التضخم الأميركي في «قبضة» حرب إيران

سجّل 3.8 % في أبريل بذروة عام كامل... و«الاحتياطي الفيدرالي» أمام خيارات مريرة

يتسوّق الناس داخل سوبر ماركت بمنطقة بروكلين في نيويورك (أ.ف.ب)
يتسوّق الناس داخل سوبر ماركت بمنطقة بروكلين في نيويورك (أ.ف.ب)
TT

التضخم الأميركي في «قبضة» حرب إيران

يتسوّق الناس داخل سوبر ماركت بمنطقة بروكلين في نيويورك (أ.ف.ب)
يتسوّق الناس داخل سوبر ماركت بمنطقة بروكلين في نيويورك (أ.ف.ب)

يواجه الاقتصاد الأميركي موجةً تضخميةً هي الأشرس منذ 3 سنوات، حيث تضافرت تداعيات الحرب المستمرة مع إيران منذ 10 أسابيع مع الضغوط الهيكلية، لتضع المستهلك والسياسة النقدية في مأزق معقَّد. فقد أظهرت بيانات وزارة العمل، الصادرة يوم الثلاثاء، قفزةً حادةً في مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 3.8 في المائة على أساس سنوي خلال أبريل (نيسان)، وهو ما يمثل أعلى مستوى له منذ مايو 2023، مدفوعة بشكل أساسي بـ«صدمة طاقة» ناتجة عن انسداد شريان التجارة العالمي في مضيق «هرمز»؛ مما أدى إلى وصول أسعار النفط إلى مستويات تفوق 100 دولار للبرميل وتجاوز سعر غالون البنزين حاجز الـ4.50 دولار.

وتتجاوز هذه الأرقام مجرد قراءة إحصائية عابرة، لتكشف عن اتساع رقعة الضغوط السعرية، لتشمل قطاعات حيوية بعيدة عن الطاقة؛ إذ سجَّل التضخم الأساسي ارتفاعاً بنسبة 2.8 في المائة، متأثراً بقفزة في تكاليف الإسكان والخدمات وقطاع الطيران، الذي سجَّلت أسعاره زيادةً سنويةً تجاوزت 20 في المائة. هذا المشهد القاتم يضعف القوة الشرائية للأميركيين بشكل ملموس، حيث تراجعت الأجور الحقيقية بنسبة 0.5 في المائة خلال الشهر، مما بدأ ينعكس فعلياً على سلوك المستهلك وقدرة الشركات الكبرى على تحقيق الأرباح، وسط تحذيرات من دخول قطاع الصناعات التحويلية في مرحلة تشبه «الركود»؛ نتيجة تراجع الثقة في الاستقرار الاقتصادي.

وكان التضخم قد انخفض بشكل مطرد تقريباً منذ بلوغه ذروته مع ارتفاع حاد بنسبة 9.1 في المائة على أساس سنوي في يونيو (حزيران) 2022، وهو ارتفاع ناجم عن اختناقات في سلاسل التوريد في نهاية عمليات الإغلاق؛ بسبب جائحة «كوفيد - 19»، وصدمة في أسعار الطاقة عقب الغزو الروسي لأوكرانيا. لكن التضخم ظلَّ أعلى من هدف «الاحتياطي الفيدرالي»، البالغ 2 في المائة. ثم شنَّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً على إيران في 28 فبراير (شباط)، وردَّت طهران بإغلاق مضيق «هرمز»، الذي يمرُّ عبره خُمس نفط العالم وغازه الطبيعي المسال. وارتفعت أسعار الطاقة بشكل حاد نتيجة لذلك.

وعلى صعيد السياسة النقدية، تضع هذه البيانات «الاحتياطي الفيدرالي» عند «مفترق طرق» تاريخي يتزامن مع انتقال القيادة إلى كيفين وارش، المختار من قبل الرئيس ترمب لخلافة جيروم باول. ويجد وارش نفسه في موقف لا يُحسَد عليه؛ فبينما كان يُنتظر منه انتهاج سياسة تيسيرية لخفض الفائدة وتحفيز النمو، تأتي شرارة التضخم الحالية لتجعل أي قرار بالخفض بمثابة «مغامرة» قد تخرج الأسعار عن السيطرة. وتزداد الصورة تعقيداً مع وجود انقسام حاد داخل أروقة «الفيدرالي» هو الأعلى منذ تسعينات القرن الماضي، حيث يتنازع صُنَّاع القرار بين ضرورة كبح جماح التضخم العنيد، وضغوط البيت الأبيض لخفض تكاليف الاقتراض.

وفي ظلِّ هذه المعطيات، بدأت الأسواق المالية تسعّر واقعاً جديداً يتسم بالتشدُّد النقدي لفترة أطول مما كان متوقعاً. فالمراهنة على خفض الفائدة في عام 2026 تلاشت تقريباً، وحلَّت مكانها مخاوف من اضطرار البنك المركزي لرفع الفائدة مجدداً إذا ما استمرَّ فتيل الحرب مشتعلاً. ومع انتظار خطاب الملك تشارلز غداً في افتتاح الدورة البرلمانية لمجلس العموم والبرامج التشريعية لحكومة كير ستارمر، تترقَّب الأسواق العالمية كيف ستتفاعل واشنطن مع هذه المعادلة الصعبة التي تجمع بين مطرقة التكاليف العسكرية، وسندان الأسعار التي لا تهدأ.


مقالات ذات صلة

صندوق النقد عن قمة بكين: حوار بنّاء يصبّ في مصلحة الاقتصاد العالمي

الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

صندوق النقد عن قمة بكين: حوار بنّاء يصبّ في مصلحة الاقتصاد العالمي

أعلن صندوق النقد الدولي، يوم الخميس، ترحيبه بالحوار الإيجابي الأولي بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لافتة توظيف تحمل رمز استجابة سريعة تظهر على نافذة أحد المتاجر في أرلينغتون بولاية فرجينيا الأميركية (رويترز)

ارتفاع طفيف في طلبات إعانة البطالة الأميركية وسط استقرار سوق العمل

ارتفع عدد الأميركيين المتقدمين بطلبات جديدة للحصول على إعانات البطالة بشكل طفيف خلال الأسبوع الماضي، في إشارة إلى استمرار استقرار سوق العمل...

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد حاويات شحن مكدّسة على رصيف بمحطة «ريد هوك» في بروكلين (رويترز)

ارتفاع حاد في أسعار الواردات الأميركية خلال أبريل مع قفزة قياسية للوقود

ارتفعت أسعار الواردات الأميركية بشكل حاد خلال شهر أبريل مع تسجيل أسعار الوقود أكبر زيادة لها في أربع سنوات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)

العقود الآجلة لـ«ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك» تسجل مستويات قياسية

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشري «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك» إلى مستويات قياسية جديدة يوم الخميس، مدعومة بقفزة في أسهم شركة «إنفيديا».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد وارش أثناء إدلائه بشهادته أمام اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ 21 أبريل (رويترز)

وارش في مواجهة نيران السندات والتضخم وسط انقسام بين طموحات ترمب وحذر الأسواق

بإقرار مجلس الشيوخ الأميركي الأربعاء تعيين كيفين وارش رئيساً جديداً للاحتياطي الفيدرالي يبدأ عهد جديد في السياسة النقدية الأميركية خلفاً لجيروم باول

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

بعثة من صندوق النقد في مصر لبدء مراجعة قد تمنح القاهرة 1.6 مليار دولار

مصريون في منطقة وسط القاهرة ليلاً (الشرق الأوسط)
مصريون في منطقة وسط القاهرة ليلاً (الشرق الأوسط)
TT

بعثة من صندوق النقد في مصر لبدء مراجعة قد تمنح القاهرة 1.6 مليار دولار

مصريون في منطقة وسط القاهرة ليلاً (الشرق الأوسط)
مصريون في منطقة وسط القاهرة ليلاً (الشرق الأوسط)

أعلن صندوق النقد الدولي يوم الخميس أن بعثة خبراء توجد حالياً في مصر لإجراء أحدث المراجعات على برنامجي تسهيل الصندوق الممدد وصندوق المرونة والاستدامة، والتي ستحدد إمكانية صرف 1.6 مليار دولار.

وصرحت المتحدثة باسم الصندوق، جولي كوزاك، في مؤتمر صحافي، بأنه في حال أسفرت بعثة المراجعة عن اتفاق على مستوى الخبراء مع السلطات المصرية، فمن الممكن أن يُجرى تصويت من مجلس الإدارة خلال أشهر الصيف على استكمال المراجعات وصرف الأموال.


صندوق النقد عن قمة بكين: حوار بنّاء يصبّ في مصلحة الاقتصاد العالمي

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

صندوق النقد عن قمة بكين: حوار بنّاء يصبّ في مصلحة الاقتصاد العالمي

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

أعلن صندوق النقد الدولي، يوم الخميس، ترحيبه بالحوار الإيجابي الأولي بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ، مضيفاً أن خفض التوتر وعدم اليقين بين أكبر اقتصادين في العالم يصبّ في مصلحة العالم.

وقالت المتحدثة باسم صندوق النقد الدولي، جولي كوزاك، في مؤتمر صحافي، رداً على سؤال حول النتائج الأولية لقمة ترمب - شي، في بكين: «من المهم للغاية، بالطبع، أن ينخرط أكبر اقتصادين في العالم في حوار على أعلى مستوى».


البديوي: المرحلة تفرض «تكاملاً عملياً» لمواجهة التحديات

البديوي متحدثاً خلال ترؤسه اجتماع لجنة التعاون المالي والاقتصادي بدول مجلس التعاون (إكس)
البديوي متحدثاً خلال ترؤسه اجتماع لجنة التعاون المالي والاقتصادي بدول مجلس التعاون (إكس)
TT

البديوي: المرحلة تفرض «تكاملاً عملياً» لمواجهة التحديات

البديوي متحدثاً خلال ترؤسه اجتماع لجنة التعاون المالي والاقتصادي بدول مجلس التعاون (إكس)
البديوي متحدثاً خلال ترؤسه اجتماع لجنة التعاون المالي والاقتصادي بدول مجلس التعاون (إكس)

أكد الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، جاسم البديوي، أن المرحلة الدقيقة التي تمر بها المنطقة تفرض الانتقال من مستوى التنسيق التقليدي إلى مستوى أعلى من «التكامل العملي»، والاستجابة الفاعلة، مشدداً على أن الاعتداءات الإيرانية السافرة التي استهدفت دول المجلس تحتم اتخاذ تدابير استباقية لتعزيز الاستقرار المالي والاقتصادي.

جاء ذلك خلال ترؤس البديوي للاجتماع الـ125 للجنة التعاون المالي والاقتصادي بدول مجلس التعاون، الذي عُقد «افتراضياً»، الخميس، برئاسة البحرين، وبمشاركة وزراء المالية والاقتصاد، وفي مقدمتهم وزير المالية محمد الذي رأس وفد المملكة في الاجتماع.

ونقل البديوي، خلال الاجتماع، توجيهات قادة دول المجلس في لقائهم التشاوري الأخير بجدة، والتي شددت على ضرورة التسريع في تنفيذ المشاريع الخليجية الكبرى لضمان الأمن القومي والاقتصادي، وفي مقدمتها: الإسراع في تنفيذ مشروع سكة الحديد الخليجية، وتعزيز الربط الكهربائي والمائي، ودراسة إنشاء أنابيب لنقل النفط والغاز لتعزيز مرونة الإمدادات، والمضي قدماً في إنشاء مناطق للمخزون الاستراتيجي الخليجي ومراعاة احتياطيات السيولة لدى البنوك المركزية.

اجتماع عن بعد للجنة التعاون المالي والاقتصادي لدول مجلس التعاون (وزارة المالية)

مخرجات الاجتماع

وبحث الوزراء، خلال الاجتماع، سبل تحصين المكتسبات الاقتصادية المحققة، حيث تم اعتماد خطة عمل لجنة السوق الخليجية المشتركة للأعوام (2026 - 2028)، والتي تهدف إلى فتح آفاق جديدة للتبادل التجاري والاستثماري بين دول المجلس.

كما استعرض الاجتماع التقدم المحرز في متطلبات الاتحاد الجمركي، واعتمد الدليل الاسترشادي للمشاركات الدولية، مؤكداً أهمية توحيد الموقف الاقتصادي الخليجي في المحافل العالمية لمواجهة الأزمات المتسارعة وتداعياتها على اقتصاديات دول المجلس المنفتحة على العالم.

كما لم يغب المشهد الجيوسياسي عن طاولة النقاش؛ إذ جرى تناول التطورات التي تشهدها المنطقة وتداعياتها على دول المجلس، وسبل تعزيز التنسيق المشترك في التعامل معها.