«ديب سيك» الصيني للذكاء الاصطناعي يضرب أسهم التكنولوجيا العالمية

«إنفيديا» تكبدت أكبر خسارة يومية لشركة من قيمتها السوقية في التاريخ

شعارا «ديب سيك» و«أوبن إيه آي» في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)
شعارا «ديب سيك» و«أوبن إيه آي» في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)
TT

«ديب سيك» الصيني للذكاء الاصطناعي يضرب أسهم التكنولوجيا العالمية

شعارا «ديب سيك» و«أوبن إيه آي» في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)
شعارا «ديب سيك» و«أوبن إيه آي» في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

هزت شركة الذكاء الاصطناعي الصينية الناشئة «ديب سيك» أسواق التكنولوجيا العالمية يوم الاثنين، مما أثار شكوكاً حول هيمنة الولايات المتحدة التكنولوجية، ولتصبح معها أسواق الذكاء الاصطناعي على أعتاب مرحلة جديدة من التنافس الدولي.

وتصاعدت الضجة المثارة حول «ديب سيك» خلال عطلة نهاية الأسبوع بسبب نموذج الذكاء الاصطناعي الجديد الذي طورته الشركة، والذي يتميز بفاعلية التكلفة وإمكانية تشغيله باستخدام رقائق أقل تقدماً، مما أثار شكوكاً حول التقييمات العالية للشركات مثل «إنفيديا»، التي قادت طفرة أسهم الذكاء الاصطناعي العالمية بفضل رقائقها التي تُعتبر أساسية لهذه التكنولوجيا.

وهوت أسهم التكنولوجيا الأميركية عند جرس افتتاح «وول ستريت» بعد أن أشعلت التطورات التي حققتها شركة الذكاء الاصطناعي الصينية الناشئة المخاوف بشأن ما إذا كانت أميركا قادرة على الحفاظ على تقدمها في مجال الذكاء الاصطناعي. وانخفض مؤشر «ناسداك» المركب الذي يعتمد على التكنولوجيا بنسبة 3.5 في المائة بعد فترة وجيزة من جرس الافتتاح، بينما انخفض مؤشر «ستاندرد أند بورز» الأوسع نطاقاً بنحو اثنين في المائة.

وانخفضت أسهم شركة «إنفيديا» التي ارتفعت العام الماضي على رهانات أن شركات التكنولوجيا الكبرى ستحتاج إلى أعداد هائلة من الرقائق المتقدمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها بنسبة 13 في المائة، ومحت 465 مليار دولار من قيمتها السوقية، متكبدةً أكبر خسارة يومية من قيمتها السوقية في التاريخ.

وفي أوروبا، قادت أسهم التكنولوجيا الخسائر في السوق، حيث تراجعت أسهم شركة «إيه إس إم إل هولدينغ» المصنعة لمعدات أشباه الموصلات بما يصل إلى 12 في المائة. كما ارتفع مؤشر «Cboe» الذي يقيس تقلبات الأسهم، وفق ما ذكرت «بلومبرغ». وقالت «إذا استمرت هذه الخسائر، فإن مؤشري (ناسداك 100) و(ستوكس 600) الأوروبي الفرعي لقطاع التكنولوجيا قد يشهدان انخفاضاً في القيمة السوقية بنحو 1.2 تريليون دولار».

كما تأثرت أسواق التكنولوجيا الآسيوية، حيث تراجعت أسهم شركتي الرقائق اليابانيتين «كيسكو كورب» و«أدفانتست»، الشريكتين لشركة «إنفيديا»، بنسبة 2.9 في المائة و8.1 في المائة على التوالي. كذلك، هبطت أسهم شركة «إس إم آي سي»، الرائدة في صناعة الرقائق في الصين، بنسبة 2.5 في المائة.

وخسرت مجموعة «سوفت بنك» اليابانية 8.3 في المائة، عائدة إلى مستوياتها السابقة قبل الإعلان عن شراكتها مع البيت الأبيض التي كانت ستستثمر نحو 500 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

كل هذه المخاوف أدت إلى زيادة مقياس التوتر بين المستثمرين الذين يحتفظون بالأسهم الأميركية، ليصل إلى أكبر قفزة له منذ أغسطس (آب). كما دفع ذلك المستثمرين نحو السندات التي تعتبر استثمارات أكثر أماناً مقارنة بالأسهم. وقد أدى هذا الاندفاع إلى انخفاض عائدات سندات الخزانة الأميركية لمدة 10 سنوات إلى 4.53 في المائة بعد أن كانت 4.62 في المائة في نهاية يوم الجمعة الماضي.

وكانت الشركة التي أسسها مدير صندوق التحوط، ليانغ وينفينغ، قد كشفت عن نموذجها المتقدم «آر 1»، وهو نموذج لغوي ضخم بميزانية محدودة نسبياً بتكلفة لا تتجاوز 6 ملايين دولار، باستخدام شرائح «إنفيديا إتش 800» الأقل تطوراً، مما أظهر قدرة الفريق الصيني على تحقيق أقصى استفادة من الموارد المتاحة، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً في الأوساط التكنولوجية وأسواق المال العالمية، خصوصاً في وادي السيليكون، حول ما إذا كانت الشركات الأميركية ذات الموارد الأكبر، مثل «ميتا» و«أنثروبيك»، قادرة على الحفاظ على تفوقها التقني في ظل هذا التحدي الجديد.

لماذا يثير «ديب سيك» القلق في الولايات المتحدة؟

حظرت الولايات المتحدة تصدير تقنيات متقدمة، مثل رقائق «جي بي يو» إلى الصين، في محاولة لإبطاء تقدمها في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو المجال الذي يُعد من الجبهات الرئيسة في التنافس بين الولايات المتحدة والصين للهيمنة التقنية. لكن تقدم «ديب سيك» يشير إلى أن مهندسي الذكاء الاصطناعي في الصين تمكنوا من تجاوز هذه القيود عبر التركيز على زيادة الكفاءة باستخدام موارد محدودة. ورغم أنه غير واضح مدى وصول «ديب سيك» إلى الأجهزة المتقدمة للتدريب، فإن الشركة أظهرت ما يكفي للإشارة إلى أن هذه القيود التجارية لم تقف أمام تقدمها بالشكل المتوقع. واعتبر هذا الإنجاز دليلاً على قدرة الصين على تحقيق اختراقات تقنية رغم القيود التي فرضتها واشنطن على تصدير الرقائق المتقدمة، وهو ما فتح المجال للتساؤلات حول فاعلية السياسات الأميركية وحجم قدرة الشركات الصينية على الابتكار في ظل هذه القيود.

تداعيات «ديب سيك» على سوق الذكاء الاصطناعي عالمياً

قد يدفع نجاح «ديب سيك» شركات، مثل «أوبن إيه آي» و«ميتا»، إلى خفض أسعار خدماتها للحفاظ على ريادتها. كما يثير هذا النجاح تساؤلات حول الإنفاق الضخم من قبل شركات مثل «ميتا» و«مايكروسوفت» خصصت ميزانيات رأسمالية تتجاوز 65 مليار دولار هذا العام، معظمها موجه نحو البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. هذا التحول تسبب في اضطراب أسواق الأسهم الآسيوية، حيث بدأ المستثمرون في البحث عن الشركات الصينية المرتبطة بـ«ديب سيك»، مثل «إيفلايتك»، والتحول بعيداً عن شركات سلسلة إمدادات الرقائق مثل «أدفانتست» التي قد تواجه نقصاً في الطلب على أشباه الموصلات الخاصة بالذكاء الاصطناعي.

وبدأ المطورون في جميع أنحاء العالم في تجربة برمجيات «ديب سيك»، وبناء أدوات باستخدامها، ما قد يُسهم في تسريع اعتماد نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة في التفكير. إلا أن هذا قد يثير القلق بشأن الحاجة إلى وضع ضوابط على كيفية استخدام هذه التكنولوجيا. وقد يسهم تقدم «ديب سيك» أيضاً في تسريع فرض التنظيمات لمراقبة تطور الذكاء الاصطناعي.


مقالات ذات صلة

ترمب يعتزم تشكيل «قوة للذكاء الاصطناعي»

تكنولوجيا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

ترمب يعتزم تشكيل «قوة للذكاء الاصطناعي»

كتب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، يوم السبت، أنه بصدد تشكيل «قوة للذكاء الاصطناعي» للإشراف على تنظيم هذا المجال.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
صحتك سيدة مصابة بمرض ألزهايمر تستخدم هاتفاً للتحدث مع برنامج الدردشة «ليفانا» (أ.ف.ب)

أصوات مألوفة وحيوانات أليفة... الذكاء الاصطناعي في خدمة مرضى ألزهايمر

يُساعد الذكاء الاصطناعي على تهدئة المسنّين خلال نوبات الانفعال الشديد من دون الحاجة إلى أدوية، كما يشكل وسيلة لإبقاء المريض منشغلاً ريثما يتوفر أحد المتخصصين.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي» سام ألتمان بجانب رؤساء شركات تكنولوجيا أميركية خلال مأدبة عشاء في البيت الأبيض 5 سبتمبر 2025 (البيت الأبيض)

عمالقة التكنولوجيا يلتقون الرئيس الصيني بالبيت الأبيض وسط سباق الذكاء الاصطناعي

يشارك رئيس «إنفيديا» والرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي» إلى جانب عدد من أبرز قادة قطاع التكنولوجيا في مأدبة عشاء يقيمها البيت الأبيض على شرف الرئيس الصيني.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس كارل فينسون» (رويترز)

تقرير استخباراتي أعده الذكاء الاصطناعي كاد يشعل حرباً بين أميركا والصين

حادثة لم يسبق الإبلاغ عنها كادت تشعل مواجهة مسلحة بين الولايات المتحدة والصين في الشرق الأوسط خلال هذا العام.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ سفينة حربية صينية (أرشيفية - رويترز)

خطأ الذكاء الاصطناعي كاد يشعل حرباً بين أميركا والصين

كان الجيش الأميركي على وشك الصعود إلى سفينة صينية في الشرق الأوسط في وقت سابق من هذا العام، بناءً على تقرير استخباراتي خاطئ أُعد بمساعدة الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

اقتصاد الحرب يدفع الجنيه السوداني إلى الهاوية

استمرار هبوط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي مقابل الدولار (رويترز)
استمرار هبوط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي مقابل الدولار (رويترز)
TT

اقتصاد الحرب يدفع الجنيه السوداني إلى الهاوية

استمرار هبوط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي مقابل الدولار (رويترز)
استمرار هبوط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي مقابل الدولار (رويترز)

دخل السودان منعطفاً جديداً مع التراجع الحاد في سعر صرف عملته «الجنيه» أمام العملات الأجنبية، ليتجاوز سعر الدولار 9 آلاف جنيه، في بعض تعاملات السوق الموازية خلال الأيام الماضية، قبل أن يستعيد الجنيه جزءاً من خسائره مؤقتاً، وسط تقلبات حادة أربكت الأسواق، ودفعت تجاراً إلى وقف البيع وإغلاق متاجرهم.

وتكشف حركة الصرف حجم التدهور، فالدولار الذي كان يدور حول 4400 جنيه في السوق الموازية في يونيو (حزيران) الماضي، قفز خلال نحو 3 أشهر إلى أكثر من 9 آلاف جنيه في ذروة موجة سبتمبر (أيلول) الحالي، أي أن عدد الجنيهات المطلوبة لشراء دولار واحد تضاعف تقريباً خلال مدة قصيرة.

وفي المقابل، ظلت الأسعار المعلنة في عدد من المصارف أدنى كثيراً من السوق الموازية؛ ما يعكس اتساع الفجوة بين السعر الرسمي المصرفي والسعر الذي يحصل به المتعاملون على النقد الأجنبي في السوق الموازية خارج البنوك، وبعد تراجع محدود في سعر الصرف، يوم الجمعة، عاد سعر الصرف ليتجاوز حاجز 8 آلاف جنيه مجدداً، السبت، وسط شح في العملة الأميركية داخل البنوك.

وأدخل رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان الأزمة الاقتصادية مباشرة ضمن سياق الحرب، قائلاً عقب صلاة الجمعة في منطقة بري بالخرطوم، إن «المعركة تعددت أوجهها»، وإن الأزمة الاقتصادية وغلاء الأسعار وشح الموارد «جزء من هذه المعركة»، وتعهد بالخروج منها «منتصرين كما أخرجنا التمرد من الخرطوم وغيرها من المدن».

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان قال إن الغلاء «جزء من المعركة» وتعهد بالخروج منها منتصرين (أ.ف.ب)

وتكشف أرقام الصرف والأسواق والذهب أن «المعركة الاقتصادية» أكثر تعقيداً من السيطرة على المضاربين؛ إذ يتداخل فيها اقتصاد الحرب، وشح النقد الأجنبي، وتراجع الإنتاج، واختلال التجارة الخارجية، وتهريب الذهب.

تصاعد الأسعار

وينعكس أثر تراجع سعر صرف الجنيه مباشرة على حياة المواطنين، ففي جولة بأسواق الخرطوم وود مدني في 18 سبتمبر الحالي قام بها «راديو تمازج»، المحلي وقال إن سعر جوال السكر زنة 50 كيلوغراماً، قفز من 380 ألف جنيه إلى 470 ألفاً، بزيادة تقارب 24 في المائة، بينما ارتفع جوال الدقيق من 80 ألفاً إلى 120 ألف جنيه، أي بنحو 50 في المائة.

وأفاد المصدر نفسه بأن غالبية المحال التي شملتها الجولة كانت مغلقة، وأن تجاراً توقفوا عن البيع بسبب التقلب السريع للأسعار، وعدم قدرتهم على تحديد تكلفة تعويض البضائع التي يبيعونها.

وامتدت حالات الإغلاق إلى مدن أخرى، ففي الدامر بولاية نهر النيل تحدثت تقارير محلية عن اتساع إغلاق المتاجر وامتناع تجار عن البيع، بينما أفادت تقارير من الدويم عاصمة ولاية النيل الأزرق، بإغلاق نحو ثلاثة أرباع المحال التجارية، استناداً إلى إفادات تجار محليين.

وفي تمبول بولاية الجزيرة، تداول ناشطون شهادة محلية تصف سوق المدينة بأنها شبه متوقفة، مع إغلاق المتاجر وشح السلع، وأوردت أسعاراً بلغت 600 ألف جنيه لجوال السكر زنه 50 كيلوغراماً، و500 ألف لجوال الذرة، و400 ألف لعبوة الزيت سعة 36 رطلاً، و150 ألفاً لجوال الدقيق، ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه الأسعار أو من أن الإغلاق شمل السوق بأكملها.

جانب من سوق الخضر بأم درمان (الشرق الأوسط)

وتظهر الأزمة نفسها في شهادة إبراهيم إدريس وهو صاحب بقالة، الذي يقول إن رأس ماله لم يعد يكفي لتوفير الأصناف والكميات التي كان يبيعها سابقاً، ويشير إلى ارتفاع سعر عبوة زيت الطعام زنة 36 رطلاً من نحو 170 ألف جنيه إلى قرابة 350 ألفاً خلال الشهر الماضي، أي أكثر من الضعف، بينما أصبح الزبائن يشترون كميات أقل، ويلجأ عدد أكبر منهم إلى الشراء بالأجل.

وتقول نهلة خليفة وهي ربة منزل من أم درمان في إفادة سابقة لـ«الشرق الأوسط»، إن أسرتها استغنت عن اللحوم واللبن والخضراوات في أوقات كثيرة، بينما أصبح الحصول على علاج زوجها المصاب بالسكري أكثر صعوبة.

أما عثمان الجندي أحد المشرفين على «تكايا» في الخرطوم، فيقول في إفادة لـ«الشرق الأوسط» قبل التراجع الحاد في سعر الصرف بأيام، إن تراجع التمويل وارتفاع الأسعار وتدهور قيمة الجنيه، أسهمت في توقف عدد من المطابخ المجانية «التكايا»، ولم يتبق في نطاق عمله سوى تكيتين تعملان يومياً، في وقت تزداد فيه أعداد المحتاجين، وبينهم نازحون من كردفان وأطفال ونساء وكبار سن وأشخاص ذوو إعاقة.

تراجع انتاج الذهب

تظهر المفارقة الأكبر عند الانتقال إلى الذهب، فوفقاً لبيانات الشركة السودانية للموارد المعدنية، تجاوز الإنتاج المسجل في 2025 نحو 70.15 طن، منها نحو 58.38 طن من التعدين التقليدي، وقرابة 5.68 طن من شركات مخلفات التعدين، ونحو 5.96 طن من شركات الامتياز. لكن أرقام الذهب الذي دخل قنوات التصدير الرسمية أقل كثيراً من الإنتاج، فقد أظهرت بيانات منسوبة إلى بنك السودان تصدير نحو 14.7 طن بقيمة تقارب 1.54 مليار دولار خلال 2025، بينما تحدث وزير المالية في تقديرات أخرى عن دخول نحو 20 طناً إلى القنوات الرسمية.

والفارق لا يمكن اعتباره كله ذهباً مهرباً، لوجود مخزونات واستهلاك وتجارة داخلية واختلاف في طرق احتساب البيانات، لكنه يكشف حجم الفجوة بين الإنتاج المسجل وما يظهر في الصادرات الرسمية.

وكان مسؤول بالشركة السودانية للموارد المعدنية قد قدّر أن نحو 48 في المائة من إنتاج 2024 جرى تهريبه؛ ما يعني فقدان جانب كبير من النقد الأجنبي الذي كان يمكن أن يدخل الجهاز المصرفي.

نساء نازحات يصنعن طعاماً حصلن عليه بشق الأنفس وأطفالهن ينتظرون (يونسيف)

ولا ينفصل الذهب عن الحرب؛ إذ تشير دراسة لمعهد «تشاتام هاوس» إلى استفادة طرفي الصراع من اقتصاد الذهب وشبكات إنتاجه وتجارته، وإن بطرق ومناطق نفوذ مختلفة، وربطت عائدات القطاع بالقدرة على تمويل العمليات، والحصول على الموارد والأسلحة والإمدادات.

ولا يعني ذلك أن حصائل صادرات الذهب الرسمية تذهب كلها إلى الإنفاق العسكري؛ إذ تستخدم الدولة النقد الأجنبي أيضاً لتمويل واردات الوقود والقمح والسلع والاحتياجات الأخرى.

وتأتي مفارقة إضافية من داخل قطاع الذهب نفسه، إذ هددت 23 شركة تعدين بالتوقف التدريجي عن الإنتاج بداية من 30 سبتمبر الحالي، وصولاً إلى التوقف الكامل في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، احتجاجاً على آلية شراء بنك السودان المركزي للذهب.

وتقول هذه الشركات إنها تنتج نحو 17 في المائة من إجمالي ذهب البلاد، وإن السعر الذي يشتري به البنك المركزي لا يغطي الارتفاع في تكاليف الوقود والنقل والأجور والتشغيل الناتج من تراجع الجنيه.

ولا تقف المفارقات عند سوق الذهب، ففي الوقت الذي تجاوز فيه الدولار 9 آلاف جنيه في بعض تعاملات مناطق سيطرة الحكومة، سجل في نيالا نحو 4600 جنيه نقداً، بينما وصل سعره عبر التحويل بتطبيق «بنكك» إلى نحو 6500 جنيه.

أي أن الدولار النقدي في نيالا كان، في اللحظة نفسها تقريباً، يقارب نصف مستواه الذي سجله في بعض أسواق مناطق الحكومة.

ولا يعني ذلك أن اقتصاد مناطق سيطرة «قوات الدعم السريع» أقوى، فخبراء ومتعاملون يعزون جزءاً مهماً من الفارق إلى شح الأوراق النقدية «السيولة» في دارفور، واختلاف مسارات التجارة وتدفق العملات الأجنبية، فضلاً عن ارتباط أسواق غرب السودان بتشاد وليبيا وجنوب السودان، كما يكشف الفارق بين 4600 جنيه نقداً و6500 عبر التحويل داخل نيالا نفسها، حجم التشوه الناتج من أزمة السيولة.

البحث عن حلول

مع تسارع تراجع سعر صرف الجنيه، شكلت اللجنة الوطنية لإدارة الاقتصاد برئاسة رئيس الوزراء كامل إدريس، لجنة برئاسة وزير المالية جبريل إبراهيم لمعالجة أزمة سعر الصرف.

وتشمل الإجراءات المعلنة التي توصلت إليها زيادة الإنتاج في الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين، وتشجيع الصناعات التحويلية والصادرات، وتقليص الواردات، وضبط تجارة الذهب ومكافحة تهريبه، وإلزام المصدرين بإعادة حصائل الصادر، إلى جانب مواجهة المضاربة، وتجارة العملات خارج القنوات الرسمية.

لكن مقارنة الأرقام تضع تلك الإجراءات أمام اختبار واضح: «الدولار تجاوز 9 آلاف جنيه رغم التدخلات السابقة، وإنتاج الذهب تجاوز 70 طناً، بينما لم تظهر سوى كميات أقل كثيراً في الصادرات الرسمية، وشركات تنتج 17 في المائة من الذهب تهدد بالتوقف، بينما أغلقت متاجر أبوابها؛ لأن التجار لم يعودوا قادرين على تثبيت أسعار بضائعهم.

وبين تعهد البرهان بالخروج منتصراً من «المعركة الاقتصادية» وهذه الأرقام، تتلخص المفارقة في بلد ينتج أكثر من 70 طناً من الذهب سنوياً، لكنه يعاني شح العملات الأجنبية، ويتجاوز الدولار فيه 9 آلاف جنيه في سوق، ويباع بنحو 4600 في سوق أخرى، بينما ارتفع الدقيق في بعض الأسواق 50 في المائة خلال موجة التقلب الأخيرة.

وهكذا لا يصبح السؤال بالنسبة إلى السودانيين: «متى يتراجع سعر الدولار فحسب، وإنما كم تبقى للجنيه من قيمة حقيقية، وكم يستطيع أن يشتري من الغذاء والدواء في اليوم التالي؟».


الدين العام الفرنسي في أعلى مستوى منذ 1995

يستمتع الناس بالقرب من برج إيفل في باريس (رويترز)
يستمتع الناس بالقرب من برج إيفل في باريس (رويترز)
TT

الدين العام الفرنسي في أعلى مستوى منذ 1995

يستمتع الناس بالقرب من برج إيفل في باريس (رويترز)
يستمتع الناس بالقرب من برج إيفل في باريس (رويترز)

أفادت وزارة المال الفرنسية، السبت، بأنَّ الدين العام سيسجِّل هذه السنة أعلى مستوى منذ عام 1995، مدفوعاً بعجز حاد في الموازنة.

وقال مصدر في الوزارة لصحافيِّين إن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي ستصل إلى 119.3 في المائة عام 2026، وإلى 121.7 في المائة عام 2027، أي نحو ضعف السقف المرجعي البالغ 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي والذي يفترض بدول الاتحاد الأوروبي التزامه. وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وهذه المستويات القياسية هي الأعلى على الإطلاق منذ بدأ «المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية» برصد مستويات الدين وفق المنهج الحالي أواخر عام 1995.

وقال المصدر إن ارتفاع ديون فرنسا يحدث «بشكل تلقائي» نتيجة «استمرار العجز المرتفع» في الموازنة.

وبموجب قواعد الاتحاد الأوروبي، ينبغي ألا يتجاوز العجز العام، أي الفارق السنوي بين الإيرادات والإنفاق، مستوى 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

لكن العجز بلغ 5.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي، بينما تتوقع الحكومة أن يصل إلى 5.4 في المائة هذا العام.

وتخضع فرنسا منذ عامين لمراقبة خاصة من الاتحاد الأوروبي؛ بسبب ارتفاع العجز.

وتتوقع باريس أن ينخفض العجز إلى 5 في المائة العام المقبل، وهو الموعد المقرر لإجراء انتخابات رئاسية مع انتهاء الولاية الثانية والأخيرة للرئيس إيمانويل ماكرون.

وقدَّمت الحكومة مشروع موازنة 2027 إلى المجلس الأعلى للمالية العامة، وهو هيئة مستقلة للرقابة المالية، لتقييم مدى قابليتها للتنفيذ من منظور الاقتصاد الكلي.

وقال رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، الخميس، إن الحكومة تعتزم إجراء تعديلات وخفض النفقات بقيمة 54 مليار يورو (62 مليار دولار) في موازنة 2027.

لكن مع اقتراب الانتخابات، ترك للبرلمان حسم بعض الإجراءات الأكثر حساسية، ومن بينها اقتراح حكومي لخفض الإعفاءات الضريبية الممنوحة للمتقاعدين.

ويشهد الاقتصاد الفرنسي تباطؤاً منذ الرُّبع الثالث من العام الماضي، متأثراً بضعف الإنفاق الاستهلاكي، فضلاً عن ارتفاع أسعار الطاقة؛ بسبب الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.


صندوق النقد: الذكاء الاصطناعي قد يرفع إنتاجية أوروبا 1 % خلال 5 سنوات

يظهر مصطلح «الذكاء الاصطناعي» وصورة مصغرة للروبوت وعَلم الاتحاد الأوروبي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
يظهر مصطلح «الذكاء الاصطناعي» وصورة مصغرة للروبوت وعَلم الاتحاد الأوروبي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

صندوق النقد: الذكاء الاصطناعي قد يرفع إنتاجية أوروبا 1 % خلال 5 سنوات

يظهر مصطلح «الذكاء الاصطناعي» وصورة مصغرة للروبوت وعَلم الاتحاد الأوروبي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
يظهر مصطلح «الذكاء الاصطناعي» وصورة مصغرة للروبوت وعَلم الاتحاد الأوروبي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

أشارت ورقة صادرة عن صندوق النقد الدولي إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يرفع إنتاجية أوروبا بنحو 1 في المائة خلال 5 سنوات، لكنه ينطوي على مخاطر تتمثل في توسيع فجوات عدم المساواة والضغط على شبكات الكهرباء، وزيادة الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية، ما لم تعمق الحكومات التكامل الاقتصادي.

وقالت الورقة، التي أعدت لاجتماع غير رسمي لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي في دبلن يومي 18 و19 سبتمبر (أيلول)، إنه من المرجح أن تتوزع منافع الذكاء الاصطناعي وتكاليفه بشكل غير متكافئ بين الدول والمناطق والعمال، وفقاً لوكالة «رويترز» السبت.

وأضافت أن استكمال السوق الأوروبية الموحدة من شأنه أن يساعد على نشر استخدام الذكاء الاصطناعي ومكاسبه بصورة أكثر توازناً عبر دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين.

وتعكس الورقة مخاوف سبق أن أثارها الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي، ماريو دراغي، والمفوضية الأوروبية بشأن أن تفرق أسواق رأس المال والعمل والطاقة في أوروبا يحد من الاستثمار والابتكار.

وقدر صندوق النقد الدولي أن نحو 60 في المائة من العاملين في الاقتصادات الأوروبية المتقدمة يعملون في وظائف شديدة التأثر بالذكاء الاصطناعي.

وقال إنه في حين قد يتمكن بعضهم من زيادة إنتاجيتهم عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، يواجه آخرون خطر الاستغناء عنهم مع أتمتة المهام الروتينية، خصوصاً في الوظائف التي يرجح أن يحل فيها الذكاء الاصطناعي محل العمالة بدلاً من أن يكملها.

وقالت الورقة إن مراكز البيانات في أوروبا تستهلك بالفعل نحو 3 في المائة من كهرباء القارة، وإن الطلب سيرتفع بشدة مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي.

وتُعد مراكز التكنولوجيا الرئيسية مثل فرانكفورت ولندن وأمستردام وباريس ودبلن، من أكثر المناطق عرضة للتأثر، إذ تشكل تجمعات مراكز البيانات فيها ضغوطاً على شبكات الكهرباء المحلية.

وقال صندوق النقد الدولي إنه للتعامل مع ذلك، ينبغي للاتحاد الأوروبي الاستثمار في البنية التحتية العابرة للحدود لشبكات الكهرباء وتعميق تكامل سوق الطاقة الأوروبية.

وحذّرت الورقة أيضاً من أن أوروبا تواجه خطر تطوير شكل جديد من التبعية الاستراتيجية؛ لأن الولايات المتحدة والصين تهيمنان على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي. وقالت إن أوروبا ستحتاج إلى استثمارات كبيرة في قطاع الذكاء الاصطناعي الخاص بها لتجنب الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية.

وأضافت أن مكاسب الذكاء الاصطناعي من المرجح أيضاً أن تتوزع بشكل غير متكافئ بين دول الاتحاد الأوروبي وداخل كل دولة، إذ يتوقع أن تستفيد الاقتصادات الأكثر تقدماً بصورة أكبر؛ لأنها أكثر استعداداً لهذه التكنولوجيا وأكثر تعرضاً لها.