شبكة «إنستغرام» تتحول إلى صورة جديدة من «فيسبوك»

طورت ملامح جديدة واقتبست أخرى من «سنابشات»

شبكة «إنستغرام» تتحول إلى صورة جديدة من «فيسبوك»
TT

شبكة «إنستغرام» تتحول إلى صورة جديدة من «فيسبوك»

شبكة «إنستغرام» تتحول إلى صورة جديدة من «فيسبوك»

خلال اجتماع عقده أخيرا مع الموظفين، استعرض كيفين سيستروم، مؤسس «إنستغرام» والرئيس التنفيذي لها، واحدا من الرسوم البيانية المفضلة لديه: «الأيام المتبقية للوصول إلى الـ100 مليون مستخدم التاليين». وخلال مقابلة أجريت معه حديثا داخل المقر الرئيس لـ«إنستغرام» في مينلو بارك بكاليفورنيا، قال سيستروم: «هذا الرسم البياني الوحيد داخل الشركة الذي نحتفي به عندما يتعرض أداء الشركة لبعض الانحسار».
* توسع «إنستغرام»
تجدر الإشارة إلى أنه منذ فترة ليست بالبعيدة، حققت هذه الشبكة الاجتماعية المعنية بالصور والتي تملكها «فيسبوك»، صعوداً مستمراً، ذلك أنه كل تسعة شهور، دونما استثناء، كانت «إنستغرام» تضيف إلى عملائها 100 مليون مستخدم جديد. وفي العام الماضي، بدأت الشركة في اجتذاب مستخدمين جدد بصورة يومية. وبالفعل، ارتفع عدد مستخدمي «إنستغرام» إلى 600 مليون مستخدم من 500 مليون في غضون ستة شهور فقط.
وأعلنت الشركة أخيرا، بعد أربعة شهور فقط من وصولها إلى هذا الرقم التاريخي، تحقيقها رقماً آخر تاريخيا: ذلك أنه أصبح قرابة 700 مليون شخص حول العالم يستخدمون «إنستغرام» شهرياً، مع تفحص قرابة 400 مليون منهم حساباتهم عبر «إنستغرام» يومياً.
من جانبي، زرت سيستروم باعتباري واحدا من المستخدمين الـ100 مليون الجدد. ومن الناحية الفنية، انضممت إلى «إنستغرام» منذ سنوات عدة، لكن كان استخدامي لها متقطعاً من فترة لأخرى. بيد أنه خلال الشهور القليلة الماضية، بدأت الانغماس فيها بمعدل أكبر. والآن، أصبحت أحرص على تصفح هذا التطبيق عدة مرات يومياً. ومع زيادة معدل استخدامي لـ«إنستغرام»، أدركت حقيقة جديدة بخصوص هذا التطبيق المعني بالتشارك في الصور: لقد بدأ يتحول إلى الصورة الجديدة من «فيسبوك».
ومن بين الأمور التي أثارت اهتمامي بخصوص «إنستغرام» الحرب التي اشتعلت بين «فيسبوك» و«سنابشات»، تطبيق تبادل الرسائل والصور والذي نجح في بناء سبل جديدة تماماً للتواصل عبر الإنترنت. واللافت أن «إنستغرام» وعددا من الكيانات الفرعية الأخرى التابعة لـ«فيسبوك» عمدت إلى نسخ بعض ملامحه.
* اقتباسات من «سنابشات»
وبمجرد أن بدأت الانتظام في استخدام «إنستغرام»، اكتشفت أمراً مثيراً للدهشة: أن «إنستغرام» نجح في تحسين الملامح التي اقتبسها من «سنابشات». وعلى امتداد جزء كبير من العام الماضي، عمد «إنستغرام» كذلك إلى إضافة ملامح جديدة، منها إخطارات يجري ترتيبها بالاعتماد على خوارزميات تحمل طابعاً شخصياً، بدلاً عن الترتيب الزمني، خدمة بث مباشر، والقدرة على نشر معارض صور.
الآن، بدأت «إنستغرام» في إحداث تغيير كبير في التجارب الحياتية اليومية لأعداد لا حصر لها من الأفراد الذين يستخدمون الخدمة بسرعة تبدو هائلة بالنسبة لشبكة بمثل هذه الضخامة. ومع هذا، فإن هذه الخطوات الجريئة من جانب «إنستغرام» لم تثر سخط مستخدميها، وإنما على العكس يبدو أنها بدأت تؤتي ثمارها.
ومع ذلك، يبقى من الصعب طرح تقييم لهذا الجانب، ذلك أن تجربتي الشخصية ربما تختلف عن تجربتك (على سبيل المثال، يؤكد الكثيرون أنهم يكرهون الترتيب الجديد للإخطارات). إلا أنه من جانبي، أرى أن التغييرات الكثيرة التي أدخلها «إنستغرام» في الفترة الأخيرة جعلت هذه الشبكة الاجتماعية تبدو اليوم أكثر نفعاً ومتعة وإثارة للاهتمام عما كانت عليه منذ عام مضى. ويعود جزء من السبب وراء ذلك إلى الملامح الجديدة ذاتها، لكن السبب الأكبر يكمن في معدلات الاستخدام الأكبر التي كانت هذه الملامح الجديدة ملهماً لها.
إن الشبكات الاجتماعية تصبح أفضل عندما تستخدمها أعداد أكبر وبمعدلات أكبر. وكلما زاد استخدامي لـ«إنستغرام» أخيرا، زادت كمية المواد التي أطلع عليها والتي تخص أعدادا أكبر من الأفراد، ما يخلق بداخلي رغبة أكبر لاستخدام الشبكة.
* صورة من «فيسبوك»
وبذلك، نجح «إنستغرام» في ترك أصداء واسعة - واليوم، فإنه يبدو أقرب إلى «فيسبوك». تحديداً، يبدو «إنستغرام» اليوم شبيهاً بما كان عليه «فيسبوك» خلال الفترة بين عامي 2009 و2012، عندما انتقل بهدوء من كونه أحد هذه الأشياء التقنية التي يقدم عليها بعض الأشخاص بعض الأوقات إلى أحد الأشياء التقنية التي يقبل عليها كل من تعرفهم كل يوم.
من بعض الجوانب، لا يبدو هذا الأمر مثيراً للدهشة، ذلك أن «إنستغرام» حقق نمواً جنونياً منذ أن تحول إلى خدمة البث الحي عام 2010، وفي ظل ملكية «فيسبوك» التي اشترت شركة «إنستغرام» مقابل مليار دولار منذ خمس سنوات، - توافرت لدى «إنستغرام» موارد وفيرة للحفاظ على هذا النمو. إلا أنه مع وصوله إلى 700 مليون مستخدم، يبدو أن «إنستغرام» بدأ الآن الدخول إلى منطقة مجهولة.
وتجدر الإشارة إلى أن ثمة شبكات اجتماعية أكبر من «إنستغرام»، مثل «فيسبوك» الذي يبلغ عدد مستخدميه قرابة ملياري مستخدم شهرياً. كما أن تطبيقي الرسائل الفورية المملوكين لـ«فيسبوك»، وهما «واتساب» و«فيسبوك مسنجر»، تجاوزا المليار مستخدم. وداخل الصين، يحظى «وي تشات» أيضاً بعدد أكبر من المستخدمين.
في العام الماضي، ربما كانت الشكوك تخالج المرء حول ما إذا كان بمقدور خدمة معتمدة على الصور مثل «إنستغرام» الوصول لمستويات مشابهة - وما إذا كانت هذه الشبكة عالمية بما يكفي، وما إذا كان هناك عدد كاف من الأفراد يملكون هواتف قادرة على التعامل معها، وما إذا كانت قادرة على مواجهة المنافسة الأكبر من جانب شبكات أحدث معنية أيضاً بالصور مثل «سنابشات». ربما ستطل مثل هذه المشكلات أو أخرى برأسها في المستقبل، وربما يتعرض نمو هذه الشبكة للتعطل. إلا أن المؤكد أنه في الوقت الحاضر، يبدو أن «إنستغرام» قد تغلب على أي عقبات واضحة في طريقه.
من جانبه، يؤكد سيستروم أن خطته للإسراع من وتيرة التغيير لدى «إنستغرام» لاجتذاب المزيد من المستخدمين، متعمدة.
وأوضح أن «إنستغرام» عمدت إلى تحليل جميع الاختناقات في خدمتها ومحاولة القضاء عليها. وبعد ذلك، نظرت الشركة في الفرص المحتملة لتحسين مستوى الخدمة التي تقدمها إلى المستخدمين ومحاولة توفيرها في أسرع وقت ممكن.
* تحسين الخدمات
ورغم أن هذا الأمر قد يبدو بديهياً، ذلك أنه من الطبيعي أن تسعى جميع الشركات باستمرار إلى تحسين خدماتها، لكن الوضع مع الشبكات الاجتماعية يختلف بعض الشيء لأنها أحياناً تقع أسيرة في يد أكثر مستخدميها ولاءً. إلا أن شبكة «فيسبوك» على وجه الخصوص خالفت هذا التوجه، ذلك أنه في خضم نموها، عمدت باستمرار إلى تعديل ملامحها بحيث توفر المزيد من الأشياء أمام عدد أكبر من الأفراد. والواضح أن سيستروم يتبع النهج ذاته.
وقال سيستروم: «الأمر المفضل لدي أن أطلب من فريق العمل طرح تصوراتهم عن مدى ضخامة الحجم الذي ستصل إليه «إنستغرام» نهاية الأمر؟ وعادة ما تأتيك الإجابات في صورة أعداد ضخمة تفوق الرقم الحالي بالتأكيد بمقدار الضعفين. لذا، يمكنني القول بثقة إن غالبية الأفراد الذين سينتهي بهم الحال إلى استخدام «إنستغرام» لا يستخدمونه بالفعل في الوقت الراهن».
الملاحظ أن سيستروم يحمل إعجاباً خاصاً بالنظريات الأكاديمية المتعلقة بإدارة الأعمال، خاصة أعمال كلاي كريستنسين الذي طرح نظرية «معضلة المبتكر» والتي تتناول التوتر القائم بين خدمة الجمهور الحالي على حساب آخر أكبر حجماً بكثير. وقال سيستروم إنه شعر بقدر كبير من الحرية والراحة لدى إدراكه أن أمام «إنستغرام» إمكانية أن تصبح أكبر بكثير عما هي عليه الآن، موضحاً أن هذه الفكرة تضفي ثقة كبيرة على العاملين داخل الشركة تشجعهم على المضي قدماً في إدخال تغييرات.
ومن ثم جاء قرار «إنستغرام» بدمج سمات طورتها «سنابشات»، الأمر الذي لم يبد سيستروم أي بادرة اعتذار أو أسف حياله. وقد أثنى سيستروم على «سنابشات» لابتكارها خاصة «القصص» (ستوريز)، لكنه أوضح أن «القصص» أكبر من مجرد سمة، وإنما شكل رقمي جديد تماماً يمكن إعادة طرحه عبر مجموعة مختلفة من المنتجات.
واستطرد موضحاً: لا أعرف الكثير عن تاريخ السيارات، لكن دعنا نفترض أن «النموذج ت» كان السيارة الأولى في التاريخ. إذن، كيف كانت تنظر الشركة المنتجة للسيارة الأولى، ولتكن «فورد»؟ هل نحن ننسخ عمل «فورد»، أم أن هذه الوسيلة الجديدة للنقل ستترك تأثيرات مختلفة على الجميع؟.
ورغم أن هذه الحجة تبدو دفاعية على نحو مفرط، لكنها في الوقت ذاته ليست مخطئة تماماً. إذا ما عقدنا مقارنة بين أسلوب عمل خاصية «القصص» عبر «إنستغرام» وعملها عبر «سنابشات»، سنجد أنهما متشابهان بالفعل. ومع ذلك، فإن الإطار العام للتطبيقين، وتحديداً حقيقة أن «إنستغرام» تميل لاحتضان شبكات عامة أكبر مع احتفاظ مستخدميها بصفحات مصقولة على نحو أكبر، في الوقت الذي يشجع «سنابشات» على بناء شبكة أصغر وأكثر حميمية - وهذا يحدث تغييراً في طبيعة الشكل. وعليه، فإن «القصص» في «إنستغرام» تبدو مختلفة بالفعل عن «القصص» لدى «سنابشات» نظراً لأن مجموعات مختلفة من الأفراد في الشبكتين يستخدمون هذا الملمح لأغراض مختلفة.
وفي اعتقادي الشخصي، أرى أن النسخة الخاصة بـ«إنستغرام» غالباً ما توفر تجربة ذات مستوى أرفع لسبب واحد واضح: أنني أعلم أن عددا أكبر من الأشخاص يوجدون هناك، والاحتمال الأكبر أن الأمر ذاته ينطبق عليك.

* خدمة «نيويورك تايمز»



«تشات جي بي تي» يستعد لعرض إعلانات بناءً على محادثات المستخدمين

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)
TT

«تشات جي بي تي» يستعد لعرض إعلانات بناءً على محادثات المستخدمين

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)

قد يبدأ تطبيق الدردشة المدعم بالذكاء الاصطناعي «تشات جي بي تي» قريباً بعرض إعلانات لمنتجات وخدمات يُرجّح أنها تهم المستخدمين، وذلك استناداً إلى طبيعة محادثاتهم مع المنصة.

وأعلنت شركة «أوبن إيه آي»، أمس (الجمعة)، أنها ستختبر هذه الإعلانات في النسخة المجانية من تطبيق «تشات جي بي تي» للمستخدمين البالغين المسجلين في الولايات المتحدة. كما كشفت عن إطلاق باقة اشتراك جديدة تحمل اسم «Go» بسعر 8 دولارات شهرياً، تتضمن بعض الميزات المحسّنة، مثل ذاكرة أكبر وإمكانات أوسع لإنشاء الصور، وبسعر أقل من باقتي «Plus» (20 دولاراً شهرياً) و«Pro» (200 دولار شهرياً).

وبحسب شبكة «سي إن إن»، سيشاهد مشتركو باقة «Go» أيضاً إعلانات داخل الخدمة، في حين لن تُعرض أي إعلانات لمشتركي باقتي «Plus» و«Pro»، ولا لعملاء «أوبن إيه آي» من الشركات.

وكان سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، قد أعرب في وقت سابق، عن تحفظاته إزاء إدخال الإعلانات إلى «تشات جي بي تي». غير أن هذه الخطوة تأتي في سياق سعي الشركة الحثيث إلى إيجاد مصادر جديدة لزيادة الإيرادات من قاعدة مستخدميها التي تُقدَّر بنحو 800 مليون مستخدم شهرياً، وذلك للمساعدة في تغطية تكلفة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، التي تعتزم الشركة استثمار نحو 1.4 تريليون دولار فيها على مدى السنوات الثماني المقبلة.

وفي هذا السياق، قال ألتمان في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إن «أوبن إيه آي» تتوقع إنهاء عام 2025 بإيرادات سنوية تقارب 20 مليار دولار.

وكانت الشركة قد أطلقت العام الماضي، أداة تُعرف باسم «الدفع الفوري»، تتيح للمستخدمين شراء المنتجات مباشرةً من متاجر تجزئة مثل «وول مارت» و«إتسي» عبر «تشات جي بي تي». كما قدّمت أدوات في مجالات الصحة والتعليم وغيرها، في إطار مساعيها لجعل «تشات جي بي تي» جزءاً أساسياً من الحياة اليومية للمستخدمين، وربما تحفيزهم على الترقية إلى اشتراكات مدفوعة.

وقد تُثبت الإعلانات أنها استراتيجية مربحة لشركة «أوبن إيه آي»، إذ يمكن استغلال المعلومات المستخلصة من محادثات المستخدمين مع «تشات جي بي تي» لإنشاء إعلانات عالية الاستهداف. فعلى سبيل المثال، إذا طلب أحد المستخدمين المساعدة في التخطيط لرحلة، فقد تظهر له إعلانات متعلقة بفنادق أو أنشطة ترفيهية في الوجهة المقصودة.

وكجزء من هذا الاختبار، ستظهر الإعلانات أسفل إجابات «تشات جي بي تي» على استفسارات المستخدمين، مع تصنيفها بوضوح على أنها «إعلانات ممولة». وأكدت «أوبن إيه آي» أن هذه الإعلانات لن تؤثر في محتوى إجابات «تشات جي بي تي»، مشددة على أن المستخدمين «يجب أن يثقوا بأن الإجابات تستند إلى ما هو مفيد موضوعياً».

كما أوضحت الشركة أنها لن تبيع بيانات المستخدمين أو محادثاتهم للمعلنين، مؤكدةً أن بإمكان المستخدمين تعطيل تخصيص الإعلانات المبنية على محادثاتهم في أي وقت.


دراسة جديدة تكشف حدود الذكاء الاصطناعي في إنجاز مشاريع العمل عن بُعد

الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)
الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)
TT

دراسة جديدة تكشف حدود الذكاء الاصطناعي في إنجاز مشاريع العمل عن بُعد

الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)
الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)

أعاد التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي طرح أسئلة قديمة متجددة حول الأتمتة ومستقبل العمل. فمن تطوير البرمجيات إلى إنتاج المحتوى، باتت أنظمة الذكاء الاصطناعي تُظهر قدرات لافتة في الاختبارات البحثية والمعايير التقنية. لكن فجوة أساسية ما زالت قائمة تتعلق بقدرة هذه الأنظمة على تنفيذ أعمال حقيقية ذات قيمة اقتصادية، كما هي مطلوبة في سوق العمل الفعلي.

دراسة جديدة تسعى للإجابة عن هذا السؤال عبر إطار قياس مبتكر يُعرف باسم «مؤشر العمل عن بُعد» (Remote Labor Index – RLI)، وهو أول معيار تجريبي يقيس بشكل منهجي قدرة وكلاء الذكاء الاصطناعي على أتمتة مشاريع عمل متكاملة مأخوذة من أسواق العمل الحر الحقيقية. وتأتي النتائج مفاجئة، وأكثر واقعية مما توحي به كثير من السرديات المتداولة حول قرب الاستغناء عن الوظائف البشرية.

ما بعد المعايير الاصطناعية

تركز معظم اختبارات الذكاء الاصطناعي الحالية على مهام محددة أو معزولة ككتابة شيفرات قصيرة أو الإجابة عن أسئلة تقنية أو تصفح الإنترنت أو تنفيذ أوامر حاسوبية مبسطة. ورغم أهمية هذه المعايير، فإنها غالباً لا تعكس التعقيد والتكامل والغموض الذي يميز العمل المهني الحقيقي.

من هنا جاء تطوير «مؤشر العمل عن بُعد»، الذي لا يختبر مهارات منفصلة، بل يقيس قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع كاملة من البداية إلى النهاية، تماماً كما تُسند إلى محترفين يعملون لحساب عملاء حقيقيين. وتشمل هذه المشاريع مجالات مثل التصميم والهندسة المعمارية وإنتاج الفيديو وتحليل البيانات وتطوير الألعاب وإعداد الوثائق وغيرها من أشكال العمل عن بُعد التي تشكل جوهر الاقتصاد الرقمي المعاصر. وبهذا، تنقل الدراسة النقاش من مستوى القدرات النظرية إلى مستوى الأداء الفعلي القابل للقياس في السوق.

نتائج المؤشر تظهر أن الذكاء الاصطناعي ما زال عاجزاً عن أتمتة معظم مشاريع العمل عن بُعد بمستوى مهني مقبول (غيتي)

قياس مؤشر العمل عن بُعد

تتكون قاعدة بيانات المؤشر من 240 مشروع عمل حر مكتمل، يحتوي كل مشروع على ثلاثة عناصر رئيسية هي وصف تفصيلي للمهمة والملفات المدخلة اللازمة لتنفيذها ومخرجات نهائية أنجزها محترفون بشريون باعتبارها مرجعاً قياسياً. ولم تكتفِ الدراسة بالمخرجات فقط، بل جمعت أيضاً بيانات عن الوقت والتكلفة اللازمين لتنفيذ كل مشروع. وقد استغرق إنجاز المشروع الواحد، في المتوسط، نحو 29 ساعة من العمل البشري، بينما تجاوزت بعض المشاريع حاجز 100 ساعة. وتراوحت تكاليف المشاريع بين أقل من 10 دولارات وأكثر من 10 آلاف دولار، بإجمالي قيمة تتجاوز 140 ألف دولار وأكثر من 6 آلاف ساعة عمل فعلي.

ويعكس هذا التنوع والتعقيد المتعمد طبيعة العمل الحقيقي، بعيداً عن المهام المبسطة أو المتخصصة.

تقييم أداء الذكاء الاصطناعي

اختبر الباحثون عدة نماذج متقدمة من وكلاء الذكاء الاصطناعي باستخدام عملية تقييم بشرية دقيقة حيث مُنحت الأنظمة نفس أوصاف المشاريع والملفات التي حصل عليها المحترفون، وطُلب منها إنتاج مخرجات كاملة. ثم قام مقيمون مدربون بمقارنة نتائج الذكاء الاصطناعي بالمخرجات البشرية المرجعية، مع التركيز على سؤال جوهري يتعلق بمدى قبول العميل الحقيقي لهذا العمل باعتباره مكافئاً أو أفضل من عمل محترف بشري.

المقياس الأساسي في الدراسة هو «معدل الأتمتة» أي النسبة المئوية للمشاريع التي نجح الذكاء الاصطناعي في إنجازها بمستوى احترافي مقبول. كما استخدمت الدراسة نظام تصنيف شبيهاً بنظام «إيلو» لإجراء مقارنات دقيقة بين النماذج المختلفة، حتى في الحالات التي لم تصل فيها أي منها إلى مستوى الأداء البشري.

الأتمتة ما زالت محدودة جداً

على الرغم من التطورات الكبيرة في قدرات التفكير والتعامل متعدد الوسائط، تكشف النتائج أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية ما تزال بعيدة عن أتمتة العمل عن بُعد بشكل واسع. فقد بلغ أعلى معدل أتمتة تحقق 2.5 في المائة فقط، أي أن أقل من ثلاثة مشاريع من كل مائة وصلت إلى مستوى مقبول مقارنة بالعمل البشري. وتتحدى هذه النتيجة الافتراض السائد بأن التحسن في المعايير التقنية يعني بالضرورة قدرة فورية على استبدال العمل البشري. فحتى النماذج المتقدمة القادرة على كتابة الشيفرات أو توليد الصور والنصوص، غالباً ما تفشل عندما يُطلب منها دمج مهارات متعددة، أو الالتزام بتفاصيل معقدة أو تسليم ملفات متكاملة بجودة احترافية.

مستقبل العمل القريب يتجه نحو دعم الإنتاجية البشرية بالذكاء الاصطناعي بدلاً من استبدال الوظائف بالكامل (شاترستوك)

تعثر الذكاء الاصطناعي... ونجاحه

يكشف التحليل النوعي لأسباب الفشل عن مشكلات متكررة، أبرزها أخطاء تقنية أساسية مثل ملفات تالفة أو غير قابلة للاستخدام أو صيغ غير صحيحة أو مخرجات ناقصة وغير متسقة. وفي حالات أخرى، كانت المشاريع مكتملة شكلياً لكنها لا ترقى إلى المستوى المهني المتوقع في سوق العمل الحر.

في المقابل، رصدت الدراسة مجالات محدودة أظهر فيها الذكاء الاصطناعي أداءً أفضل نسبياً، لا سيما في المهام التي تتركز على معالجة النصوص أو توليد الصور أو التعامل مع الصوت كبعض أعمال التحرير الصوتي والتصميم البصري البسيط وكتابة التقارير وتصور البيانات المعتمد على الشيفرة البرمجية. وتشير هذه النتائج إلى أن الذكاء الاصطناعي يلعب بالفعل دوراً داعماً في بعض أنواع العمل، وإن لم يصل بعد إلى مرحلة الأتمتة الكاملة.

قياس التقدم دون تهويل

رغم انخفاض معدلات الأتمتة المطلقة، يُظهر المؤشر تحسناً نسبياً واضحاً بين النماذج المختلفة. فتصنيفات «إيلو» وهي نظام رياضي لتقييم الأداء النسبي، تشير إلى أن الأنظمة الأحدث تتفوق بشكل منهجي على سابقاتها، ما يعني أن التقدم حقيقي وقابل للقياس، حتى وإن لم يترجم بعد إلى إنجاز مشاريع كاملة. وتكمن قيمة «مؤشر العمل عن بُعد» في كونه أداة طويلة الأمد لمتابعة التطور، بعيداً عن التوقعات المبالغ فيها أو الأحكام الثنائية.

تشير نتائج الدراسة إلى أن الاستغناء الواسع عن العاملين في وظائف العمل عن بُعد ليس وشيكاً في الوقت الراهن. وبدلاً من ذلك، يُرجّح أن يكون الأثر القريب للذكاء الاصطناعي متمثلاً في تعزيز الإنتاجية على مستوى المهام، لا استبدال الوظائف بالكامل.

وسيظل الحكم البشري والقدرة على الدمج وضبط الجودة عناصر مركزية في العمل المهني. ومع ذلك، تحذر الدراسة من أن الذكاء الاصطناعي يختلف عن تقنيات الأتمتة السابقة؛ إذ يسعى إلى محاكاة قدرات معرفية عامة. وإذا تمكنت الأنظمة المستقبلية من سد الفجوة التي يكشفها المؤشر دون التكيّف المصطنع معه، فقد تكون الآثار على سوق العمل أعمق بكثير.

خط أساس جديد للنقاش

لا تدّعي هذه الدراسة التنبؤ بالمستقبل، لكنها تقدم خط أساس علمي وعملي لفهم موقع الذكاء الاصطناعي اليوم. ومن خلال ربط التقييم بعمل حقيقي وتكلفة فعلية ومعايير مهنية واقعية، تضع إطاراً أكثر دقة لنقاشات الأتمتة والعمل. ومع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي، ستصبح أدوات مثل «مؤشر العمل عن بُعد» ضرورية للفصل بين التقدم الحقيقي والضجيج الإعلامي، وضمان أن يُبنى النقاش حول مستقبل العمل على الأدلة لا الافتراضات.


بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)
تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)
TT

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)
تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)

نحن نتحدث يومياً دون أن نفكر كثيراً في مقدار ما تكشفه أصواتنا عنّا. فإلى جانب الكلمات التي نختارها، يحمل الصوت إشارات دقيقة عن هويتنا قد تكشف معلومات صحية وخلفيات ثقافية وحالات عاطفية، ومستوى التعليم وربما حتى ميولاً فكرية. وحتى وقت قريب، كان هذا الإدراك يقتصر على الحدس البشري؛ إذ يمكننا غالباً أن نميّز تعب صديق أو سعادته أو توتره من نبرة صوته فقط. لكن اليوم، باتت الأنظمة الحاسوبية قادرة على فعل ذلك وأكثر بدقة متزايدة.

ويحذّر باحثون في تقنيات الكلام واللغة من أن هذه القدرات تمثل تحدياً حقيقياً للخصوصية. فالصوت لم يعد مجرد وسيلة لإعطاء الأوامر للمساعدات الرقمية أو أداة للحوار، بل أصبح وعاءً غنياً بالمعلومات الشخصية التي تستطيع الخوارزميات الحديثة استخراجها، غالباً دون علم المتحدث أو موافقته.

لماذا يُعد الصوت بيانات شخصية؟

عندما نتحدث، لا تنتقل الرسالة اللغوية وحدها. فإيقاع الكلام ودرجة الصوت والتوقفات بين الكلمات وأنماط التنفس والخصائص الصوتية الأخرى، جميعها تحمل طبقات متعددة من المعلومات الشخصية. ويشير خبراء تقنيات الكلام إلى أن هذه المعلومات مدمجة مباشرة في الإشارة الصوتية نفسها، أي أنها تُفصح تلقائياً عن صاحبها بمجرد التحدث، دون أي نية واعية للكشف عنها.

وتستطيع هذه الخصائص الصوتية أن تعكس مؤشرات تتعلق بالصحة الجسدية أو النفسية، مثل الإرهاق أو مشكلات في الجهاز التنفسي. كما يمكن أن تشير إلى خلفية المتحدث الثقافية أو الجغرافية من خلال اللهجة ونمط النطق. إضافة إلى ذلك، تحمل الأصوات دلائل عاطفية تُمكّن الأنظمة المتقدمة من استنتاج ما إذا كان الشخص متوتراً أو هادئاً أو متحمساً أو مضطرباً. ولهذا، يُصنَّف الصوت ضمن فئة البيانات البيومترية أي البيانات الشخصية العميقة، الفريدة غالباً، والتي يصعب تغييرها أو استبدالها.

وبسبب هذه الحساسية، تُعامل البيانات الصوتية في العديد من التشريعات الحديثة باعتبارها بيانات محمية. ففي الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، يمكن أن يندرج الصوت ضمن البيانات البيومترية الخاضعة لقواعد صارمة بموجب اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR)، ما يستلزم توفير ضمانات إضافية والحصول على موافقة صريحة في كثير من الحالات.

تحليل الصوت يطرح مخاطر تتعلق بالخصوصية قد تمتد إلى التوظيف والتأمين والتسويق والمراقبة (شاترستوك)

مخاطر الإفراط في كشف المعلومات

تثير القدرة على استخراج سمات شخصية من الصوت مخاوف تتجاوز مسألة الراحة أو التخصيص. فمع تطور تقنيات تحليل الصوت وانتشارها، قد تمتد آثارها إلى مجالات حساسة في حياة الأفراد. فقد تُستخدم الاستنتاجات المستخلصة من أنماط الكلام يوماً ما للتأثير في قرارات التوظيف أو تقييمات التأمين إذا أسيء استخدامها. كما يمكن للمعلنين استغلال الإشارات العاطفية أو السلوكية المستخلصة من الصوت لتقديم رسائل تسويقية شديدة الاستهداف، وربما ذات طابع تلاعبي.

وتتفاقم المخاطر مع احتمالات سوء الاستخدام، مثل المراقبة غير المشروعة أو التحرش أو تتبع الأفراد دون علمهم. ورغم أن هذه السيناريوهات ليست شائعة على نطاق واسع بعد، يؤكد الباحثون أن سرعة تطور التكنولوجيا تستدعي دق ناقوس الخطر مبكراً، قبل أن تصبح هذه الممارسات أمراً واقعاً يصعب احتواؤه.

قياس ما يكشفه صوتك

أحد التحديات الأساسية في حماية خصوصية الصوت هو فهم مقدار المعلومات التي يحتويها تسجيل صوتي واحد. ولهذا يعمل الباحثون على تطوير أدوات وأساليب لقياس مدى قابلية ربط عيّنة صوتية بسمات تعريفية محددة. وتهدف هذه المقاييس إلى تحديد مدى سهولة نسب الصوت إلى شخص بعينه أو إلى فئة ضيقة من الأشخاص، اعتماداً فقط على الخصائص الصوتية.

وتُعد هذه الأدوات ضرورية لتصميم أنظمة تراعي الخصوصية منذ البداية. فإذا تمكن المطورون من تقدير مستوى المخاطر المرتبطة بتسجيل صوتي معين، يصبح بإمكانهم اتخاذ قرارات مدروسة بشأن كيفية تخزينه أو معالجته أو مشاركته. ويدعم هذا التوجه مفهوم «الخصوصية بحكم التصميم»؛ حيث تُؤخذ المخاطر المحتملة في الحسبان قبل طرح التكنولوجيا للاستخدام الواسع.

الصوت ليس وسيلة تواصل فقط بل يحمل أيضاً بيانات شخصية عميقة تكشف الصحة والحالة النفسية والخلفية الثقافية (شاترستوك)

كيف يمكن حماية خصوصية الصوت؟

لا يدعو الخبراء إلى التخلي عن تقنيات الصوت، بل إلى تقليل التعرض غير الضروري للمعلومات الشخصية. ومن بين أكثر الاستراتيجيات فعالية تقليص كمية البيانات الصوتية الخام التي يتم مشاركتها. فبدلاً من إرسال تسجيلات كاملة، يمكن للأنظمة استخراج الحد الأدنى من المعلومات اللازمة لأداء مهمة محددة كتحويل الكلام إلى نص، ثم التخلص من بقية البيانات.

كما تُعد المعالجة المحلية للصوت خطوة مهمة في هذا السياق. فعندما يُحلل الصوت مباشرة على الجهاز، بدلاً من إرساله إلى خوادم سحابية بعيدة، تقل فرص إساءة الاستخدام أو الاعتراض أو الاستغلال الثانوي للبيانات. ويمنح هذا النهج المستخدمين قدراً أكبر من التحكم فيما يغادر أجهزتهم ومتى.

وتلعب الضوابط الفيزيائية والبيئية دوراً مكملاً. فالتقنيات التي تُظهر بوضوح متى يكون التسجيل نشطاً، أو التي تحصر التقاط الصوت في نطاقات محددة، أو تتطلب تفعيلاً مقصوداً من المستخدم، تساعد في منع التسجيل العرضي أو الخفي. ومجتمعةً، تسهم هذه الإجراءات في جعل التفاعل الصوتي مقصوداً لا متطفلاً.

الثقة والشفافية وتجربة المستخدم

الخصوصية ليست مسألة تقنية فحسب، بل هي قضية نفسية أيضاً. فمجرد الشعور بالمراقبة قد يؤثر في سلوك الأفراد وطريقة تعبيرهم عن أنفسهم. ويحذّر الباحثون من أن الإحساس الدائم بالرصد سواء أكان حقيقياً أم متوهماً، يمكن أن يقوّض الشعور بالكرامة والاستقلالية.

ومن هنا تبرز أهمية الشفافية؛ إذ ينبغي إبلاغ المستخدمين بوضوح متى يتم تسجيل أصواتهم، وما نوع المعلومات التي قد تُستخلص، وكيف ستُستخدم هذه البيانات. فالأنظمة التي تقدم إشارات واضحة وتحكماً مفهوماً في إعدادات الخصوصية تكون أقدر على كسب ثقة المستخدمين من تلك التي تعمل بصمت في الخلفية.

مستقبل مسؤول لتقنيات الصوت

توفر التقنيات المعتمدة على الصوت فوائد لا يمكن إنكارها، بدءاً من أدوات الوصول لذوي الإعاقة، مروراً بالحوسبة دون استخدام اليدين، ووصولاً إلى تفاعل أكثر طبيعية بين الإنسان والآلة. غير أن تعاظم حضور هذه التقنيات في الحياة اليومية يفرض مسؤولية متزايدة لحماية البيانات الصوتية.

ويواصل الباحثون تطوير أساليب لقياس المعلومات الشخصية الكامنة في الصوت وتقليلها والتحكم بها. وفي الوقت ذاته، يتعين على المطورين وصنّاع السياسات والمصممين العمل معاً لضمان تطور أطر الخصوصية بالتوازي مع الابتكار. فالتحدي ليس في إسكات التكنولوجيا، بل في ضمان أن تكون أصواتنا حين نتحدث مصدر تمكين لنا، لا بوابة لانتهاك خصوصيتنا.