اليابان تلجأ إلى الديون لتمويل ميزانية إضافية... وعاصفة نقدية تضرب الأسواق

عوائد السندات لامست أعلى مستوى منذ 1996

شخص يسير أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر «نيكي» في شركة أوراق مالية (أ.ب)
شخص يسير أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر «نيكي» في شركة أوراق مالية (أ.ب)
TT

اليابان تلجأ إلى الديون لتمويل ميزانية إضافية... وعاصفة نقدية تضرب الأسواق

شخص يسير أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر «نيكي» في شركة أوراق مالية (أ.ب)
شخص يسير أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر «نيكي» في شركة أوراق مالية (أ.ب)

تواجه اليابان ضغوطاً اقتصادية مركبة وضعت أسواقها المالية في عين العاصفة؛ حيث تعتزم الحكومة إصدار أدوات دين سيادية جديدة لتمويل ميزانية إضافية طارئة تهدف إلى كبح التداعيات الحادة الناجمة عن حرب إيران وتصاعد الصراع في الشرق الأوسط.

هذا التوجه المالي التوسعي، المتزامن مع اشتعال أسعار الطاقة عالمياً، أطلق موجة بيع عنيفة وغير مسبوقة في أسواق السندات والأسهم اليابانية، مما وضع البنك المركزي الياباني أمام خيارات بالغة التعقيد قبيل اجتماعه الحاسم المرتقب الشهر المقبل.

وتأتي هذه التطورات الميدانية والمالية لتزيد من قتامة المشهد في طوكيو، في وقت يراقب فيه المستثمرون بقلق بوادر ما يُعرف بـ«البيع الثلاثي العنيف»، والذي يجمع بين هبوط أسعار الأسهم، وتراجع قيمة السندات، وانخفاض الين الياباني، وهو ما يضع تعهدات الإدارة السياسية الجديدة بشأن السياسة المالية «المسؤولة والنشطة» على المحك.

تحول سياسي مفاجئ

في خطوة تمثل تراجعاً عن تصريحاتها السابقة التي استبعدت فيها إقرار ميزانية ملحقة، أعلنت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايشي أنها أصدرت توجيهات رسمية لوزير المالية ساتسوكي كاتاياما لبدء صياغة ميزانية تكملية طارئة. ورغم أن الحجم النهائي للإنفاق لم يتم تحديده بدقة بعد، إلا أن المقترح الذي قدمه زعيم حزب المعارض يويشيرو تاماكي بطلب ميزانية بقيمة 3 تريليونات ين (نحو 18.9 مليار دولار) بات يشكل خطاً استرشادياً للمناقشات البرلمانية الجارية.

وستركز الميزانية الجديدة بشكل أساسي على تمويل الدعم الحكومي الموجه لقطاع الطاقة والكهرباء والحد من قفزات أسعار البنزين، بعد أن تسببت الحرب في الشرق الأوسط وهجوم المسيرات على المنشآت النفطية والنووية في الخليج في تهديد أمن الإمدادات لبلد يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد الوقود. غير أن تمويل هذه الحزمة عبر الديون يهدد بتعميق الأزمة المالية الحادة لليابان وسحب جزء من ثقة صناديق الاستثمار الدولية.

عوائد السندات تقفز لقمم غير مسبوقة منذ عقود

تفاعلت أسواق الدين اليابانية بشكل دراماتيكي مع أنباء إصدار السندات الإضافية ومخاوف التضخم؛ إذ قفز العائد على سندات الحكومية اليابانية القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 9 نقاط أساس ليصل إلى 2.79 في المائة بعد أن لامس مستوى 2.8 في المائة في وقت سابق من التداولات، وهو المستوى الأعلى الذي تسجله هذه السندات منذ أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1996، محققة أطول سلسلة مكاسب يومية للعوائد منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

ولم تقتصر القفزات على السندات قصيرة ومتوسطة الأجل، بل امتدت لتسجل أرقاماً قياسية تاريخية؛ حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 5 سنوات إلى قمة قياسية عند 2.035 في المائة، في حين قفز العائد على السندات لأجل 20 عاماً بمقدار 9.5 نقطة أساس ليصل إلى 3.735 في المائة.

وجاءت المفاجأة الأكبر من السندات طويلة الأجل لأجل 30 عاماً، والتي قفز عائدها بمقدار 19.5 نقطة أساس ليصل إلى مستوى تاريخي غير مسبوق عند 4.195 في المائة، تزامناً مع تزايد رهان المستثمرين على تشديد السياسات النقدية حول العالم.

بورصة طوكيو تتراجع للمرة الثالثة

انعكست أزمة الديون وسوق السندات مباشرة على معنويات المستثمرين في بورصة طوكيو، حيث هبط مؤشر «نيكي 225» الرئيسي بنسبة 1.2 في المائة ليغلق عند مستوى 60646.03 نقطة، مسجلاً تراجعه اليومي الثالث على التوالي، في حين فقد مؤشر «توبكس» الأوسع نطاقاً 1.02 في المائة من قيمته ليتراجع إلى 3824.46 نقطة.

وجاء هذا الهبوط متأثراً بالخسائر الجسيمة التي منيت بها مؤشرات «وول ستريت» الأميركية نتيجة تراجع أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى جانب الضغوط المتزايدة الناجمة عن تعثر ديبلوماسية السلام بين الولايات المتحدة وإيران عقب القمة المخيبة للتوقعات بين دونالد ترمب وشي جينبينغ. وقادت أسهم الشركات الكبرى والخسائر؛ حيث تراجع سهم «مجموعة ماروي» بنسبة 9.7 في المائة ، يليه سهم «مجموعة ميزوهو المالية» بنسبة 7.5 في المائة، وسهم "جي جي سي القابضة» بنسبة 7.3 في المائة.

معضلة بنك اليابان

تضع هذه التطورات المتسارعة بنك اليابان المركزي أمام معضلة حقيقية خلال اجتماعه المقرر في شهر يونيو (حزيران) المقبل؛ حيث تسببت صدمة أسعار الطاقة واشتعال تكاليف الاستيراد بفعل ضعف الين في دفع التضخم الأساسي لأسعار الجملة في اليابان إلى أعلى مستوى له في 3 سنوات عند 4.9 في المائة خلال أبريل (نيسان) الماضي، مما يعزز مبررات رفع أسعار الفائدة كإجراء حمائي عاجل.

وتتوقع الأسواق بشكل متزايد أن يقدم البنك المركزي على رفع معدل الفائدة الرئيسي قصير الأجل إلى 1 في المائة مقارنة بالمستوى الحالي البالغ 0.75 في المائة، لاسيما وأن السندات لأجل عامين – الأكثر حساسية لتوجهات البنك المركزي – قفزت عوائدها إلى 1.435 في المائة وهو المستوى الأعلى منذ مايو (أيار) 1995.

وفي هذا السياق، ترى ماري إيواشيتا، كبيرة استراتيجيي السندات في «نومورا للأوراق المالية»، أن استمرار المخاطر التضخمية قد يجبر البنك المركزي على دفع الفائدة قصيرة الأجل إلى 1.5 في المائة بحلول نهاية السنة المالية في مارس المقبل، مما قد يدفع عوائد السندات لأجل 10 سنوات نحو مستوى 3 في المائة.

أسواق السلع

لم تكن أسواق السلع والمشتقات في اليابان بمعزل عن هذه الفوضى؛ حيث كافحت العقود الآجلة للمطاط في بورصة أوساكا المالية لتحديد اتجاه واضح، متأثرة بضغوط متضاربة بين رغبة الصناديق في جني الأرباح وبين اندفاع التجار لتأمين الشحنات الفعلية خوفاً من تعطل خطوط الإمداد في مضيق هرمز. وانخفض عقد المطاط لتسليم أكتوبر (تشرين الأول) بنسبة ضئيلة بلغت 0.27 في المائة ليصل إلى 412.1 ين للكيلوغرام الواحد.

وعلى العكس من ذلك، سجلت أسواق التداول في شنغهاي مكاسب متباينة؛ حيث ارتفع عقد المطاط الرئيسي في بورصة شنغهاي الآجلة لشهر سبتمبر (أيلول) بنسبة 0.31 في المائة ، في حين قفز عقد مطاط البيوتادين لشهر يونيو (حزيران) بنسبة 2.65 في المائة. وأشار تجار في سنغافورة إلى أن التوقعات ببقاء النفط مرتفعاً لفترة طويلة حفزت تداولات الشراء الفوري واحتفاظ المصانع بمخزونات احتياطية آمنة، مما أدى إلى زيادة المخزونات الخاضعة لمراقبة بورصة شنغهاي بنسبة 2.7 في المائة ، على الرغم من قيام الصناديق الاستثمارية بتصفية نحو ثلث مراكزها الطويلة الأسبوع الماضي للتحوط من تقلبات الأسواق.


مقالات ذات صلة

الاقتصاد الياباني يتجاوز التوقعات... وعواصف الشرق الأوسط تُهدد مسار نموه

الاقتصاد يستريح المحتفلون بعد حملهم «ميكوشي»، وهو ضريح متنقل، خلال مهرجان سانجا ماتسوري، أحد أكبر ثلاثة مهرجانات «شينتو» في طوكيو، في حي أساكوسا (رويترز)

الاقتصاد الياباني يتجاوز التوقعات... وعواصف الشرق الأوسط تُهدد مسار نموه

سجل الاقتصاد الياباني نمواً أسرع من المتوقع خلال الربع الأول من العام الجاري، مدفوعاً بصلابة الصادرات ومعدلات الاستهلاك.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد بيسنت ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي يستعدان لحضور اجتماع في مكتب رئيسة الوزراء في طوكيو (رويترز)

طوكيو وواشنطن تتحركان لضبط إيقاع الين وسط غليان أسعار الطاقة

دخلت أزمة الين الياباني منعطفاً جديداً يوم الثلاثاء مع إعلان وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، تنسيقاً قوياً مع طوكيو لضبط اضطرابات سوق الصرف.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد أوراق نقدية من عملة الين الياباني موضوعة على طاولة (د.ب.أ)

اليابان تعلن «حرباً مفتوحة» على المضاربين: التدخل لدعم الين متاح «بلا حدود»

في تصعيد جديد للهجة التحذيرية، أكدت السلطات اليابانية يوم الخميس استعدادها للتحرك «بلا قيود» في سوق الصرف الأجنبي لدعم الين.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال استقباله ريوسي أكازاوا وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة الياباني (واس)

ولي العهد السعودي يتلقى رسالة خطية من رئيسة وزراء اليابان

تلقى الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، رسالة خطية من ساناي تاكايتشي رئيسة وزراء اليابان.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الاقتصاد أوراق نقدية من عملة الين الياباني موضوعة على طاولة (د.ب.أ)

تحرك مفاجئ للين يثير تكهنات بتدخل جديد من اليابان لمواجهة المضاربين

أثار ارتفاع طفيف في قيمة الين الاثنين تكهنات بأن اليابان سعت مجدداً إلى الدفاع عن عملتها المتراجعة رغم أن المحللين يقولون إن الضغط من المرجح أن يستمر

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

تراجع الاستثمار الأجنبي في ألمانيا للعام الثامن إلى أدنى مستوى منذ 17 عاماً

الحيّ المالي في فرانكفورت (رويترز)
الحيّ المالي في فرانكفورت (رويترز)
TT

تراجع الاستثمار الأجنبي في ألمانيا للعام الثامن إلى أدنى مستوى منذ 17 عاماً

الحيّ المالي في فرانكفورت (رويترز)
الحيّ المالي في فرانكفورت (رويترز)

أظهر مسح أجرته شركة «إرنست آند يونغ»، الخميس، أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى ألمانيا تراجعت للعام الثامن على التوالي حتى عام 2025، مسجلة أدنى مستوى لها منذ 17 عاماً.

وأشار المسح إلى أن ارتفاع الضرائب وتكاليف العمالة والطاقة، إضافة إلى استمرار غياب إصلاحات هيكلية للبيروقراطية المعقدة، تُعدّ من أبرز أسباب هذا التراجع، وفق «رويترز».

وانخفض الاستثمار الأجنبي المباشر في ألمانيا بنسبة 10 في المائة ليصل إلى 548 مشروعاً في عام 2025، ورغم ذلك حافظت ألمانيا على موقعها ثالث أكثر الوجهات الاستثمارية جاذبية في أوروبا بعد فرنسا والمملكة المتحدة.

وقال هنريك أهلرز، رئيس «إرنست آند يونغ» في ألمانيا: «بينما شهدت فرنسا والمملكة المتحدة اتجاهات إيجابية على فترات، فإن الاقتصاد الألماني يسير منذ سنوات في اتجاه واحد فقط: التراجع».

وأضاف أن ضعف المبيعات والأرباح، إلى جانب حالة عدم اليقين الاقتصادي، يدفعان الكثير من الشركات إلى تأجيل أو إلغاء خطط الاستثمار.

وأظهر المسح أن المستثمرين الأميركيين شكّلوا أكبر مصدر للاستثمارات في ألمانيا خلال عام 2025، متجاوزين المستثمرين الصينيين.

كما ارتفع الاستثمار في مشاريع الدفاع الأوروبية بنسبة 84 في المائة في عام 2025، مع تسجيل سبعة مشاريع في ألمانيا، في انعكاس لتزايد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب الروسية في أوكرانيا.


جني الأرباح يدفع المؤشرات الصينية لانخفاضات كبرى

شاشة إلكترونية تظهر حركة الأسهم في البورصة بأحد شوارع مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)
شاشة إلكترونية تظهر حركة الأسهم في البورصة بأحد شوارع مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)
TT

جني الأرباح يدفع المؤشرات الصينية لانخفاضات كبرى

شاشة إلكترونية تظهر حركة الأسهم في البورصة بأحد شوارع مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)
شاشة إلكترونية تظهر حركة الأسهم في البورصة بأحد شوارع مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)

تراجعت الأسهم الصينية عن مكاسبها السابقة، وهبطت في تداولات بعد ظهر الخميس، حيث قاد قطاع أشباه الموصلات الخسائر مع ازدياد ضغوط جني الأرباح.

وانخفض مؤشر «سي إس آي 300» الصيني للأسهم القيادية بنسبة 1.4 في المائة عند إغلاق السوق، بعد أن ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في وقت سابق من الجلسة. وانخفض مؤشر شنغهاي المركب بأكثر من 2 في المائة، متراجعاً إلى ما دون مستوى 4100 نقطة في أكبر انخفاض يومي له منذ 23 مارس (آذار).

وقادت قطاعات التكنولوجيا الانخفاضات، حيث خسر مؤشر «ستار 50» الذي يركز على التكنولوجيا 3.7 في المائة بعد أن سجَّل مستوى قياسياً جديداً في الساعات الأولى من التداول.

وأغلق مؤشر «سي إس آي لأشباه الموصلات» منخفضاً بنسبة 4.4 في المائة، بينما خسر مؤشر «سي إس آي للذكاء الاصطناعي» 3.7 في المائة.

وتراجعت مؤشرات الشركات المتوسطة والصغيرة بنسبتَي 3.4 في المائة و3.5 في المائة على التوالي.

وقال كيني نغ، استراتيجي الأوراق المالية في شركة «إيفر برايت» للأوراق المالية الدولية: «تواجه أسهم الذكاء الاصطناعي والرقائق، التي تفوقت في الأداء سابقاً الآن أكبر تصحيحات سعرية وسط عمليات جني أرباح».

وأضاف أنَّ التصحيح قد يستمر على المدى القريب، ويتفاقم بسبب البيانات الاقتصادية الكلية المخيبة للآمال التي صدرت في وقت سابق من الأسبوع، مشيراً إلى أنَّ مؤشر شنغهاي الرئيسي قد يختبر مستوى 4000 نقطة.

وفي هونغ كونغ، انخفض مؤشر هانغ سنغ الرئيسي بنسبة 1 في المائة، وخسر مؤشر هانغ سنغ للتكنولوجيا 2.2 في المائة.

كما أثرت حالة عدم اليقين الجيوسياسي سلباً على معنويات السوق. ورغم أنَّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب قال، يوم الأربعاء، إن المفاوضات مع إيران في مراحلها النهائية، مُلمِّحاً إلى استعداده للانتظار بضعة أيام للحصول على «الإجابات الصحيحة» من طهران... فإنَّه حذَّر أيضاً من تجدُّد الهجمات إذا لم توافق إيران على اتفاق.

وقالت شياونينغ تشانغ، استراتيجية الأسهم الصينية في بنك «جي بي مورغان»: «من منظور السوق بشكل عام، ما زلنا متفائلين»، متوقعةً أن يصل مؤشر سي إس آي 300 إلى 5200 نقطة بنهاية العام في السيناريو الأساسي.

وأضافت: «في ظلِّ وفرة السيولة وتحسُّن الأرباح بشكل عام، تتمثَّل استراتيجيتنا في التركيز على النمو عالي الجودة واختيار الأسهم بعناية».

• اليوان قرب قمة أسبوع

ومن جانبه، حام اليوان الصيني قرب أعلى مستوى له في أسبوع مقابل الدولار يوم الخميس، مع تأكيد البنك المركزي توجيهاته النقدية، في حين أثرت آمال التوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب مع إيران على العملة الأميركية بوصفها ملاذاً آمناً. وارتفع اليوان إلى 6.7929 مقابل الدولار، وهو أقوى مستوى له منذ 14 مايو (أيار). وكان آخر سعر تداول له منخفضاً بنسبة 0.04 في المائة عند 6.8002. وبلغ سعر صرف اليوان في السوق الخارجية 6.8026 يوان للدولار، بانخفاض قدره 0.01 في المائة تقريباً في التعاملات الآسيوية. وقبل افتتاح السوق، حدَّد «بنك الشعب الصيني» سعر الصرف المتوسط عند 6.8349، وهو أعلى مستوى له منذ 15 فبراير (شباط) 2023، وأقل بـ394 نقطة من تقديرات «رويترز». ويُسمح لليوان الفوري بالتداول بحد أقصى 2 في المائة أعلى أو أسفل سعر التحديد يومياً. وفي غضون ذلك، توقَّف الدولار الأميركي عن الارتفاع وسط آمال بأن واشنطن تقترب من التوصُّل إلى اتفاق مع طهران لإنهاء الحرب. واستقر مؤشر الدولار للعملات الـ6 عند 99.19 نقطة. وكتب كريستوفر وونغ، استراتيجي العملات الأجنبية في بنك «أو سي بي سي»، في مذكرة: «أتاح ضعف الدولار الأميركي، وانخفاض عائدات سندات الخزانة الأميركية، وتراجع أسعار النفط، بعض الراحة لأسواق العملات الآسيوية بعد الضغوط الأخيرة».

وقال محللون في «بنك أوف أميركا» إنهم ما زالوا يتوقعون أن يصل سعر صرف الدولار الأميركي مقابل اليوان الصيني إلى 6.70 بنهاية العام، مدعومين بتوقع حل النزاع الإيراني، وتفضيل الصين استقرار العملة في أوقات الأزمات العالمية.

وأضافوا: «بإمكان الصين تحمل ارتفاع طفيف في قيمة اليوان لكبح التضخم المستورد، ودعم تدويل اليوان، وتبديد المخاوف بشأن تقييم العملات الأجنبية، على الرغم من ضعف النمو المحلي».


«أشمور» لـ«الشرق الأوسط»: السيولة المؤسسية تقود تحول السوق السعودية

مركز الملك عبد الله المالي (كافد) (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي (كافد) (الشرق الأوسط)
TT

«أشمور» لـ«الشرق الأوسط»: السيولة المؤسسية تقود تحول السوق السعودية

مركز الملك عبد الله المالي (كافد) (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي (كافد) (الشرق الأوسط)

تمر السوق السعودية بمرحلة تحول نوعي في طبيعة السيولة؛ إذ يتراجع تدريجياً دور السيولة المضاربية قصيرة الأجل لصالح الاستثمار المؤسسي عبر الصناديق والمحافظ المدارة والصكوك. وبات النمو الاقتصادي في البلاد مدفوعاً بعوامل هيكلية محلية تتجاوز دورات النفط، كما أصبحت قطاعات مثل التعليم والصناعة تعدّ من أبرز الفرص الاستثمارية غير المستغلة بالكامل في السوق حالياً.

هذا ما كشف عنه أحمد المحيسن، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لشركة «أشمور» للاستثمار في السعودية (والتي تركز على الأسواق الناشئة)، في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، قائلاً إن المملكة أظهرت قدراً ملحوظاً من المرونة في ظل بيئة اقتصادية عالمية تتسم بارتفاع أسعار الفائدة وعدم اليقين الجيوسياسي وتباطؤ النمو، مستنداً إلى المركز المالي القوي للمملكة واستمرار مسيرة الإصلاحات في إطار «رؤية 2030».

وأوضح أن ما يميز السوق السعودية اليوم هو أن النمو بات مدفوعاً بشكل متزايد بعوامل هيكلية محلية، وليس فقط بدورات النفط، لافتاً إلى أن الاستثمارات الواسعة في قطاعات البنية التحتية والتطوير الصناعي والسياحة والتعليم والتكنولوجيا تخلق محركات متنوعة للنشاط الاقتصادي.

نمو استثنائي في سوق الصكوك

على صعيد أدوات الدين، أفاد المحيسن بأن سوق الصكوك السعودية تشهد نضجاً استثنائياً، مستشهداً بنمو إصدارات الصكوك عام 2025 بنسبة 35 في المائة لتبلغ نحو 72.5 مليار دولار، مع استمرار هذا الزخم خلال الربع الأول من 2026.

ورأى أن الصكوك باتت تمثل شرياناً تمويلياً مهماً لمشاريع «رؤية 2030» الكبرى، فضلاً عن دورها في جذب المستثمرين الدوليين الباحثين عن التوازن بين الاستقرار والعائد، مدعومةً بالتصنيف الائتماني القوي للمملكة وانضمامها إلى مؤشرات أسواق الدين العالمية.

فيما يخص مستويات السيولة، أكد المحيسن أن السوق السعودية لا تعاني غياب السيولة، بل تمر بمرحلة انتقائية في توجيهها نحو شركات وقطاعات محددة بناءً على التقييمات ومستويات النمو المتوقعة. واستند إلى بيانات تقرير السوق الصادر في الأول من مايو (أيار) 2026، التي أظهرت قيمة تداولات شهرية بلغت نحو 125.5 مليار ريال (33.4 مليار دولار) وقيمة سوقية ناهزت 9.94 تريليون ريال (2.64 تريليون دولار).

وأشار إلى أن أي وضوح أكبر بشأن مسار خفض أسعار الفائدة قد يدعم عودة السيولة إلى الأصول طويلة الأجل، عادَّاً أن نمو الأصول المدارة وتوسع الصناديق وزيادة الاستثمار الأجنبي مؤشرات على نضج السوق.

تأثير أسعار الفائدة

وصف المحيسن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على شهية المستثمرين من ثلاثة محاور: الأول رفع العائد المطلوب من الأصول الخطرة؛ إذ يصبح المستثمر أكثر انتقائية تجاه الأسهم والعقار والاستثمارات الخاصة حين تتوفر عوائد جيدة من الودائع وأدوات الدخل الثابت. والثاني الضغط على مضاعفات تقييم الشركات ذات النمو المستقبلي البعيد أو المديونية العالية، في مقابل ارتفاع جاذبية الشركات ذات التدفقات النقدية القوية والتوزيعات المستقرة.

أما المحور الثالث، فيتمثل في ارتفاع تكلفة التمويل على الشركات والمستهلكين، مع الإشارة إلى أن التأثير يتباين حسب القطاع؛ فالبنوك قد تستفيد من ارتفاع الهوامش بينما تكون قطاعات العقار عالي المديونية الأكثر حساسية.

وكشف المحيسن عن أن ثمة فرصاً استثمارية لا تزال غير مستغلة بالشكل الكافي في السوق السعودية، في مقدمتها الاستثمار الخاص في شركات السوق المتوسطة. وقال إنه رغم توجه الاهتمام بشكل كبير نحو المشاريع العملاقة والعقارات الخاصة، تبقى إمكانات الشركات النامية عالية الجودة غير مستثمرة بالكامل، لا سيما تلك التي يمكنها الاستفادة من رأس المال المؤسسي والخبرة التشغيلية. وأضاف أن فرصاً جذابة تتوفر أيضاً في منصات التعليم المتخصصة والخدمات الصناعية والبنية التحتية اللوجستية وخدمات الرعاية الصحية.

الرهان على التعليم والصناعة

أبدى المحيسن تفاؤلاً خاصاً بقطاع التعليم، عادَّاً إياه من أكثر الفرص الاستثمارية طويلة الأجل جاذبية في المملكة، مدعوماً بالنمو الديموغرافي وارتفاع الطلب على التعليم عالي الجودة وتوافقه مع أهداف «رؤية 2030». وأشار إلى أن صندوق «أشمور» للتعليم أنجز صفقات عدة، من بينها مشروع «حكمة» الذي يستهدف رفع الطاقة الاستيعابية من 3500 إلى 5500 طالب، ومشروع «واحة» المتخصص في المدارس الأميركية بشرق الرياض الذي رفع طاقته الاستيعابية من 1700 إلى 4700 طالب.

وعلى صعيد القطاع الصناعي، أكد أنه يوفر إمكانات كبيرة في ظل سعي المملكة إلى توطين الإنتاج وتعزيز سلاسل الإمداد وتوسيع الصادرات غير النفطية. ويستهدف صندوقا «أشمور» للتعليم والصناعة مجتمعَين حجماً إجمالياً يبلغ 1.4 مليار ريال (373 مليون دولار).

وقيّم المحيسن مساهمة القطاع الخاص في مسيرة «رؤية 2030» بإيجابية، مشيراً إلى ارتفاع مساهمته في الناتج المحلي إلى نحو 51 في المائة بنهاية 2025 في اتجاه مستهدف 65 في المائة بحلول 2030. غير أنه نبّه إلى أن المرحلة المقبلة تستلزم أن يتجاوز القطاع الخاص دور المستفيد من الإنفاق الحكومي ليصبح قائداً فعلياً للنمو عبر الاستثمار والإنتاجية والابتكار وخلق الوظائف النوعية. ورأى أن مديري الاستثمار والمستثمرين المؤسسيين أمامهم دور يمتد إلى ما هو أبعد من توفير رأس المال، ليكونوا شركاء استراتيجيين في مسيرة التحول الاقتصادي للمملكة.