صلات منفذي هجوم جسر لندن بهجمات «7 ـ 7»

شاه بات واحد من 3 آلاف متطرف يخضعون لـ500 تحقيق

ضباط شرطة ومواطنون في دقيقة صمت أمس حدادا على ضحايا الهجوم الإرهابي على «جسر لندن» السبت الماضي (أ.ف.ب) - المهاجمون الثلاثة (بالترتيب) خورام شاه بات ورشيد رضوان والمغربي يوسف زغبة (اسكوتلنديارد)
ضباط شرطة ومواطنون في دقيقة صمت أمس حدادا على ضحايا الهجوم الإرهابي على «جسر لندن» السبت الماضي (أ.ف.ب) - المهاجمون الثلاثة (بالترتيب) خورام شاه بات ورشيد رضوان والمغربي يوسف زغبة (اسكوتلنديارد)
TT

صلات منفذي هجوم جسر لندن بهجمات «7 ـ 7»

ضباط شرطة ومواطنون في دقيقة صمت أمس حدادا على ضحايا الهجوم الإرهابي على «جسر لندن» السبت الماضي (أ.ف.ب) - المهاجمون الثلاثة (بالترتيب) خورام شاه بات ورشيد رضوان والمغربي يوسف زغبة (اسكوتلنديارد)
ضباط شرطة ومواطنون في دقيقة صمت أمس حدادا على ضحايا الهجوم الإرهابي على «جسر لندن» السبت الماضي (أ.ف.ب) - المهاجمون الثلاثة (بالترتيب) خورام شاه بات ورشيد رضوان والمغربي يوسف زغبة (اسكوتلنديارد)

تمكن خورام شاه زاد بات، قائد المجموعة الإرهابية التي نفذت الهجوم الإرهابي فوق جسر لندن، من تنفيذ أعمال القتل الوحشية رغم ارتباطه بواحد من المتورطين في تفجيرات «7 - 7».
أيضاً، تولت الخدمات الأمنية والشرطة مراقبة منفذ الاعتداء بات، 27 عاماً، لكنها اعتبرته ذا «أولوية ضئيلة»، رغم أنه قائد مجموعة الرجال الثلاثة الذين ارتكبوا مذبحة بورو ماركيت، السبت الماضي، التي خلفت سبعة قتلى و48 مصاباً. يذكر أن بات ينتمي في الأصل إلى باكستان، بل ومن المعتقد أن له صلات بالرجل الذي تولى «تدريب» محمد صديق خان، أحد الانتحاريين المتورطين في تفجيرات لندن 2005 التي أسفرت عن مقتل 52 شخصا في أعقاب تفجير أحد قطارات الأنفاق وحافلة ذات طابقين.
ويثير ذلك التساؤلات حول كيف تمكن بات، الذي سبق له الظهور في فيلم تسجيلي من إنتاج القناة الرابعة حول «الجهاديين داخل المملكة المتحدة»، من ارتكاب هذا الهجوم الإرهابي، بل والحصول على وظيفة بهيئة قطارات أنفاق لندن.
من جانبها، أكدت شرطة العاصمة أن بات، وهو أب لطفلين، كان واحدا من 3 آلاف متطرف يخضعون لـ500 تحقيق داخل المملكة المتحدة، لكن جرى التعامل معه باعتباره «أولوية منخفضة» رغم الإبلاغ عنه لدى الخطوط الساخنة المعنية بمكافحة التطرف.
وتأتي هذه المعلومات في خضم تواتر أنباء عن تلقي شقيق بات الأكبر، سعد، 29 عاماً، تمويلا من منظمة «بريفنت» بهدف المعاونة في مكافحة التطرف.
وتبعا لما أوردته «ذي تايمز»، فإن بات، الذي عاش في منطقة باركينغ، سبق له العمل داخل صالة رياضية مخصصة للمسلمين تحمل اسم «أمة فيتنس» في شرق لندن مع سجيل شاهد، 41 عاماً، الذي عاون منفذي تفجيرات 2015 على التدريب داخل باكستان قبيل الهجمات.
وثمة أقاويل حول أن شاهد له أيضا صلات بأنجم تشودري الذي يحرض على الكراهية واتهم بإنشاء معسكر تدريبي يتبع تنظيم القاعدة في باكستان والمحتجز حاليا في سجن بيل مارش شديد الحراسة بلندن بتهم «الإرهاب». وأشارت الصحافة البريطانية إلى أن بات، الذي عمل في هيئة النقل العام بلندن، وشاهد كانا «صديقين مقربين» توليا إدارة فصول لتدريب الفنون القتالية، والتي حاول بات من خلالها استقطاب بعض التلاميذ الصغار باتجاه الفكر الراديكالي.
ومن المعتقد كذلك أن بات كان من داعمي جماعة «المهاجرين» المحظورة التي تزعمها تشودري والمرتبطة بمخططات إرهابية.
وفي الفيلم الوثائقي حمل شاه بات علم تنظيم داعش الإرهابي، وتحدث علنا عن تطرفه، وحسب الفيلم، فقد كان شاه زاد بات مع 8 أشخاص يحملون الفكر نفسه وقد أدوا الصلاة خلف علم التنظيم. وتقول «التايمز» البريطانية إنها حصلت على معلومات تؤكد ارتباط شاه زاد بات، بالخلية التي نفذت سلسلة الهجمات الدامية في يوليو (تموز) 2005 المعروفة بهجمات «7 – 7». وأشارت الصحيفة إلى أنه قدم يد المساعدة لمنفذي الهجوم، موضحة أنه كان على صلة بالانتحاري محمد خان الذي فجر نفسه في الهجمات التي راح ضحيتها أكثر من 50 قتيلا. وأضاف أن شاه زاد بات كان يعمل في ناد رياضي يديره ساجيل شهدي، الذي ينتمي إلى جماعة تشوردي المتطرفة المعروفة بالمجاهدين، وعلمت الصحيفة بأن الاثنين كانا على صلات وثيقة. ونشرت صورة تجمعه مع أنجم تشودري القيادي في جماعة «المجاهدين» المتطرفة في بريطانيا، وتحدثت الصحيفة عن ارتباط شاه زاد بات بتشودري.
وهذه بالطبع ليست الحالة الوحيدة التي تخفق فيها أجهزة، إذ شهد مايو (أيار) الماضي هجوما داميا في مدينة مانشستر راح ضحيته 22 شخصا كانوا يحضرون حفلا غنائيا.
وتبين أن منفذ الهجوم الانتحاري سلمان عبيدي معروف لدى أجهزة الأمن البريطانية، إذ أوضحت الحكومة حينها أن عبيدي كان معروفا لدى أجهزة الأمن البريطاني وكان مرتبطا بخلية متشددين في المدينة.
وقد أثيرت تساؤلات حول كيف تمكن شاه بات من تنفيذ مذبحة جسر لندن رغم كونه معروفا لدى الأجهزة الأمنية وارتباطه بصلات متنوعة مع منظمات متطرفة.
من جانبه، قال نائب مفوض اسكوتلنديارد، مارك رولي، إن بات كان معروفا لدى الشرطة وجهاز الاستخبارات الداخلية «إم آي5»، لكن نظرا لأن التحقيق الذي أجري معه عام 2015 لم يكشف عن دليل على تخطيطه لشن هجوم أو جريمة أخرى خطيرة، جرى التعامل معه كأولوية منخفضة.
أيضاً، جرى الإبلاغ عن بات لدى الخط الساخن المخصص لمكافحة الإرهاب عام 2015 لإبدائه مؤشرات على «التطرف أو الراديكالية»، حسبما أفاد رولي.
وقيل إن بات حاول اجتذاب عدد من الطلاب الصغار نحو الفكر الراديكالي من خلال فصول الفنون القتالية التي كان يتولى تقديمها في صالة الألعاب وداخل منطقة باركينغ من خلال عرض «الحلوى والنقود» عليهم.
وقال الجيران إن القلق ساورهم بخصوص سلوكه، كما جرى الإبلاغ بشأنه لدى خط ساخن لمكافحة الإرهاب عام 2015.
وتحول شاه بات نحو مستوى هائل من التطرف لدرجة أنه وصف المسلمين حالقي اللحية بالكفار، ورفض التحدث إلى النساء بصورة مباشرة، وجرى حظره من دخول المسجد لانتقاده المصلين والخطيب بعد تشجيعهم على المشاركة في الانتخابات العامة 2015 باعتبار أن «الديمقراطية كفر» تتناقض مع الإسلام.
من جهته، تساءل وزير الخارجية، بوريس جونسون، أمس: «كيف تمكن هذا الشخص من التسلل تحت أعين الأجهزة الأمنية مثلما فعل؟» وقال جونسون، الذي سبق له تولي منصب عمدة لندن: «للناس كل الحق في النظر إلى الصور الصادرة في صحف اليوم للفيلم التلفزيوني والتي يظهر فيها هذا الشخص والتساؤل كيف حدث هذا، وكيف تمكن مثل هذا الشخص من التسلل تحت سمع وبصر الأجهزة الأمنية على هذا النحو؟» يذكر أن بات تم الإعلان عن اسمه إرهابيا مشتبها به داخل إحدى محاكم نيويورك عام 2004 من جانب إرهابي سبق تحوله للعمل مخبرا لحساب الأجهزة الأمنية يدعى محمد جنيد بابار.
في تلك الأثناء، أشارت «ذي تايمز» كذلك إلى أن منظمة مناهضة للتطرف جرى إنشاؤها داخل منزل أسرة بات على يد شقيقه. وكان سعد، شقيق الإرهابي، عضوا في «المجموعة الاستشارية للمسلمين الشباب» التي أسسها حزب العمال للتواصل مع المجتمع المسلم بعد هجمات 2005 الإرهابية، وجرى وصفه باعتباره «صديقا بالغ الأهمية» للحكومة.


مقالات ذات صلة

البرلمان التركي يُسرّع وضع «قانون السلام» وسط احتجاج كردي

شؤون إقليمية الرئيس المشارك لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» ونواب الحزب خلال احتجاج داخل البرلمان التركي للمطالبة بالحق في استخدام اللغة الكردية بصفتها لغة أم (حساب الحزب في إكس)

البرلمان التركي يُسرّع وضع «قانون السلام» وسط احتجاج كردي

أعطى رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش إشارة على البدء بمناقشة اللوائح القانونية لـ«عملية السلام» بعد شهر رمضان وسط اعتراضات كردية على غياب قضايا جوهرية

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي سيارة شرطة تابعة للحكومة السورية الجديدة تعبر شارعاً بجوار مسجد الساحة في تدمر وسط سوريا 7 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

تنظيم «داعش» يتوعد الشرع ويعلن مسؤوليته عن هجمات على الجيش السوري

أفادت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية، بتعرض أحد عناصر الجيش العربي السوري لعملية استهداف من قبل مجهولين في قرية الواسطة بريف الرقة الشمالي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا عناصر من الشرطة الفرنسية في باريس (رويترز)

السلطات الفرنسية توقِف مراهقَين إرهابيَّي التوجه كانا يعدّان «عملاً عنيفاً»

أوقفت السلطات الفرنسية مراهقَين أقرّ أحدهما، وهو متأثر بالتوجهات الإرهابية، بإعداد مشروع «عمل عنيف» كان سيستهدف «مركزاً تجارياً أو قاعة حفلات».

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية صورة تذكارية تجمع بين رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش ونواب الأحزاب الأعضاء في لجنة وضع الإطار القانوني لعملية السلام الأربعاء (حساب البرلمان في إكس)

تركيا: الموافقة على تقرير برلماني يدفع عملية السلام مع الأكراد

وافقت لجنة في البرلمان التركي على تقرير يتضمن اقتراحات لوضع قانون انتقالي لعملية السلام بالتزامن مع عملية نزع أسلحة حزب «العمال الكردستاني».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا منسّق حزب «فرنسا الأبية» مانويل بومبار (أ.ف.ب)

حزب «فرنسا الأبية» اليساري يخلي مقره في باريس بعد «تهديد بوجود قنبلة»

أعلن حزب «فرنسا الأبية» اليساري الراديكالي الأربعاء أنه اضطر إلى إخلاء مقره الرئيس في باريس بعد تلقيه «تهديداً بوجود قنبلة».

«الشرق الأوسط» (باريس)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended