صراع الرفاق الدامي في عدن.. من أول تصفية إلى آخر مذبحة

«اليمن الجنوبي» كان منطقة شبه مغلقة على الاستخبارات الأميركية

سليم علي - فيصل عبد اللطيف الشعبي - أنصار عبد الفتاح إسماعيل يحملون أسلحة من مخلفات قوات الرئيس علي ناصر محمد عام 1986 في أعقاب «مجزرة 13 يناير» (غيتي)
سليم علي - فيصل عبد اللطيف الشعبي - أنصار عبد الفتاح إسماعيل يحملون أسلحة من مخلفات قوات الرئيس علي ناصر محمد عام 1986 في أعقاب «مجزرة 13 يناير» (غيتي)
TT

صراع الرفاق الدامي في عدن.. من أول تصفية إلى آخر مذبحة

سليم علي - فيصل عبد اللطيف الشعبي - أنصار عبد الفتاح إسماعيل يحملون أسلحة من مخلفات قوات الرئيس علي ناصر محمد عام 1986 في أعقاب «مجزرة 13 يناير» (غيتي)
سليم علي - فيصل عبد اللطيف الشعبي - أنصار عبد الفتاح إسماعيل يحملون أسلحة من مخلفات قوات الرئيس علي ناصر محمد عام 1986 في أعقاب «مجزرة 13 يناير» (غيتي)

يكتنز أرشيف الاستخبارات الأميركية (سي آي إيه) المفرج عنه بوثائق قليلة وأخطاء كثيرة عن جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، أو ما كان يعرف في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي بـ«اليمن الجنوبي». وأي باحث مختص بالشأن اليمني يتصفح في ما هو متوفر من وثائق سيدرك للوهلة الأولى أن جنوب اليمن كان منطقة شبه مغلقة على الاستخبارات الأميركية، إلى درجة أن الوكالة المعنية بالتجسس على العالم أجمع وقفت حائرة وعاجزة عن فهم ما جرى في الصباح الدامي في عدن أو ما يعرفه اليمنيون باسم «مذبحة 13 يناير» 1986، التي راح ضحيتها أربعة من كبار قادة اليمن الجنوبي ومئات الكوادر المؤهلة وآلاف المدنيين والعسكريين، ولا تزال آثارها الدامية محفورة في نفوس من تبقى من المتصارعين حتى يومنا هذا.

إن كانت الاستخبارات الأميركية قد عجزت في حينه عن فهم ما جرى على وجه التحديد يوم المذبحة، فقد سردت الوكالة في تقارير معدودة كافة المقدمات التي أدت إلى تلك المذبحة، منذ أول تصفية جسدية جرت بين الرفاق في اليمن الجنوبي لزميلهم فيصل عبد اللطيف الشعبي الرجل الثاني في الدولة والسند الأول لأول رئيس للدولة ومؤسسها قحطان الشعبي الذي أودع السجن هو الآخر، على غرار ما حدث لمحمد نجيب أول رئيس لجمهورية مصر.

رواية «سي آي إيه» لأحداث الجنوب

في الرابع من فبراير (شباط) من عام 1980، تم توجيه مذكرة مؤلفة من ثلاث صفحات من جهة ما إلى أخرى داخل وكالة الاستخبارات المركزية تحت عنوان: «جذور المعارضة للرئيس عبد الفتاح إسماعيل». وتم تكريس السطور العشرة الأولى للموضوع الوارد في العنوان، فيما خصص كاتب المذكرات ما تبقى لسرد تاريخي مختصر لأحداث 12 سنة سابقة.
وجاء في السطور الأولى من المذكرة أن «الحكومة الماركسية في جنوب اليمن، رغم عدم شعبيتها في الداخل، فإنها قد أحكمت قبضتها على الأوضاع في ذلك البلد عن طريق أجهزة أمنية فعالة وقاسية لحفظ النظام الداخلي في البلاد».
وأشارت المذكرة إلى أن معظم العناصر المعارضة للنظام القائمة، إما أنها قد فرت بجلدها إلى المنفى، وإما أعدمت أو سجنت، ومع ذلك طبقًا للمذكرة يوجد قنوات اتصال بين عناصر في الدائرة الداخلية للنظام ورفاقهم المنفيين إلى الشمال ومصر والسعودية، وغيرها.
وتمضي المذكرة في شرح جذور الصراع بين الرفاق بأنه بدأ بالتنافس بين جبهة تحرير الجنوب اليمني المحتل، ذات التوجه القومي العربي ومدعومة من مصر، وجبهة أخرى أكثر راديكالية هي الجبهة القومية، وانتهى الصراع لصالح الجبهة القومية بتفضيل من بريطانيا فيما لاذ قادة جبهة التحرير بشمال اليمن.

أول انقلاب

وفي يونيو (حزيران) عام 1969، نفذ الجناح الأكثر راديكالية في الجبهة القومية أول انقلاب أطيح فيه بالقيادة المعتدلة. وفي عام 1970، اتخذت إجراءات لتقسيمات إدارية تهدف إلى محو الهوية القبلية وتمنع السكان في المحافظات الست المكونة للدولة من استعمال ألقابهم القبلية.
(ملاحظة: تعرف الوثيقة علي عنتر بلقبه القبلي وهو البيشي وتورد أيضا اسم علي ناصر محمد مع لقبه القبلي وهو الحسني).
واختصرت المذكرة سنوات السبعينات من القرن الماضي بالقول إنها شهدت تنازعا على السلطة بين اثنين من أبرز قيادات البلاد هما رئيس الدولة سالم ربيع علي، وقائد الحزب عبد الفتاح إسماعيل، إلى أن استولى إسماعيل على السلطة في ثاني انقلاب في يونيو عام 1978 وجرت خلاله تصفية الرئيس سالم ربيع علي، فاضطر الكثير من أتباعه إلى الفرار إلى شمال اليمن.
وجاء في الوثيقة أن التوتر ظل سائدا داخل الدائرة الضيقة للنظام في عدن، وكان لهذا التوتر بعد جغرافي حيث إن الرئيس عبد الفتاح إسماعيل تعود جذوره إلى منطقة الحجرية في شمال اليمن، ولم يكن جنوبي الأصل. وأضافت الوثيقة أن القادة ذوي الأصول الجنوبية كانوا يبدون امتعاضا من تعاظم نفوذ الشماليين في الجنوب. وكان من بين المتذمرين رئيس الوزراء علي ناصر محمد الحسني، ووزير الدفاع علي عنتر البيشي.
وكان من أهم أسباب الخلاف أن إسماعيل متحمس كثيرا لإقامة وحدة مع شمال اليمن في حين أن قادة الجنوب ذوي الأصول الجنوبية يبدون ترددا في ذلك خشية أن يبتلع الشماليون الجنوب.
وتشير الوثيقة إلى أن الصراع على السلطة بين إسماعيل ومناوئيه من داخل الحلقة الضيقة للحكم أسفر عن تغيير حكومي لم يكن في صالح إسماعيل، وفي وقت لاحق من العام ذاته قرر الجنوبيون الإطاحة برئيسهم الشمالي وتم نفيه إلى الاتحاد السوفياتي حيث أمضى هناك نحو خمس سنوات. بعد نفي إسماعيل خلفه في السلطة علي ناصر محمد الحسني.

الغطرسة العسكرية

في تقرير آخر تتحدث الاستخبارات المركزية عن عهد الرئيس علي ناصر محمد وما تخلله من صراعات كانت مقدمة للمذبحة الكبرى عام 1986، وجاء في الوثيقة أن الحسني (علي ناصر محمد) دخل في صراع مع منافسيه تمثل في نقلهم إلى مواقع قد تبدو كبيرة لكنها في الحقيقة عديمة المعنى. فمثلا نقل علي عنتر من موقعه كوزير للدفاع ليصبح وزيرا للحكم المحلي، وبعد ذلك عينه نائبا له، وهو منصب سياسي هام. ونعتقد أن المناصب الرسمية الرفيعة تعطي الفرصة لعنتر للقاء الوفود الأجنبية وترأس بعض اللقاءات الهامة على مستوى الدولة عندما يكون الحسني غائبا، لكن من دون إعطائه صوتا في قرارات مجلس الوزراء.
ويمضي التقرير في إيراد تفاصيل أكثر بأن الحسني (علي ناصر محمد) قام بنقل المسؤولين الأقل خطورة والمتعاطفين مع المسؤولين المنقولين، ووضعهم مكان قيادتهم السابقة ليخفف من ردود الفعل الغاضبة. فعلى سبيل المثال، قام الحسني بتعيين سالم البيض، أحد الداعمين غير الأكفاء لعنتر، وزيرا للحكم المحلي خلفا لعنتر. وكان من المكن لتصرف كهذا أن يتسبب في مشكلات، فبعد إزاحة عنتر من موقعه، قام الحسني بتعيين صالح مصلح قاسم وزيرا للدفاع، ليتحد بعدها عنتر وقاسم في مواجهة الحسني.
وقام الحسني بتعيين علي عبد الله عليوة، المقرب منه، رئيسا لأركان جيش اليمن الجنوبي ونائبا أول لوزير الدفاع.
وتعتقد الاستخبارات الأميركية أن الحسني ربما يعد لاستخدام الفساد سلاحا في مواجهة خصومه. وقد يقوم بحملة تطهير انتقائية بحيث يبقي على من يحتاج دعمهم. وجاء في التقرير أيضا: «نعتقد أن انعدام القانون بجيش اليمني الجنوبي كان مبعث استياء الشعب والعديد من أعضاء الحزب ومن الممكن أن يستغله الحسني ضد خصومه. فكثيرا ما كان القادة العسكريون يضطهدون المدنيين، وتسببت الغطرسة التي يبديها العسكريون في تعزيز وتقوية الحسني في مواجهة عنتر وقاسم وأنصارهما من العسكريين».

النفوذ السوفياتي

يورد التقرير أن موسكو غير راغبة في الوقوع في فخ الصراعات السياسية اليمنية، ويعتقد محللو «سي آي إيه» أن موسكو لا تريد أن تخاطر بوضعها في البلاد بالانحياز لفصيل معين. فالتدخل المباشر في الصراعات السياسية في عدن أمر غير ضروري، لأن موسكو بمقدورها التأثير على سياسة اليمن الجنوبي من خلال اتصالاتها المكثفة مع الحكومة، ولا يعنيها اسم الحزب الحاكم. ويعتبر النفوذ السوفياتي في الحزب الاشتراكي اليمني الحاكم وفي الحكومة كبيرا، فالمدارس الحزبية مليئة بالسوفيات والأوروبيين الشرقيين، والطلاب الجنوبيين الذين يدرسون في جميع المدارس الفنية والاقتصادية يتلقون تدريبهم في روسيا وفي دول أوروبا الشرقية، أو في عدن على يد مدرسين من تلك الدول. بالإضافة إلى ذلك، يقوم نحو 450 مستشارا سوفياتيا بالمساعدة في التخطيط الاقتصادي ويعملون في مجالات الإنشاءات والثروة السمكية.
وتضيف الوثيقة أن الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية لا يزالان الموردين الرئيسيين للأسلحة والمستشارين العسكريين لليمن الجنوبي. فقد أرسلت موسكو نحو 500 مستشار عسكري، كما أرسلت خلال السنوات الثلاث الأخيرة، أسلحة بقيمة 500 مليون دولار، بحسب تقديرنا لقيمة الأسلحة. كذلك باليمن نحو 400 كوبي يقومون بتدريب ميليشيات اليمن الجنوبي.
ويضيف التقرير أن المستشارين السوفياتيين، بمقدورهم دخول المنشآت العسكرية التابعة لليمن الجنوبي في أي لحظة، كما أن الأسطول السوفياتي يستخدم ميناء عدن وغيره من مرافق اليمن الجنوبي لتزويد السفن والغواصات النووية بالوقود، وتستخدم الزوارق السوفياتية المراسي القريبة من جزيرة سوقطرة لخدمة أسطولها بالمحيط الهندي وغيره من السفن.
ويتوق التقرير إلى أنه يمكن للتمويل السوفياتي لملحق مدرج الطائرات الرئيسي بمطار عدن أن يساعد على السماح بهبوط طائرات الاستطلاع بعيدة المدى مثل طائرات «تي يو 95» والتمركز هناك، غير أنه شكك في أن المدرج سيكون قادرا على استقبال طائرات طراز «تي يو 95 إس»، لأن مطار عدن الدولي يعد المطار المدني الرئيسي للبلاد، وسيكون بمقدور المسافرين والمدنيين هناك رؤية الطائرات السوفياتية متمركزة هناك، حسب ما جاء في التقرير. ولفت التقرير إلى أن عمليات التحديث والتطوير التي يقوم بها الفرنسيون بصالة الوصول بمطار عدن الدولي، وشراء السلطات الجنوبية لطائرات ركاب من الولايات المتحدة تشير إلى أن اليمن الجنوبي يقوم بتكبير حجم مدرج الطائرات ومرافق المطار لتحسين قدرته على التعامل مع طائرات الركاب، بيد أننا لم نر طراز «تي يو 95» في عدن.
وتعتقد الاستخبارات الأميركية أن علي ناصر محمد الحسني يدرك تماما أن القلق بشأن الاقتصاد ربما يضعف سلطته لأن المشكلات الاقتصادية كانت ضمن أسباب مجيئه للسلطة.
ولذلك قام الحسني بتطبيق بعض إجراءات التحرر الاقتصادي المحدودة بهدف تعزيز شعبيته. ومن تلك الإجراءات تسهيل إرسال العمال الأجانب بمدخراتهم إلى بلادهم، والسماح لهم باستقدام المال من الخارج لبناء مساكنهم. والسماح للعمال العائدين من الخارج بتأسيس أعمال تجارية صغيرة خاصة، والسماح للمزارعين ببيع 40 في المائة من محاصيلهم الخاصة في السوق الحرة، وفق دبلوماسيين أجانب.

مذبحة 13 يناير

يجيد محللو وكالة الاستخبارات الأميركية السرد والتحليل ولكن عندما يتعلق الأمر بأحداث أو وقائع محددة فإن معلوماتهم لا تكاد تختلف عما كان ينشر في الصحف أو تبثه محطات الإذاعة في زمن الحدث.
ويبين تقرير مؤرخ في 14 يناير عام 1986، أي في اليوم التالي لمجزرة 13 يناير في عدن، مدى ضعف المعلومات الآنية وغياب المصادر العليمة لإرسال المعلومات من قلب الحدث.
كتب أول تقرير عن 13 يناير غراهام فولر نائب رئيس مجلس الاستخبارات الوطنية وكان موجهًا إلى مدير الوكالة ونائب مدير الوكالة، وجاء تحت عنوان: «محاولة انقلاب مؤيدة للسوفيات في جنوب اليمن».
وفي التفاصيل أن مجموعة من كبار مناصري الاتحاد السوفياتي في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية استولوا مع أنصارهم على السلطة، وأقر التقرير بأن المعلومات شحيحة عن طبيعة ما جرى، ولكن ترجح الوكالة أن الانقلاب يقوده عبد الفتاح إسماعيل وهو من أكثر المتحمسين اليساريين للاتحاد السوفياتي، وأنه تم عزله من السلطة عام 1977، ونفيه إلى الاتحاد السوفياتي قبل خمس سنوات. وهنا المعلومة غير دقيقة في التقرير؛ إذ إن السنة التي نفي فيها عبد الفتاح إسماعيل إلى موسكو هي 1980، وليس 1977.
ويربط التقرير بين عودة عبد الفتاح إسماعيل من موسكو قبل الانقلاب بفترة وجيزة ثم حدوث الانقلاب ليبرهن أن موسكو تقف وراء الانقلاب وأن منفذيه يعملون لصالحها، في حين اتضح لاحقا أن ما حدث لم يكن انقلابا وإنما مجزرة حقيقية استهدفت أربعة من كبار قادة الحزب والدولة، وهم علي عنتر، وعبد الفتاح إسماعيل، وعلي سالم البيض، وعلي شايع هادي. ونجح الانتحاريون في تصفية علي عنتر، وعلي شايع هادي، فيما نجا عبد الفتاح إسماعيل، وعلي سالم البيض، رغم أن إذاعة عدن كانت قد أذاعت بيان إعدام الأربعة وهو البيان الذي يبدو أن الاستخبارات المركزية استقت معلوماتها منه.
ولم تدرك الاستخبارات الأميركية أن صالح مصلح قاسم وزير الدفاع كان من بين أوائل القتلى خلال المذبحة التي جرت في مقر اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني. وجاء في تقارير أخرى للوكالة أن صالح مصلح قاسم يقود المعارك لصالح الانقلابيين، وأن علي ناصر محمد رئيس الدولة قد قتل أو أصيب إصابة خطيرة، وهو ما ثبت عدم صحته لاحقا.



«تحفظات مصرية» على سفير سوريا الجديد تعرقل ترتيب البعثة الدبلوماسية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره السوري في القاهرة مطلع مايو الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره السوري في القاهرة مطلع مايو الماضي (الخارجية المصرية)
TT

«تحفظات مصرية» على سفير سوريا الجديد تعرقل ترتيب البعثة الدبلوماسية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره السوري في القاهرة مطلع مايو الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره السوري في القاهرة مطلع مايو الماضي (الخارجية المصرية)

تعرقل «تحفظات مصرية» استقبال القاهرة عدداً من أعضاء البعثة الدبلوماسية السورية، حسب مصدر مطلع تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن «اعتراضات على بعض أفراد البعثة»، تشمل امتناع وزارة الخارجية المصرية عن قبول ترشيح سوريا سفيرها الجديد في القاهرة.

وأوضح المصدر القريب من ملف العلاقات بين البلدين، أنه «بعد الاستقرار السياسي النسبي في سوريا منتصف العام الماضي، بدأت الحكومة السورية التفكير في مسألة التمثيل الدبلوماسي لدى الدول المهمة، ومن بينها مصر، وبالفعل أرسلت خطاباً إلى مصر بترشيح محمد طه الأحمد سفيراً لها في القاهرة».

ووفق المصدر، الذي رفض ذكر اسمه، فإن «الأحمد هو من اقترح على وزير الخارجية السوري تسميته سفيراً لدى مصر، باعتبار أنه درس في جامعة القاهرة». وأضاف: «الحكومة المصرية حتى الآن لم تبلغ نظيرتها السورية بعدم الموافقة صراحة، لكنها أرسلت رسائل غير رسمية بأنها لا تقبل به لأنه شخص غير مناسب بسبب خلفياته السياسية. لكن الحكومة السورية أصرت عليه، وهو ما عطل كثيراً من الأمور المتعلقة بوضع البعثة الدبلوماسية السورية في مصر».

وخلال الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لمصر مطلع مايو (أيار) الماضي، رافق الأحمد الوزير، وكانت مسندة إليه الملفات التي ستناقشها الزيارة، «كأنه أمر واقع وأصبح سفيراً في القاهرة، مما عقّد الأمور أكثر»، حسب المصدر.

أسعد الشيباني خلال زيارته الأولى لمصر وعلى يساره محمد طه الأحمد (الخارجية السورية)

وأشار المصدر إلى أن «تسمية أعضاء البعثة الدبلوماسية والقائمين بالأعمال لا تستوجب موافقة الدولة المضيفة، بخلاف الحال بالنسبة إلى السفراء، لكن مصر أيضاً لم تصدر تأشيرات لمعظم أعضاء الوفد الدبلوماسي السوري حتى الآن، من دون إبداء أسباب».

وحاولت «الشرق الأوسط» الحصول على تعليق من وزارة الخارجية المصرية، وكذلك نظيرتها السورية، لكن لم يتسن ذلك.

ويتولى محمد طه الأحمد حالياً منصب مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية والمغتربين السورية. وهو حاصل على بكالوريوس الهندسة الزراعية من جامعة حلب عام 2007، ودرجة الماجستير في التقييم المالي والاقتصادي للمشروعات الزراعية من جامعة القاهرة عام 2012، والدكتوراه في التنمية الزراعية من جامعة إدلب عام 2020. وشغل مناصب وزارية عدة في حكومة الإنقاذ، قبل أن يوكل إليه في مايو 2025 منصبه الحالي بوزارة الخارجية، وفي الشهر التالي تولى رئاسة لجنة انتخابات مجلس الشعب.

ومنذ سقوط بشار الأسد، بدت العلاقات المصرية - السورية تتحرك نحو اتصالات ثنائية حذرة، بسبب مخاوف القاهرة من ملف المسلحين، قبل أن يتجه ذلك تدريجياً نحو تعاون اقتصادي.

وفي أواخر أبريل (نيسان) الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره أحمد الشرع، على هامش «القمة التشاورية العربية الأوروبية» التي عُقدت في قبرص. وأفادت وسائل إعلام في القاهرة ودمشق حينها بأن «حديثاً ودياً» جرى بين الرئيسين لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون.

ويرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في القاهرة، طارق فهمي، أن «مسألة اعتماد السفراء والبعثات الدبلوماسية ترتبط بقرار سيادي للدولة المستضيفة، وبالتالي حينما يتم ترشيح اسم لمصر، فهناك عمليات تدقيق ومراجعة تسبق الاعتماد».

زيارة الشيباني لمصر شملت مباحثات موسَّعة مع نظيره المصري حول تعزيز العلاقات (الخارجية السورية)

وأوضح فهمي لـ«الشرق الأوسط» أن «الأمور بين القاهرة ودمشق لم تصل إلى حد الأزمة، والعلاقات المصرية - السورية ماضية في طريق التوطيد، لكن البعد الاقتصادي فيها يسبق البعد السياسي والدبلوماسي، وهذا ظاهر جلياً من حركة وسرعة تبادل زيارات الوفود الاقتصادية والتجارية بين البلدين، والاتفاقات البينية».

وأضاف: «ربما يقود هذا المسار إلى حلحلة أي خلاف سياسي، خصوصاً إذا عملت دمشق على تغيير اسم السفير الذي تتحفظ عليه مصر، فضلاً عن أن مصر حريصة على أن تعود العلاقات بين البلدين قوية، وتقدر ما تسعى إليه دمشق من إصلاحات في هذا السياق».

وزار وفد تجاري مصري العاصمة دمشق بداية عام 2026، الأمر الذي دفع مراقبين إلى القول إنه سيشكل نقطة بداية في العلاقات الاقتصادية السورية - المصرية.

وقال رئيس «هيئة اللاجئين السوريين بمصر» تيسير النجار، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك تفاؤل باستعادة العلاقات المصرية - السورية بعد زيارة الشيباني لمصر مع الوفد الاقتصادي الكبير، والتي كان من نتيجتها إعلان مجلس رجال الأعمال السوري - المصري، لكن ما حدث بعد ذلك يوضح عدم رضا الحكومة المصرية عن أمر ما».

وتابع أن «السلطات المصرية تعمل خلال هذه الفترة على المراجعة القانونية لوضع السوريين الموجودين على أراضيها للتأكد من الالتزام بشروط الإقامة».


دماء العيد... العنف يكشف فشل الحوثيين في تطبيع المجتمع

العلاقة بين الحوثيين والقبائل شهدت توتراً متصاعداً خلال السنوات الأخيرة (أ.ب)
العلاقة بين الحوثيين والقبائل شهدت توتراً متصاعداً خلال السنوات الأخيرة (أ.ب)
TT

دماء العيد... العنف يكشف فشل الحوثيين في تطبيع المجتمع

العلاقة بين الحوثيين والقبائل شهدت توتراً متصاعداً خلال السنوات الأخيرة (أ.ب)
العلاقة بين الحوثيين والقبائل شهدت توتراً متصاعداً خلال السنوات الأخيرة (أ.ب)

كشف عدد من حوادث العنف والاغتيالات، خلال فترة عيد الأضحى، في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، عن اتساع مظاهر الانفلات الأمني وفشل أدوات السلطة في تطبيع حضورها في أوساط المجتمع، وعجزها عن محاسبة أصحاب النفوذ، إلى جانب إهمال وسائل حماية السلامة العامة للسكان.

فبينما كان سكان مناطق سيطرة الجماعة يحاولون الاستمتاع بأيام العيد، وقعت سلسلة من الحوادث الأمنية والجنائية والانتهاكات التي عكست تصاعداً ملحوظاً في معدلات العنف والانفلات الأمني، بدءاً من اغتيال شخصيات قبلية بارزة، مروراً بجرائم قتل ارتكبها عناصر ومشرفون تابعون للجماعة، وصولاً إلى حملات اعتقال طالت مدنيين على خلفية مواقف ذات طابع سياسي.

وقُتل الشيخ علي بن حسين الحازمي، أحد أبرز الزعماء القبليين في محافظة الجوف، في كمين مسلح على خط المطار شمال العاصمة المختطفة صنعاء.

ووفق مصادر محلية، فإن العملية نُفذت بطريقة احترافية بعد مراقبة تحركاته واستخدام مركبة تابعة للنظافة العامة للتمويه، ما دفع أهالي الجوف وأقارب الشيخ القتيل إلى اتهام الجماعة الحوثية بالوقوف خلف الحادثة، في حين سادت المخاوف من تصاعد عمليات استهداف الشخصيات القبلية بسبب خلافاتها مع قادة الجماعة ومراكز النفوذ.

أجهزة أمن الحوثيين فشلت في إقناع السكان بدورهم في توفير الحماية لهم (غيتي)

ويرى مراقبون أن اغتيال الحازمي لا يمكن فصله عن سلسلة حوادث مشابهة استهدفت خلال الأشهر الماضية عدداً من مشايخ ووجهاء محافظة الجوف، في ظل توترات متصاعدة بين الجماعة ومكونات قبلية محلية.

عجز أمني

في محافظة الحديدة (غرب اليمن) كشفت حادثة مقتل أحد المشرفين الحوثيين على يد شقيقه عن جانب آخر من الأزمة الأمنية؛ إذ جاءت الواقعة بعد شكاوى متكررة من اعتداءات المشرف على أفراد أسرته، وسط اتهامات للأجهزة الأمنية التابعة للجماعة بالتقاعس عن التدخل بسبب نفوذه.

وبحسب مصادر محلية في الحديدة، فإن والدة المشرف الحوثي القتيل تقدمت بشكاوى متعددة للأجهزة الأمنية التابعة للجماعة، تطالبها بوقف اعتداءاته عليها وعلى شقيقته، إلا أن نفوذه حال دون اتخاذ أي إجراء ضده، ما دفع شقيقه إلى تحذير المسؤولين الأمنيين الحوثيين من مغبة تجاهل تلك الشكاوى.

ممارسات المسلحين الحوثيين خارج إطار أجهزة الأمن أدت إلى وقوع حوادث مميتة (أ.ف.ب)

وذكرت المصادر أن سكان الحي الذي يسكن فيه المشرف لم يأسفوا للمصير الذي لاقاه على يد شقيقه، وخصوصاً أن ممارساته البلطجية، كما يصفونها، كانت تطولهم جميعاً.

وواصلت محافظة إبّ (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) حضورها اللافت في مشهد الانفلات الأمني، حيث جسّد عدد من الحوادث التي شهدتها خلال أيام العيد نموذجاً واضحاً لتصاعد الجريمة والعنف؛ إذ وقعت عدة جرائم واشتباكات بالأسلحة في بعض مديرياتها أسفرت عن سقوط عشرة أشخاص بين قتيل وجريح.

وشملت الحوادث مواجهات بين مسلحين وحملات أمنية حوثية، وجرائم قتل على خلفيات مالية واجتماعية، إضافة إلى حوادث ارتبطت بفرض جبايات على بعض الأنشطة التجارية.

وطبقاً لمصادر محلية في مركز المحافظة، فإن خمسة قتلى وجرحى سقطوا في منطقة المعاين غرب مدينة إبّ، إثر اشتباكات بين مسلح وحملة حوثية حاولت القبض عليه، ما أدى لمقتل قيادي حوثي يعمل في إدارة أمن مديرية الظهار، وإصابة ثلاثة آخرين قبل أن تتمكن الحملة من قتل المسلح.

العنف يطغى على العلاقة بين الحوثيين والمجتمع (أ.ب)

وقُتل شاب وأصيب آخر، في مديرية مذيخرة، برصاص مسلح حوثي حاول أن يفرض جبايات على تجارة نبتة «القات» على الضحيتين. وفي نسخة مكررة من هذه الواقعة في مديرية السبرة، قُتل شاب وأصيب آخر برصاص مسلح حوثي أيضاً، في حين كانت مديرية السياني مسرحاً لجريمة قتل شاب على يد شقيقه.

وفي مديرية ذي السفال، أقدم مسلح حوثي على قتل شاب حديث الزواج، حاول بناء كوخ لإيوائه مع زوجته في أرض ادعى المسلح أنها تابعة له.

خصومة مع رمزية هادي

في اتجاه آخر، نفذت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات وملاحقات في مديرية الظهار بالمحافظة، استهدفت بها سكاناً أقاموا «صلاة الغائب» على الرئيس اليمني الراحل عبد ربه منصور هادي الذي أُعلنت وفاته ثاني أيام عيد الأضحى، وشملت الحملة مداهمة منازل وملاحقة مشاركين في الصلاة.

وتقول المصادر إن الجماعة طوقت عدداً من المنازل، وشرعت في ملاحقة المصلين وأئمة المساجد، ما اضطر عدد كبير منهم إلى الهروب والتخفي لدى أقاربهم وأصدقائهم في مناطق وقرى أخرى، في حين استمرت عمليات المداهمة والملاحقة حتى ساعات متأخرة من ليل رابع أيام العيد.

اتهامات للحوثيين بالتسبب في الحوادث المرورية وتهديد السلامة العامة للسكان (فيسبوك)

وفي مؤشر على تراجع الرقابة العامة وحماية السلامة الشخصية للسكان، تم تسجيل 353 حادثاً مرورياً في مناطق سيطرة الحوثيين خلال إجازة العيد، نتج عنها وفاة 49 شخصاً وإصابة 485 آخرين بجروح متفاوتة.

وبحسب مصادر محلية، فإن أسباب الزيادة الكبيرة في حوادث المرور تعود إلى الطرق المتهالكة والمركبات غير المطابقة للسلامة، والتي لا تحصل على صيانة تضمن سلامة التنقل عليها، إلى جانب مخالفات القواعد المرورية، والسرعة الزائدة، والتجاوزات الخطرة، والانشغال بالهواتف أثناء القيادة.

ويتهم السكان الجماعة الحوثية بإهمال صيانة الطرق وتنظيم المرور ورصد المخالفات المرورية، ما أدى إلى المزيد من العشوائية والمخالفات التي تتسبب في زيادة الحوادث الخطيرة، خصوصاً في مناسبات الأعياد التي تتزايد فيها حركة التنقل بين المدن والأرياف.


«عناوين للبحوث»... مركز يمني لفهمٍ أعمق للشأن المحلي والعربي

يمنيّ في صنعاء يزور أقاربه القتلى بمقبرة أنشأها الحوثيون (أ.ف.ب)
يمنيّ في صنعاء يزور أقاربه القتلى بمقبرة أنشأها الحوثيون (أ.ف.ب)
TT

«عناوين للبحوث»... مركز يمني لفهمٍ أعمق للشأن المحلي والعربي

يمنيّ في صنعاء يزور أقاربه القتلى بمقبرة أنشأها الحوثيون (أ.ف.ب)
يمنيّ في صنعاء يزور أقاربه القتلى بمقبرة أنشأها الحوثيون (أ.ف.ب)

أعلن مركز «عناوين للبحوث ودراسة التحولات» ومقره في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، تدشين نشاطه بوصفه مؤسسة بحثية مستقلة متخصصة في دراسة التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية في اليمن والمنطقة العربية، في خطوة تستهدف الإسهام في إنتاج المعرفة وتقديم قراءات معمقة للمتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.

وقال المركز في بيان الإشهار، إن تأسيسه يأتي استجابةً للحاجة المتزايدة إلى مؤسسات بحثية قادرة على متابعة التحولات المتشابكة وتحليلها في سياقاتها المحلية والإقليمية والدولية، في ظل مرحلة تتسم بدرجة عالية من التعقيد نتيجة تداخل العوامل السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، وتنامي تأثير الفاعلين الإقليميين والدوليين في مسارات الأحداث.

ووفقاً للرؤية المعلنة، يسعى المركز إلى أن يكون مرجعاً بحثياً متخصصاً في دراسة التحولات وصناعة المعرفة في المنطقة العربية، من خلال إنتاج دراسات وأبحاث نوعية توفر أدوات تحليلية تساعد الباحثين وصناع القرار والإعلاميين والمهتمين بالشأن العام على فهم الاتجاهات المتغيرة واستشراف مساراتها المستقبلية.

مركز يمني وليد يُعنى بالبحوث ودراسة التحولات (إكس)

وأوضح المركز أن نشاطه لن يقتصر على إعداد الدراسات والتقارير، بل سيمتد إلى بناء قواعد بيانات ومؤشرات تحليلية متخصصة تساعد على قراءة الاتجاهات العامة، وتعزيز الحوار البحثي والأكاديمي، وتقديم الاستشارات والدعم المعرفي للجهات والمؤسسات المهتمة بالشأن اليمني والإقليمي.

ويغطي المركز عدداً من المجالات البحثية الرئيسية، تشمل التحولات السياسية ومسارات الدولة والحوكمة، والتحولات الاقتصادية والسياسات التنموية، والمتغيرات الاجتماعية والثقافية، فضلاً عن قضايا الأمن والنزاعات والتفاعلات الإقليمية والدولية.

وبالتزامن مع تدشين نشاطه، أطلق المركز منظومة من المنصات والأدوات الرقمية المساندة الموجهة إلى الباحثين والصحافيين وصناع القرار، تضم منصات للرصد والتحليل والتحقق والأرشفة، وقواعد بيانات متخصصة، ومؤشرات قابلة للتحديث، إضافةً إلى خرائط تحليلية للنزاعات والتحولات وأدوات لمتابعة المخاطر والاتجاهات.

ويقول القائمون على المركز إن هذه المنظومة تستهدف تحويل البيانات المتفرقة إلى معرفة منظمة تساعد على تتبع التطورات وفهم السياقات واستشراف السيناريوهات المحتملة، بما يعزز من جودة التحليل ويزيد من كفاءة الوصول إلى المعلومات.

مؤسسة متكاملة

في هذا السياق، قال صالح البيضاني، رئيس ومؤسس مركز «عناوين»، إن المركز ينطلق من قناعة بأن فهم التحولات يمثل المدخل الأساسي لبناء معرفة رصينة وفاعلة، مؤكداً أن الهدف يتمثل في إنشاء مرجع بحثي جاد يسهم في قراءة التحولات المعقدة التي يشهدها اليمن والمنطقة وتقديم أدوات تحليلية تساعد على فهم الواقع واستشراف المسارات الممكنة.

وأضاف البيضاني الذي يشغل منصب المستشار الإعلامي في السفارة اليمنية بالرياض، أن المركز يضم نخبة من الباحثين اليمنيين الشباب إلى جانب خبرات بحثية وإعلامية متخصصة تعمل وفق منهجية تجمع بين البحث والرصد والتحليل والتحقق، وبناء قواعد البيانات، وتطوير المنصات الرقمية الحديثة.

وأكد البيضاني، وهو أيضاً رئيس دار النشر اليمنية «عناوين بوكس»، أن المركز لا يطمح إلى أن يكون مجرد منصة لنشر المقالات أو التقارير فقط، بل ليكون مؤسسة معرفية متكاملة توظف الأدوات الرقمية الحديثة إلى جانب التحليل الاستراتيجي والخبرة الميدانية، بما يمكِّنها من مواكبة التحولات المتسارعة وتقديم قراءات أعمق للأحداث.

وشدد المركز الوليد على التزامه بالمعايير المهنية والبحثية، وسعيه إلى بناء شراكات معرفية مع الباحثين والخبراء والمؤسسات ذات الصلة، بما يسهم في تعزيز النقاش العام وتوسيع دائرة المعرفة وتقديم مقاربات أكثر عمقاً لقضايا اليمن والمنطقة العربية.

Your Premium trial has ended