم التالي، مباشرة انتقل الكلام من الحديث عن ضرورة أمنية إلى صيغة زمنية مفتوحة، إذ قال كاتس إن القوات الإسرائيلية ستبقى في المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة «من دون أي حد زمني».
شرط نزع سلاح «حزب الله»
وفي نهاية يونيو، حاول كاتس الجمع بين نفي أي طموح إقليمي والتأكيد على استمرار السيطرة العسكرية، وشدَّد على «عدم الانسحاب مليمتراً واحداً» قبل نزع سلاح «حزب الله».
وبعد أيام، جاء التصريح الأكثر مباشرة. فبعد حديث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن احتمال انسحاب إسرائيل من لبنان، ردَّ كاتس قائلاً: «لم نطلب إذناً من أحد لدخول لبنان، ولا نحتاج إلى إذن للبقاء في لبنان».
شرط جديد: تقوية الجيش اللبناني
لكن وفي أحدث التصريحات الأميركية المرتبطة بالملف، برز معيار آخر لمستقبل الوجود الإسرائيلي، يوم السبت، مع قول السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، «إن الجيش الإسرائيلي سيبقى في جنوب لبنان حتى يصبح الجيش اللبناني قوياً».
الأهداف الإسرائيلية تتجاوز الانسحاب
وفي قراءة لمسار الشروط الإسرائيلية، يرى اللواء الركن المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي أن أهداف إسرائيل تتجاوز الانسحاب العسكري من الجنوب، لتشمل الوصول إلى «اتفاق عسكري وأمني بين البلدين، وإلغاء كل ما ينصُّ على العداوة مع إسرائيل»، وصولاً إلى التعامل «كأي علاقة بين دولتين»، إضافة طبعاً إلى نزع سلاح «حزب الله».
ويرى في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى سعي إسرائيل لتشكيل لجنة مشتركة على الحدود لمراقبة الخروقات، وصولاً إلى اتفاقات اقتصادية، والهدف الأهم هو اجتماع بين الرئيسين اللبناني والإسرائيلي، من هنا يعد أن الضغوط الإسرائيلية التي تُمارَس على الدولة اللبنانية تصب في هذا الاتجاه.

وفي المقابل، يرفض شحيتلي ربط الانسحاب بشرط تقوية الجيش اللبناني، عادّاً أن إسرائيل نفسها تعرقل حصول الجيش على الدعم اللازم، مستشهداً بما حصل في مؤتمر باريس، حيث لم يصدر قرارات نهائية. ويؤكد أن الجيش اللبناني، بضباطه وعناصره، «مستعد للقيام بواجباته على أكمل وجه».
الجيش... وسلاح «حزب الله»
ويقول شحيتلي إن إسرائيل تريد للجيش اللبناني أن يكون «مفرزة سباقة» تتولى الاحتكاك الأول مع «حزب الله» قبل أن تتولى القوات الإسرائيلية المهمة، وهو ما يؤكد أن الجيش «لن يقوم به». ويرى أن المعادلة الطبيعية هي أنه «عندما تقول إسرائيل إنها انتهت من عملياتها العسكرية في لبنان، عندها يقوم الجيش اللبناني بمهمته»، أي أن الانسحاب هو الذي يتيح للدولة والجيش تولي مسؤولياتهما كاملة.
أما فيما يتعلق برفض «حزب الله» التخلي عن سلاحه وتحوله إلى ذريعة إسرائيلية لاستمرار الاحتلال، فيشير شحيتلي إلى أن إسرائيل سبق أن ربطت انسحابها باتخاذ الحكومة اللبنانية قرارات بشأن حصرية السلاح، مضيفاً: «وهذا الأمر حصل، ومنح البرلمان الحكومة الثقة للمرة الثالثة في مجلس النواب، بما في ذلك المكون الشيعي، وتحديداً (حزب الله)، الذي لم يحجب الثقة عنها، وبالتالي لم يرفض قراراتها»، وبالتالي، يرى شحيتلي أنه بإمكان الحكومة، بعد الانسحاب، تنفيذ قراراتها في مختلف المناطق اللبنانية «بغض النظر عن إعلان (حزب الله) موافقته على ذلك أم لا»، عادّاً أن استمرار الوجود الإسرائيلي يجعل مهمة الدولة والجيش أكثر صعوبة، وأن «الاحتلال هو العائق أمام تمكين الدولة من تنفيذ قراراتها، وتولي مسؤولياتها كاملة».

إصابة جنديين إسرائيليين
ويأتي ذلك في وقت تستمر فيه الاعتداءات الإسرائيلية التي تأخذ منحى متفاوتاً في الأيام الأخيرة. وتعرَّضت النبطية يوم السبت لحزام ناري؛ حيث أغار الطيران الحربي الإسرائيلي على حي الساحة القديمة في النبطية الفوقا على دفعتين، قبل أن ينفِّذ غارةً ثالثةً استهدفت فريق الإسعاف الصحي في كشافة الرسالة الإسلامية وإسعاف بيت الطلبة، في أثناء توجههما إلى مكان الغارتين السابقتين. ونجا أفراد الفريقين، بينما لم يُفَد عن وقوع إصابات.
وفي الخيام، نفَّذ الجيش الإسرائيلي صباحاً عملية نسف كبيرة، بالتزامن مع تفجير ضخم في منطقة المنصوري، في حين شنَّ الطيران الحربي سلسلة غارات على المنصوري وكفرتبنيت، واستهدف وادي السلوقي بالقصف.
كما قصفت المدفعية الإسرائيلية فجراً أطراف بلدات حداثا وحاريص وميفدون، في إطار تصعيد ميداني شمل عدداً من المناطق الجنوبية.
#عاجل | رداً على تفجير عبوة ناسفة في المنطقة الأمنية: جيش الدفاع يهاجم بنى تحتية لحزب الله الإرهابي في جنوب لبنان في وقت سابق من اليوم (السبت)، انفجرت عبوة ناسفة زرعها حزب الله الإرهابي بآلية هندسية تابعة لقوات جيش الدفاع في المنطقة الأمنية في جنوب لبنان. وأسفر ذلك عن إصابة... pic.twitter.com/zkuYGjhhz5
— Lieutenant Colonel Ella Waweya | إيلا واوية (@CaptainElla1) September 19, 2026
وبعد الظهر قال الجيش الإسرائيلي إن جنديين أُصيبا بانفجار عبوة ناسفة داخل ما تسميها إسرائيل «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان، واتهم الحزب بزرعها، معلناً تنفيذ سلسلة غارات على مواقع في مناطق عدة من الجنوب.
ووفق الجيش الإسرائيلي، شملت الأهداف مواقع استطلاع ومنشآت قال الجيش إنها استُخدِمت للتحضير لعمليات ضد قواته، مؤكداً في الوقت عينه انتشار قواته داخل ما يصفها بـ«المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان، ومؤكداً أنه سيواصل عملياته ضد ما يعدّها تهديدات لقواته ولسكان إسرائيل.







