بيسنت لمجموعة العشرين: النمو مفتاح الخروج من أزمة الدين

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي»: الاقتصاد العالمي يدخل عصر الاستثمار بعد سنوات من فائض المدخرات

وزير الخزانة الأميركي ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» خلال اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية من دول مجموعة العشرين في آشفيل (أ.ف.ب)
وزير الخزانة الأميركي ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» خلال اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية من دول مجموعة العشرين في آشفيل (أ.ف.ب)
TT

بيسنت لمجموعة العشرين: النمو مفتاح الخروج من أزمة الدين

وزير الخزانة الأميركي ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» خلال اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية من دول مجموعة العشرين في آشفيل (أ.ف.ب)
وزير الخزانة الأميركي ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» خلال اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية من دول مجموعة العشرين في آشفيل (أ.ف.ب)

دخلت اجتماعات وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين في ولاية نورث كارولاينا الأميركية، الاثنين، على وقع دعوة من وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إلى تبني النمو الاقتصادي بوصفه المخرج الرئيسي من أعباء الديون المتراكمة، في وقت تواجه فيه الاقتصادات الكبرى مستويات مرتفعة من الدين العام وعجزاً مالياً وضغوطاً مستمرة من التضخم.

وقال بيسنت، في مستهل اجتماعات المجموعة في مدينة آشفيل، إن رسالته إلى قادة المالية العالميين تتمثل في التركيز على النمو، مشيراً إلى أن العالم بات «غارقاً في الديون» بعد الأزمة المالية العالمية وجائحة «كوفيد-19».

وأضاف أن السبيل للخروج من هذه المديونية هو النمو، معرباً عن ثقته بأن عدداً كبيراً من المشاركين في اجتماعات المجموعة يتقبلون هذه الرؤية.

وتكتسب رسالة بيسنت أهمية خاصة في ظل الوضع المالي للولايات المتحدة، التي تجاوز دينها الحكومي 40 تريليون دولار، فيما تواجه البلاد احتمال تسجيل عجز يقارب تريليوني دولار في السنة المالية 2026.

وزير الخزانة الأميركي ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» خلال اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية من دول مجموعة العشرين في آشفيل (رويترز)

ورغم ضخامة الأرقام، شدد وزير الخزانة الأميركي على قوة اقتصاد بلاده وقدرته على تجاوز الضغوط الحالية من خلال تحقيق نمو أعلى. وقال إن الإدارة الأميركية ورثت، من وجهة نظره، وضعاً اقتصادياً صعباً، مستخدماً تشبيهاً لافتاً لوصف المرحلة التي مر بها الاقتصاد الأميركي. وأوضح أنه يقول أحياناً إنه يشعر وكأنه طبيب في قسم الطوارئ، فيما الاقتصاد هو المريض، مضيفاً أن الحكومة نجحت في «تحقيق استقرار» للمريض، وأن الاقتصاد دخل الآن مرحلة التعافي.

وأشار بيسنت إلى ارتفاع الدخول الحقيقية للأميركيين، في إشارة إلى تحسّن القوة الشرائية، معتبراً ذلك أحد المؤشرات على أن الاقتصاد بدأ يستعيد توازنه بعد فترة من الضغوط.

ولا تقتصر رؤية وزير الخزانة الأميركي على معالجة المديونية من خلال خفض الإنفاق أو زيادة الإيرادات، بل تقوم بصورة أساسية على توسيع حجم الاقتصاد نفسه، بحيث يصبح النمو مصدراً لزيادة الإيرادات وتحسين القدرة على تحمّل أعباء الدين.

وتأتي هذه المقاربة في وقت تواجه فيه حكومات مجموعة العشرين معادلة معقّدة؛ إذ تحتاج إلى مواصلة الاستثمار في البنية التحتية والتكنولوجيا والطاقة والصناعات الجديدة، في حين تحد مستويات الدين المرتفعة وتكاليف الاقتراض من قدرتها على زيادة الإنفاق.

وارش: عصر «الركود المزمن» انتهى

وفي الجانب الآخر من النقاش، قدّم رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، كيفين وارش، رؤية أكثر تفاؤلاً بشأن الاقتصاد العالمي، متحدثاً عن تحول لافت في حركة رأس المال العالمية.

وقال وارش، خلال الجلسة الافتتاحية لاجتماعات مجموعة العشرين، إن العالم يشهد «موجة استثمار عالمية» تساعد على دفع النمو، في تحول عن مرحلة طويلة كان فيها النقاش الاقتصادي يدور حول فائض المدخرات وضعف فرص الاستثمار.

وتعد مشاركة وارش في اجتماعات المجموعة الأولى له منذ توليه رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي في مايو (أيار)، وهو ما يمنح تصريحاته أهمية إضافية، خصوصاً مع ترقب الأسواق لتصوراته بشأن الاقتصاد العالمي ومسار النمو والسياسة النقدية.

وقال وارش إنه يتطلع إلى التعرف بصورة أكبر على آفاق النمو في اقتصادات مجموعة العشرين، مشيراً إلى أن الاجتماعات السابقة للمجموعة، بما فيها تلك التي عُقدت قبل الأزمة المالية العالمية في 2008 وبعدها، كانت تشهد نقاشات متكررة حول ما كان يُعرف بـ«فائض المدخرات العالمي».

وحسب وارش، فإن تلك الصورة تغيّرت بصورة واضحة، إذ أصبحت المشكلة أقل ارتباطاً بتراكم المدخرات وقلة فرص توظيفها، وأكثر ارتباطاً بارتفاع حجم الاستثمار والطلب على رأس المال.

وقال إن أفضل وصف للمرحلة الحالية هو أنها «موجة استثمار عالمية»، مضيفاً أن مفهوم «الركود المزمن» لم يعد يعكس طبيعة المرحلة الراهنة.

وزير الخزانة الأميركي ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» خلال اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية من دول مجموعة العشرين في آشفيل (رويترز)

طلب متزايد على رأس المال

ويشير طرح وارش إلى تحول مهم في البيئة الاقتصادية العالمية. فبعد سنوات اتسمت بضعف الاستثمار وتراكم المدخرات، يرى رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» أن الاقتصاد العالمي دخل مرحلة تتزايد فيها فرص الاستثمار، مدفوعة بالتطور التكنولوجي واحتياجات البنية التحتية والتحولات الصناعية.

وقد تكون لهذا التحول انعكاسات واسعة على أسواق المال، إذ إن ارتفاع الاستثمار يعني زيادة الطلب على التمويل ورأس المال، كما يمكن أن يدعم الإنتاجية والنمو على المدى الطويل إذا تحولت الاستثمارات إلى طاقات إنتاجية جديدة.

وفي الوقت نفسه، يفرض ارتفاع الطلب على رأس المال تحديات على الحكومات والأسواق، خصوصاً في الاقتصادات التي تحمل مستويات مرتفعة من الدين. فزيادة احتياجات التمويل يمكن أن تؤدي إلى استمرار الضغوط على أسواق السندات، في حين قد تؤدي معدلات الفائدة المرتفعة إلى زيادة تكلفة خدمة الدين.

ومن هنا تتقاطع رسالتا بيسنت ووارش في نقطة أساسية، هي أن النمو والاستثمار سيكونان حاسمَين في تحديد قدرة الاقتصاد العالمي على تجاوز المرحلة الحالية، وإن اختلفت زاوية كل منهما؛ فوزير الخزانة الأميركي يركز على النمو باعتباره مخرجاً من أعباء الدين، في حين ينظر رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» إلى موجة الاستثمار باعتبارها علامة على تحول هيكلي في الاقتصاد العالمي.

اختبار صعب للاقتصاد العالمي

وتنعقد اجتماعات مجموعة العشرين في وقت تواجه فيه الاقتصادات الكبرى تحديات متزامنة، من ارتفاع مستويات الدين السيادي وتكاليف الاقتراض، إلى استمرار المخاوف بشأن التضخم وتفاوت معدلات النمو بين الاقتصادات.

كما يبرز الاستثمار والإنتاجية باعتبارهما محورَيْن أساسيين في النقاش، خصوصاً مع تسارع التحولات في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة والتصنيع والتكنولوجيا.

وتسعى مجموعة العشرين، التي تضم أكبر الاقتصادات المتقدمة والناشئة في العالم، إلى تنسيق السياسات بشأن قضايا الاقتصاد والتمويل العالمي، إلا أن الخلافات التجارية والسياسات الاقتصادية المتباينة بين أعضائها تجعل الوصول إلى مواقف مشتركة أكثر صعوبة.

وفي هذا السياق، تحمل دعوة بيسنت إلى «النمو للخروج من الدين» أهمية تتجاوز الاقتصاد الأميركي، إذ تأتي في وقت تواجه فيه حكومات كثيرة الحاجة إلى تمويل استثمارات ضخمة في الوقت الذي ترتفع فيه أعباء خدمة الدين.

أما رسالة وارش فتقدم جانباً أكثر تفاؤلاً للصورة، مفادها أن الاقتصاد العالمي لا يقف أمام نقص في فرص الاستثمار كما كان الحال في فترات سابقة، بل أمام موجة جديدة من الاستثمار يمكن أن تصبح محركاً للنمو العالمي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

الذهب يرتد بأكثر من 1 % مع تراجع الدولار وترقب بيانات أميركية

الاقتصاد أساور وقلائد ذهبية معروضة للبيع في متجر للذهب في البازار الكبير بإسطنبول (أ.ف.ب)

الذهب يرتد بأكثر من 1 % مع تراجع الدولار وترقب بيانات أميركية

ارتفعت أسعار الذهب بأكثر من 1 في المائة، الخميس، متعافية من أدنى مستوياتها في أسبوع، مع تراجع الدولار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد خلال الإعلان عن اكتتاب شركة «سبايس إكس» على واجهة مقر بنك «مورغان ستانلي» في ضاحية مانهاتن بولاية نيويورك (أرشيفية - أ.ف.ب)

«مورغان ستانلي» يتجاوز توقعات الأرباح بدعم من قفزة تداول الأسهم

تجاوز «مورغان ستانلي» توقعات الأرباح خلال الربع الثالث من العام، مدعوماً بقفزة بإيرادات تداول الأسهم، مع زيادة تقلبات الأسواق بفعل قرارات أسعار الفائدة والحرب.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد أشخاص يتسوقون لشراء البقالة بمتجر في لوس أنجليس (إ.ب.أ)

التضخم الأميركي يربك الأسواق ويعيد رفع الفائدة إلى حسابات «الفيدرالي»

أعاد تسارع التضخم في الولايات المتحدة خلال سبتمبر خلط أوراق الأسواق المالية بعدما جاء ارتفاع الأسعار أعلى من التوقعات

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شعار «بنك أوف أميركا» يزيِّن واجهة مكتبه في وسط مدينة تورونتو بكندا (رويترز)

واشنطن تُغرِّم «بنك أوف أميركا» 1.2 مليار دولار بسبب مخالفات مالية

أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض غرامات بقيمة 1.2 مليار دولار على «بنك أوف أميركا»، على خلفية مخالفات مزعومة لقوانين مكافحة غسل الأموال.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ترمب ينظر إلى الحضور من على خشبة المسرح في مركز كورتيس دي مينارد التذكاري الرياضي في واسيلّا، ألاسكا (رويترز)

ترمب: تايوان ستشتري 30 % من الغاز المسال عبر مشروع ألاسكا

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن تايوان وافقت على شراء 30 في المائة من الغاز الطبيعي المسال الذي سينتجه مشروع خط أنابيب ألاسكا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

مجموعة الـ7 تتعهد بـ2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في الدول الأكثر هشاشة

مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)
مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)
TT

مجموعة الـ7 تتعهد بـ2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في الدول الأكثر هشاشة

مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)
مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)

تعهدت دول مجموعة السبع بتخصيص 2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في الدول الأكثر عرضة للمخاطر، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً وتداعياته على إمدادات الأسمدة وتكاليف الغذاء، وفق ما أعلنه وزير الاقتصاد الفرنسي، رولان ليسكور، الخميس.

وقال ليسكور، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، إن البنك الدولي حدد 44 دولة قد تواجه مشكلات في الأمن الغذائي نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة العالمية.

وأوضح الوزير الفرنسي أن التعهد يستهدف مساعدة الدول الأكثر فقراً، مع تركيز خاص على الأسمدة، التي تُعد عنصراً أساسياً في الإنتاج الزراعي، في وقت تؤدي فيه اضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف الطاقة إلى زيادة الضغوط على أسعار الغذاء.

وفي سياق آخر، قال ليسكور إن دول المجموعة جمعت 260 مليون يورو (291 مليون دولار) للمساهمة في إصلاح القبة الواقية في موقع كارثة تشيرنوبل النووية، التي تضررت جراء هجمات روسية في فبراير (شباط) 2025.

وكانت فرنسا، التي تتولى الرئاسة الحالية لمجموعة السبع، قد قدرت في مارس (آذار) الماضي تكلفة الإصلاحات بنحو 500 مليون يورو، ودعت الدول الأعضاء إلى المساهمة في تمويلها. وأعلنت الولايات المتحدة في أبريل (نيسان) تقديم 100 مليون دولار لهذا الغرض.

وأضاف ليسكور أن هناك حاجة إلى تأمين بضعة ملايين إضافية من اليورو، مشيراً إلى تنظيم مؤتمر للتعهدات المالية في باريس خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل لجمع مزيد من التمويل. كما أكد استمرار رغبة دول المجموعة في دعم أوكرانيا.


وكالة الطاقة الدولية تسرّع الإفراج عن 100 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية

شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)
شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)
TT

وكالة الطاقة الدولية تسرّع الإفراج عن 100 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية

شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)
شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)

أعلن مجلس إدارة وكالة الطاقة الدولية عزمه تسريع الإفراج عن الكميات المتبقية من الاحتياطيات النفطية، والبالغة نحو 100 مليون برميل، في إطار التحرك الجماعي الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي استجابةً لأزمة مضيق هرمز، وذلك في ظل استمرار شح أسواق النفط، خصوصاً الديزل.

وقال المجلس، في بيان صدر الخميس، إن الدول الأعضاء أفرجت حتى الآن عن نحو 330 مليون برميل، فيما اتفقت على اتخاذ الخطوات اللازمة لاستكمال الكميات المتبقية في الوقت المناسب، مع مراعاة الظروف الوطنية لكل دولة.

وأوضح أن خططاً محددة وُضعت لتسريع الإفراج عن الكميات المتبقية، تشمل إتاحة أكثر من 20 مليون برميل من الديزل في أقرب وقت ممكن، في وقت تواصل فيه الوكالة مراقبة تطورات الأسواق وتقييم احتياجاتها.

وأشار المجلس إلى أن بعض الدول الأعضاء أفرجت عن كميات تفوق ما تعهّدت به في مارس، فيما تعتزم دول أخرى زيادة الكميات المطروحة، بما يرفع إجمالي الاحتياطيات المقرر الإفراج عنها إلى أكثر من 400 مليون برميل، وهو الحجم الأصلي للعمل الجماعي.

ودعا المجلس الدول الأعضاء التي تمتلك قدرات لإنتاج النفط وتكريره إلى زيادة إمدادات الخام والمنتجات المكررة، مع التركيز على الديزل، مؤكداً أهمية ضمان حرية تدفق تجارة الطاقة.

وجاء البيان عقب اجتماع مجلس الإدارة، الذي أكد التزام الوكالة بأمن الطاقة العالمي، مشيراً إلى أحدث تقييمات أمانتها العامة التي تظهر استمرار الضغوط على أسواق النفط، ولا سيما سوق الديزل.

وأضاف أن الوكالة ستواصل متابعة تنفيذ خطة مارس، بما يتماشى مع بيان قادة مجموعة السبع، وستطلع قادة المجموعة ومجلس إدارتها على التقدم المحرز، وأي إجراءات إضافية قد تستدعيها تطورات السوق، استناداً إلى تقييم محدث يُركز على سوق الديزل.


أسهم الذكاء الاصطناعي تقود خسائر «وول ستريت» وسط تقلبات عالمية حادة

أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

أسهم الذكاء الاصطناعي تقود خسائر «وول ستريت» وسط تقلبات عالمية حادة

أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)

شهدت «وول ستريت»، يوم الخميس، موجةً جديدةً من عمليات بيع أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، في أعقاب تقلبات واسعة النطاق في الأسواق العالمية أثارت مخاوف بشأن استدامة «حمى» الذكاء الاصطناعي.

وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.5 في المائة، مُسجِّلاً تراجعاً للمرة السادسة خلال الأيام الـ7 التي أعقبت وصوله إلى مستوى قياسي. وأدى ضعف أسهم الذكاء الاصطناعي إلى هبوط مؤشر «ناسداك» المركب بنسبة 1.2 في المائة، ليسجِّل أكبر خسارة بين المؤشرات الرئيسية، في حين أظهرت قطاعات أخرى من سوق الأسهم مزيداً من الصمود. وفي الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ارتفع مؤشر «داو جونز» الصناعي بمقدار 251 نقطة، أو بنسبة 0.5 في المائة، كما سجَّلت غالبية الأسهم الأميركية مكاسب.

وتزامنت هذه التقلبات مع صدور تقرير أظهر تسارع التضخم في الولايات المتحدة بوتيرة تجاوزت توقعات الاقتصاديِّين. ويُعزى استمرار ارتفاع الأسعار جزئياً إلى مواصلة المستهلكين الإنفاق رغم زيادة التكاليف، إذ أظهر تقرير منفصل، صدر يوم الخميس، أن إيرادات تجار التجزئة الأميركيِّين خلال الشهر الماضي تجاوزت توقعات المحللين.

وبالنسبة إلى أسهم الذكاء الاصطناعي، بدأت موجة الهبوط الحادة في «وول ستريت» يوم الأربعاء، قبل أن تمتد تداعياتها إلى الأسواق الآسيوية، حيث تراجع مؤشر «كوسبي» في كوريا الجنوبية بنسبة 7.6 في المائة، ومؤشر «نيكي 225» في اليابان بنسبة 4.9 في المائة، لتعود هذه التقلبات وتلقي بظلالها على الأسواق الأميركية.

وتشكِّل هذه التطورات أحدث حلقة في سلسلة من التقلبات الحادة التي تشهدها أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، والتي قادت أداء الأسواق لسنوات. وتضخ الشركات استثمارات ضخمة في هذا المجال، أملاً في زيادة أرباحها وتعزيز الإنتاجية. غير أن إنشاء مراكز البيانات وتوفير رقائق الذكاء الاصطناعي يتطلبان تكاليف باهظة، ما دفع كثيراً من الشركات إلى اللجوء إلى الاقتراض لتمويل هذه الاستثمارات.

ومع وصول عوائد السندات في الأسواق العالمية إلى مستويات مرتفعة لم تشهدها منذ سنوات، تزداد المخاوف بشأن قدرة الشركات على مواصلة هذا الإنفاق المتسارع. فقد راكمت شركات كثيرة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ديوناً كبيرة في إطار سعيها إلى تحقيق طموحاتها التوسعية، في حين تتعرَّض أسهمها لضغوط متزايدة بفعل أعباء التمويل.

وفي هذا السياق، تراجع سهم شركة «كور ويف» المتخصصة في توفير قدرات الحوسبة السحابية للذكاء الاصطناعي، بنسبة 7 في المائة، بعد هبوطه بنسبة 15.5 في المائة في الجلسة السابقة. وكانت الشركة قد أعلنت خلال الصيف أنها ستسدد ديوناً مستحقة بقيمة 4.41 مليار دولار خلال النصف الثاني من العام الحالي، إضافة إلى 6.18 مليار دولار في عام 2027. وحتى 30 يونيو (حزيران)، كانت الشركة تمتلك سيولةً نقديةً تزيد على 5.5 مليار دولار.

كما تجعل العوائد المرتفعة في سوق السندات المستثمرين أقل استعداداً، بوجه عام، لدفع أسعار مرتفعة مقابل الأسهم، لا سيما تلك التي تُتداول عند مستويات تقييم عالية.

وتراجع سهم «إنفيديا» الشركة المتخصصة في تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي، بنسبة 3.1 في المائة، ليكون أكبر عامل ضغط على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». وكانت الشركة قد استفادت من طفرة الذكاء الاصطناعي لتصبح الأعلى قيمة سوقية في «وول ستريت»، في حين حقَّق سهمها مكاسب بنحو 1415 في المائة منذ نهاية عام 2022 وحتى بداية تعاملات يوم الخميس.

وجاءت هذه الخسائر رغم إعلان إحدى الشركات الرائدة في قطاع الذكاء الاصطناعي، التي تُعد نتائجها مؤشراً على أداء القطاع، أرباحاً قوية. فقد أعلنت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات (تي إس إم سي) نتائج فصلية تجاوزت توقعات المحللين، بينما قال المدير المالي للشركة، ويندل هوانغ، إن التوقعات تشير إلى استمرار قوة الطلب خلال الأشهر الـ3 الأخيرة من عام 2026.

ورغم هذه النتائج، فإن سهم الشركة المدرج في الولايات المتحدة انخفض بنسبة 4.4 في المائة.

وكانت شركة أخرى محورية في قطاع الذكاء الاصطناعي قد أعلنت، يوم الأربعاء، نتائج قوية للأرباح، لكنها لم تنجح بدورها في استعادة حماسة المستثمرين تجاه القطاع. وقال كريستوف فوكيه، الرئيس التنفيذي لشركة «إيه إس إم إل» الهولندية، إن الطلب المدفوع بالذكاء الاصطناعي قوي للغاية، إلى درجة أن بعض العملاء يتحدثون عن تقديم طلبيات تمتد حتى عامي 2029 و2030.

في المقابل، تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية في تعاملات يوم الخميس، في إشارة إلى ارتفاع أسعار السندات مع إقبال المستثمرين على شرائها. وتُعدُّ سندات الخزانة من الأصول الاستثمارية الأكثر أماناً نسبياً، نظراً إلى انخفاض مخاطر تعثر الحكومة الأميركية عن السداد، وغالباً ما يزداد الإقبال عليها في أوقات القلق والاضطرابات في الأسواق.

وانخفض العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى 5.05 في المائة، مقارنة بـ5.19 في المائة في وقت متأخر من يوم الأربعاء. وكانت العوائد قد تجاوزت 5.30 في المائة في وقت سابق من الشهر الحالي، مسجِّلة أعلى مستوياتها منذ عام 2002، وسط مخاوف من ارتفاع التضخم، ومؤشرات على استمرار قوة الاقتصاد الأميركي، إلى جانب عوامل أخرى.

وجاء تراجع العوائد رغم صدور بيانات اقتصادية أميركية أقوى من المتوقع، وهي بيانات من شأنها عادةً أن تدفع العوائد إلى الارتفاع. فإلى جانب بيانات مبيعات التجزئة، أظهر تقرير آخر أن عدد الأميركيين الذين تقدموا بطلبات للحصول على إعانات البطالة خلال الأسبوع الماضي جاء أقل من توقعات الاقتصاديين، ما قد يشير إلى تراجع وتيرة تسريح العمال في البلاد.

وفي الأسواق العالمية، تكبَّدت الأسهم الكورية الجنوبية أكبر الخسائر، إذ هبط مؤشر «كوسبي»، الذي تهيمن على أدائه شركتا الرقائق الإلكترونية «سامسونغ للإلكترونيات» و«إس كيه هاينكس» مُسجِّلاً أسوأ أداء يومي له منذ يوليو (تموز). وبذلك، يكون المؤشر قد تراجع بنسبة 39 في المائة مقارنة بمستواه القياسي المُسجَّل في يونيو الماضي.