الأزياء الراقية... من العصر المذهب إلى عُرس القرن

بين سلطة الفن ونفوذ المال... التاريخ يعيد نفسه

الأزياء الراقية... من العصر المذهب إلى عُرس القرن
TT

الأزياء الراقية... من العصر المذهب إلى عُرس القرن

الأزياء الراقية... من العصر المذهب إلى عُرس القرن

ما أشبه اليوم بالأمس. بين زفاف يصفه البعض بـ«عرس القرن»، ويراه البعض الآخر استعراضاً للنفوذ العالمي الجديد، وبين عودة مسلسل «العصر المذهب» The Gilded Age في جزئه الثالث، وأخيراً وليس آخراً، انطلاق موسم الـ«هوت كوتور» الأسبوع المقبل في باريس. ثلاثة أحداث تتقاطع فيها مشاهد الثراء والجاه الفاحش، إلى جانب تصاعد نفوذ طبقة جديدة... كما لو أن التاريخ يعيد نفسه.

مسلسل«العصر المذهب» The Gilded Age الذي يعرف نجاحاً كبيراً، يتناول حقبة زمنية غيّرت التاريخ الحديث. شهدت ابتكارات واختراعات مهمة مثل الإضاءة الكهربائية، والسكك الحديدية، ما خلق طبقة جديدة من الأثرياء. هذه الاختراعات تبدو لنا اليوم عادية، إلا أنها كانت في عصرها ثورة صناعية بكل معنى الكلمة. المشهد الراهن لا يختلف كثيراً عما يصوره المسلسل. لم يتغير سوى الزمن والوسائل والسياق. فنحن الآن نتابع صعوداً غير مسبوق لطبقة جديدة كوّنت ثرواتها هذه المرة من الذكاء الاصطناعي والسياحة الفضائية وما شابه من تكنولوجيا.

لقطة من مسلسل «العصر المذهب» تظهر فيه الأزياء هادئة تعكس المال القديم (غيتي)

لكن الجميل في العمل الدرامي أن كاتبه جوليان فيلوز، وهو كاتب المسلسل نفسه الشهير Downton Abbey، التقط صراع الثروة وحبكه في معركة تاريخية دارت بين وريثات من أسر عريقة، وحديثات النعمة. كان أقوى سلاح فيها هو الموضة التي جعلت منصات عروضها حفلات باذخة. عناصر يعرف فيلوز أنها تشد الأنفاس وتوقظ تلك الأحداث التاريخية التي نسيناها أو تناسيناها.

قوة المال

عرس جيف بيزوس مؤسس «أمازون» ومقدمة البرامج التلفزيونية السابقة لورين سانشيز على إحدى جزر البندقية، أثار ضجة وجدلاً بين منبهر ومستنكر. ردود فعل تأخذنا إلى عام 1883، وذلك الحفل الضخم الذي أقامته ألفا فاندربيلت، زوجة رجل أعمال راكم ثروة ضخمة من السكك الحديدية. حرصت على أن يأتي الحفل أسطورياً، بحيث لم تبخل عليه بأي شيء، من طباخين فرنسيين إلى مغنيين وطبعاً، ريش وزخرفات غنية زينت ديكورات البيت كما الأزياء. فالهدف من هذا الحفل لم يكن للترفيه أو حسن الضيافة. كان المفتاح لاختراق ناد نخبوي مغلق تطلب منها خوض حرب اجتماعية ضد نظام كانت تتحكم فيه كارولين آستور. سيدة من الطبقة الأرستقراطية الأميركية يحسب لها المجتمع النيويوركي ألف حساب. كانت تعد المال الجديد تهديداً للتقاليد الأرستقراطية الكلاسيكية، ومن ثمّ كانت ترى في زوجات رجال الأعمال الجدد «حديثات نعمة» ليس لهن مكان في ناديها الخاص. لكن المال الجديد غلبها في الأخير، مؤكداً مقولة منسوبة لرجل الأعمال الأميركي جي. بول غيتي مفادها أن «المال هو القوة الحقيقية في هذا العالم، ولا شيء يتحرك من دونه».

بين فاندربيلت وسانشيز

لورين سانشيز في فستان زفاف من تصميم «دولتشي أند غابانا» برفقة زوجها جيف بيزوس (رويترز)

كما فعلت ألفا فاندربيلت قبل قرن ونصف، فعلت لورين سانشيز وكأنها امتداد لها. أعادت اختراع لعبة الدخول إلى المجتمع عبر بوابة المال والصورة. المبلغ الضخم الذي أنفقته ألفا فاندربيلت على حفلها الأسطوري مثلاً، قُدّر بربع مليون دولار، وهو مبلغ يوازي تكاليف عرس القرن التي قدرت بـ46 مليون دولار. كلتاهما، ألفا ولورين، تعرف أهمية الصورة في التأثير على الرأي العام. الأولى كانت أول من بدأ في تسريب أخبار عن حفلها في سابقة غير مألوفة، والثانية كما تابعنا في الأسبوع الماضي، صوّرت العرس كما لو أنه حفل دعائي أو حملة تسويقية، بحضور نخبة من أصحاب المليارات والنجوم والشخصيات المهمة، مثل عائلة كارداشيان وأوبرا وينفري وليوناردو دي كابريو والملكة رانيا وعائلتها. هي أيضاً كانت تستهدف انتزاع اعتراف بقوتها الجديدة.

كيم وكلوي كارداشيان من الحاضرات لعرس القرن (أ.ف.ب)

في كل هذه الصور، كانت الموضة الخيط الرابط بين القديم والجديد، وبين الراقي والمبالغ فيه. فساتين موقعة من جيورجيو أرماني و«ميزون سكاباريللي» و«ألكسندر ماكوين» و«دولتشي أند غابانا» و«بالنسياغا» و«ديور»، وهلم جرّاً، ظهرت بها سانشيز وعدد من الحاضرات. تلقت سانشيز الكثير من التعليقات على إطلالاتها، على أساس أن بعضها كان موفقاً وبعضها الآخر غير متناسق مع جسدها. لكن تبقى الحقيقة الراسخة أن هذه الإطلالات أدّت وظيفتها في شد الانتباه ومن تم تحقيق الهدف.

التأريخ بالريشة والإبرة

لقطة من معرض خاص بتشارلز فردريك وورث في متحف «لوبوتيه باليه» بباريس تظهر فيه لوحة فنية ملهمة (أ.ف.ب)

المقارنة بين مسلسل «العصر المذهب» وعرس بيزوس وسانشيز، تستحضر لنا رجلين شكّلا هذا المشهد المثير في منتصف القرن التاسع عشر. الأول هو الفنان جون سينغر سارجان الذي أرخها بالريشة من خلال بورتريهات رسمها لسيدات المجتمع الأميركي بدقة، وأصبحت الآن مرجعاً تاريخياً. غني عن القول أن العمل الدرامي استلهم منها الكثير، وبشكل حرفي أحياناً.

الثاني هو تشارلز فريدريك وورث، الأب الروحي للأزياء الراقية، التي نعرفها اليوم بالـ«هوت كوتور». كان المايسترو والأداة التي مكّنت هؤلاء السيدات، من التعبير عن مكانتهن الاجتماعية، سواء كن من وريثات العز القديم أو حديثات النعمة. كل طبقة استخدمتها بأسلوبها الخاص. الشريحة الأولى فضّلت فخامة هادئة تعكس ثقتها الراسخة، بينما مالت الثانية إلى «الماكسيماليزم» والمبالغة في التفاصيل لإثبات نفسها. المصمم فرديريك وورث كان الحلقة التي تجمع الطبقتين، وغذى بطريقة مباشرة وغير مباشرة هذه المنافسة. كان السفر بحراً إلى باريس من أجل اقتناء خزانة ملابس أقصى درجات التميز.

فريدريك وورث... مؤسس صناعة الموضة

لقطة من معرض خاص بتشارلز فردريك وورث في متحف «لوبوتيه باليه» بباريس (أ.ف.ب)

لا يختلف اثنان أن فريدريك وورث، الذي يحتضن متحف «لوبوتي باليه» بباريس معرضاً خاصاً به، هو من أسس لصناعة الموضة كما نعرفها اليوم. رسخ نفسه بوصفه مصمماً لا خياطاً في بادرة غير مسبوقة. ابتكر أيضاً نموذجاً تجارياً يُحتذى به حتى اليوم، حيث فرض على سيدات المجتمع الأرستقراطي والمخملي أن يأتين إليه لاختيار ما يناسبهن من أزياء جاهزة، وإجراء البروفات عوض أن يذهب إليهن. لم يستثن أحداً، حتى سيدات البلاط الفرنسي كن يحضرن إليه شخصياً.

قبل ذلك، كانت سيدات المجتمع الراقي يأتين بأقمشتهن وأفكارهن إلى الخيّاطين لينفذوا لهن ما يرغبن فيه. رفض وورث هذا المفهوم، وفرض رؤيته الخاصة عليهن. كان هو من يبتكر ويُقرر. «النساء يأتين إليّ ليطلبن أفكاري، لا ليُمليْن عليّ أفكارهن»، هكذا صرّح لمجلة «Blackwood's Edinburgh Magazine» عام 1858. بيد أنه كان يتنازل ويسمح لهن بإضافة التفاصيل والزخرفات، مثل الريش أوالتطريز وما شابه.

طبعاً كل شيء بثمنه، فكلما أضاف تفصيلاً جديداً زاد السعر.

من بين الإنجازات الكثيرة التي قام بها وتصب حتى الآن في صالح كل من أتى من بعده، أنه بدأ بتوقيع اسمه الشخصي على الأزياء. الفكرة كانت لمنع التقليد والتوثيق، لأنه كان قد بدأ تصوير تصاميمه في ذلك الحين، مستعيناً بزوجته بصفتها عارضة أزياء. هذه الممارسات لا تزال جزءاً أساسياً من صناعة الموضة إلى الآن.

ولد في إنجلترا ونضج في باريس

كان وورث ولا يزال الأب الروحي لـ«الهوت كوتور» أسسها كفن وصناع منذ أكثر من قرن من الزمن (أ.ف.ب)

وُلد وورث في إنجلترا عام 1825، وتدرّب على يد تاجرين في الأقمشة قبل أن ينتقل إلى باريس ليعمل بائعاً وخيّاطاً. بعد فترة قصيرة نسبياً، أسس داره الخاصة بالتعاون مع رجل الأعمال السويدي أوتو بوبيرغ تحت اسم «وورث وبوبيرغ».

شهد أوجه خلال الإمبراطورية الفرنسية الثانية (1852 - 1870)، حين كانت الحفلات التنكرية ذروة المناسبات الاجتماعية. فساتين وورث كانت عز الطلب لتفردها وأناقتها، ولأنه في هذه الفترة، أصبح المصمم الرسمي للإمبراطورة أوجيني، زوجة نابليون الثالث. توسّعت قائمة زبوناته من الطبقات الأرستقراطية الأوربية والفرنسية، لتشمل نساء مثل الكونتيسة إليزابيث غريفويل، التي ألهمت الكاتب الفرنسي مارسيل بروست شخصية الدوقة أوريان دو غيرمانت في روايته «البحث عن الزمن المفقود». وصول سمعته إلى الوريثات الأميركيات وبعدهن زوجات رجال الأعمال الجدد، كان مسألة وقت فقط.

من تصاميم «أرماني بريفيه» يظهر فيه فستان بتنورة مستديرة لكن بما يتناسب مع العصر الحالي (أرماني)

في عام 1868، وصفته إحدى المجلات بـ«السلطة المطلقة في بلاطات الملوك». واليوم، بعد أكثر من قرن على رحيله، لا تزال تصاميمه تبهر وتبدو وكأن الزمن لم ينل من جمالها. الفضل يعود إلى أنه إلى جانب خياله الخصب، كان أيضاً قارئاً جيداً للتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية، وتكيّف معها. استبدل مثلا بالكرينيولين بطانات خفيفة، وخفف من الزخرفات المبالغ فيها، عندما تطلب الأمر بعض التقشف تماشياً مع روح الجمهورية الثالثة.

عندما فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية عالية على الأزياء الفرنسية في تسعينات القرن التاسع عشر، شعر أن ذلك سيفتح الباب أمام المقلدين والمستنسخين لتصاميمه، الأمر الذي انبثقت عنه نواة غرفة تحمي الأزياء الراقية الفرنسية من التقليد. في عام 1868 تبلورت فيما أصبحت تُعرف بغرفة الهوتو كوتور الفرنسية Chambre Syndicale de la Haute Couture، المسؤولة حتى الآن عن حماية التصاميم والمصممين وتنظيم أسبوع باريس وانتقاء من يشارك فيه.

التفاصيل الغنية والمبتكرة هي عنوان كل موسم «هوت كوتور» (ستيفان رولان)

من رحم هذه الرؤية، سينطلق أسبوع الهوت كوتور يوم الاثنين المقبل بمشاركة مصممين وبيوت أزياء مثل «ميزون إيلي صعب» و «أرماني بريفيه» وستيفان رولان ورامي العلي و«ديور» و«شانيل» و«ميزون سكاباريللي» وغيرها من الأسماء المهمة. ستختلف الاقتراحات وتبقى الفكرة واحدة: مخاطبة امرأة ترغب في التميز والتفرد بأي ثمن.


مقالات ذات صلة

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

لمسات الموضة تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

لم تكن فكرة ارتداء البدلة من ابتكاره، بل جاءت باقتراح من راعيه. أما شرطه الوحيد، فكان أن تصبح عملية بما يكفي ليتمكن من خلعها بسرعة، والانتقال إلى أجواء المباراة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)

موجة «لويس فويتون»: عرض أم استعراض؟

لم يحاول فاريل ويليامز منذ التحاقه بـ«لويس فويتون» بصفته مديراً إبداعياً، أن يكون مصمماً تقليدياً ولا مطلوباً منه ذلك. كان المطلوب منه خلق «لحظات ثقافية».

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)

«دولتشي آند غابانا» تراهن على الهوية الإيطالية في عالم التجميل

لم تعد مستحضرات التجميل بالنسبة لبيوت الأزياء الفاخرة مجرد فئة كمالية تُجمِّل صورتها، بل أصبحت جزءاً محورياً من استراتيجيات النمو وتنويع الإيرادات، ما يزيد من…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة «لحظة» العمل الذي فاز به آرثر شوكيه بالجائزة الأولى (كارتييه)

«كارتييه» تراهن على الجيل المقبل لصناعة المستقبل

مرّت صناعة الساعات السويسرية، كما هو حال كثير من الحِرف التقليدية، بفترة من القلق حول مستقبلها. لم يكن هذا القلق مرتبطاً فقط بتقلبات السوق أو بانتشار حركة…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قطعة أساسية في الطقس الدافئ (صفحة المصممة روان زكريا إنستغرام)

حقائب الرافيا... الأناقة الهادئة في صيف 2026

من مفاجآت الموضة لربيع وصيف 2026 اقتطاع الرافيا حصة لا يستهان بها في سوق الحقائب. فهذه الخامة التي كانت محصورة بالبحر والإجازات العابرة أصبحت جزءاً من الأناقة…

نادية عبد الحليم (القاهرة)

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)
تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)
TT

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)
تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)

في النسخة الحالية من «ويمبلدون»، كشفت لحظة دخول اللاعب تايلور فريتز أن اللعب لا يبدأ مع ضربة الإرسال الأولى، بل منذ لحظة دخول الملعب. فقد بدا ظهوره ببدلة وإكسسوارات بيضاء، في نظر بعض المتابعين، خطوة تسويقية لافتة، في حين رأى آخرون أنه مجرد التزام بقواعد «ويمبلدون» التي تفرض على اللاعبين ارتداء اللون الأبيض بالكامل.

كان اللاعب الأميركي متردداً في البداية لكنه اقتنع بعد الفوز بالمباراة (أ.ب)

عند دخوله الملعب، كان يرتدي بدلة بيضاء صُممت بشكل خاص له بالتعاون مع راعيه، علامة «BOSS»، ويحمل نسخة بيضاء من حقيبة «Madison B1» المصنوعة من الجلد الإيطالي الفاخر، لتكتمل إطلالة جمعت بين الفخامة والطابع الرياضي العصري. لكن اللافت لم يكن التصميم بحد ذاته، بل ما كشف اللاعب عنه بعد المباراة. فقد اعترف بأنه لم يكن مقتنعاً تماماً بالفكرة عندما طرحتها عليه «BOSS»، وأنه لم يُغيّر رأيه إلا بعد أن شاهد الصور إثر فوزه في المباراة. أما سبب تردده في البداية، فكان خشيته أن تتحول الإطلالة إلى مادة للسخرية إذا ودّع البطولة مبكراً.

الموضة والرياضة

هذا التصريح يُوضِح العلاقة التي باتت تربط الموضة والرياضة حالياً، فالأزياء لم تعد اختياراً شخصياً أو وسيلة للتعبير عن الذوق الخاص، بل جزء من منظومة تسويقية تتداخل فيها مصالح الرعاة مع الصورة العامة للرياضي.

لم يقل فريتز إنه أُجبر على ارتداء البدلة صراحة، لكنه أوضح أن الفكرة لم تكن فكرته، وبأنها جاءت من راعيه، مضيفاً: «لم يكن بإمكاني التراجع». كان له شرط واحد فقط؛ أن تكون البدلة عملية بما يكفي ليتمكن من خلعها بسرعة قبل بداية المباراة.

كان شرطه الوحيد أن تكون البدلة عملية بحيث يمكنه خلعها بسهولة (أ.ب)

لذلك صُمم السروال بفتحات جانبية مخفية تتيح خلعه خلال ثوانٍ، في تفصيل يعكس محاولة الجمع بين متطلبات الأداء الرياضي، التي تستدعي انتقالاً سريعاً إلى أجواء المنافسة وتركيزاً كاملاً على المباراة، ومتطلبات صورة تسويقية تراهن على التأثير الدرامي للون الأبيض. وهنا بدت العلاقة بين اللاعب وزيه كأنها مفاوضة مستمرة بين رياضي ينصب تركيزه على الفوز وإثبات تفوقه داخل الملعب، ومنظومة تسويقية تسعى إلى صناعة صورة مثالية تتجاوز حدود المنافسة. ولعل خير دليل على ذلك أن المجموعة أصبحت متوفرة حالياً في متاجر «BOSS» حول العالم.

الحاضر يستلهم من الماضي

غير أن هذه الإطلالة لم تكن مجرد فكرة تسويقية عابرة، بل استلهمت واحدة من أكثر الصور رسوخاً في ذاكرة «ويمبلدون». ففي عام 2007، دخل روغر فيدرر الملعب مرتدياً سترة بيضاء، في مشهد تحول لاحقاً إلى إحدى الصور الأيقونية في تاريخ البطولة.

ركزت «بوس» على إيجاد توازن بين الأناقة والعملية (رويترز)

لكن بينما كان ظهور فيدرر آنذاك امتداداً للأناقة الأرستقراطية التي لطالما ارتبطت بـ«ويمبلدون»، جاءت إطلالة فريتز لتعكس واقعاً مختلفاً، تتحول فيه البطولة نفسها إلى منصة تتقاطع فيها الرياضة مع صناعة الأزياء.

فالبدلة التي ارتداها تحمل بصمات علامة «بوس» الأنيقة، بحيث صُنعت من قطن أبيض ذي نسيج طبيعي يمنحها طابعاً صيفياً خفيفاً، وجاءت بقصة واسعة ذات صفين من الأزرار، مع وشاح حريري بنقشة «بيزلي» مستوحاة من أرشيف الدار، وحقيبة جلدية بيضاء، في إعادة معاصرة لما يُعرف بـ«أبيض ويمبلدون» الشهير.


موجة «لويس فويتون»: عرض أم استعراض؟

لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
TT

موجة «لويس فويتون»: عرض أم استعراض؟

لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)

خلال أسبوع الموضة الرجالية الذي احتضنته باريس في الأسبوع الأخير من يونيو (حزيران)، التهبت العاصمة الفرنسية على أكثر من صعيد؛ فبينما دفعت موجة الحر درجات الحرارة إلى مستويات مرتفعة، أشعلت العروض الضخمة والخيارات الإبداعية حماس المتابعين.

فبعد أن لاحظنا في السنوات الأخيرة تخفيف الميزانيات، على الأقل فيما يتعلق بديكورات العروض الضخمة، تابعنا خلال الأسبوع الباريسي لربيع وصيف 2027، كيف وضع فاريل ويليامز، المدير الإبداعي للأزياء الرجالية في «لويس فويتون»، مجموعته الجديدة ضمن سينوغرافيا يصعب تجاهلها.

إلى جانب الأزياء حضرت الإكسسوارات بنقشة المونوغرام بقوة (إ.ب.أ)

كان العنصر الأساسي فيها، موجة اصطناعية عملاقة بلغ ارتفاعها نحو ثمانية أمتار وعرضها أكثر من سبعة وثلاثين متراً، استخدمت فيها مياه حقيقية بمساعدة مؤسسة «أو دو باريه» Eau De Paris المسؤولة عن شبكة المياه في العاصمة الفرنسية. قيل إن رذاذها وصل إلى بعض الضيوف الجالسين على أطرافها. أما منصة العرض نفسها، فكانت عبارة عن مساحة مغطاة بالرمال تراصت حولها كراسي خشبية على هيئة ممرات الشواطئ التقليدية. فثيمة العرض كانت عن السفر والبحر والأنشطة المائية، مثل التزلج على المياه.

أثارت ضخامة ودرامية المشهد سؤالاً كان لا بد منه: متى يصبح الديكور أكثر حضوراً من الملابس نفسها؟ كان واضحاً طوال العرض، وما تمّ تداوله من صور، أن الموجة العملاقة استحوذت على جزء كبير من الانتباه، أكثر من الأزياء نفسها.

الفنان والمدير الإبداعي فاريل ويليامز يحيِّي ضيوفه بعد انتهاء عرضه (أ.ب)

ثم تُوضِح تصاريح ويليامز بعد العرض، أنه لم يُصمِم الموجة للإبهار وحده. فخلف هذا المشهد الاستعراضي، حاول أن يمنح الديكور رسالة تتجاوز الفرجة، بربطها بفكرة الاستدامة والتدوير وأيضاً بأخذنا إلى جذور «لويس فويتون» المرتبطة بالسفر والترحال.

هو لم يأت ليبيع الحلم والأزياء فحسب، بل ليبيع شخصيته وصورته أيضاً، من خلال خلق «لحظات ثقافية» يتم تداولها إعلامياً ورقمياً.

ورغم أن إدماج الديكور في العروض، ليس جديداً على الدار، حيث بدأ في عهد مارك جايكوبس، الذي عمل فيها من 1997 إلى 2013، أي لمدة 16 عاماً، وحوَّل خلالها الأماكن إلى مشاهد مسرحية ضخمة، تارة على شكل محطة قطار، وتارة أخرى على شكل مصاعد متحركة وغيرها، فإن فاريل ويليامز، لم يحاول منذ التحاقه بـ«لويس فويتون» بصفته مديراً إبداعياً، أن يكون مصمماً تقليدياً ولا مطلوباً منه ذلك. كان المطلوب منه خلق «لحظات ثقافية» يتم تداولها إعلامياً ورقمياً، بأن يمزج بين الموضة والترفيه والثقافة الشعبية والرسائل الاجتماعية في زمن أصبحت فيه الصورة تنتشر خلال ثوانٍ عبر الإنترنت.

كانت السينوغرافيا بطل العرض بلا منازع (إ.ب.أ)

من هذا المنظور، لم يُوظِّف فاريل الموجة العملاقة بوصفها مجرد خلفية مثيرة، ولا ألواح ركوب الأمواج التي رافقت العرض بوصفها مجرد إكسسوار زخرفي، بل أرادها رسالة تلتقط ثقافة العصر ومفهوم الاستدامة.

الاستدامة والتدوير كرسالة فنية

ويبدو أن مفهوم الاستدامة كان، بالنسبة لفاريل ويليامز في العرض، لا يقل أهمية عن الأزياء نفسها. فبعد انتهاء العرض، ستُعاد المياه إلى شبكة الصرف في باريس ضمن نظام مغلق لإعادة التدوير. كما سيُعاد استخدام الرمال الناعمة التي غطّت الأرضية لاحقاً في ملاعب الكرة الطائرة الشاطئية داخل الحرم الجامعي، حيث أقيم العرض. حتى المقاعد الخشبية المستخدمة للضيوف، فقد سبق أن استُعملت في عرض الموسم الماضي، الذي أقيم حول هيكل معماري يشبه فندقاً مستقبلياً داخل متنزه بولونيا الباريسي، وحمل اسم «دروبهاوس» نظراً لتشابه شكله مع قطرة ماء.

تكتسب إعادة استخدام المياه والرمال والخشب بعد انتهاء العرض، دلالة مهمة في وقت تواجه فيه صناعة الموضة ضغوطاً متزايدة للحد من الهدر وتحمل مسؤولية أكبر تجاه أثرها البيئي.

من الديكور إلى الأزياء

جانب من العرض (رويترز)

ورغم أن الديكور بدا في بعض اللحظات أكثر حضوراً من الأزياء نفسها، فإنه من الخطأ القول إنها لم تكن في المستوى. فمع تراجع هدير الموجة، تعالى عزف أوركسترالي حي، ليبدأ العارضون بالظهور مرتدين تصاميم تراوحت بين التفصيل الكلاسيكي الهادئ والقطع المنفصلة، مثل القمصان المطبوعة بأشجار النخيل وسراويل الجينز القصيرة. لم يكتف فاريل باستعمال أقمشة منعشة وتصاميم منطلقة، وقدّم اقتراحات أخرى مصنوعة من خيوط الكشمير ثمرة تعاونه مع معامل «لورو بيانا»، إلى جانب الصوف عبارة عن سترات ومعاطف مستوحاة من تلك التي يرتديها راكبو الأمواج بعد الخروج من المياه الباردة.

اقتراحات كثيرة منها كنزات من الكشمير ثمرة تعاون مع دار «لورو بيانا» (أ.ف.ب)

رجل «لويس فويتون»

وفق ما صرَّح به فاريل أنه لا يتعامل مع هذه المناسبات باعتبارها مجرد عروض أزياء، فهي بالنسبة له تجارب أناقة متكاملة. لكنه يضع نصب عينيه دائماً رجل أعمال لا يتنازل عن أناقته أياً كانت هواياته وميوله وأياً كانت وجهته. خزانة ملابسه قد تضم بدلات كلاسيكية مزدوجة الأزرار، أو معاطف بحرية تقليدية وسترات بومبر من الجلد، كما قد تضم سراويل جينز مطرزة أو سترات مؤلفة من رقع تذكارية متداخلة بشكل جريء. ففلسفته، منذ انضمامه إلى «لويس فويتون» مديراً إبداعياً لخطها الرجالي، أن يفكر خارج الصندوق لكن بعقلية المستهلك، وهذا ما نجح فيه حتى الآن رغم أن تعيينه في عام 2023 أثار الكثير من الاستغراب وحفيظة البعض. فهو منتج ومغنٍ أولاً قبل أن يكون عاشقاً للموضة ومؤثراً فيها ثانياً.

شملت الأزياء كل ما يحتاج إليه رجل ثري من بدلات وقطع منفصلة (أ.ف.ب)

في هذه المجموعة، أكد للجميع أنه مصمم يناسب متطلبات العصر الحالي، التي باتت تعتمد على الصورة. فقد أظهر قدرته على كتابة فصل جديد من قصة الدار المبنية على السفر والترحال وما تعنيانه من انطلاق وحرية ومغامرة، مُركِزاً على تحقيق التوازن بين العمل والمتعة برسم صورة رجل يملك المال ويرغب في خوض تجارب مثيرة. ففي الماضي كانت الأزياء الفاخرة تخاطب رجلاً يعمل في البنوك والمكاتب الرسمية، أما اليوم، فهذا الرجل يعمل في التكنولوجيا والترفيه والرياضة. وهذه بحد ذاتها صورة تسويقية جذابة تعكس شخصية فاريل ويليامز ودوره داخل الدار.


«دولتشي آند غابانا» تراهن على الهوية الإيطالية في عالم التجميل

تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)
تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)
TT

«دولتشي آند غابانا» تراهن على الهوية الإيطالية في عالم التجميل

تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)
تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)

لم تعد مستحضرات التجميل بالنسبة لبيوت الأزياء الفاخرة مجرد فئة كمالية تُجمِّل صورتها، بل أصبحت جزءاً محورياً من استراتيجيات النمو وتنويع الإيرادات، ما يزيد من حمى الاهتمام بأن مستحضرات التجميل والعطور من أكثر القطاعات ربحية، حسب أرقام المبيعات، ما يجعلها سنداً لا يستغنى عنه لقطاع الأزياء.

معظم بيوت الأزياء الكبيرة، إن لم نقل كلها، اقتحمت هذا القطاع بكل ما تملكه من قوة فنية. لم تخرج دار «دولتشي آند غابانا» عن السرب. أدركت أن السوق مزدحمة والمنافسة شرسة بين كبريات بيوت الأزياء وشركات التجميل العالمية. كل واحدة تسعى لاقتطاع حصة أكبر من السوق؛ لهذا كان لا بد لها أن ترسم لنفسها خطاً تتميّز به. وجدت أن ورقتها الرابحة تكمن في جذورها الإيطالية، فهذه الورقة نجحت في مجال الأزياء، فلِمَ لا تنجح أيضاً في صناعة الجمال؟

يمكن البناء على الطبقات للحصول على إطلالة طبيعية للنهار أو قوية للمساء (خاص)

الهوية الإيطالية أولاً

من هذا المنظور، حرصت أن تبقى وفية لجيناتها وهويتها الإيطالية، بألا تستعملها خلفيةً جغرافيةً فحسب، بل أرشيفاً مفتوحاً على التاريخ والمعمار والفن. تستوحي منها نقوشاً فنية وألواناً متوهجة تستحضر صقلية بقصورها وقلاعها، والأهم من هذا الجمال الإيطالي الطبيعي.

يأتي أحمر الخدود بتركيبة كريمية تدوم طويلاً (خاص)

وسبق أن طرحت عدة مستحضرات تصب في هذا المجال، إلا أنها كشفت حديثاً عن منتجين جديدين يحملان اسمي «Rose Dew Lip Bite» و«Cherry Glaze Bar»، يندرجان ضمن مفهوم «Fresh Look» الذي يراهن على إطلالة طبيعية ندية يمكن تكثيفها تدريجياً حسب الذوق والمناسبة: تبدأ خفيفة وناعمة في الصباح، ثم تزداد وهجاً في الظهيرة، وعُمقاً في المساء.

لكن يبقى أكثر ما يلفت في المجموعة، ليس فقط شكل العبوات المبتكرة أو وظيفتها فحسب، بل المكونات الإيطالية المستخدمة فيها، وهي زيت الكرز الإيطالي ومستخلص الورد المحلي؛ فهذه مكونات تمنح، حسب الدار، المنتجات شخصية فريدة وبصمة مميزة.

تتميز العلب بروح «دولتشي آند غابانا» الفنية (خاص)

خلاصات طبيعية وكولاجين

فأحمر الخدود «Cherry Glaze Bar» يأتي على هيئة لوحة مصغرة بتركيبة كريمية، تتيح توزيع اللون بدرجات يمكن التحكم فيها بسهولة، سواء أكان المراد إطلالة خفيفة أم تغطية أكثر كثافة.

وتقول الدار إن تركيبته الغنية بزيت الكرز الإيطالي والكولاجين النباتي، تُرطِب البشرة وتزيدها إشراقاً لمدة تصل إلى 24 ساعة، فضلاً عن مقاومة الماء والحرارة. أما من حيث التصميم، فيأتي في عبوة عاجية بسيطة تتزين بتفاصيل ذهبية مصقولة تعكس أسلوب الدار.

أحمر الشفاه من الكرز المحلي مطعم بالكولاجين النباتي (خاص)

أما أحمر الشفاه «Rose Dew Lip Bite»، فيقدّم هو الآخر لمسة خفيفة وناعمة في البداية، عبر 6 درجات لونية، ثم يزداد عمقاً ولمعاناً مع إضافة طبقات جديدة. وبدلاً من زيت الكرز يعتمد على الورد الإيطالي المعزز بحمض الهيالورونيك، في تركيبة تقول الدار إنها خفيفة وغير لاصقة، تمنح الشفاه تأثيراً أقرب إلى الندى الطبيعي منه إلى المكياج التقليدي.

تستعمل الدار دائماً الجغرافيا الإيطالية بصفتها خلفية تعكس هويتها الثقافية (دولتشي آند غابانا)

العطور أولاً

تجدر الإشارة إلى أن «دولتشي آند غابانا» دخلت صناعة الجمال عبر العطور عندما أطلقت أول عطر لها عام 1992. ومنذ ذلك الحين ابتكرت أكثر من 100 عطر، بالتعاون مع عدد من صناع العطور المشهورين. بعدها طوّرت باقة من مستحضرات التجميل، لقيت صدى كبيراً شجّعها بعد 30 عاماً من العمل في هذا المجال، على نقل أعمالها إلى إدارتها المباشرة، بهدف تعزيز هذا التطور والمضي به إلى مرحلة جديدة تريدها أكثر توسعاً وانتشاراً.