«أصوات عميقة» مسرحية فلسطينية تُذكّر بمعاناة النازحات في غزة

عُرضت في مهرجان «إيزيس» بالقاهرة

مسرحية «أصوات عميقة» تم عرضها ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» (الشركة المنتجة)
مسرحية «أصوات عميقة» تم عرضها ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» (الشركة المنتجة)
TT

«أصوات عميقة» مسرحية فلسطينية تُذكّر بمعاناة النازحات في غزة

مسرحية «أصوات عميقة» تم عرضها ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» (الشركة المنتجة)
مسرحية «أصوات عميقة» تم عرضها ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» (الشركة المنتجة)

يضع العرض المسرحي «أصوات عميقة» ممثلته الفلسطينية - الأردنية تهاني سليم في مواجهة مهمة وشاقة؛ إذ تصنع من تجربة فردية مساحة تتسع لأصوات كثيرة، من دون أن تفقد الحكاية خصوصيتها.

وعلى مدار ساعة تقريباً، تبدو تهاني سليم وكأنها تجمع شظايا تجربة أكبر منها، فتتنقل بين السرد والأداء والحركة والتفاعل مع الصورة، بينما تتشكل أمامها حكاية امرأة فلسطينية تعيش الحرب؛ ليست باعتبارها حدثاً بعيداً، ولكن بوصفها واقعاً يعيد ترتيب كل التفاصيل اليومية.

العمل ينطلق من تجربة فرح الغول، وهي فتاة فلسطينية من غزة، عثرت تهاني سليم عن طريق الصدفة على جزء من مذكراتها عن النزوح، ومن هذه الصفحات القليلة بدأت رحلة بحث وتوثيق توسعت إلى شهادات نساء وأطفال، وتتبع مسارات النزوح داخل غزة ومناطقها المختلفة، ليصبح النص النهائي أوسع من التجربة الأصلية، وما بين الخوف والفقد والانتقال المستمر، يرصد العرض كيف أعادت الحرب تشكيل الحياة اليومية للنساء الفلسطينيات، محولاً تجربة امرأة واحدة إلى حكاية عن غزة وذاكرة أهلها.

وتكمن قوة عرض المونودراما الذي قُدم بالقاهرة ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس الدولي لمسرح المرأة» في طريقة تعامله مع الزمن؛ فالحكاية لا تسير كخط مستقيم يشرح ما حدث ثم ينتقل إلى ما بعده، وإنما تتقدم عبر استدعاءات وتقاطعات بين لحظة وأخرى، الماضي يعود في أثناء الحاضر، والصورة المسجلة تقاطع الأداء الحي، والصوت القادم من خارج الخشبة يغير معنى ما نراه عليها.

واعتمدت تهاني سليم على أدوات قليلة لكنها تحتاج إلى سيطرة كبيرة: الصوت، والجسد، والإيقاع، والنظرة، فلا يوجد أمامها مجموعة ممثلين تتبادل معهم الفعل، لذلك يصبح الانتقال بين الحالات مسؤوليتها وحدها، بعض التحولات تتم بالكلمة، وبعضها بالحركة أو الصمت، وأحياناً يكفي تغير بسيط في النبرة حتى يتغير موقع الشخصية داخل المشهد.

شهد العرض حضوراً جماهيرياً لافت بالقاهرة (إدارة المهرجان)

في المقابل، لا تترك المخرجة سوسن دروزة الممثلة وحدها في مواجهة هذا العبء، بل تبني حولها فضاء يتغير باستمرار، العناصر البصرية والإضاءة والفيديو تدخل في صلب الفعل المسرحي، وتخلق أحياناً شخصيات غائبة أو أماكن لا يمكن وجودها فعلياً على الخشبة، فالصورة جاءت طرفاً في المشهد من جانب توثيقي يضفي خصوصية على العمل.

ويشارك في صناعة «أصوات عميقة» فريق فلسطيني وأردني وسويسري، تتصدره تهاني سليم مؤلفة العرض وبطلته ومنتجته، فيما تتولى سوسن دروزة الإخراج، وهالة شهاب تصميم السينوغرافيا، وتولى تصميم الإضاءة والإشراف التقني فراس أبو صباح، بينما شاركت الفنانة السويسرية نيكول بيرمان في تنفيذ الفيديو والمؤثرات الرقمية، ويجمع العرض بين التمثيل الحي والصورة والإضاءة والصوت والحركة.

وقالت تهاني سليم لـ«الشرق الأوسط» إن النزوح طال أعداداً هائلة من الفلسطينيين، لكنها اختارت أن تجعل التجارب النسائية محور العمل، انطلاقاً من اهتمامها المستمر بقضايا المرأة في مشاريعها الفنية، لذلك أجرت مقابلات مع فرح ونساء أخريات، وجمعت شهادات متعددة، بالتوازي مع متابعة مسار النزوح زمنياً ومكانياً، من مناطق داخل غزة إلى الشاطئ وخان يونس ورفح.

وأوضحت أن النص المسرحي في صورته النهائية لا يمثل نقلاً حرفياً لمذكرات فرح، لكنه كان توثيقاً مسرحياً، لافتة إلى أن «هذا المسار جعل العمل أقرب إلى الدراما الوثائقية التي تتداخل فيها الشهادة الشخصية مع المادة الإعلامية، بحيث تصبح الوثيقة أساساً للبناء المسرحي، وليست مجرد خلفية للأحداث».

قدم العرض المسرحي جانباً من معاناة النزوح الفلسطيني بسبب الحرب (الشركة المنتجة)

وتابعت أن العرض يقوم على مستويات متوازية؛ أولها تجربة الفتاة التي تعيش النزوح والألم، وثانيها المستوى البصري الذي عملت عليه مع الفنانة السويسرية نيكول بيرمان من خلال الفيديو والوسائط الرقمية، وثالثها المستوى السياسي والتوثيقي الذي استعانت فيه بتصريحات صحافيين ونشطاء وسياسيين. ومن خلال هذه الطبقات، حاولت أن تمنح الحكاية الفردية سياقها الأوسع، من دون أن تفقد خصوصيتها الإنسانية.

وأشارت تهاني إلى أن «وجودها في أوروبا جعل تقديم هذا العمل بالنسبة إليها مسؤولية فنية وإنسانية في الوقت نفسه»، مؤكدة أن «الفنان لا يستطيع أن ينفصل عن التحولات الاجتماعية والسياسية الكبرى التي تجري حوله، وأن انتماءها الفلسطيني دفعها إلى التمسك بهذه الحكايات، بينما جعلها موقعها بوصفها فنانة تفكر في الطريقة التي يمكن بها للمسرح أن يتفاعل مع مأساة إنسانية بهذا الحجم دون أن يتحول إلى خطاب مباشر».

وفي الختام، أرجعت اختيارها تقديم العمل في صورة مونودراما لرغبتها في تحمل المسؤولية الكاملة عن الفكرة التي تريد إيصالها، موضحة أنها شاركت في كتابة النص والتمثيل والدراماتورج والإنتاج، ورغم أن العمل بهذه الصورة كان مرهقاً، فإنه منحها في المقابل قدرة أكبر على التحكم في جميع عناصر التجربة، وعلى الحفاظ على وحدة الرؤية منذ البحث الأول وحتى لحظة وقوفها منفردة أمام الجمهور.


مقالات ذات صلة

«آخرتا شو؟» تجمع الكوميديا والتكنولوجيا لمواكبة جيل الشباب

يوميات الشرق من أبطال المسرحية ميشيل وهبة ولودي الخوري وفادي أبو شعيا (الشرق الأوسط)

«آخرتا شو؟» تجمع الكوميديا والتكنولوجيا لمواكبة جيل الشباب

المسرحية موجّهة إلى جيل الشباب، وتخاطب خصوصاً أبناء جيل «زد» المهتمّين بمتابعة أخبار مواقع التواصل.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق التناغم في الأداء كان حاضراً بين دكاش وشبلي (الشرق الأوسط)

«زينا لبست خلخالها»... حين تتحوّل الذكريات إلى علاج يشفي

اختارت للانطلاق في هذا الطريق حكاية ترتكز على ذكريات شخصية ممزوجة بالخيال...

فيفيان حداد (بيروت)
منحنيات أصولية كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)

«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

تستعيد مسرحية «داليدا... قلبي مليان بحكايات» اليوم الأخير في حياة المطربة العالمية، وتقدِّم قراءة درامية لمشاعر الوحدة والخذلان التي سبقت وفاتها.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق سمر صالح في دور الديفا المجروحة من الماضي (مسرح مونو)

سمر صالح... من ابتسامة «مونو» إلى خشبته في «درجة تانية»

من خلال مسرحية «درجة تانية»، تروي سمر صالح قصتها الحقيقية ضمن رسالة إنسانية مؤثِّرة، وتضفي على أدائها شيئاً من روحها وشخصيتها الطريفة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق قدم العرض مع ترجمة للغة العربية للمرة الأولى في مصر (إدارة المهرجان)

«مجوهرات ضخمة» يُسدل الستار على فعاليات مهرجان «إيزيس» بمصر

أسدل مهرجان «إيزيس الدولي لمسرح المرأة» الستار على دورته الرابعة خلال حفل ختام أقيم على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية مساء الجمعة.

أحمد عدلي (القاهرة)

لماذا يقترض مصريون للحصول على عضوية النوادي؟

تصدرت عضويات الأندية القروض الاستهلاكية في النصف الأول من العام الجاري (نادي الصيد)
تصدرت عضويات الأندية القروض الاستهلاكية في النصف الأول من العام الجاري (نادي الصيد)
TT

لماذا يقترض مصريون للحصول على عضوية النوادي؟

تصدرت عضويات الأندية القروض الاستهلاكية في النصف الأول من العام الجاري (نادي الصيد)
تصدرت عضويات الأندية القروض الاستهلاكية في النصف الأول من العام الجاري (نادي الصيد)

لجأ أحمد سلامة إلى الحصول على تمويل من إحدى شركات التمويل الاستهلاكي المصرية لتسهيل حصوله على عضوية بأحد الأندية مقابل نحو 600 ألف جنيه (الدولار يساوي 52.8 جنيه في البنوك) مقابل رسوم إدارية تقدر بنحو 5 في المائة، ليسدد قيمة الاشتراك على مدار عدة أشهر.

سلامة، وهو مدير مخاطر بإحدى الشركات الاستثمارية في القاهرة وأب لطفلين، اختار استكمال الجزء الخاص بعضوية النادي عن طريق التمويل الاستهلاكي، أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الخطوة جاءت لرغبته في توفير محيط اجتماعي أفضل لطفليه باعتبار أن التمويل الاستهلاكي حتى مع الرسوم الإدارية المفروضة بنحو 5 في المائة أفضل الحلول المالية المتاحة».

ويشير سلامة إلى أن «النادي لم يعد رفاهية في الوقت الحالي، فهو المكان الذي يمكن أن يشعر فيه بالاطمئنان على ابنيه لإخراج طاقتهما وتنمية مهاراتهما، سواء في الألعاب الرياضية أو حتى في الأنشطة المختلفة»، مؤكداً أنه «يحاول كونه أباً تنمية شخصيتي طفليه عبر اختيار منزل ومدرسة ونادٍ يهيئ لهما التنشئة بشكل سليم».

ووفق بيانات صادرة عن «الهيئة العامة للرقابة المالية» فإن شركات التمويل الاستهلاكي أقرضت مواطنين مصريين خلال النصف الأول من العام الجاري 2.4 مليار جنيه لشراء عضويات واشتراكات الأندية. وموقف سلامة لا يختلف كثيراً عن موقف محمود شاكر، وهو أب أربعيني لثلاثة من الأبناء ويعمل في المجال الإعلامي، فَضّل اللجوء لشركات التمويل الاستهلاكي للحصول على تمويل عضوية أحد الأندية المصرية في ضاحية 6 أكتوبر (غرب القاهرة)، لكن قراره جاء تحت ضغط من أبنائه ليكونوا برفقة زملائهم في التدريبات، بعدما منع النادي مؤخراً غير الأعضاء من التدريب بداخله.

تنظم الأندية فعاليات مختلفة للأطفال (نادي سبورتنج)

يقول شاكر لـ«الشرق الأوسط» إنه وجد نفسه مضطراً للاشتراك في النادي بعدما كان في الفترة الماضية يكتفي بالتدريبات، لكن قرار إدارة النادي قصر التدريبات على الأعضاء ووجود باقي زملاء أبنائه في النادي نفسه، دفعاه للجوء للتمويل الاستهلاكي بسبب عدم قدرته على سداد مبلغ الاشتراك الذي يقترب من 200 ألف جنيه.

ويتيح عدد من شركات التمويل الاستهلاكي تمويلاً للمواطنين من أجل تقسيط عضويات الأندية التي تتباين قيمتها المادية من نادٍ لآخر مع فترات سداد تصل إلى 5 سنوات من خلال بعض الشركات، فيما تختلف نسبة الفائدة بحسب المدة لتكون في المدد القصيرة مقابل رسوم إدارية فقط ببعض الشركات، بينما تكون المدد المتوسطة والطويلة بفوائد يتم حسابها بحسب فترة سداد قيمة العضوية.

وبحسب مركز «المركز المصري لبحوث الرأي العام» (بصيرة) - مركز مستقل لاستطلاعات الرأي - فإن عدد الأندية في مصر بلغ في نهاية 2023 نحو 817 نادياً بمعدل 8 نوادٍ لكل مليون من السكان، فيما زادت أسعار عضويات عدد من الأندية الشهيرة خلال السنوات الماضية.

ويتجاوز سعر الاشتراك في أندية مثل «الأهلي»، «الجزيرة»، «الصيد»، و«نيو جيزة» حاجز المليون جنيه، فيما يجري تحصيل 14 في المائة رسوم ضريبة قيمة مضافة على عضويات الأندية المختلفة لصالح وزارة المالية.

ويعزي الخبير الاقتصادي هشام إبراهيم لجوء المواطنين إلى التمويل الاستهلاكي لشراء عضويات الأندية إلى سهولة الإجراءات التي تتيحها الشركات، إذ يحصل العميل على تفاصيل التمويل وشروطه بصورة مباشرة، بينما لا تمثل هذه النوعية من القروض أولوية كبيرة بالنسبة إلى موظفي البنوك؛ نظراً إلى انخفاض قيمتها مقارنة بغيرها من أشكال التمويل.

يمارس الأطفال أنشطة عدة داخل الأندية (نادي سموحة)

وأشار إبراهيم في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «التمويل الاستهلاكي ليس ظاهرة مستحدثة، ولكنه موجود منذ فترة طويلة عبر صيغ متعددة ونظمها لاحقاً القانون الصادر عام 2017، لكن اتسع نطاق استخدامه خلال السنوات الأخيرة، ما جعله يغطي احتياجات كانت تُدفع في السابق من الدخل المباشر للأسر».

وأضاف أن «عضوية النادي تحولت لدى شريحة من الطبقة المتوسطة العليا إلى ما يتجاوز الاحتياج الرياضي، لتصبح في بعض الحالات جزءاً من الحضور والوجاهة الاجتماعية»، مؤكداً أن «شركات التمويل تحقق بدورها عائداً من هذا النوع من العمليات، إذ تحصل في بعض الحالات على خصومات من الجهات التي تتعامل معها قد تصل إلى 20 في المائة، إلى جانب الرسوم الإدارية التي يتحملها العميل، فضلاً عن العمولات المرتبطة بالتأخير في السداد، ما يجعل تمويل عضويات الأندية منتجاً قابلاً للتسويق بالنسبة إلى شركات التمويل».


قصر «الريسوني» في أصيلة... من ذاكرة الصراع إلى رحاب الثقافة

القصبة البلدة القديمة (الشرق الأوسط)
القصبة البلدة القديمة (الشرق الأوسط)
TT

قصر «الريسوني» في أصيلة... من ذاكرة الصراع إلى رحاب الثقافة

القصبة البلدة القديمة (الشرق الأوسط)
القصبة البلدة القديمة (الشرق الأوسط)

على أسوار مدينة أصيلة المغربية، وفي موقع يطل على المحيط الأطلسي، يقف قصر «الريسوني» شاهداً على تحول استثنائي في تاريخ المكان. فالقصر الذي ارتبط اسمه مطلع القرن الـ20 بالصراعات المسلحة وعمليات اختطاف الأجانب ومساومات الفدية، أصبح اليوم أحد معاقل الثقافة والفنون في المدينة.

من إرث الصراع إلى فضاء الإبداع

وبعد عقود من ارتباطه بالنزاعات والنفوذ السياسي، شهد القصر تحولاً عام 1998، حين تكفل الأمير السعودي بندر بن سلطان بن عبد العزيز، الذي كان آنذاك يشغل منصب سفير المملكة العربية السعودية لدى الولايات المتحدة الأميركية، بترميمه وتأهيله، ليتحول إلى «قصر الثقافة»، ويصبح أحد المكونات الأساسية لـ«موسم أصيلة الثقافي».

وحافظت عملية الترميم على التكوين المعماري التقليدي للقصر وخصائصه الفنية، وشملت إعادة تهيئة مرافقه وتحويله مجمعاً ثقافياً يضم ورشات للفنون التشكيلية والنحت، وأماكن لإقامة الفنانين وضيوف المدينة، وقاعات للقاءات الثقافية.

ويُعدّ قصر «الريسوني» درّة المعالم التاريخية بالبلدة القديمة في أصيلة. ويقع على الجانب الغربي من المدينة العتيقة، بالقرب من برج سيدي ميمون. وترتبط قصته بشخصية أحمد الريسوني، أحد أكبر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ المغرب خلال مطلع القرن الـ20؛ فقد جمع بين الزعامة القبلية والنفوذ السياسي والمواجهة مع القوى الأجنبية، ودخل في صراعات مع السلطة المركزية ومع الإسبان.

ارتبط اسم القصر بالصراعات واختطاف الأجانب طلباً للفدية (الشرق الأوسط)

تذكر المصادر التاريخية أن موقع القصر كان يضم في القرن الـ17 مسكناً للقائد الخضر غيلان، وانتقلت ملكيته بين ورثته، قبل أن يستحوذ عليه أحمد الريسوني ويعيد بناءه وتطويره في مطلع القرن الـ20، بين عامي 1906 و1909. وتجمع عمارته عناصر من الفن المغربي الأندلسي، تتجلى في الفناء الداخلي والأعمدة الرخامية والزليج والزخارف الجصية والخشبية، مع استخدام زخارف مستوحاة من العمارة الأندلسية في إشبيلية.

وبين الحقيقة والأسطورة، تتوالى الروايات التي تربط بناء القصر وتمويله بأموال فدية كان يحصل عليها أحمد الريسوني مقابل إطلاق رهائن أجانب. وقد استلهم فيلمُ «الريح والأسد»، الصادر عام 1975، من بطولة شون كونري، «قضيةَ بيرديكاريس» لعام 1904؛ إذ يجسّد فيه شون كونري شخصية الزعيم التاريخي أحمد الريسوني، ويستمد الفيلم وقائعه من اختطاف الريسوني شخصية أميركية - يونانية بارزة من غابة الرميلات بطنجة، واقتيادها إلى أصيلة؛ بغرض الحصول على الفدية التي مكّنته من بناء القصر.

وفي حديث صحافي، أكد الراحل محمد بن عيسى، مؤسس «موسم أصيلة الثقافي»، أن الأمير بندر بن سلطان أسهم في ترميم قصر «الريسوني»، كما موّل إنشاء مكتبة تحمل اسمه في المدينة.

قصر «الريسوني»... درّة معالم أصيلة التاريخية (الشرق الأوسط)

وافتُتحت «مكتبة الأمير بندر بن سلطان» رسمياً في يناير (كانون الثاني) 2006، بتمويل كامل من الأمير بندر بن سلطان بن عبد العزيز.

وفي داخل القصبة، وعلى مقربة من برج القمرة، يقع «مركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية»؛ أحد المعالم التي تجسد التحول الثقافي في المدينة. ويضم «المركزُ» قاعاتٍ للاجتماعات والندوات، ومساحاتٍ للمعارض الفنية، وتجهيزاتٍ للترجمة الفورية.

ويكتسب موقعه دلالة تاريخية، إذ أُقيم في منطقة كانت تضم خلال الحكم البرتغالي مقر الحاكم، ولم يبقَ من ذلك المجمع القديم سوى برج القمرة.

وقد جاء إنشاء «المركز» بدعم من السلطان الراحل قابوس بن سعيد، سلطان عُمان، بوصفه إسهاماً عُمانياً في دعم البنية الثقافية لأصيلة.

قلعة للتراث والثقافة

ركن من داخل قصر «الريسوني» في مدينة أصيلة المغربية (الشرق الأوسط)

وتحتفظ البلدة العتيقة في مدينة أصيلة، على الساحل الأطلسي للمغرب، بذاكرة تمتد عبر قرون من الصراع والتجارة والتحولات السياسية. وتقف أسوارها وأبراجها وبواباتها شاهدة على تاريخ المدينة، منذ الاحتلال البرتغالي في القرن الـ15، مروراً بالمقاومة المغربية، وصولاً إلى تجربة ثقافية مميزة بدأت عام 1978، وأعادت تقديم أصيلة إلى العالم بوصفها مدينة للفنون والحوار الثقافي.

وعلى مساحة لا تتجاوز 7 هكتارات، تكشف خريطة المدينة القديمة عن نسيج عمراني يضم مجموعة من الأبراج والحصون والمساجد والقصور التاريخية، التي تقدم اليوم نموذجاً لتحويل المعالم التاريخية فضاءاتٍ للحياة الثقافية.

وخلف الأسوار التي شيَّدها الاحتلال البرتغالي لتحصين المدينة عسكرياً، أصبحت الساحات والقصور والممرات فضاءات للمعارض والنقاشات والعروض الفنية، فيما ساعدت عمليات الترميم على حماية أجزاء من النسيج العمراني. وإذا كانت التحصينات قد شُيّدت في الأصل لحماية المدينة من الخارج، فإن أصيلة المعاصرة اختارت أن تفتح أبوابها للعالم عبر الثقافة.


الطفل الوحيد عندما يكبر... 5 تحديات تكشف عنها جلسات العلاج النفسي

ما المشكلات التي يناقشها البالغون الذين نشأوا من دون إخوة أو أخوات؟ (بكسلز)
ما المشكلات التي يناقشها البالغون الذين نشأوا من دون إخوة أو أخوات؟ (بكسلز)
TT

الطفل الوحيد عندما يكبر... 5 تحديات تكشف عنها جلسات العلاج النفسي

ما المشكلات التي يناقشها البالغون الذين نشأوا من دون إخوة أو أخوات؟ (بكسلز)
ما المشكلات التي يناقشها البالغون الذين نشأوا من دون إخوة أو أخوات؟ (بكسلز)

إذا نشأت طفلاً وحيداً من دون إخوة أو أخوات، فمن المرجح أنك سمعت في مرحلة ما من حياتك عبارات نمطية من قبيل: «من المحزن أنك نشأت وحيداً»، و«لا بد أن والديك دلّلاك كثيراً»، و«هل تجد صعوبة في تكوين الصداقات؟».

لكن أبحاثاً حديثة تشير إلى أن كثيراً من الصور النمطية المرتبطة بالأطفال الوحيدين غير دقيقة. وعلى الرغم من أن الأسرة التي تضم طفلاً واحداً فقط كانت تُعدّ في السابق حالة نادرة، فإنها أصبحت اليوم أسرع أنماط الأسر نمواً.

ويعدّد تقرير نشره موقع «هاف بوست»، أبرز المشكلات التي يناقشها البالغون الذين نشأوا من دون إخوة أو أخوات خلال جلسات العلاج النفسي، إلى جانب نصائح للتعامل معها.

1. الرغبة في تكوين روابط تشبه علاقة الإخوة خلال مرحلة البلوغ

يتحدث بعض البالغين الذين نشأوا أطفالاً وحيدين خلال جلسات العلاج النفسي عن شعورهم بالوحدة؛ بسبب انتمائهم إلى أسر صغيرة وافتقارهم إلى علاقات الإخوة والأخوات.

وأوضحت ريبيكا غرين، الاختصاصية في الصحة النفسية ومؤلفة كتاب «طفل واحد يكفي: دليل لتربية طفل وحيد سعيد ومزدهر»، أن هؤلاء لديهم عدد أقل من أفراد الأسرة الذين يمكنهم الاعتماد عليهم للحصول على الدعم مقارنة بمن لديهم إخوة متعددون.

وأضافت أن الأعياد والمناسبات قد تكون مصدراً خاصاً للشعور بالوحدة لدى بعض الأطفال الوحيدين؛ لأنهم غالباً لا يعيشون التجمعات العائلية الكبيرة التي يشاهدونها في الأفلام والبرامج التلفزيونية.

وأضافت: «هناك مقولة مفادها أنه إذا لم تكن لديك عائلة، فاصنع عائلتك بنفسك، وأنا أؤمن بذلك تماماً».

ونصحت ببناء شبكة اجتماعية من خلال تكوين صداقات والانضمام إلى مؤسسات والمشاركة في أنشطة مجتمعية تجمع أشخاصاً يتشاركون الاهتمامات نفسها، ويمكنهم تقديم الدعم الذي يمنح شعوراً بالانتماء العائلي.

2. الشعور بالمسؤولية الكاملة عن رعاية الوالدين مع التقدم في العمر

قالت غرين إن كثيراً من البالغين الذين نشأوا أطفالاً وحيدين يشعرون بالإرهاق والضغط لأنهم الشخص الوحيد في الأسرة المسؤول عن التعامل مع احتياجات والديهم المسنين ورعايتهما.

وقد تشمل هذه المسؤوليات، عندما يعيش الأبناء بالقرب من والديهم، مرافقتهم إلى المواعيد الطبية، والمساعدة في إعداد الطعام، وتولي بعض المهام المتعلقة بإدارة الشؤون المالية. وقد تصبح الأمور أكثر صعوبة عندما يعيش الابن أو الابنة بعيداً عن الوالدين.

وتوصي غرين، متى أمكن، بالاستعانة بمديري رعاية كبار السن، والاختصاصيين الاجتماعيين، ومقدمي خدمات المرافقة للمسنين، لتقاسم هذه المسؤوليات وتخفيف أعبائها.

كما شددت على أهمية التخطيط المسبق، موضحة أن بإمكان الأبناء الوحيدين التحدث مع والديهم، وكذلك مع أزواجهم أو شركائهم؛ لمناقشة الترتيبات المستقبلية لرعاية الوالدين، بما يضمن وضوح التوقعات واتفاق جميع الأطراف على خطة مشتركة.

3. الضغط على النفس لتحقيق الكمال

قد يسهم الاهتمام الكبير الذي يحصل عليه الطفل الوحيد من والديه في تعزيز العلاقة بين الطرفين، لكن بعض الأطفال قد يشعرون أيضاً بأن كل تصرفاتهم تخضع للمراقبة والتقييم.

وقالت ألتيريسا كلارك، الاختصاصية المرخصة في العلاج النفسي ومالكة مركز «إنسباير فور بيربوس» (Inspire4Purpose)، إن الأطفال الوحيدين قد يتعرضون لضغوط شديدة من والديهم لتحقيق التفوق في مجالات مختلفة من حياتهم؛ وهو ما قد يؤدي إلى النزعة نحو الكمال أو إلى تكوين شخصية تميل إلى التنظيم الصارم والسعي الدائم للإنجاز.

وقد يدفعهم ذلك إلى عيش حياتهم في خوف مستمر من خذلان الآخرين أو خيبتهم.

ويمكن أن يساعد إدراك هذه العلاقة، إلى جانب وجود مساحة آمنة، مثل جلسات العلاج النفسي، لمعالجة التجارب السابقة وفهم آثارها، في تخفيف القسوة التي يمارسها هؤلاء على أنفسهم.

4. الاستقلالية الشديدة في العلاقات

قالت بريا تاهيم، الاختصاصية المرخصة في الإرشاد النفسي ومؤسسة مركز «كاور كاونسلينغ» (Kaur Counseling)، إن النشأة من دون إخوة أو أخوات قد تعزز الشعور بالاستقلالية بدرجة كبيرة؛ وهو ما يمكن أن يشكل نقطة قوة أو ضعف في الوقت نفسه.

ومن جوانب القوة، أن الأطفال الوحيدين غالباً ما يكتسبون مهارات الاعتماد على النفس، والقدرة على قضاء الوقت بمفردهم، والشعور بالرضا عن صحبتهم لأنفسهم.

كما أوضحت غرين أنهم غالباً ما يكونون أشخاصاً مبادرين وقادرين على تولي زمام الأمور، وقد يبرعون في القيادة وإنجاز المهام بطرق مبتكرة. لكن الآخرين قد ينظرون إليهم أحياناً على أنهم متسلطون أو يصرّون على تنفيذ الأمور وفق طريقتهم الخاصة.

5. الشعور بسوء الفهم أو التعرض للأحكام المسبقة

وأشارت غرين إلى أن الشعور بسوء الفهم أو الحكم المسبق بسبب النشأة طفلاً وحيداً من المشكلات الشائعة التي يطرحها هؤلاء، ولا سيما في مجموعات الدعم.

وأوضحت أن الوصمة المرتبطة بالطفل الوحيد لا تزال قائمة؛ لأن وجود الإخوة والأخوات يُعدّ تجربة عائلية مألوفة لدى كثيرين.

وأضافت أن الأفلام والبرامج التلفزيونية تسهم أحياناً في ترسيخ هذه الصور النمطية، من خلال تصوير الأطفال الوحيدين على أنهم مدللون أو أنانيون أو يفتقرون إلى المهارات الاجتماعية الجيدة.

وقالت غرين إن المجتمع يحتاج إلى مزيد من الصور الإيجابية التي تبرز نقاط القوة والمزايا المرتبطة بالنشأة طفلاً وحيداً، وإلى التوقف عن الحكم على الأشخاص لمجرد أنهم لا يملكون إخوة أو أخوات.