شرودر لـ «الشرق الأوسط» : مواجهة التهديد الإيراني تحتاج أكثر من خطة عمل

المستشار الألماني السابق قال عشية زيارته للسعودية إن الرياض «شريك موثوق»

غيرهارد شرودر
غيرهارد شرودر
TT

شرودر لـ «الشرق الأوسط» : مواجهة التهديد الإيراني تحتاج أكثر من خطة عمل

غيرهارد شرودر
غيرهارد شرودر

شدد المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر، على ضرورة تعزيز التدابير الدولية لتحقيق الاستقرار في العراق وسوريا وليبيا، مناديًا بمشاركة المواطنين السنّة في عملية صنع القرار في بغداد. لافتًا إلى أن «الهدنة الروسية - التركية بشأن سوريا تستدعي من جميع الأطراف المشاركة في الحرب بمن فيهم اللاعبون الإقليميون العمل معًا على إيجاد حل سياسي دائم للصراع».
وعلى صعيد آخر، أكد أن خطة عمل شاملة لن تبدد كل المخاوف لدى دول الخليج في ما يتعلق بإيران، مطالبًا الجهات الفاعلة الرئيسية لمواجهة التحديات والتوصل إلى اتفاقات من خلال الوسائل الدبلوماسية، للحد من تهديدات إيران للخليج.
وقال شرودر في حديث مع «الشرق الأوسط» يسبق زيارته اليوم للرياض إن السعودية شريك موثوق لبلاده، وتسعيان سويًا لاستعادة السلام والاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط. وعن ملفات زيارته المزمع أن تبدأ مساء اليوم، قال شرودر: «أزور السعودية بصفتي الرئيس الفخري للاتحاد الألماني للشرق الأدنى والأوسط (NUMOV)، على رأس وفد اقتصادي يضم ممثلي 13 شركة ألمانية، لتعميق العلاقات طويلة الأمد بيننا، ومناقشة الأجندة الإصلاحية الطموحة بالمملكة والتي نتابعها باهتمام كبير».
وأضاف أن «السعودية شريك رئيسي لألمانيا، ونواجه تحديات كل منّا في منطقته متعددة، حيث شهدنا في الأشهر الـ12 الأخيرة زيادة هائلة في التفاعل الثنائي بيننا وتعميقًا كبيرًا خصوصًا في الحوار السياسي، كما أن الدولتين تتعاونان بشكل وثيق في مكافحة آفة الإرهاب الدولي المتزايد، ونتعاون سويًا على الصعيدين السياسي والأمني، سعيًا لاستعادة السلام والاستقرار في المنطقة المضطربة، ولا يزال هناك الكثير الذي يتعّين علينا القيام به».
وعلى صعيد العلاقات الاقتصادية، قال شرودر: «يشهد المجال الاقتصادي تزايدًا ملحوظًا في حجم التبادل التجاري، كما أن هناك مشاريع مشتركة واعدة تلوح في الأفق. وتتيح رؤية المملكة 2030 فرصا ممتازة لتعزيز الشراكة الاقتصادية. كما أن الشركات الألمانية ذات الكفاءة التكنولوجية العالية على استعداد للمشاركة في تنفيذ هذه الرؤية».
ثقافيًا، قال شرودر: «تربطنا علاقات ممتازة بالمجال الثقافي. وظهر ذلك جليًا خلال مشاركة ألمانيا في مهرجان الجنادرية 2016. حيث إن المعرض الذي نظمه متحف برلين للفن الإسلامي بعنوان «عواصم الثقافة الإسلامية المبكرة» في الرياض، لاقى نجاحا كبيرا العام الماضي؛ إذ تتمتع المملكة بتراث ثقافي عريق بلا شك».
وأضاف أن «معرفة المزيد عن بعضنا البعض وتبادل الخبرات والمظاهر الثقافية التاريخية والحالية فيما بيننا هو مصدر إثراء متبادل. بالإضافة إلى أنه يساعد على تعزيز الحوار والتسامح. ولذلك فإننا سعداء أيضا بافتتاح معهد غوته في الرياض رسميًا خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي».
وعن جهود السعودية في مواجهة الإرهاب، قال شرودر: «السعودية حاربت الإرهاب بكفاءة، من خلال قوات الأمن وعن طريق مركز محمد بن نايف للمناصحة، بجانب الإنجازات التي حققتها المملكة في الحفاظ على الأمن في البلاد. وعليه فتعاوننا مع شركائنا من الدول المشاركة في التحالف ضد (داعش) مهم، ويجري بيننا تعاون أمني ملموس جدا، على سبيل المثال كان لدينا لعدة سنوات وحتى الآن تعاون ناجح جدًا بمجال الشرطة لأمن الحدود».
وأكد المستشار السابق أهمية معالجة المشكلة من جذورها بالقضاء على التطرف، مبينًا أن المنظمات الإرهابية الجهادية مثل «داعش»، تستغلّ الدين وتتذرع به لأغراض متطرفة. «لذلك يتوجب علينا إزالة أشكال التطرف، وبالنسبة للسكان المعنيين هناك حاجة ماسة إلى القيام بالتدابير لتحقيق الاستقرار بعد التحرر من حكم (داعش)».
ولفت إلى أن ألمانيا لعبت دور المبادرة في تسهيل تحقيق الاستقرار في العراق وسوريا وليبيا. «ولكن الأهم من ذلك يجب علينا التركيز على المدى الطويل على الوقاية لتأمين مستقبل آمن مستدام».
وعلى صعيد مشكلات الهجرة واللاجئين، قال شرودر: «لم نشهد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية مثل هذا العدد الهائل من الناس الذين أجبروا على النزوح من أوطانهم. أزمة اللاجئين لا يمكن حلها عن طريق التشريعات الداخلية وحدها، بل إنها تتطلب منهجًا دوليًا. فالسياسة الداخلية والخارجية الألمانية مطالبة بأن تعمل يدًا بيد للتصدي لهذه التحديات».
وتابع أن «المشاريع الألمانية للوقاية من الأزمات، تساعد على ضمان عدم وجود سبب للنزوح أصلاً. ونقدم مساعدات مباشرة في مناطق الأزمات من خلال توفير ملاجئ الطوارئ والمواد الغذائية والرعاية الصحية والتعليم. في هذا السياق، ندعم المنظمات الدولية ذات الصلة، مثل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)».
ووفق شرودر، فإن ألمانيا تتواصل بشكل مستمر مع شركائها الأوروبيين من أجل التوصل إلى حل مشترك قائم على التضامن والمسؤولية المشتركة، وتحسين حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
وفي ما يتعلق بالأزمة السورية، قال شرودر: «السياسة الخارجية الألمانية تعزز السلام وبسط الأمن، من خلال قواعد ملزمة ومؤسسات قوية متعددة الأطراف. بعد ما يقرب من 6 أعوام منذ بدء الانتفاضة ضد نظام الأسد في سوريا، ما زال المجتمع الدولي يبحث عن وسيلة لوضع حدّ للعنف»، مردفًا: «ألمانيا تريد أن تجد حلا سياسيا للصراع السوري، ونوه إلى الهدنة الأخيرة المتفق عليها بين روسيا وتركيا، واصفا إياها بالعلامة المشجعة، «إلا أن على جميع الأطراف المشاركة في الحرب السورية بمن فيهم اللاعبون الإقليميون العمل معا لإيجاد حل سياسي دائم للصراع».
وعن اتفاقية البرنامج النووي الإيراني وتهديدها الأمن والاستقرار في الخليج، قال شرودر: «تواجه منطقة الشرق الأوسط في الوقت الراهن عددًا هائلاً من التحديات التي تسبب عدم الاستقرار في المنطقة بأسرها. ولذلك فإن إيجاد الحلول لها سيتطلب وقتًا، ومفاوضات معقدة في كثير من الأحيان... لكن قبل كل شيء، التنسيق والموازنة بين الكثير من المصالح الوطنية والإقليمية المختلفة من أجل تحقيق الاستقرار المستدام على المدى الطويل. ما هو مهم بالنسبة لنا هو أن تعمل الجهات الفاعلة الرئيسية في المناطق المختلفة ما بوسعها لمواجهة التحديات والتوصل إلى اتفاقات من خلال الوسائل الدبلوماسية».
وزاد: «مع ضرورة أن تقدم جهات خارجية بالمساعدة، فإن ألمانيا جاهزة ومستعدة للمساهمة بالتأكيد. كذلك فإن المفاوضات مع إيران حول خطة عمل شاملة مشتركة هي مثال جيد على ذلك: كانت طويلة وصعبة ولكن مع دعم مجموعة الدول التي كانت ناجحة في النهاية في التوصل إلى حل لقضية مهمة كانت لسنوات مصدر قلق في المنطقة وخارجها».
وقال: «ندرك حقيقة أن خطة عمل شاملة لا يمكن أن تبدد كل المخاوف لدى دول الخليج في ما يتعلق بإيران. وعلى الرغم من ذلك فإننا نأمل أن تكون خطوة أولى لإعادة بناء الثقة بين الجيران».
وعلى صعيد استمرار النزاع في اليمن، قال شرودر: «نحن على دراية بالمأساة الإنسانية للشعب اليمني والتقارير عن اختراقات للقانون الدولي الإنساني. الأطفال يموتون كل يوم من سوء التغذية والأمراض التي يمكن الوقاية منها. ولذلك إننا ندعو إلى إيصال المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى جميع أنحاء البلاد.
وتابع: «ألمانيا من أكبر الجهات المانحة للمساعدات الإنسانية في اليمن بتقديمها أكثر من 33 مليون يورو في عام 2016. ونتابع مساعدات التنمية الثنائية طويلة الأجل في اليمن على الرغم من الظروف الصعبة. ومع ذلك، فإن الحل الدائم للصراع وتحقيق السلام هو وحده الذي سينهي معاناة الشعب اليمني. لذا نحمل رسالة لجميع الجهات الفاعلة المعنية بأن يبذلوا قصارى جهدهم في العمل من أجل ذلك».
وعن سبل التغلّب على «داعش» بالعراق، قال شرودر: «يتوجب علينا مواصلة قتال (داعش)، ضمن استراتيجيات موازية: فمحاربتهم عسكريًا، وقطع الدعم المالي، ووقف المقاتلين الأجانب من الانضمام له، والقضاء على نزعة التطرف عند المقاتلين السابقين وتعزيز الاستقرار بالمناطق التي فقدت «داعش» السيطرة فيها، سيستغرق ذلك وقتًا، ولكن على التحالف الدولي توحيد الجهود لتحقيق هذا الهدف المشترك».
وعن المطلوب من الحكومة العراقية للقضاء على العنف الطائفي الجديد وتحقيق العدالة، قال شرودر: «هناك جهود جارية في العراق لتعزيز مشاركة المواطنين السنّة في عملية صنع القرار في بغداد. وهذا - في رأينا - علامة مشجعة».
وعن التحديات التي تواجه تركيا، قال شرودر: «يمثل الإرهاب تحديًا كبيرًا في مختلف البلدان وخصوصًا في تركيا. ضربت هجمات إرهابية مروعة تركيا بشكل متكرر في الآونة الأخيرة. ونأسف للأبرياء الذين فقدوا حياتهم في إسطنبول وأنقرة وأزمير، ونقف بحزم بجانب تركيا لمكافحة الإرهاب».



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.