«الكريبتو» في البيت الأبيض... ترمب يدعم صناعة تعزز ثروة عائلته

ترمب يلقي كلمةً برفقة رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية بول أتكينز ورئيس لجنة تداول السلع الآجلة مايكل سيليغ ومستشار العملات الرقمية باتريك ويت ومسؤولين من جمعيات تجارية وممثلين عن شركات في قاعة روزفلت (رويترز)
ترمب يلقي كلمةً برفقة رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية بول أتكينز ورئيس لجنة تداول السلع الآجلة مايكل سيليغ ومستشار العملات الرقمية باتريك ويت ومسؤولين من جمعيات تجارية وممثلين عن شركات في قاعة روزفلت (رويترز)
TT

«الكريبتو» في البيت الأبيض... ترمب يدعم صناعة تعزز ثروة عائلته

ترمب يلقي كلمةً برفقة رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية بول أتكينز ورئيس لجنة تداول السلع الآجلة مايكل سيليغ ومستشار العملات الرقمية باتريك ويت ومسؤولين من جمعيات تجارية وممثلين عن شركات في قاعة روزفلت (رويترز)
ترمب يلقي كلمةً برفقة رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية بول أتكينز ورئيس لجنة تداول السلع الآجلة مايكل سيليغ ومستشار العملات الرقمية باتريك ويت ومسؤولين من جمعيات تجارية وممثلين عن شركات في قاعة روزفلت (رويترز)

يعود الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى واجهة المشهد في قطاع العملات المشفرة، داعياً الكونغرس إلى إقرار تشريع واسع يمنح الصناعة إطاراً تنظيمياً أكثر ملاءمة، في وقت تتزايد فيه ارتباطات عائلته التجارية بهذا القطاع وتتصاعد الانتقادات بشأن تضارب المصالح المحتمل بين أعماله الخاصة ومسؤولياته في البيت الأبيض.

واجتمع ترمب، الأربعاء، في البيت الأبيض مع مجموعة من أبرز مسؤولي شركات العملات المشفرة، في فعالية قُدمت رسمياً باعتبارها انطلاقة للجنة استشارية جديدة معنية بالابتكار، تقدم المشورة إلى لجنة تداول العقود الآجلة للسلع، إحدى الجهات التنظيمية الرئيسية للقطاع، وفق صحيفة «نيويورك تايمز».

لكن الاجتماع سلّط الضوء في الوقت نفسه على العلاقة المتشابكة بين الإدارة الأميركية وصناعة العملات المشفرة، التي أصبحت مصدراً كبيراً للثروة لعائلة ترمب. ووفقاً للصحيفة، حققت أعمال العملات المشفرة المرتبطة بالرئيس 1.4 مليار دولار العام الماضي.

ترمب يُبدي ردة فعل خلال مؤتمر صحافي مع مسؤولين تنفيذيين في مجال العملات المشفرة في غرفة روزفلت بالبيت الأبيض (رويترز)

ومن بين الحاضرين سيرغي نازاروف، الشريك المؤسس لشركة «تشين لينك»، التي أبرمت شراكة مع شركة «وورلد ليبرتي فاينانشال» التابعة لعائلة ترمب، إلى جانب مايك بيلشي، الرئيس التنفيذي لشركة «بيت غو»، الشريكة أيضاً مع الشركة العائلية. كما حضر براين أرمسترونغ، مؤسس «كوين بيس»، وأرجون سيتي، الرئيس التنفيذي لـ«كراكن»، وهما منصتان تتيحان تداول عدد من العملات الرقمية التي أطلقتها عائلة ترمب.

«كلاريتي»... المعركة التشريعية المقبلة

وتأتي تحركات ترمب في وقت تسعى فيه صناعة العملات المشفرة إلى دفع الكونغرس لإقرار قانون «كلاريتي» (Clarity Act)، الذي يهدف إلى وضع إطار تنظيمي شامل للعملات الرقمية ويمنح الشركات العاملة في القطاع قواعد أكثر وضوحاً وملاءمة للأعمال.

وكان مجلس النواب قد أقر نسخة من القانون بدعم من الحزبين، لكن التشريع يواجه عقبات في مجلس الشيوخ، حيث يطالب الديمقراطيون بإضافة قيود تمنع المسؤولين الحكوميين، بمَن فيهم الرئيس، من الاستفادة من بيع الأصول الرقمية.

ودعا ترمب خلال الاجتماع إلى إقرار القانون، واصفاً إياه بأنه تشريع قوي من شأنه أن يحافظ على تقدم الولايات المتحدة على الصين في مجال التكنولوجيا.

ترمب يتحدث بجوار الرئيس التنفيذي لشركة بورصة إنتركونتيننتال جيفري سي سبريتشر في غرفة روزفلت بالبيت الأبيض (رويترز)

من التشكيك إلى تبني العملات المشفرة

ويمثل موقف ترمب تحولاً كبيراً مقارنة بموقفه السابق من العملات المشفرة، إذ كان من المشككين في القطاع قبل أن يجعل دعمه له محوراً رئيسياً في حملته الانتخابية عام 2024، ثم يتحول لاحقاً إلى أحد مكونات أعمال عائلته.

وخلال العام الماضي، اتخذت الإدارة الأميركية سلسلة خطوات داعمة للصناعة، من بينها توقيع ترمب قانون «جينيوس» (GENIUS Act) الذي وضع إطاراً تنظيمياً للعملات المستقرة المرتبطة بالدولار.

كما أنهت هيئة الأوراق المالية والبورصات حملة تنظيمية طويلة ضد عدد من شركات العملات المشفرة الكبرى، بينها «كوين بيس» و«كراكن».

رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية بول أتكينز يتحدث بجوار ترمب (رويترز)

ترخيص مصرفي يثير جدلاً جديداً

لكن الجدل الأكبر يتعلق بتزايد التداخل بين قرارات الإدارة ومصالح عائلة ترمب التجارية.

ففي الأسبوع الماضي، منح مكتب مراقب العملة التابع لوزارة الخزانة موافقة أولية لشركة تابعة لـ«وورلد ليبرتي فاينانشال» للحصول على ترخيص مصرفي محدود. وتمتلك عائلة ترمب حصة كبيرة في الشركة.

ومن شأن الترخيص أن يسمح للشركة بإصدار عملتها المستقرة بنفسها بدلاً من الاعتماد على «بيت غو»، ما قد يخفض تكاليفها، وإن كان الترخيص لا يسمح لها باستقبال ودائع الأفراد أو تقديم القروض.

وأثارت الخطوة انتقادات حادة من الديمقراطيين، الذين يرون فيها مثالاً على تداخل المصالح الخاصة مع المسؤوليات الحكومية. في المقابل، تنفي إدارة ترمب وجود أي تضارب، وتقول إن الرئيس يتصرف بما يخدم المصلحة العامة.

الرئيس التنفيذي لشركة «كراكن» أرجون سيثي يتحدث خلال اجتماع بين المديرين التنفيذيين في مجال العملات المشفرة وترمب في غرفة روزفلت بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)

فتح أوسع لقطاع الكريبتو

وفي تطور آخر يعكس التحول التنظيمي، اقترحت هيئة الأوراق المالية والبورصات، الثلاثاء، قواعد تسمح للشركات بجمع ما يصل إلى 75 مليون دولار سنوياً من دون التسجيل لدى الهيئة، وهو ما يمنح شركات القطاع مساحة أكبر لزيادة رأس المال خارج الإطار التقليدي للرقابة الفيدرالية.

وهكذا، لا يقتصر التحول الذي تشهده صناعة العملات المشفرة في عهد ترمب على دعم سياسي مباشر، بل يمتد إلى إعادة صياغة البيئة التنظيمية والمالية المحيطة بالقطاع.

لكن في الوقت نفسه، تضع المصالح التجارية المتنامية لعائلة الرئيس هذا التحول أمام اختبار سياسي وأخلاقي صعب: إلى أي مدى يمكن للإدارة أن تعزز صناعة ترتبط بها مصالح مالية مباشرة من دون أن تتحول السياسة التنظيمية إلى مصدر جديد لتضارب المصالح؟


مقالات ذات صلة

ترمب يطالب قاضياً برفض طلب «بي بي سي» الحصول على إفادات من أفراد أسرته

الولايات المتحدة​ ترمب متوسطاً ابنته إيفانكا وابنه دونالد جونيور خلال اتجاههم إلى طائرة الرئاسة 4 يناير 2021 (أ.ف.ب)

ترمب يطالب قاضياً برفض طلب «بي بي سي» الحصول على إفادات من أفراد أسرته

حث الرئيس الأميركي دونالد ترمب قاضياً اتحادياً على رفض طلب «بي بي سي» مساعدة المحكمة في الحصول على إفادات ووثائق من ثلاثة من أفراد أسرته.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بحارة أميركيون يراقبون هبوط مروحية على سطح المدمرة «يو إس إس روس» وهي واحدة من أكثر من 20 سفينة حربية تدعم الحصار المفروض على إيران (سنتكوم)

واشنطن وطهران تتبادلان التحدي قبل عقوبات أميركية جديدة

تواصل الولايات المتحدة وإيران تبادل رسائل التحدي، عشية إعلان واشنطن، يوم الاثنين، حزمة جديدة من العقوبات الاقتصادية التي تصفها واشنطن بأنها «الأشد في التاريخ».

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الولايات المتحدة​ جانب من مشاركة ترمب في تجمّع انتخابي لدعم دارلين غراهام في ميرتل بيتش بساوث كارولاينا يوم 21 أغسطس (أ.ف.ب)

خسائر «مرشحي ترمب» الانتخابية تُقلق الجمهوريين

يخشى بعض الجمهوريين تراجع تأثير الرئيس على الناخبين غير المنتمين إلى قاعدة «ماغا»، وعلى الجمهور الأوسع بما يشمل الناخبين المتردّدين.

إيلي يوسف (واشنطن)
آسيا جنود يابانيون يشاركون في تدريب بمعسكر أينورا التابع لقوات الدفاع الذاتي البرية اليابانية في جزيرة كيوشو الجنوبية الغربية (رويترز) p-circle

كوريا الشمالية تتهم اليابان بالاستعداد لخوض «حرب عدوانية»

انتقدت كوريا الشمالية بشِدّة السبت تَوجُّه اليابان إلى زيادة موازنتها الدفاعية، متهمة طوكيو بالاستعداد لخوض «حرب عدوانية».

«الشرق الأوسط» (بيونغ يانغ - طوكيو)
الولايات المتحدة​ دونالد ترمب ومساعدته ناتالي هارب يغادران طائرة المارين وان بالقرب من البيت الأبيض (أ.ف.ب)

«حاميّ ووليّ أمري وعلاقتنا ودية»... رسائل لناتالي هارب تكشف علاقتها مع ترمب

أعربت ناتالي هارب، المساعدة المقربة للرئيس دونالد ترمب، عن ولائها الشديد له في رسالتين على الأقل موجهتين إلى الرئيس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

16 مليون برميل من النفط عبرت مضيق هرمز ليلة الجمعة

سفن في مضيق هرمز (رويترز)
سفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

16 مليون برميل من النفط عبرت مضيق هرمز ليلة الجمعة

سفن في مضيق هرمز (رويترز)
سفن في مضيق هرمز (رويترز)

أفاد موقع «أكسيوس» الأميركي على منصة «إكس»، نقلاً عن ثلاثة مسؤولين أميركيين، بأن نحو 16 مليون برميل من النفط خرجت من مضيق هرمز عبر الممر الجنوبي ليلة الجمعة.

وقال «أكسيوس» إن نحو 40 ناقلة نفط عبرت إلى داخل مضيق هرمز وخارجه ليلة الجمعة، وفقاً لما نقلته وكالة «بلومبرغ» للأنباء.

وسمحت إيران لبعض ناقلات النفط العراقية بعبور مضيق هرمز، حسبما ذكرت وكالة أنباء «إرنا».

وتردد أن الإذن الخاص جاء بناء على مطالب من القيادة العراقية خلال زيارة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف لبغداد الأسبوع الماضي.

وأكد الرئيس العراقي نزار آميدي، اليوم السبت، أن عمليات شحن النفط الخام العراقي شهدت خلال الأيام الماضية انفراجة ومرونة كبيرة لمرور الناقلات عبر مضيق هرمز.

وقال الرئيس العراقي، خلال مشاركته في حوار بغداد: «أبلغنا المسؤولين الإيرانيين الذين زاروا بغداد أن الحكومة العراقية لا تستطيع دفع رواتب الموظفين بسبب توقف صادرات النفط الخام العراقي عبر مضيق هرمز، وحالياً هناك مرونة إيرانية في تصريف النفط العراقي عبر (هرمز)، وكانت هناك تسهيلات لمرور الناقلات خلال الشهر الحالي».


سفينة حاويات تبحر من كوريا الجنوبية إلى أوروبا عبر القطب الشمالي

ترسو سفينة الحاويات «بانستار أكرو» المتجهة إلى أوروبا عبر القطب الشمالي في ميناء بوسان بكوريا الجنوبية يوم 22 أغسطس 2026 (وكالة يونهاب الكورية عبر «رويترز»)
ترسو سفينة الحاويات «بانستار أكرو» المتجهة إلى أوروبا عبر القطب الشمالي في ميناء بوسان بكوريا الجنوبية يوم 22 أغسطس 2026 (وكالة يونهاب الكورية عبر «رويترز»)
TT

سفينة حاويات تبحر من كوريا الجنوبية إلى أوروبا عبر القطب الشمالي

ترسو سفينة الحاويات «بانستار أكرو» المتجهة إلى أوروبا عبر القطب الشمالي في ميناء بوسان بكوريا الجنوبية يوم 22 أغسطس 2026 (وكالة يونهاب الكورية عبر «رويترز»)
ترسو سفينة الحاويات «بانستار أكرو» المتجهة إلى أوروبا عبر القطب الشمالي في ميناء بوسان بكوريا الجنوبية يوم 22 أغسطس 2026 (وكالة يونهاب الكورية عبر «رويترز»)

انطلقت ناقلة حاويات كورية جنوبية، السبت، في رحلة تجريبية إلى أوروبا عبر القطب الشمالي، في مبادرة تعكس الاهتمام بهذا المسار البحري الجديد في ظلّ التعطيل المتواصل لحركة الملاحة عبر الشرق الأوسط بفعل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، ورغم المخاوف البيئية.

وإن كان الاحترار المناخي قد جعل هذا المسار البحري أكثر ملاءمة لحركة الملاحة، غير أن هذا الخيار ينطوي على عوائق عدّة تحدّ من إمكاناته التجارية، وتثير مخاوف بيئية، لكن البلدان الآسيوية التي تأثّرت إمداداتها بالمحروقات بشدّة بسبب الحرب التي اندلعت أواخر فبراير (شباط) الماضي بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران، ترى فيه وسيلة لتنويع خياراتها.

وبعد أسبوع على انطلاق سفينة حاويات صينية إلى أوروبا عبر هذا المسار في رحلة يُفترض أن تدشن خطاً منتظماً، أبحرت السفينة «بانستار أكرو»، السبت، من مرفأ بوسان في جنوب كوريا الجنوبية.

وقالت وزارة المحيطات الكورية الجنوبية في بيان، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «غادرت السفينة المخصصة للرحلة التجريبية عبر القطب الشمالي» عند الساعة 9:30 مساءً (12:30 بتوقيت غرينتش).

ومن المرتقب أن ترسو السفينة التابعة لشركة «بانستار لاين دوت كوم» المحلية في مرافئ فيليكستاو في إنجلترا وروتردام في هولندا وغدانسك في بولندا قبل أن تعود إلى كوريا الجنوبية.

وستستغرق رحلتها نحو 45 يوماً في الإجمال، بحسب الوزارة.

ويقضي الهدف بمعرفة ما إذا كان ذوبان الجليد في هذه الفترة من السنة يفتح مساراً أكثر قابلية للاستخدام على الصعيد التجاري.

وقد يتحوّل المسار عبر الدائرة القطبية الشمالية «بديلاً عن مسارات الشرق الأوسط» ومن ثم قناة السويس، على ما صرّح نام جاي-هون نائب وزير المحيطات في كوريا الشمالية.

ومع إغلاق طهران عملياً مضيق هرمز وتهديدات الحوثيين للرحلات عبر البحر الأحمر في ظلّ الحرب في الشرق الأوسط، باتت حركة الملاحة بين آسيا وأوروبا تمر عبر رأس الرجاء الصالح بجنوب القارة الأفريقية.

ومع سلوك مسار الدائرة القطبية الشمالية، تُختصر المسافة بنسبة تتراوح بين 30 و40 في المائة مقارنة بالرحلة عبر قناة السويس في مصر، وبنحو النصف بالمقارنة مع المسار عبر رأس الرجاء الصالح، وفق ما أظهرت دراسة نشرتها شركة التأمين على الائتمان «كوفاس» في أبريل (نيسان).

ومن ثم، فإن هذا الخيار يتيح خفض التكاليف، واستهلاك الوقود، وتقصير مدّة العبور إلى النصف لتبلغ نحو 20 يوماً.

خصومة متنامية

غير أن دراسة «كوفاس» أظهرت أن 3.5 في المائة فقط من المبادلات بين آسيا الشرقية وأوروبا الشمالية وأميركا الشمالية من شأنها أن تعتمد فعلياً المسار الأركتيكي.

فمن المتوقع أن يوفر هذا المسار ميزة تجارية للمواد الأولية تحديداً، مثل النفط والغاز الطبيعي المسال.

ومن بين القيود التي تحدّ توسُّع هذا المسار في نظر الخبراء، اقتصار الرحلات على الفترة بين أغسطس (آب) وأكتوبر (تشرين الأول) مع سفن مصنّفة قطبية أصغر حجماً من ناقلات الحاويات الضخمة التي تُستخدم عادة في الملاحة التجارية.

وبالمقارنة مع سفن الشحن الضخمة، تعدّ الطاقة الاستيعابية لـ«بانستار أكرو» والسفينة «دبي تاور» لشركة «سي ليجند» الصينية التي انطلقت في 15 أغسطس من شرق الصين، أصغر بعشر مرّات، بحسب ما كشف جيروم دو ريكلي خبير الشحن البحري لدى منصة «أبلي» المتخصصة بهذا الشأن.

وسبق لشركات أخرى في القطاع أن سيّرت سفناً عبر القطب الشمالي، أولها مجموعة «ميرسك» الدنماركية سنة 2018، في ظلّ خصومات جيوسياسية متنامية بين روسيا والصين والولايات المتحدة في المنطقة.

وفي عام 2025، عبرت 23 ناقلة حاويات في المسار البحري الشمالي، وهو عدد قياسي نسبة إلى ما سجّل في 2024 مع عبور 15 سفينة، وفق تحليل أجرته شركة التأمين «أليانز كوميرشال» في يونيو (حزيران).

غير أن خبراء يحذّرون من أن السفن الكورية الجنوبية التي تعتمد المسار الأركتيكي قد تنتهك العقوبات الغربية المفروضة على روسيا المتحالفة مع كوريا الشمالية في حربها على أوكرانيا؛ لأنها تستفيد من خدمات روسية بشأن حركة الملاحة والأحوال الجوية مدفوعة الأجر حتّى إن كانت قيمتها بسيطة.

ورأى فلاديمير تيخونوف الأستاذ المحاضر في الدراسات الكورية في جامعة أوسلو، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن «العقوبات الأميركية والأوروبية لا تندرج على وجه التحديد في سياق القانون الدولي، خلافاً للعقوبات المفروضة من الأمم المتحدة».

وأشار إلى أنه «في ظلّ انعدام اليقين المتواصل في الشرق الأوسط، قد لا تجد كوريا الجنوبية خيارات كثيرة إذا ما تبيّن أن مسار العبور في الدائرة القطبية الشمالية مجدٍ اقتصادياً».

ويخشى الناشطون البيئيون أن تؤدّي هذه الرحلات التجارية إلى تسريع ذوبان الغطاء الجليدي في المنطقة القطبية الشمالية؛ ما سيزيد من تداعيات الاحترار المناخي.

وتعهّدت شركات غربية عدّة، بينها الفرنسية «سي إم آ-سي جي إم» والسويسرية «إم إس سي» والألمانية «هاباغ-لويد» بتفادي العبور في هذه المنطقة.


استمرار «الصراع» يطيح بفرصة التعافي الهش في لبنان

علم لبنان يرفرف على خيمة نازحين بمخيم مؤقت في بيروت (رويترز)
علم لبنان يرفرف على خيمة نازحين بمخيم مؤقت في بيروت (رويترز)
TT

استمرار «الصراع» يطيح بفرصة التعافي الهش في لبنان

علم لبنان يرفرف على خيمة نازحين بمخيم مؤقت في بيروت (رويترز)
علم لبنان يرفرف على خيمة نازحين بمخيم مؤقت في بيروت (رويترز)

اختصر عنوان «اقتصاد أنهكه الصراع»، الذي اختاره البنك الدولي، حقيقة تعرُّض التعافي الهش في لبنان لانتكاسة حادة، بسبب تجدد جولات المواجهات العسكرية في الربيع الماضي، وخسارة فرصة التحول إلى النمو الإيجابي الذي سجله الناتج المحلي في العام السابق، ليستعيد تلقائياً مسار الانكماش بنسب عالية، والمتكرر على مدار 6 سنوات بعد انفجار الأزمة المالية.

وفي الترجمة الرقمية الأولية، توقّعت النسخة المحدّثة من تقرير «المرصد الاقتصادي للبنان» الصادرة عن البنك الدولي، انكماش الاقتصاد بنسبة 6.4 في المائة خلال العام الحالي، مبدداً بذلك مكاسب الانطلاقة الواعدة في بداية السنة، والمسندة إلى أسس أكثر متانة، بعد تحقيق نمو حقيقي في إجمالي الناتج المحلي بلغ نحو 4.2 في المائة، عام 2025، وهو أعلى معدل نمو منذ اندلاع الأزمة المالية عام 2019، ويمثل تعديلاً بالزيادة عن التوقعات السابقة.

وفي حين يؤدي تفاقم حالة عدم الاستقرار الأمني وأعباء النزوح إلى استمرار الضغوط على الطلب المحلي والنشاط الاقتصادي لفترة أطول، وحتى بعد توقف الأعمال العدائية، فقد أدى تصاعد الصراع المتجدد في الربيع الماضي إلى عكس مسار التعافي الهش، وبصورة دراماتيكية وضعت الاقتصاد وأنشطته تحت ضغوط شديدة، بفعل ما أسفر عن خسائر إنسانية فادحة، والتسبب في نزوح داخلي واسع النطاق، وإلحاق دمار واسع بالمساكن والبنية التحتية، لا سيما في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت. وفاقمت الخسائر الجديدة الأضرار الناجمة عن المواجهات العنيفة في عام 2024.

وفي الوقت الذي تواصل فيه السلطات إدارة التداعيات الإنسانية والاقتصادية للصراع، يظل الحفاظ على التقدم المتوازي في تنفيذ الإصلاحات استحقاقاً بالغ الأهمية لاستعادة الثقة، وإنعاش النمو، وتأمين التمويل الميسَّر والرسمي اللازم لإعادة الإعمار والتعافي. في حين سيتوقف حجم الانكماش الاقتصادي إلى حد بعيد -وفق التقرير- على شدة الصراع ومدته واستمرار النزوح، وحجم الدمار المادي، والمستجدات في منطقة الشرق الأوسط بأسرها.

وبالفعل، تعرض التعافي النسبي الذي جاء مدعوماً بزيادة الاستهلاك والاستثمار والسياحة وتحسن المؤشرات الاقتصادية، لضغوط سلبية هائلة نتيجة جولة الصراع في الربيع، وما ألحقته من أضرار إعمارية واسعة النطاق بالمساكن والبنية التحتية، والتسبب في نزوح داخلي كبير، وإحداث اضطرابات في سلاسل الإمداد، وتأثير بالغ على السياحة والخدمات وحجم الطلب المحلي.

ومن المتوقع -وفق الرصد الدولي- أن يتسارع التضخم ليتعدّى نسبة 17.5 في المائة، بحصيلة العام الحالي، ما سيؤدي إلى زيادة تآكل القوة الشرائية التي شهدت تراجعاً ملحوظاً فعلاً، ولا سيما مع ميل المخاطر المحيطة بالآفاق الاقتصادية نحو الجانب السلبي. كما يؤدي الاضطراب في الإمدادات الناجم عن الصراع، وارتفاع تكاليف الشحن، وارتفاع أسعار النفط، إلى زيادة الضغوط السعرية المحلية، في اقتصاد لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات.

وفي جانب إدارة المالية العامة، يشير التقرير إلى متانة الأداء خلال النصف الأول من عام 2026، ومواصلة التحسن الواعد المحقَّق في العام السابق، غير أنه من المتوقع أن تتعرض الموازنة لضغوط متزايدة خلال الأشهر المتبقية.

وتؤكد داليا خليفة، مدير دائرة الشرق الأوسط في البنك الدولي، أن «المضي قدماً في تنفيذ الإصلاحات، لا سيما في مجالات إعادة هيكلة القطاع المصرفي والإدارة المالية، سيكون أمراً جوهرياً لاستعادة الثقة، وحماية الاستقرار، وتأمين التمويل اللازم لإعادة الإعمار والتعافي».

ومن المتوقع تسجيل تراجع في أداء المالية العامة في النصف الثاني من العام الحالي، مدفوعاً بارتفاع الإنفاق المرتبط بالأزمة، وارتفاع فاتورة أجور القطاع العام، وازدياد الاحتياجات الإنسانية المرتبطة بالصراع واحتياجات إعادة الإعمار، بما يفرض مزيداً من الأعباء على المالية العامة، مقابل تباطؤ نمو الإيرادات، بسبب تأجيل تحصيل الضرائب المستحقة، وانكماش القاعدة الضريبية في ظل انكماش النشاط الاقتصادي، بينما لا يزال الدين العام فاقداً لصفة «الاستدامة»، وسط تمادي الحكومة في تأخير اعتماد خطة متكاملة لإعادة الهيكلة، بما يشمل بدء المفاوضات مع حاملي سندات الدين الدولية (اليوروبوندز).

وبينما ينجح البنك المركزي، بالتنسيق مع وزارة المال، في الحفاظ على استقرار سعر الصرف من خلال السحب الجزئي من الاحتياطيات، وتقييد السيولة محلياً، فإن هذا الاستقرار قد يواجه ضغوطاً، وفق التقرير، في حال استمرار تراجع التدفقات المالية الوافدة، وارتفاع المدفوعات الخارجية، وتفاقم الصدمات المرتبطة بالصراع. كما سيؤدي ارتفاع أسعار النفط واضطرابات التجارة الإقليمية إلى إبقاء عجز الحساب الجاري عند مستويات مرتفعة، مما يسهم في استمرار الحاجة إلى تمويل خارجي كبير.

ويفرض الصراع وتداعياته تغيير المرتكزات والافتراضات التي يقوم عليها إطار التعافي الاقتصادي، بسبب الحاجة إلى زيادة التمويلات اللازمة لتلبية الاحتياجات الاجتماعية وإعادة الإعمار، وتعمّق حالة عدم اليقين بشأن الموارد المتاحة لدعم سداد الودائع، ما يتطلّب إدخال تعديلات جوهرية على مشروع قانون الاستقرار المالي، للتناسب مع أفضل الممارسات الدولية أساساً، ومن ثم توضيح كيفية تطبيق تسلسل أولوية الدائنين، وضمان اتساق أي استراتيجية لإعادة الرسملة، مع استدامة القدرة على تحمل أعباء الدَّين، فضلاً عن ضمان استدامة هيكل سداد الودائع.

كذلك، لا يزال النظام المصرفي يعاني من اختلالات عميقة، على الرغم من إقرار السلطات بعض التشريعات الرامية إلى إعادة هيكلته بعدما وافق مجلس النواب، خلال الشهر الحالي، على تعديلات بالغة الأهمية على قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها، مما ينشئ إطاراً قانونياً لإدارة الأزمات المصرفية افتقده لبنان عقوداً، علماً بأن سريان مفاعيل مندرجات القانون لن تبدأ إلا بعد صدور قانون «الانتظام المالي واسترداد الودائع»، والمعوَّل عليه أن يشكل النواة الصلبة لثلاثية تشريعية، مع ضم قانون السرية المصرفية، تقود إلى إخراج البلد من أتون أزماته النقدية والمالية.