سينما 2016: حروب صغيرة وكبيرة.. قديمة وحديثة

مل غيبسون مستمر في نجاحه بالأفلام الحربية

لقطة من «هاكسو ريدج» لمل غيبسون - «بيلي لين» عودة من الحرب العراقية وإليها
لقطة من «هاكسو ريدج» لمل غيبسون - «بيلي لين» عودة من الحرب العراقية وإليها
TT

سينما 2016: حروب صغيرة وكبيرة.. قديمة وحديثة

لقطة من «هاكسو ريدج» لمل غيبسون - «بيلي لين» عودة من الحرب العراقية وإليها
لقطة من «هاكسو ريدج» لمل غيبسون - «بيلي لين» عودة من الحرب العراقية وإليها

في لقاء نشرناه في «الشرق الأوسط» مع المخرج مل غيبسون، عندما التقيناه إثر عرض فيلمه «هاكسو ريدج» في مهرجان فينيسيا، تحفّظ الممثل على وصف الفيلم بأنه معاد للحرب، وقال:
«لم أتخذ موقفًا من الحرب؛ لا معها ولا ضدها. بالنسبة لي، فإن (هاكسو ريدج) هو فيلم عن المجنّد الذي رفض حمل السلاح، لكنه شارك في المهام العسكرية مسعفًا طبيًا، وأنقذ حياة العشرات».
الواقع أنه من الصعب اليوم أن تجد فيلمًا يشيد بالحرب، لكنه من الأصعب أيضًا أن تشاهد فيلمًا يدور حول المعارك ذاتها في أي من الحروب الكبيرة السابقة. فهذه باتت تتكلّف كثيرًا، وتسترد قليلاً من السوق. «هاكسو ريدج» بالكاد تجاوزت إيراداته الأميركية كلفته التي بلغت 40 مليون دولار. ومن المنتظر له أن يقفل حسابه على نحو 100 مليون دولار عالميًا، وإذا ما فعل فهو فيلم محظوظ.
أيضًا من النادر أن نجد أفلامًا حربية بالمعنى الملتزم للكلمة؛ الأفلام التي تقع في رحى المعارك بين الفرقاء، والتي قام عليها تاريخ هذا النوع من السينما من سنوات ما بعد الحرب العالمية الأولى لما بعد سنوات الحرب العالمية الثانية.
لكن الحروب ذاتها تغيّرت، وإن بقيت عناصرها كما كانت دومًا: فريقان (على الأقل) يتقاتلان سعيًا لإحراز نصر لأسباب سياسية أو آيديولوجية، كل فريق يستخدم ما هو متاح له من أسلحة القتال، قتلى كثيرون ثم نصر بيّن لأحد الفريقين وهزيمة منكرة للفريق الآخر.

أحداث واقعية
الأفلام التي لا بد من تسميتها بالحربية فعلاً، تدور في الجبهات ومواقع القتال في الجو والبحر وعلى الأرض. تلك التي تتناول الحروب من دون أن تكون بالضرورة أفلامًا عن المواجهات العسكرية، هي جنس مختلف من النوع ذاته. وعام 2016 شهد أفلامًا من كلا الجنسين المتقاربين.
أحداث «هاكسو ريدج» تقع في جزيرة أوكيناوا اليابانية. الجيش الأميركي تحرك لاحتلالها بعد الهجوم الياباني على بيرل هاربور، وتكبد خسائر كبيرة قبل أن يربح الحرب في النهاية. دزموند ت. دوس (ويؤديه الجيد أندرو غارفيلد) انخرط في الجندية، لكنه رفض حمل السلاح حتى خلال التدريبات. وبعد مداولات قضائية سُمح له بالانتقال إلى أوكيناوا كمسعف. الفيلم، في هذا الجانب هو سيرة حياة كون الشخصية حقيقية خاضت تلك الحرب بشروطها، وخرجت بأوسمة.
دائمًا ما نجح مل غيبسون في تصوير مواقع القتال في أفلامه. تلك المشاهد العنيفة في كل من «قلب شجاع» (1995) و«أبوكاليبتو» (2006) لا تُنسى، لكن «هاكسو ريدج» يرتفع عنهما بقدرة المخرج على النظر إلى العنف من دون غض الطرف، وأيضًا من دون ابتذال. يدير ممثليه جيّدًا في الوقت الذي يمنح فيه صنعة الفيلم التقنية والتنفيذية إدارة ممتازة تجعل الفيلم يبدو أكبر إنتاجًا مما هو عليه.
الفيلم هو أفضل فيلم حربي تم إنتاجه وعرضه هذه السنة. وعلى منواله وإيقاعه، هناك «مختارون» (Chosen) لياسمين دزدار: فيلم أميركي آخر (كون «هاكسو ريدج» إنتاج أسترالي - أميركي) يدور حول محام شاب يقرر قيادة فريق من المقاتلين ضد الفلول النازية عند نهاية الحرب العالمية الثانية. ليست هناك واقعة أو شخصية حقيقية لكن الفيلم، كبعض سواه، يوفر تلك الخلفية المعتادة حول الضحايا من اليهود.
الفيلم الحربي الثالث الذي شهدته دور العرض في العام الآزف على الرحيل، هو «يو إس إس إنديانابوليس: رجال الشجاعة» للأميركي ماريو فون بيبلز. هذا مأخوذ عن واقعة حقيقية مزيّنة بالمشاهد الخيالية المناسبة: في عام 1945، أطلقت غواصة يابانية صاروخًا أصاب البارجة الحربية يو إس إس إنديانابوليس وأغرقتها. من بين نحو 900 بحار، تم إنقاذ حياة 317، بعد أربع أيام من غرقها، بينما مات الآخرون، إما بفعل القذيفة أو غرقًا أو بفعل أنياب أسماك القرش. نيكولاس كايج أدى دورًا جيدًا في هذا الفيلم، حيث يلعب دور الكابتن ماكفاي الذي قاد البارجة. على الشاشة العريضة يبدو الفيلم أكبر حجمًا مما هو عليه. عيبه الذي قضى على احتمالات نجاحه بين النقاد كمن في أن مخرجه بيبلز صوّر الفيلم بلا روح وبقليل من الخبرة في كيفية تحويل الضحايا إلى خامات إنسانية.
علاقات متشابكة
الأفلام الأخرى التي تعاطت مع الحرب العالمية الثانية هذا العام انتمت إلى تلك الخامة التي تستخدم زمن الحرب لتقديم حكايات هي إما جاسوسية أو عاطفية أو حول مهام عسكرية تقع داخل جبهة العدو.
في هذا الصعيد الأخير، شاهدنا ثلاثة أفلام عرضت جميعًا في مهرجانين متوازيين، هما فنيسيا وتورنتو، وهي: «فرانتز» لفرنسوا أوزون و«جنة» لأندريه كونتشالوفسكي و«على طريق الحليب» لأمير كوستاريتزا.
فيلم فرنسوا أوزون يوفّر حكاية عاطفية حول أرملة جندي ألماني قُتل في المعارك خلال الحرب العالمية الأولى، وشاب فرنسي (بيير نيني) يتقدّم إليها وإلى عائلتها، ويعترف أنه هو من قتله. لكنه كان يكذب في كل ما ذكره قبل أن يختفي، فتلحق به الأرملة الشابة (باولا بير) إلى فرنسا، حيث تكتشف أنه يحب امرأة أخرى وأنهما في سبيلهما إلى الزواج. رغم الإيحاءات والوجدانيات لا مفادًا جيدًا يمكن الخروج به يتجاوز الأحداث الممطوطة التي يعرضها الفيلم، ولا تأتي النهاية إلا كخاتمة لجملة أحداث مفبركة لأجل التأثير العاطفي. المعركة التي نرى محشورة في موقع واحد، وفي مشاهد قليلة، هي التي يروي فيها الفرنسي كيف وجد نفسه وجهًا لوجه أمام الجندي الألماني الذي كان قد تعرف عليه في باريس فقتله.
«جنة» يتعامل مع الحرب العالمية الثانية بمفادات أفضل وأقوى: فيلم أندريه كونتشالوفسكي يحمل في طياته موضوعًا إنسانيًا لا يلجأ خلاله إلى التنميط السهل لأي طرف: ثلاثة (فرنسي وألماني وروسية) يروون جوانب الحكاية الواحدة التي جمعتهم. يجلسون (كل بمفرده) أمام كاميرا سينمائية صغيرة ليقدم كل منهم شهادته عما حدث. ليس فيلم هولوكوست، ولو أنه يتضمن إشارات، ورغم أن نصف أحداثه تقع في أحد المعسكرات النازية، لكنها معسكرات لا تحوي اليهود وحدهم، بل الأسرى غير الألمان من المسيحيين أيضًا.
صوّره بالأبيض والأسود ليروي حكاية تلك المرأة الروسية العالقة في المعسكر، بعدما ألقي القبض عليها في باريس المحتلة. ضابط ألماني يرتب لها سبيل النجاة، لكن قرارها في النهاية هو أن تموت لإنقاذ حياة آخرين. يسرد الفيلم قصّة حب تدلف في هذا التاريخ، من خلال التحقيق الذي يجريه ضابط فرنسي يعمل تحت إمرة الاحتلال النازي لفرنسا مع امرأة روسية متهمة بالتخابر لمصلحة الروس كانت قد حاولت تهريب يهود من المذبحة، وهو ليس بالضابط المنغلق النمطي الذي تحب أن تكرهه.

حرب الدويلات
«في طريق الحليب» هو المختلف بالنسبة للفترة التي يختارها المخرج أمير كوستاريتزا. هي حرب الدويلات اليوغوسلافية، والمخرج يقوم بالدور الرجالي الأول، مؤديًا شخصية قروي عادي يؤمن جلب الحليب فوق طريق ريفية خطرة ممتدة بين المزرعة والقرية. يحب فتاة المزرعة، لكن امرأة إيطالية تصل إلى القرية تفتنه. الحرب الضروس تشتعل وكل الأحلام تتهاوى، لكن الحب هو الذي يقود الرجل وامرأته هربًا من الكوارث، ولو أن هذا الهروب بدوره يصل إلى طريق محدود.
«في طريق الحليب» (والعنوان يعود إلى عمل بطل الفيلم في نقل الحليب من مزرعته إلى طالبيه) بدوره أحد الأفلام المتكاثرة حول حروب ما بعد الحرب العالمية، ومن بينها الحرب الأفغانية وتلك العراقية (أفلام الحرب السورية تستحق رصدًا منفصلاً). وفيما يخص الحرب الأفغانية، انطلق العام الماضي فيلم أميركي بعنوان «ويسكي تانغو فوكستروت» لمخرجين يسايران البدع والعناوين الكبيرة، هما غلن فيكارا وجون ركوا. الفيلم مقتبس من كتاب بعنوان «حافلة طالبان» لكيم باركر، تسرد فيه رحلتها إلى مواقع الحرب الأفغانية كمراسلة لإحدى محطات التلفزيون. يتم وضع مآسي الحرب على الرف البعيد، ويحوّل المخرجان حياة المراسلة التلفزيونية (كما قامت بها تينا في) إلى سجال كوميدي وعاطفي مع بعض مسارات التشويق العابر.
الموضوع العراقي الذي تحول لمادة لكثير من الأعمال خلال التسعينات والعقد الأول من القرن الحالي، تبلور الآن عن أفلام قليلة العدد، منها فيلم واحد في هذا العام عنوانه «رحلة بيلي لين الطويلة» لآنغ لي. ومثل أفلام سابقة، من بينها «وطن الشجعان» لإروين وينكلر (2006) و«المرسال» لأورين موفرمان (2009) و«أميركان سنايبر» لكلينت ايستوود (2015)، يتعامل «رحلة بيلي» مع عودة الجندي إلى الحياة المدنية في بلاده، لكن تأثير الحرب العراقية عليه يدفعه للانطواء، كما يدفع المخرج للاستعانة بركام من مشاهد الاسترجاع (فلاشباك) التي تضعف السياق، وتضع الفيلم على سكتي حديد بالكاد متساويين.
ومن أفغانستان والعراق إلى الصومال، حيث عالج «عين في السماء» لغافِن هود عملية خطط لها أميركيون وبريطانيون لقصف موقع قيادة إرهابية بطائرات «درون». تعقيدات المسألة في هذا الفيلم الجيد تكمن في وجود بريطانية انضمت إلى الجماعة المتطرفة، ووجود عميل للغرب على مقربة، مما ينتج عنه بروز صراع آخر بين القيم الإنسانية والمصالح العسكرية.
داخل العدو
بالعودة إلى الحرب العالمية الثانية، نجد الفيلم الإسباني «غويرنيكا» للإسباني كولدو سيرا، ومع ممثلين أميركيين، من بينهم جاك دافنبورت وجيمس دارسي وآخرين إسبان (أليكس غارسيا، ماريا فالفيرادي). البلدة هي واحدة من أولى المدن الأوروبية التي تعرضت للقصف النازي، وذلك في ربيع عام 1937.
هذا الفيلم يحيط بالحرب كخلفية، متناولاً قصّة حب في الأساس، وهو ما يفعله الفيلم الذي بدأ عرضه موازيًا لفيلم «هاكسو ريدج» بعنوان «حلفاء». أخرجه روبرت زميكيس (شاهدنا له فيلم «طيران» مع دنزل واشنطن قبل ثلاثة أعوام) عن أحداث تقع في شمال أفريقيا حول علاقة حب بين ممرضة فرنسية (ماريون كوتيار) وملاح أميركي (براد بت) سنة 1942. هذا يدفع الفيلم إلى وضع غير مريح من حيث إنه فيلم تشويق وفيه مشاهد «أكشن» وقصّة حب وخلفية حرب في وقت واحد. ككل يعمل الفيلم كترفيه، ولو أن المادة ذاتها تنضح بالفرص التي فاتت المخرج وكاتبه لتحقيق عمل أعمق مما هو عليه.
فيلمان آخران حول الحرب ينتميان إلى ما يعرف بسينما المهام التخريبية والجاسوسية. كلاهما من عروض هذه السنة، بل ينتميان إلى خط أحداث واحد، «إنتروبويد» و«ما وراء فولكاري».
الأول إنتاج مشترك بين جمهورية تشيك وبريطانيًا وفرنسا، ومن إخراج البريطاني شون إيليس، وقوامه الخطّة التي اعتمدتها المخابرات البريطانية لاغتيال الجنرال النازي راينهارد هيدريتش الذي كان، حسب مصادر، مسؤولاً عن تصميم الخطة المسمّاة بـ«الحل النهائي». منفذا الخطّة (سيليان مورفي وجامي دورنان) يتوغلان داخل الجبهة الألمانية، ويصلان إلى حيث ينضم إليهما فريق من المقاومين التشيك. بعد ذلك، يتطلب الأمر بحثًا تاريخيًا مستفيضًا لمعرفة الواقع من الخيال، لكن الفيلم منفذ جيدًا في معظم أنحائه.
الفيلم الثاني هو «ما وراء فالكيري: فجر الرايخ الرابع» لكلوديو فاه مع شون باتريك فلانيري وتوم سايزومور وستيفن لانغ في أدوار رئيسية.
حكاية مصنوعة بقوّة ومقدرة تنفيذية عالية تحكي عن إنزال آخر داخل الحزام الألماني، وذلك مباشرة بعد فشل المؤامرة التي قام بها ضباط ألمانيون لاغتيال هتلر. المجموعة الجديدة (مؤلفة من أميركيين وروس) مهمّتها إنقاذ حياة أحد الضباط الألمان المطلوبين من القيادة الألمانية، كونهم شاركوا في العملية الفاشلة.

أفضل 5 أفلام حربية لعام 2016

Hacksaw Ridge | إخراج: مل غيبسون (أستراليا) ****
Paradise | أندريه كونتشالوفسكي (روسيا) ****

Eye in the Sky | غافِن هود (الولايات المتحدة) ***
On The Milky Way | أمير كوستاريتزا (صربيا) ***
Beyond Valkyrie
| كلوديو فاه (الولايات المتحدة) ***



«الشيطان يرتدي برادا 2»... أناقة قاتمة لعالم يتغيّر

‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
TT

«الشيطان يرتدي برادا 2»... أناقة قاتمة لعالم يتغيّر

‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩

بعد طول انتظار، يعود فيلم «الشيطان يرتدي برادا 2» (The Devil Wears Prada 2)، لتعود معه صراعات ميرندا بريستلي وآندي ساكس، ولكن في عالم تغيَّرت قواعده؛ حيث لم تعد المجلات تحتفظ بمكانتها كما قبل عقدين، وأصبح التأثير موزعاً بين المنصات الرقمية وسلطة المُعلنين. يعكس الفيلم هذه التحولات الكبرى مقارنة بزمن صدور الجزء الأول عام 2006.

⁨آن هاثاواي وميريل ستريب في مشهد من الفيلم (imdb)⁩

يبدأ العمل بآندي ساكس (آن هاثاواي) على أعتاب لحظة انتصار مهني بعد فوزها بجائزة صحافية، قبل أن تتلقى في اللحظة نفسها خبر فصلها عبر رسالة قصيرة، بسبب قرار صحيفتها «نيويورك فانغارد» تسريح عدد من محرريها لتقليص الميزانية. وخلال التكريم، تلقي خطاباً حاراً عن تراجع قيمة الصحافة في ظل المتغيرات الراهنة، ومن هنا تأتي الدقائق الأولى للفيلم لتعيد تعريف موقع آندي بعد عقدين قضتهما في العمل الصحافي الجاد.

أما ميرندا بريستلي (ميريل ستريب)، فلا تزال على كرسي رئاسة تحرير «رَنواي» (Runway)، التي لم تعد مجلة تقليدية، بل منصة تسعى وراء الانتباه. غير أن سلطتها لم تعد مطلقة؛ إذ باتت محكومة بتوازنات مع المُعلنين ودور الأزياء. وتظهر منذ البداية وسط أزمة حادة بسبب فضيحة تتعلق بتقرير نشرته «رَنواي» أثار عاصفة من الجدل، مما يضع اسم المجلة تحت ضغط حاد من الإدارة والرعاة.

من غرفة تحرير إلى غرفة أرقام

⁨ميريل ستريب بشخصية ميراندا بريستلي المرأة الحديدية في عالم الأزياء (imdb)⁩

تعود آندي إلى «رَنواي» بصفتها محررة تحقيقات، في موقع متقدم مقارنة بالماضي. ويأتي لقاؤها الأول مع ميرندا مشحوناً بتوتر مكتوم، يعكس صراعاً بين خبرة متراكمة وسلطة قائمة. كما تبدو المجلة بملامح جديدة؛ حيث يدور الحديث في الاجتماعات عن نسب المشاهدة والتفاعل، والعناوين الجاذبة، وتتحوَّل طاولة التحرير التي كانت تنشغل بقصَّات الأقمشة وألوان المواسم إلى لغة رقمية باردة.

في هذا السياق، يظهر نايجل (ستانلي توتشي)، ذاكرة حية للمكان، بنبرة تمزج بين السخرية والمرارة، مستعيداً زمن الرحلات الطويلة للتصوير، مقارنة بإيقاع اليوم المضغوط. ورغم ثباته النسبي، يمنح حضوره الفيلم توازناً بين الحنين إلى الماضي والوعي بالحاضر.

في المقابل، تدخل إيميلي شارلتون (إميلي بلنت)، من موقع نفوذ داخل دار «ديور» للأزياء، حيث تتشكل علاقتها مع «رَنواي» عبر الإعلانات والشراكات، مما يجعل «ديور» داخل الفيلم لاعباً رئيسياً؛ وجهة قادرة على التأثير في قرارات المجلة، إلى جانب علامات أخرى تظهر في خلفية الفيلم، لتؤكد أن الصناعة أصبحت شبكة مصالح متداخلة.

«لم تعد رَنواي مجلة»

⁨آندي ونايجل وحديث من داخل غرفة الأزياء لمجلة «رَنواي» (imdb)⁩

يقدِّم الفيلم الذي يأتي من إخراج ديفيد فرانكل، وسيناريو ألين بروش ماكينا، تحية ضمنية للصحافة المطبوعة. ورغم التركيز التسويقي على عودة الأبطال، تكمن مفاجأة الفيلم في نبرته الرومانسية تجاه الصحافة وصناعة الأزياء بوصفها فناً، بدلاً من «إنتاج المحتوى». في أحد المشاهد، يختصر نايجل الفكرة بقوله: «لم تعد رَنواي مجلة»، في إشارة إلى نسخة مطبوعة بالكاد تُقرأ مقابل محتوى رقمي سريع الزوال.

لا يبدو الفيلم معنياً بجذب جمهور جديد بقدر ما يخاطب متابعيه القدامى، من خلال استدعاء مستمر لأحداث الجزء الأول. كل شخصية تستعرض مسارها وتحولاتها، ما يمنح العمل طابعاً أقرب إلى مرثية ساخرة لواقع ما بعد 2006، وهيمنة الشركات الكبرى، يتجلى ذلك في مشهد جنازة رمزي لما آلت إليه الصناعة.

ميلانو وليدي غاغا في قلب القصة

تبلغ الأحداث ذروتها في مدينة ميلانو خلال عرض أزياء تنظمه «رَنواي»، حيث تتصاعد الضغوط نتيجة تقليص الميزانية. ويظهر ذلك في مشهد ساخر تسافر فيه ميرندا على الدرجة الاقتصادية، في مفارقة تعكس تغيُّر الأولويات.

ويفاجئ الفيلم جمهوره بظهور النجمة ليدي غاغا، في مشهد يجمعها بميرندا، يكشف توتراً قديماً بينهما، ويعكس تحولات موازين القوة داخل هذا العالم.

⁨تعود آندي إلى مجلة «رَنواي» في الجزء الجديد وبتحديات أكبر (imdb)⁩

كما يقدم أحد أكثر مشاهده تأملاً خلال عشاء فاخر تستضيفه قاعة تاريخية مزينة بلوحة «العشاء الأخير» الشهيرة للفنان ليوناردو دا فينشي، إذ يجلس الحضور تحت اللوحة في تكوين بصري متقارب، في حين تتحدث ميرندا عن تفاصيلها إلى آندي، ليضع الفيلم الفن في مواجهة الاستهلاك، وتتحول لوحة تاريخية إلى خلفية لعشاء فاخر.

في الختام، لا يغيِّر الفيلم مواقع شخصياته جذرياً؛ تبقى ميرندا على رأس «رَنواي»، وتعود آندي إلى المجلة، لكن التحول الحقيقي يكمن في طبيعة العمل نفسه: من صناعة الفن إلى ملاحقة التفاعل، وهي الفكرة التي يرسِّخها الفيلم عبر تفاصيله.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
TT

حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف

تنطلق ما بين 3 و17 مايو (أيار)، عروض أفلام للمخرج حميد بن عمرة في بلد ولادته الجزائر، التي غادرها قبل عقود إلى فرنسا حيث يعيش ويعمل مستقلاً ومثابراً.

من يشاهد أفلامه يكتشف أن كل فيلم فريد في نوعه وطريقة تناوله، وهذا يتضمّن ما يقدمه الفيلم وكيفية تقديمه. البراعة في أفلامه (ومنها «هواجس الممثل المنفرد بنفسه»، 2015، و«حزام»، 2016، و«كوكيو: موسم حصاد الأفلام»، 2023) تكمن في شغله على حرية التناول، منتقلاً بين ما يختاره من مشاهد ولقطات على نحو مغاير تماماً عما يعمد إليه آخرون من جيله أو ما قبله. لذا، فإن أفلامه خارج التصنيف وطريقته في تنفيذها ليست مطلقاً تقليدية.

التالي مقابلة معه تتضمن إيضاحاً شاملاً لمنهجه بمناسبة الاحتفاء الذي سيشهده في بلد مولده.

من «كيوكو: موسم حصاد الأحلام»

اخترع لغتك

> ما الذي يعنيه لك عرض أفلامك في الجزائر على هذا النحو الاحتفائي؟

- الرجوع إلى الجزائر فضيلة، ولقاء المشاهد الجزائري فريضة. يصادف كل ذلك مجيء البابا إلى الجزائر ويتزامن مع انفتاح البلاد على العالم بشكل أكبر. إنها فرصة ثمينة للتواصل مع جمهور أعتقده جاهزاً اليوم أكثر من أي وقت مضى لاكتشاف الجديد.

> قبل عروض أفلامك في الجزائر شاركت في مهرجانات عدة، لكن هل تعتبر العروض الجزائرية احتفاءً بك؟

- أنا من يحتفي بالجمهور الذي كان شاهداً على عرض فيلمي الأول سنة 1981، كما أحتفي بمدير السينماتيك، الأستاذ بوجمعة كارش، الذي كان سنداً وداعماً. سأحتفي بشاشات الجزائر التي تحوَّلت في بعض المدن إلى كفن للأفلام. سأحتفي بعيون المشاهدين 24 مرة في الثانية، لأن قاعدة السينما بيتي، وأنا الذي أستقبل الجمهور على شاشتي.

> من الصعب وضع أفلامك في خانات تقليدية. بل من غير الممكن. كيف تقوم أنت بتصنيفها؟

- في الأمور الإدارية، ولضرورة الترتيب، يتفنن الموظف في وضع كل ملف في مكانه الصحيح لتسهيل الاطلاع عليه. في السينما، العارف بماهية هذا الفن لا يحتاج إلى خانة كبوصلة. من يعرف السينما يستطيع الارتقاء إلى مصاف قراءة حرية السرد، التي ليست عفوية وعشوائية، وإنما حرية تبتكر منطقها. هيتشكوك يقول: «اخترع لغتك، فقط أعطني أبجديتك كي أقرأ». هناك فرق بين الأسلوب المتفرد وتلصيق اللقطات ببعضها. التفسير للقرآن وللعلوم، لكن السينما لا تُفسَّر لأنها دوام الأسئلة البصرية. سينما «ڤيرتوف» والموجة السوفياتية لم تكن صامتة، وإنما غير ناطقة. أبيات المتنبي تُسمع لمن به صمم، ويراها الأعمى. التفسير للأطفال، وللمبتدئين، ولغير العارف بأدغال السينما.

آسيا غمرة من فيلم «حزام»

سينما جميلة

> تناولت أفلامك، مثل «هواجس الممثل المنفرد بنفسه» و«حزام» و«كوكيو: موسم حصاد الأحلام»، قضايا اجتماعية وشخصية، لكنها ليست أفلام قضايا كما ليست أفلاماً تسجيلية. ما هو تعريفك لذلك؟- ليس هناك تعريف دائم وثابت، بل المعرفة بوزن كل لقطة. كل لقطة لها عيار وعمر. لقطات تذوب في المشهد وأخرى تُحنّط. السينما إلمام بمعارف شتى تُصقل لترويض العين وشحذها كي تنتقي للمشاهد نافذة جديدة تفتح فكره وذوقه. أفلامي بها قضية واحدة هي السينما.

إنه الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون كي يوجد. ما يستفز ويغري ويثير ويصدم في السينما ليس المواضيع، وإنما فسيفساء اللقطات واتزانها في فضاء خارج عن معايير الهندسة المنطقية. السينما هي كل شيء عدا المنطق، لكني أضفت إلى منطق دزيغا ڤيرتوف السردي بلاغة اللغة العربية بأسلوبها السهل الممتنع. طرّزت إطاري بمجهريات الزخرفة المغاربية، وحصَّنت المشاهد بإيقاع الموشح الأندلسي.

> ما هي السينما الجميلة بالنسبة إليك؟

- الجمال في البساطة دائماً، وليس في الاستعراض. طريقة المشي بالنسبة للمرأة أكثر إثارة من جسد مفتول الأعضاء، وخط العاشق أجمل للعشيقة من خطاط محترف، وتدبير الأم لابنها أدق من استراتيجيات لاعب الشطرنج. السينما الجميلة هي تلك التي لا «تستخف» بالمشاهد ولا تتعالى عليه. المعرفة تختلف عن الخبرة، وذاكرة الشعوب تختلف عن ذاكرة الحكومات. أنا أصوّر بالحدس بوصفي شاهداً عن جيله، وليس بتراكمية القواعد. لا أرى المكان وإنما تفاصيله وأهميته التاريخية. لا أهرول نحو الوجه بقدر ما أتوقف عند بشرته. أذكر كل لقطة صورتها منذ 45 سنة. أفهم حين يقول كاسباروف إنه يتذكر كل منازلاته. الذاكرة المرئية تقودني إلى المكان والوجه بتأنٍ، لأن هاجسي الأول هو انتقاء ما بدا لي رفيعاً ونادراً لرسم صورة لحياة تفرز كل يوم لحظات فذة بين الأسلاك الشائكة.

«أفلامي بها قضية واحدة هي السينما؛ الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون ليوجد»

حميد بن عمرة

> من هم المخرجون الأحب إليك؟ وهل تأثرت بهم؟

- أحب من أعرف والتقي به فعلاً. هناك أسماء ضخمة وأخرى بالوزن نفسه لكنها خارج سلطة النت الخبيثة. أحببت رضوان الكاشف لأنني صورته وتبادلنا الرؤى، وأحب مجدي أحمد علي القريب جداً إلى جزائريتي. أحب نيكيتا ميخالكوف الذي التقيت به حين كنت رئيس لجنة التحكيم بمهرجان مالطا 2019، وكان العراب الحامي والضامن للمهرجان، ولأنني شاهدت كل أفلامه. أحب جورج شمشوم، وبهج حجيج، وناصر خمير، وسعد الشرايبي، وفريدة بليازيد، وإبراهيم تساقي، وبلقاسم حجاج، كما أحب سليمان سيسي، وهايلي غريما، ولاري كلارك. البصمة الشخصية تأتي من الممارسة والبحث المستمر، وليس من النقل المباشر أو المتستر.

> كيف تمكَّنت من تحقيق فيلمك الأول «من أجل حياة أفضل» سنة 1981؟ من هو صاحب الفضل في ذلك؟

- صوَّرت ذلك الفيلم في حي شعبي فقير وكادح، دون أي سند من أي مسؤول، عدا أم ادَّخرت من مصروف البيت مبلغاً غامرت به كي يشتري ابنها أول كاميرا عام 1978. هذه الأم المجاهدة التي وقفت في وجه الاستعمار لم تتراجع أمام حلم ابنها. هي التي أخرجت للجزائر ابناً ورث منها غريزة المثابرة إلى آخر نفس.


شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)

ALEA JACARANDAS

★★★1/2

إخراج:‫ حسن فرحاني‬

الجزائر | وثائقي (2026)

عن أب ومدينة وتاريخ

فاز فيلم «أليا جاكارانداس» (Alea Jacarandas) بجائزة لجنة التحكيم لأفضل فيلم في مهرجان «ڤيزيون دو ريل» الذي اختتمت فعالياته في 26 أبريل (نيسان). حظي الفيلم باستقبال جيد، ويرجع ذلك جزئياً إلى نجاح المخرج نفسه في عام 2019 بفيلمه الوثائقي الرائع «143 شارع الصحراء»، الذي رصد حياة امرأة تعيش وحدها وتدير دكاناً على الطريق السريع خارج المدينة، عاكسةً من خلال ذلك عزلة المكان والحياة.

فيلم فرحاني الجديد يختلف بشكل شبه كامل عن السابق. إنه رحلة في حياة والد المخرج، أمزيان فرحاني، ليس فيلم نوستالجي تقليدي، بل سجل لملاحظات وذكريات الأب حول المدينة، كيف كانت وكيف أصبحت، عن شوارعها وأناسها وأشجار الجاكارندا الجميلة التي لم يبق منها إلا القليل. الفيلم لا ينطوي على نقد لاذع، لكنه مشبع بالحنان تجاه الماضي، ممثلاً في الأب. هناك انسجام واضح بين الأب والمدينة؛ كلاهما يحمل تاريخه ويمضي.

من ميزات الفيلم أن المخرج لم يعتمد على النهج النستالجي، بل اتبع مبدأ البحث في ذاكرة الأب، معتمداً على ذكرياته وآرائه، دون اللجوء إلى وثائق رسمية. ونفاجأ، إن لم نكن على علم مسبق، بإعلان وفاة الأب في نشرة الأخبار قبيل نهاية الفيلم. الفيلم ناطق بالفرنسية ربما لأغراض تسويقية، لكن كان من الممكن أن يكون أكثر قرباً من حياة الشخصيات الواقعية لو تم تصويره بالعربية.

DENTRO ★★★

إخراج:‫ إلسا أميل‬

إيطاليا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

خيال السجين يطلقه خارج القضبان

تقع أحداث هذا الفيلم داخل سجن في مقاطعة توسكاني الجميلة، وهو عن مخرج وكاتب مسرحي اسمه أرمانو بونزو يعيش مع سواه في ذلك السجن، وينجز معهم مسرحيات تُقدم فيه. يوحي الفيلم أن بونزو دخل السجن لهذه الغاية طواعية، لكنه لا يتوقف كثيراً عند شرح هذه الخلفية.

من «دنترو» (ڤيزيون دو ريل)

يتحدث بونزو إلى الممثلين عن ضرورة استخدام الخيال كوسيلة لممارسة الحرية، إذ يمكن للسجين من خلاله الخروج من السجن ذهنياً، عبر قراءة النص المسرحي وفهمه. وقد يحتاج بعض السجناء إلى تدريبات ذهنية لتحقيق هذا الهدف، لكنَّ كثيرين منهم ينجحون في فهم الدلالات ويجدون في توجيهاته ملاذاً وقوة نفسية. في الوقت نفسه، تركز المخرجة على جهد بونزو لتحريك الثابت وتغيير الواقع قدر المستطاع، ونراه يتحدث إلى نفسه بصوت عالٍ، يكتب ويفكر ويمارس ما كان يمكنه القيام به خارج السجن طوال الوقت.

FROM DAWN TO DAWN

★★★

إخراج:‫ كجيسي صوفيا يا تشن‬

إسبانيا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

الفيلم الفائز بذهبية «ڤيزيون دو ريل»

لا تسعى المخرجة يا تشن إلى تقديم نظرة تعاطفية أو توجيه نقد لأي طرف في عرضها لمصير الجيل الثاني من المهاجرين الصينيين في مدينة برشلونة.

«من فجر لفجر» (ڤيزيون دو ريل)

ما تقدمه هو سرد عن شقيقها، أ. ون، الذي كان يطمح لتحقيق حلمه في العيش في خطر. وفق ما تكشفه المخرجة، كان شقيقها معجباً بحياة أفراد العصابات وانضم إلى واحدة منها، ولاحقاً أدار نادي قمار غير مرخّص في شقة تحت الأرض، ثم دخل السجن. وبعد أن أنهى مدة عقوبته، افتتح مطعماً.

التوليف عدو أسلوب المخرجة؛ فهي تريد منح شخصية شقيقها وكل شخصية الوقت الكافي لتقديم نفسها، حتى على حساب إيقاع الفيلم ووحدته.

الشخصيات تتراوح بين جيلين: المهاجرون الأوائل والجدد. المشاهد تتضمن حوارات مطوّلة، لكنها تعكس رغبة المخرجة في التعريف بكل شخصية ومشاعرها، مع الحفاظ على موقف حيادي ناعم وعاطفي. ومع ذلك، كان بالإمكان تحسين العمل عبر ممارسة قدر أكبر من التحكم الفني.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز