سينما 2016: حروب صغيرة وكبيرة.. قديمة وحديثة

مل غيبسون مستمر في نجاحه بالأفلام الحربية

لقطة من «هاكسو ريدج» لمل غيبسون - «بيلي لين» عودة من الحرب العراقية وإليها
لقطة من «هاكسو ريدج» لمل غيبسون - «بيلي لين» عودة من الحرب العراقية وإليها
TT

سينما 2016: حروب صغيرة وكبيرة.. قديمة وحديثة

لقطة من «هاكسو ريدج» لمل غيبسون - «بيلي لين» عودة من الحرب العراقية وإليها
لقطة من «هاكسو ريدج» لمل غيبسون - «بيلي لين» عودة من الحرب العراقية وإليها

في لقاء نشرناه في «الشرق الأوسط» مع المخرج مل غيبسون، عندما التقيناه إثر عرض فيلمه «هاكسو ريدج» في مهرجان فينيسيا، تحفّظ الممثل على وصف الفيلم بأنه معاد للحرب، وقال:
«لم أتخذ موقفًا من الحرب؛ لا معها ولا ضدها. بالنسبة لي، فإن (هاكسو ريدج) هو فيلم عن المجنّد الذي رفض حمل السلاح، لكنه شارك في المهام العسكرية مسعفًا طبيًا، وأنقذ حياة العشرات».
الواقع أنه من الصعب اليوم أن تجد فيلمًا يشيد بالحرب، لكنه من الأصعب أيضًا أن تشاهد فيلمًا يدور حول المعارك ذاتها في أي من الحروب الكبيرة السابقة. فهذه باتت تتكلّف كثيرًا، وتسترد قليلاً من السوق. «هاكسو ريدج» بالكاد تجاوزت إيراداته الأميركية كلفته التي بلغت 40 مليون دولار. ومن المنتظر له أن يقفل حسابه على نحو 100 مليون دولار عالميًا، وإذا ما فعل فهو فيلم محظوظ.
أيضًا من النادر أن نجد أفلامًا حربية بالمعنى الملتزم للكلمة؛ الأفلام التي تقع في رحى المعارك بين الفرقاء، والتي قام عليها تاريخ هذا النوع من السينما من سنوات ما بعد الحرب العالمية الأولى لما بعد سنوات الحرب العالمية الثانية.
لكن الحروب ذاتها تغيّرت، وإن بقيت عناصرها كما كانت دومًا: فريقان (على الأقل) يتقاتلان سعيًا لإحراز نصر لأسباب سياسية أو آيديولوجية، كل فريق يستخدم ما هو متاح له من أسلحة القتال، قتلى كثيرون ثم نصر بيّن لأحد الفريقين وهزيمة منكرة للفريق الآخر.

أحداث واقعية
الأفلام التي لا بد من تسميتها بالحربية فعلاً، تدور في الجبهات ومواقع القتال في الجو والبحر وعلى الأرض. تلك التي تتناول الحروب من دون أن تكون بالضرورة أفلامًا عن المواجهات العسكرية، هي جنس مختلف من النوع ذاته. وعام 2016 شهد أفلامًا من كلا الجنسين المتقاربين.
أحداث «هاكسو ريدج» تقع في جزيرة أوكيناوا اليابانية. الجيش الأميركي تحرك لاحتلالها بعد الهجوم الياباني على بيرل هاربور، وتكبد خسائر كبيرة قبل أن يربح الحرب في النهاية. دزموند ت. دوس (ويؤديه الجيد أندرو غارفيلد) انخرط في الجندية، لكنه رفض حمل السلاح حتى خلال التدريبات. وبعد مداولات قضائية سُمح له بالانتقال إلى أوكيناوا كمسعف. الفيلم، في هذا الجانب هو سيرة حياة كون الشخصية حقيقية خاضت تلك الحرب بشروطها، وخرجت بأوسمة.
دائمًا ما نجح مل غيبسون في تصوير مواقع القتال في أفلامه. تلك المشاهد العنيفة في كل من «قلب شجاع» (1995) و«أبوكاليبتو» (2006) لا تُنسى، لكن «هاكسو ريدج» يرتفع عنهما بقدرة المخرج على النظر إلى العنف من دون غض الطرف، وأيضًا من دون ابتذال. يدير ممثليه جيّدًا في الوقت الذي يمنح فيه صنعة الفيلم التقنية والتنفيذية إدارة ممتازة تجعل الفيلم يبدو أكبر إنتاجًا مما هو عليه.
الفيلم هو أفضل فيلم حربي تم إنتاجه وعرضه هذه السنة. وعلى منواله وإيقاعه، هناك «مختارون» (Chosen) لياسمين دزدار: فيلم أميركي آخر (كون «هاكسو ريدج» إنتاج أسترالي - أميركي) يدور حول محام شاب يقرر قيادة فريق من المقاتلين ضد الفلول النازية عند نهاية الحرب العالمية الثانية. ليست هناك واقعة أو شخصية حقيقية لكن الفيلم، كبعض سواه، يوفر تلك الخلفية المعتادة حول الضحايا من اليهود.
الفيلم الحربي الثالث الذي شهدته دور العرض في العام الآزف على الرحيل، هو «يو إس إس إنديانابوليس: رجال الشجاعة» للأميركي ماريو فون بيبلز. هذا مأخوذ عن واقعة حقيقية مزيّنة بالمشاهد الخيالية المناسبة: في عام 1945، أطلقت غواصة يابانية صاروخًا أصاب البارجة الحربية يو إس إس إنديانابوليس وأغرقتها. من بين نحو 900 بحار، تم إنقاذ حياة 317، بعد أربع أيام من غرقها، بينما مات الآخرون، إما بفعل القذيفة أو غرقًا أو بفعل أنياب أسماك القرش. نيكولاس كايج أدى دورًا جيدًا في هذا الفيلم، حيث يلعب دور الكابتن ماكفاي الذي قاد البارجة. على الشاشة العريضة يبدو الفيلم أكبر حجمًا مما هو عليه. عيبه الذي قضى على احتمالات نجاحه بين النقاد كمن في أن مخرجه بيبلز صوّر الفيلم بلا روح وبقليل من الخبرة في كيفية تحويل الضحايا إلى خامات إنسانية.
علاقات متشابكة
الأفلام الأخرى التي تعاطت مع الحرب العالمية الثانية هذا العام انتمت إلى تلك الخامة التي تستخدم زمن الحرب لتقديم حكايات هي إما جاسوسية أو عاطفية أو حول مهام عسكرية تقع داخل جبهة العدو.
في هذا الصعيد الأخير، شاهدنا ثلاثة أفلام عرضت جميعًا في مهرجانين متوازيين، هما فنيسيا وتورنتو، وهي: «فرانتز» لفرنسوا أوزون و«جنة» لأندريه كونتشالوفسكي و«على طريق الحليب» لأمير كوستاريتزا.
فيلم فرنسوا أوزون يوفّر حكاية عاطفية حول أرملة جندي ألماني قُتل في المعارك خلال الحرب العالمية الأولى، وشاب فرنسي (بيير نيني) يتقدّم إليها وإلى عائلتها، ويعترف أنه هو من قتله. لكنه كان يكذب في كل ما ذكره قبل أن يختفي، فتلحق به الأرملة الشابة (باولا بير) إلى فرنسا، حيث تكتشف أنه يحب امرأة أخرى وأنهما في سبيلهما إلى الزواج. رغم الإيحاءات والوجدانيات لا مفادًا جيدًا يمكن الخروج به يتجاوز الأحداث الممطوطة التي يعرضها الفيلم، ولا تأتي النهاية إلا كخاتمة لجملة أحداث مفبركة لأجل التأثير العاطفي. المعركة التي نرى محشورة في موقع واحد، وفي مشاهد قليلة، هي التي يروي فيها الفرنسي كيف وجد نفسه وجهًا لوجه أمام الجندي الألماني الذي كان قد تعرف عليه في باريس فقتله.
«جنة» يتعامل مع الحرب العالمية الثانية بمفادات أفضل وأقوى: فيلم أندريه كونتشالوفسكي يحمل في طياته موضوعًا إنسانيًا لا يلجأ خلاله إلى التنميط السهل لأي طرف: ثلاثة (فرنسي وألماني وروسية) يروون جوانب الحكاية الواحدة التي جمعتهم. يجلسون (كل بمفرده) أمام كاميرا سينمائية صغيرة ليقدم كل منهم شهادته عما حدث. ليس فيلم هولوكوست، ولو أنه يتضمن إشارات، ورغم أن نصف أحداثه تقع في أحد المعسكرات النازية، لكنها معسكرات لا تحوي اليهود وحدهم، بل الأسرى غير الألمان من المسيحيين أيضًا.
صوّره بالأبيض والأسود ليروي حكاية تلك المرأة الروسية العالقة في المعسكر، بعدما ألقي القبض عليها في باريس المحتلة. ضابط ألماني يرتب لها سبيل النجاة، لكن قرارها في النهاية هو أن تموت لإنقاذ حياة آخرين. يسرد الفيلم قصّة حب تدلف في هذا التاريخ، من خلال التحقيق الذي يجريه ضابط فرنسي يعمل تحت إمرة الاحتلال النازي لفرنسا مع امرأة روسية متهمة بالتخابر لمصلحة الروس كانت قد حاولت تهريب يهود من المذبحة، وهو ليس بالضابط المنغلق النمطي الذي تحب أن تكرهه.

حرب الدويلات
«في طريق الحليب» هو المختلف بالنسبة للفترة التي يختارها المخرج أمير كوستاريتزا. هي حرب الدويلات اليوغوسلافية، والمخرج يقوم بالدور الرجالي الأول، مؤديًا شخصية قروي عادي يؤمن جلب الحليب فوق طريق ريفية خطرة ممتدة بين المزرعة والقرية. يحب فتاة المزرعة، لكن امرأة إيطالية تصل إلى القرية تفتنه. الحرب الضروس تشتعل وكل الأحلام تتهاوى، لكن الحب هو الذي يقود الرجل وامرأته هربًا من الكوارث، ولو أن هذا الهروب بدوره يصل إلى طريق محدود.
«في طريق الحليب» (والعنوان يعود إلى عمل بطل الفيلم في نقل الحليب من مزرعته إلى طالبيه) بدوره أحد الأفلام المتكاثرة حول حروب ما بعد الحرب العالمية، ومن بينها الحرب الأفغانية وتلك العراقية (أفلام الحرب السورية تستحق رصدًا منفصلاً). وفيما يخص الحرب الأفغانية، انطلق العام الماضي فيلم أميركي بعنوان «ويسكي تانغو فوكستروت» لمخرجين يسايران البدع والعناوين الكبيرة، هما غلن فيكارا وجون ركوا. الفيلم مقتبس من كتاب بعنوان «حافلة طالبان» لكيم باركر، تسرد فيه رحلتها إلى مواقع الحرب الأفغانية كمراسلة لإحدى محطات التلفزيون. يتم وضع مآسي الحرب على الرف البعيد، ويحوّل المخرجان حياة المراسلة التلفزيونية (كما قامت بها تينا في) إلى سجال كوميدي وعاطفي مع بعض مسارات التشويق العابر.
الموضوع العراقي الذي تحول لمادة لكثير من الأعمال خلال التسعينات والعقد الأول من القرن الحالي، تبلور الآن عن أفلام قليلة العدد، منها فيلم واحد في هذا العام عنوانه «رحلة بيلي لين الطويلة» لآنغ لي. ومثل أفلام سابقة، من بينها «وطن الشجعان» لإروين وينكلر (2006) و«المرسال» لأورين موفرمان (2009) و«أميركان سنايبر» لكلينت ايستوود (2015)، يتعامل «رحلة بيلي» مع عودة الجندي إلى الحياة المدنية في بلاده، لكن تأثير الحرب العراقية عليه يدفعه للانطواء، كما يدفع المخرج للاستعانة بركام من مشاهد الاسترجاع (فلاشباك) التي تضعف السياق، وتضع الفيلم على سكتي حديد بالكاد متساويين.
ومن أفغانستان والعراق إلى الصومال، حيث عالج «عين في السماء» لغافِن هود عملية خطط لها أميركيون وبريطانيون لقصف موقع قيادة إرهابية بطائرات «درون». تعقيدات المسألة في هذا الفيلم الجيد تكمن في وجود بريطانية انضمت إلى الجماعة المتطرفة، ووجود عميل للغرب على مقربة، مما ينتج عنه بروز صراع آخر بين القيم الإنسانية والمصالح العسكرية.
داخل العدو
بالعودة إلى الحرب العالمية الثانية، نجد الفيلم الإسباني «غويرنيكا» للإسباني كولدو سيرا، ومع ممثلين أميركيين، من بينهم جاك دافنبورت وجيمس دارسي وآخرين إسبان (أليكس غارسيا، ماريا فالفيرادي). البلدة هي واحدة من أولى المدن الأوروبية التي تعرضت للقصف النازي، وذلك في ربيع عام 1937.
هذا الفيلم يحيط بالحرب كخلفية، متناولاً قصّة حب في الأساس، وهو ما يفعله الفيلم الذي بدأ عرضه موازيًا لفيلم «هاكسو ريدج» بعنوان «حلفاء». أخرجه روبرت زميكيس (شاهدنا له فيلم «طيران» مع دنزل واشنطن قبل ثلاثة أعوام) عن أحداث تقع في شمال أفريقيا حول علاقة حب بين ممرضة فرنسية (ماريون كوتيار) وملاح أميركي (براد بت) سنة 1942. هذا يدفع الفيلم إلى وضع غير مريح من حيث إنه فيلم تشويق وفيه مشاهد «أكشن» وقصّة حب وخلفية حرب في وقت واحد. ككل يعمل الفيلم كترفيه، ولو أن المادة ذاتها تنضح بالفرص التي فاتت المخرج وكاتبه لتحقيق عمل أعمق مما هو عليه.
فيلمان آخران حول الحرب ينتميان إلى ما يعرف بسينما المهام التخريبية والجاسوسية. كلاهما من عروض هذه السنة، بل ينتميان إلى خط أحداث واحد، «إنتروبويد» و«ما وراء فولكاري».
الأول إنتاج مشترك بين جمهورية تشيك وبريطانيًا وفرنسا، ومن إخراج البريطاني شون إيليس، وقوامه الخطّة التي اعتمدتها المخابرات البريطانية لاغتيال الجنرال النازي راينهارد هيدريتش الذي كان، حسب مصادر، مسؤولاً عن تصميم الخطة المسمّاة بـ«الحل النهائي». منفذا الخطّة (سيليان مورفي وجامي دورنان) يتوغلان داخل الجبهة الألمانية، ويصلان إلى حيث ينضم إليهما فريق من المقاومين التشيك. بعد ذلك، يتطلب الأمر بحثًا تاريخيًا مستفيضًا لمعرفة الواقع من الخيال، لكن الفيلم منفذ جيدًا في معظم أنحائه.
الفيلم الثاني هو «ما وراء فالكيري: فجر الرايخ الرابع» لكلوديو فاه مع شون باتريك فلانيري وتوم سايزومور وستيفن لانغ في أدوار رئيسية.
حكاية مصنوعة بقوّة ومقدرة تنفيذية عالية تحكي عن إنزال آخر داخل الحزام الألماني، وذلك مباشرة بعد فشل المؤامرة التي قام بها ضباط ألمانيون لاغتيال هتلر. المجموعة الجديدة (مؤلفة من أميركيين وروس) مهمّتها إنقاذ حياة أحد الضباط الألمان المطلوبين من القيادة الألمانية، كونهم شاركوا في العملية الفاشلة.

أفضل 5 أفلام حربية لعام 2016

Hacksaw Ridge | إخراج: مل غيبسون (أستراليا) ****
Paradise | أندريه كونتشالوفسكي (روسيا) ****

Eye in the Sky | غافِن هود (الولايات المتحدة) ***
On The Milky Way | أمير كوستاريتزا (صربيا) ***
Beyond Valkyrie
| كلوديو فاه (الولايات المتحدة) ***



جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.


شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
TT

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)

WHO IS STILL ALIVE

★★★1/2

إخراج:‫ نيكولاس واديموف‬

سويسرا | تسجيلي غربي بقلب فلسطيني

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية. سمع وشاهد كل ذلك الدمار الذي لحق بغزّة والضحايا التي كانت قد بدأت تتساقط منذ ذلك الحين. فكّر مع صديق فلسطيني له نزح إلى القاهرة في تحقيق فيلم عن الموضوع، وارتأى أن يكون فيلماً يجمع في أحد الاستوديوهات مجموعة من النازحين الفلسطينيين ليتحدّث كل منهم عن آلامه وما حدث له أو لعائلته.

بعض هؤلاء خرج بثيابه التي كان يرتديها، والبعض كان ناجياً وحيداً أو برفقة فرد واحد من عائلته. يقول واديموف إن شريكه الفلسطيني في الفيلم (جودت خضري)، الذي كان يعرفه منذ سنوات، بدا شخصاً مختلفاً: «للمرّة الأولى كنت أمام شخص يعكس الإبادة الجماعية».

جمع هؤلاء لم يكن سهلاً، والمخرج رغب في نقلهم إلى بلد آخر لضمان عمل مستقل. تبعاً لحقيقة أن معظم دول الأرض لا تمنح تأشيرات دخول للفلسطينيين، توجَّه المخرج بمجموعته إلى دولة جنوب أفريقيا، التي هي شبه الوحيدة التي يمكن للفلسطيني دخولها من دون «فيزا» مسبقة.

نتيجة اللقاء هي تحقيق فيلم يقوم على 9 أشخاص فلسطينيين نازحين يتحدّثون، لنحو ساعة و10 دقائق، عن كيف استيقظوا يوماً من دون مأوى نتيجة القصف، وكيف كان وقع ذلك على حياتهم وما بعد نزوحهم. خسروا البيت كما الحياة الآمنة (نسبياً)، ليجدوا أنفسهم في العراء.

الفيلم ليس عبارة عن مقابلات منفردة مزوّدة بمشاهد من غزّة كما قد يتوقّع البعض، بل عمد المخرج إلى مقابلات جماعية، حيث يقوم كل من هؤلاء برسم مربّعات ودوائر وخطوط ليشرح ما حدث له.

بساطة هذا اللجوء إلى هذا الحل تبدو دخيلة في البداية، قبل أن تبدأ بتأسيس رابط بين الذاكرة المروية كلاماً والمرسومة تنفيذاً.

الطباشير والأقلام المستخدمة هي اللون الأبيض الوحيد في الفيلم، إلى جانب ألوان الملابس الداكنة، لأن كل شيء آخر (الخلفية والأرض والصورة نفسها) أسود. هذا فيلم ليس مهتماً بأصوات الطائرات والقذائف وصراخ الضحايا، بل بالمضيّ عميقاً في التجربة الإنسانية لمن استطاع البقاء حياً محمّلاً بتلك الذكريات وآلامها. الأسلوب المعتمد لا ينجو من التبسيط بصرياً، لكن البساطة في الشكل هي التي تمضي عميقاً في البال من كلمات شخصياته الأولى وحتى النهاية.

:GREENLAND2

MIGRATION ★★★ إخراج:‫ رِك رومان ووف‬

الولايات المتحدة | عن الأرض

والمجتمعات بعد هجوم النيازك

على عكس المتوقَّع، لن تنتهي الحياة على الأرض بسبب حرب نووية ولا بسبب وباء يحوّل البشر إلى وحوش، بل لأن أمطاراً من النيازك ستهاجم كوكبنا الصغير وتفتك به. بعض ذلك شوهد في الجزء الأول Greenland، حيث بدأ هطول النيازك الآتية من عمق السماء. ذلك الجزء كان بداية تصوير الخراب الذي ستسبّبه النيازك بأحجامها المختلفة. كل واحد منها سيدمّر جسراً أو مدينة أو أكثر

«غرينلاند 2: هجرة» (ليونز غايت)

الجزء الجديد يُكمل من حيث انتهى الأول. الناجون مختبئون في ملاجئ يعدّونها محصّنة، إلى أن يقرّر السيناريو أن ذلك ليس صحيحاً. جون غاريتي (جيرالد بتلر) وعائلته (زوجته بكارين وابنهما الشاب ناتان) وقلّة آخرون يفرّون عندما يُصيب الدمار ذلك الملجأ إلى مركب كبير لقطع المسافة بين القارتين الأميركية والأوروبية. لا مانع إذا ما نفد الوقود في عرض البحر، فلربما أدَّت النيازك إلى تقريب القارّتين من بعضهما. المهم أنهم تركوا أرضاً مدمّرة إلى أخرى.

بعد ذلك سيحصر الفيلم اهتمامه في تلك العائلة بعد أن قدّم شخصيات أخرى تعيش التراجيديا نفسها. سيقود جون عائلته الصغيرة صوب مدينة نموذجية آمنة (لسبب يتعلّق بوجودها وسط مرتفعات فرنسية) من خلال رحلة خطرة تنطوي، مثلاً، على المشي فوق جسر من الحبال فوق ما كان يُعرف ببحر المانش ما بين إنجلترا وفرنسا، الذي أصبح الآن مجرّد وادٍ عميق.

رغم سذاجة المواقف وثغرات الكتابة، يوفِّر الفيلم دراما حول وحدة العائلة وصلابتها رغم المخاطر، إلى جانب أن مؤثّراته البصرية جيّدة في غالبيّتها. ترفيه يشترط القبول به مع ثغراته غير العلمية وغير المنطقية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
TT

«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)

بعد أكثر من 4 عقود على عرضه الأول، يصل فيلم «ذا شاينينغ» (The Shining) إلى دور السينما السعودية في إطار عرض محدودة، يبدأ يوم الخميس المقبل؛ ما يمنح الجمهور المحلي فرصة التفاعل مع أحد أكثر أفلام الرعب النفسي تأثيراً، بتقنية «آيماكس (IMAX)»، وذلك ضمن تجربة مشاهدة كاملة على الشاشة الكبيرة، حيث تتجلى قوته البصرية والفكرية كما صُممت في الأصل.

وربما حتى الذين لم يشاهدوا الفيلم، مرُّوا بلقطات أيقونية منه، حيث يترسخ حضور «ذا شاينينغ» من خلال مشاهد عدة، يتقدمها المشهد الشهير الذي يُعد من أكثر اللقطات تداولاً في تاريخ السينما، ويظهر فيه الممثل جاك نيكلسون وهو يكسر باب الحمام بفأسه، قبل أن يُدخل رأسه من الفتحة الخشبية مبتسماً بجنون. وتحوَّلت هذه اللقطة إلى رمز بصري يُستعاد باستمرار في وسائل التواصل الاجتماعي، مع حضور الفيلم الدائم في قوائم أفضل الأفلام، وفي الكتابات النقدية؛ ما يعكس قدرته على التجدّد والتفاعل مع تحولات الذائقة السينمائية.

كذلك أصبح الرقم 237 خالداً في ذاكرة عشاق السينما، وهو رقم أهم غرفة في الفيلم، وواحدة من أكثر عناصره رسوخاً في الأذهان، لارتباط هذا الرقم بمشهد بالغ الكثافة النفسية، واستمر تداول الرقم في النقاشات والتحليلات السينمائية، ليصبح علامة على قدرة الفيلم على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز ذات دلالات مفتوحة.

ويمثل عرض «ذا شاينينغ» في السعودية جزءاً من حركة أوسع لإعادة قراءة السينما الكلاسيكية بعيداً عن الحنين العاطفي، وبمنظور نقدي معاصر يضع الفيلم في سياقه التاريخي والجمالي، حيث يفتح حضور هذا العمل المجال أمام جيل جديد لاكتشافه، وأمام جمهور أقدم لإعادة تأمله ضمن شروط مشاهدة مختلفة، تُبرز تفاصيله الدقيقة وإيقاعه المتأمل.

الممثلة شيلي دوفال في مشهد من الفيلم (المصدر: IMDb)

ستانلي كوبريك.. سينما التفاصيل

الفيلم الذي أُنتج عام 1980، من إخراج المخرج الأميركي ستانلي كوبريك، أحد أبرز صُناع السينما في القرن العشرين، وصاحب مسيرة اتسمت بالتنوع والصرامة الفنية؛ إذ عُرف كوبريك الذي توفي عام 1999 باهتمامه الشديد بكل تفصيلة في العمل السينمائي، من حركة الكاميرا إلى تصميم الديكور، ومن الإيقاع السردي إلى اختيار الموسيقى، وفي «ذا شاينينغ»، بلغ هذا الهوس بالكمال ذروته، حيث تحولت كل لقطة إلى جزء من بناء نفسي متكامل.

واستند كوبريك في عمله إلى رواية الكاتب «ستيفن كينغ» التي تحمل العنوان نفسه، لكنه قدّم معالجة سينمائية مستقلة ركزت على الأبعاد الذهنية للشخصيات أكثر من التزامها بحبكة رعب تقليدية، وهذه المقاربة جعلت الفيلم عملاً قابلاً لإعادة القراءة عبر أزمنة مختلفة.

قصة العزلة والانهيار النفسي

تدور أحداث الفيلم حول الكاتب جاك تورانس، الذي ينتقل مع زوجته ويندي وابنهما داني إلى فندق معزول في جبال كولورادو، لتولي مهمة الإشراف عليه خلال فترة الإغلاق الشتوي، والعزلة الطويلة، والطقس القاسي، والتاريخ الغامض للفندق، بيئة نفسية ضاغطة تتكثف فيها الهواجس والمخاوف، ليتحوّل الكاتب فيها إلى شخص مختلف عن صورة الزوج والأب الذي اعتادت عليه أسرته.

في حين يمتلك الطفل داني قدرات نفسية تتيح له رؤية أحداث من الماضي واستشراف ما سيقع، لتتحول إقامته في الفندق إلى تجربة قاسية تضع الأسرة أمام اختبارات متتالية، وهذه القصة، رغم بساطتها، تُستخدم مدخلاً لتفكيك مفاهيم الجنون، والذاكرة، والعنف الكامن في العلاقات الإنسانية.

يتناول الفيلم الانهيار النفسي الذي يعيشه كاتب يُدعى جاك تورانس، في مكان معزول (المصدر: IMDb)

أداء صنع أيقونة سينمائية

وجسّد دور البطولة الممثل جاك نيكلسون، في أداء أصبح علامة فارقة في مسيرته الفنية، مقدّماً شخصية الكاتب جاك تورانس بتدرج نفسي حاد، ينتقل من الاتزان الظاهري إلى الانفجار الداخلي، وأسهم هذا الأداء في ترسيخ الشخصية كإحدى أكثر الشخصيات حضوراً في تاريخ السينما.

كما شاركت شيلي دوفال، في دور زوجته ويندي، في أداء ركّز على الهشاشة والقلق والخوف، وقدّم الطفل داني لويد شخصية ابنهما داني بأداء هادئ وغامض، جعل منه عنصراً محورياً في بناء التوتر النفسي للفيلم، حيث منح تكامل هذه الأداءات العمل عمقاً إنسانياً تجاوز حدود الرعب التقليدي.

أصداء العرض الأول

عند عرضه الأول مطلع الثمانينات، أثار «ذا شايننغ» نقاشاً واسعاً بين النقاد والجمهور، ولفت الانتباه بأسلوبه المختلف وإيقاعه المتأني. ومع مرور السنوات، تزايد حضوره في الدراسات النقدية والجامعية، وظهرت قراءات متعددة تناولته من زوايا نفسية واجتماعية وثقافية وتاريخية. وهذا التحول في الاستقبال النقدي أسهم في ترسيخ مكانته كعمل سينمائي متجدد، يُعاد اكتشافه مع كل جيل، ويُقرأ وفق سياقات فكرية مختلفة، ما جعله أحد أكثر الأفلام تحليلاً في تاريخ السينما الحديثة.

الأم وطفلها يحاولون النجاة من الأمور الغريبة التي تحدث في فندق أوفرلوك داخل الفيلم (المصدر: IMDb)

الفندق... قلب القصة

ويحتل «فندق أوفرلوك» في «ذا شاينينغ» موقعاً مركزياً في السرد، حيث تعامل معه كوبريك بوصفه كياناً حياً، لا مجرد فضاء للأحداث، بما يشمله من الممرات الطويلة، والهندسة المتناظرة، وحركة الكاميرا الانسيابية، حيث بدت كلها عناصر صُممت بعناية لتعزيز الإحساس بالضياع والاختناق النفسي.

ولعبت الموسيقى التصويرية دوراً محورياً في بناء التوتر، عبر نغمات تجريبية حادة تتناغم مع التحولات النفسية للشخصيات، وهذا التوظيف الصوتي والبصري جعل من الفيلم تجربة حسية كاملة، تتضاعف قوتها عند مشاهدته على الشاشة الكبيرة.

الأفلام الكلاسيكية

يأتي عرض «ذا شاينينغ» في دور السينما السعودية ضمن توجُّه متصاعد لبرمجة الأفلام الكلاسيكية وأعمال الرعب النفسي ذات القيمة الفنية العالية، إلى جانب الإنتاجات الجديدة. ويعكس هذا التوجه تطور ذائقة الجمهور المحلي، واتساع مساحة الخيارات السينمائية، حيث باتت الصالات تستضيف عروضاً خاصة لأعمال مفصلية في تاريخ السينما العالمية، وحضور فيلم من وزن «ذا شايننغ» على الشاشة الكبيرة في السعودية يضع الجمهور أمام تجربة سينمائية جديرة بالتوقف والتذكّر.