الموضة ترد الاعتبار للجمال الأسود

تغييرات أشبه بالانقلابات تهز بيوت أزياء ومجلات عريقة

حملة «غوتشي» اعتمدت على الموسيقى والرقص للاحتفال بالـ«سول» وثقافة السود الشبابية
حملة «غوتشي» اعتمدت على الموسيقى والرقص للاحتفال بالـ«سول» وثقافة السود الشبابية
TT

الموضة ترد الاعتبار للجمال الأسود

حملة «غوتشي» اعتمدت على الموسيقى والرقص للاحتفال بالـ«سول» وثقافة السود الشبابية
حملة «غوتشي» اعتمدت على الموسيقى والرقص للاحتفال بالـ«سول» وثقافة السود الشبابية

منذ أن استعان الراحل سان لوران في الستينات والسبعينات من القرن الماضي بعارضات أفريقيات لأول مرة، لم تشهد ساحة الموضة ثورة مماثلة ولا إعادة اعتبار للجمال الأسود كالذي تشهده حاليا.
فمن بين 7.035 عارضة شاركن في نحو 241 عرضا احتضنتها عواصم الموضة الأربع: نيويورك ولندن وميلانو وباريس، مؤخرا، كانت نسبة السمراوات اللاتي ينحدرن من أصول أفريقية 1.6 في المائة، وهي نسبة معقولة مقارنة بالسابق عندما كانت مثيلات ناعومي كامبل أو تيرا بانكس أو ملايكا وجوردان دون، وغيرهن يظهرن في عروض يتيمة هنا وهناك، وقلما يحصلن على عقود ترويجية لماركات التجميل العالمية. فمما تذكره العارضة ناعومي كامبل أنها اشتكت في بداية مسيرتها للمصمم الراحل إيف سان لوران بأن مجلة «فوغ» الفرنسية ترفض ظهورها على غلافها بسبب لون بشرتها، فما كان منه إلا أن تدخل متوسطا لها لتكون أول عارضة سمراء تتصدر غلاف المجلة في تاريخها. طبعا لا ننسى أنه إلى جانب علاقاته الشخصية الطيبة واحترام أوساط الموضة له، كان مُعلنا له كلمة.
لحسن حظ العارضات الحاليات أنهن لا يحتجن لتدخلات ووساطات مماثلة للحصول على عروض مُجدية، فوضعهن أفضل بكثير إذا كان ما تابعناه طوال عروض الموضة الأخيرة هو المقياس. وطبعا لا ننسى أنهن في ظل التغيرات الجذرية التي يمر بها العالم عموما والموضة خصوصا اكتسبن قوة لا يستهان بها. فقد تحمس كثير من المصممين للاختلاف هذا الموسم في رد فعل على السياسات التفريقية والشعبوية التي ظهرت في الولايات المتحدة وتشهد زخما مقلقا في أوروبا وباقي أنحاء العالم. كل من مارك جايكوبس، كريستيان سيريانو، و«دولتشي آند غابانا» وسيمون روشا ومحلات «جي كرو» ومايكل كورس وألبيرتا... وآخرون، تبنوا الاختلاف وتغنوا به، وإن كان أليساندرو ميشال، مصمم «غوتشي» أكثرهم وضوحا في موقفه، فهو لم يكتف بهن في عروضه، بل استعان بهن في حملاته الترويجية أيضا، تماما كما فعل إيف سان لوران في الستينات.
ما لا يختلف عليه اثنان أن عالم الموضة يتغير بشكل متسارع وصادم في الوقت الحالي. فإلى جانب تولي رجل، ومن أصول أفريقية، رئاسة تحرير مجلة «فوغ» البريطانية لأول مرة في تاريخها، ورجل آخر النسخة العربية، التي لم يكن أحد يتوقع إصدارها من الأساس لأسباب كثيرة، فإن لعبة الكراسي المتغيرة لم تتوقف بعد... بدأت منذ بضع سنوات نتيجة للأزمة الاقتصادية العالمية، ولا تزال تصدعاتها تظهر بين الفينة والأخرى وكأنها عقد لؤلؤ تتساقط حباته وتنفرط في كل موسم تقريبا. فمن خروج جون غاليانو من دار «ديور» مطرودا إلى إقالة ألبير إلباز في العام الماضي، مرورا باستقالة راف سيمونز وغيرهم، كانت هناك أيضا تغييرات على مستوى الرؤساء التنفيذيين. الأسباب هنا تجارية محضة ومردها أن أرقام المبيعات لم تعكس قدراتهم بعد أن شهدت عدة أسواق كانوا يعولون عليها تباطؤا وتراجعا. ما زاد الأمر سوءا أن تحمسهم الشديد للتوسع بافتتاح محلات جديدة في بعض هذه الأسواق وضعهم في ورطات يصعب خروجهم منها سوى بإغلاقها. ورغم أن القصة لم تكتمل أو تُكتب نهايتها بعد، فإن المؤكد أنها لا تفتقد عنصري التشويق والمفاجأة. ما يطمئن في العملية كلها أن هذه التغييرات، أو بالأحرى الخَضّات، ليست سلبية بالكامل؛ فقد نتجت عنها على الأقل هذه الرغبة الجامحة في معانقة الاختلاف، سواء تعلق الأمر بالجمال الأسود، أو بثقافات بعيدة؛ بما في ذلك الحجاب وما شابه من أمور لم تكن تخطر على البال من قبل. فالخريطة الشرائية تغيرت وأصبحت القوة في يد امرأة الشرق الأوسط، فضلا عن أن عدد الناجحات اللاتي ينحدرن من أصول أفريقية في الولايات المتحدة الأميركية في ازدياد وكذلك تأثيرهن، وليس أدل على هذا من أوبرا وينفري ومثيلاتها.
في عالم الموضة لم تقتصر الانقلابات على بيوت الموضة والمجوهرات والساعات فحسب، وإن ظل التركيز منصبا عليها، بل شملت مجالات أخرى، مثل المجلات البراقة والمتخصصة. فهذه كانت تبدو بمأمن من اضطرابات الأسواق وتذبذباتها، وبالتالي كانت تراقب وتُعلق وتُؤثر ولا تفكر أنها ستدخل اللعبة يوما، إلى أن أدخلها الجانب التجاري في النهاية إلى المعمعة. فقد شهدت هي الأخرى تراجعا في مبيعاتها ونسبة إعلاناتها، وهو ما استدعى تدخلات جذرية استهدفت تغيير قياداتها في الأشهر القليلة الأخيرة، فيما يمكن تشبيهه بالانقلابات العسكرية. فقد أقيلت رئيسة تحرير مجلة «فوغ» العربية، السعودية دينا الجهني، بعد صدور عددين فقط من المجلة، وحل محلها رجل برتغالي الأصل هو مانويل أرنو الذي كان رئيس تحرير مجلة «أركيتكست دايجيست» بالشرق الأوسط. وبينما أعلنت أليكساندرا شولمان استقالتها رئاسة النسخة البريطانية في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي بعد 25 عاما، خلفها لأول مرة في تاريخها الذي يمتد إلى أكثر من قرن رجل. أما إيمانويل فارنيتي فهو الرجل الثالث الذي تسلم مقاليد المجلة نفسها بنسختها الإيطالية بعد وفاة فرانكا سوزاني في العام الماضي. وهكذا في غضون بضعة أشهر تولي ثلاثة رجال رئاسة مجلة ظلت لقرون الميدان الذي تجول فيه المرأة وتصول.
تعيين إدوارد إيننفول، في النسخة البريطانية يظل الأكثر إثارة على المستوى العالمي، لأنه كان مفاجأة بكل المقاييس؛ فهو ليس رجلا أو من أصول أفريقية فحسب؛ بل لا ينتمي إلى الطبقات الراقية ولا حتى المتوسطة التي توالت على رئاسة أغلب المجلات البراقة منذ تأسيسها. اسمه مثلا لم يكن واردا مقارنة باسم المرشحة الأولى لخلافة أليكساندرا شولمان، ألا وهي نائبتها إميلي شيفيلد، فهذه أخت سامانثا كاميرون زوجة ديفيد كاميرون رئيس حزب المحافظين السابق، وغني عن القول إنها تنتمي للطبقة الأرستقراطية البريطانية إلى جانب تاريخها الصحافي. لكن على ما يبدو لم تعد الارستقراطية البريطانية تشد ناشر «كوندي ناست» الأميركي أو يراها متماشية مع العصر كما كانت عليه الحال منذ قرن تقريبا.
فقد انتبه إلى أنه كما تغيرت خريطة الموضة، تغيرت لغتها، والأهم من كل هذا: صورتها. فإدوارد إيننفول مثلا نشط على وسائل التواصل الاجتماعي، مما يجعله يتحدث لغة شريحة مهمة من الزبونات بطلاقة، فضلا عن أن صناع الموضة يشهدون له بحسه الفني الذي يظهر في جلسات التصوير التي يُشرف عليها في زمن أصبحت فيه الصورة أبلغ من ألف كلمة.
ما يشهدون له به أيضا أنه لم ينس جذوره الأفريقية، وفي كل مناسبة يعبر عن هذه الجذور بمطالبته بالاحتفال بالجمال الأسود، والتنديد بتهميش العارضات السوداوات، وما شابه ذلك. خلال عهده في مجلة «دبليو»، مثلا، أطلق حملة تحت عنوان: «أنا مهاجر» كانت رد فعل على سياسات دونالد ترمب التفريقية. أما بالنسبة لدعمه العارضات السوداوات، فلم يعبر عنه في تصريحاته فحسب؛ بل أيضا في جلساته التصويرية، التي وجدت ترحيبا من قبل الراحلة فرانكا سوزاني، رئيسة تحرير «فوغ» الإيطالية. وهذا ما أكده غلاف المجلة في عام 2008 الذي تصدرته مجموعة من العارضات السوداوات، وحقق مبيعات غير متوقعة أو مسبوقة، الأمر الذي استدعى إعادة طبع 40 ألف نسخة منه.
هذا النجاح شجع مجلات أخرى على أن تحذو حذوه مثل «هاربز بازار»، وأيضا بيوت الأزياء، على الاستعانة بهن في حملات ترويجية مثل الحملة الأخيرة لدار «غوتشي»، فقد كان كل أبطالها سود.
ما أضفى على هذه الحملة زخما وقوة، أن المسألة، كما شرحت الدار، لم تكن مجرد رسالة مفادها بأن «السود قادمون» أو أن الدار الإيطالية ترحب بالاختلاف في رد فعل على سياسات دونالد ترمب التفريقية والسياسات الشعبوية عموما، بقدر ما كانت التفاتة تقدير لإسهاماتهم في مجالات فنية متنوعة وتذكيرا بها. فالحملة مستلهمة من موسيقى الـ«سول» التي انتعشت في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا في ستينات القرن الماضي، وأيضا من الفنان المالي الأصل مالك سيديبي من خلال صور التقطها تسجل ثقافة الشارع الشبابية.
** صراع خفي بين الصحافة المكتوبة والصورة
* لا يزال الجدل حول الصحافة المكتوبة مقارنة بالصورة ووسائل التواصل الاجتماعي، يتردد. الدليل أنه زاد بعد تعيين إدوارد إيننفول خلفا لرئيسة التحرير السابقة أليكساندرا شولمان بسبب الاختلافات بينهما.
فالمعروف عنها أنها صحافية متمرسة وكاتبة لها مجموعة من المؤلفات إلى جانب اهتماماتها الفنية والثقافية التي كانت تخصص لها حيزا لا بأس به في المجلة. وخلال سنواتها الـ25 لم تُخف نفورها من ثقافة النجمات، لا سيما نجومية تلفزيون الواقع، وقاومت طويلا ظهورهن على أغلفة مجلتها قبل أن تستسلم لمتطلبات السوق والإعلانات في السنوات الأخيرة. إيننفول في المقابل رجل صورة، كما أنه على العكس من رئيسات التحرير المخضرمات، لن يقبل العمل في الظل، وهو ما يؤكده حسابه على «إنستغرام»، الذي يظهر فيه في لقطات «سيلفي»، وأيضا مع شخصيات مهمة ومؤثرة في مجالات الموضة والفن، وطبعا بوصفه متخصصا في التصوير وليس في الكتابة، يشير إلى تغيير واضح لا يحتاج إلى أي شرح.
** همسات جانبية
* في عام 2015 ظهرت العارضة جوردان دون على غلاف «فوغ» بالنسخة البريطانية في ثاني ظهور لعارضة سمراء على غلاف المجلة منذ 12 عاما... الأول كان من نصيب ناعومي كامبل.
* حتى بالنسبة لـ«برادا» فقد كانت أول مرة استعانت فيها بعارضة سمراء في عام 1994 وكانت بطلتها ناعومي كامبل ولم تعد الكرة إلى عام 2013 مع العارضة ملايكا فيرث.



ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.