محمد حمَّاد لـ«الشرق الأوسط»: في «خروج آمن» أطرح قضايا وأسئلة لا أجوبة عليها

العمل عُرض في مهرجان «برلين»

لقطة من «خروج آمن» (ماد سوليوشن)
لقطة من «خروج آمن» (ماد سوليوشن)
TT

محمد حمَّاد لـ«الشرق الأوسط»: في «خروج آمن» أطرح قضايا وأسئلة لا أجوبة عليها

لقطة من «خروج آمن» (ماد سوليوشن)
لقطة من «خروج آمن» (ماد سوليوشن)

بعد 10 سنوات على تحقيقه فيلمه الأول «أخضر يابس»، يعود المخرج محمد حمَّاد ومنتجته خلود سعد للعمل معاً في فيلم آخر بعنوان «خروج آمن»، عُرض في «مهرجان برلين» حيث أُجريت هذه المقابلة. الفيلم عن شاب تسكنه مخاوف من الآخرين، وحيد في عالم متشابك. لكن هذا ليس سوى جزء مما يشيّده المخرج، وواحد من أهداف فيلم درامي يسعى إلى تقديم نماذج واقعية لشخصيات من السهل التعرّف إليها درامياً وعلى صعيد وجداني أيضاً.

إنجاز مستقل

* بوصفك منتجة هل دخلت هذا المشروع من دون تمويل مسبق؟

- خلود: صحيح. لم نُقدم على طلب أي دعم من أي طرف قبل انتهاء التصوير والحصول على نسخة أولى من الفيلم صالحة للعرض. بعد ذلك تقدَّمنا بالفيلم إلى مؤسسات الدوحة و«آفاق» و«أطلس». هذا، بالمناسبة عكس ما قمنا به في الفيلم السابق «أخضر يابس» إذ حققناه بمعزل عن أي تمويل خارجي.

محمد حمّاد (أرشيف المخرج)

* كيف وصل هذا المشروع إليك؟

- خلود: عملتُ مع حمّاد عليه منذ البداية. بعد فيلمنا الأول كتب حمّاد فيلماً آخر لم يُحقق، ثم كتب هذا الفيلم. خلال هذه المدّة تناقشنا كثيراً، وكنا متفقين على أهمية الموضوع المطروح والخطوات التي اعتمدناها لتحقيقه.

* قرأت اسم المنتجة التونسية درة بو شوشة والمخرج المصري إبراهيم البطوط. كيف كان التعامل معهما؟

- خلود: درّة بو شوشة شاركت منذ البداية وساعدتنا كثيراً. أما إبراهيم البطوط فكان إضافة رائعة إلى المشروع. شخصية ملائكية وخلاّقة.

ثلاث طبقات

* بالنسبة إليك مخرجاً، لفتني التشكيل البصري للمشاهد، خصوصاً من حيث التأطير والزوايا والأحجام. هل كان ذلك نتيجة تخطيط مسبق؟

- حمَّاد: ليس نتيجة تخطيط أساساً، بل تشكيلاً لكيف يمكن للمشهد أن يروي أكثر مما تستطيع اللقطة الواحدة توفيره بحد ذاتها. منذ البداية كنت أرغب في تحقيق فيلم ذي طبقات متعددة. هناك حالة اجتماعية لشاب قبطي يعمل رجل أمن في بناية ويسعى إلى كتابة رواية تعكس وضعه، وعنوان الرواية «أنا مين؟»، وهو عنوان استقاه من حياته. وهناك أيضاً الطرح السياسي، فوالد عصام قُتل في ليبيا في حادثة وقعت فعلاً وراح ضحيتها كثيرٌ من المصريين الأقباط. ثم هناك الجانب الوجودي من خلال أسئلة يطرحها الشاب على نفسه، ومن خلال علاقة إنسانية مع فاطمة التي تماثله في وضعها الاجتماعي.

مروان وليد ونهى فؤاد في لقطة (ماد سوليوشن)

* هناك لحظات يبدو فيها الفيلم كما لو كان متجهاً إلى تشييد علاقة حب بين عصام وفاطمة، لكنك توقفت عند مفهوم وجداني لتلك العلاقة.

- حمّاد: صحيح. فاطمة شخصية ضرورية في الفيلم كحالة اجتماعية أخرى. عصام يفتقد الشعور بالأمان، وهي كذلك، إذ لا تملك أوراقاً شخصية ولا تأميناً صحياً. كلاهما شخصيتان تعيشان حالة اضطراب واحدة.

فيلم مستقل يعتمد على شخصيات واقعية وبناء بصري دقيق

مخاوف

* الفيلم مقسّم إلى 3 أجزاء: الأول «أبي قال لي»، والثاني «فاطمة قالت لي»، والثالث «عبد الله قال لي». لماذا؟

- حمّاد: أنا معجب بأشعار محمود درويش، ولديه قصيدة عنوانها «أبي قال لي ذات مرّة». طبعاً لا يذكر الجزء الثاني قولاً محدداً من فاطمة، لكنه نوع من الاستنتاج. كذلك لا يوجد في «عبد الله قال لي» أي شيء محدد. الفيلم اشتغال على حالات وجدانية لا تُقال بل تُشاهد.

* أحد المشاهد المهمة هو المشهد الذي يطلب فيه عصام مالاً من أم عبد الله. ويبدو الطلب صعباً عليه، لأن ابنها عبد الله ينتمي إلى جماعة إرهابية ويرمقه بنظرات عدائية.

- حمّاد: نعم. هذا نوع من المشاهد التي كانت تتطلّب تشكيلاً خاصاً. أم عبد الله وابنها يستغلان عصام. نراها في مشاهد سابقة تطلب منه شراء حاجياتها على الرغم من أن عمله حارس أمن فقط. ابنها يكرهه لأنه قبطي. كان عليَّ اختيار موضع الكاميرا والتشكيل العام لكي تحكي الصورة الدراما الموزعة بين هذه الشخصيات الثلاثة في المشهد الواحد.

* أعتقد أن ما يجمع بين فيلمك السابق «أخضر يابس» و«خروج آمن» هو أن بطلة الأول وبطل الثاني يبحثان عن هوية. هل توافق؟

- حمّاد: سمعان لا يبحث عن هويته. هو مدرك تماماً لوضعه. إنه شاب يعرف ما هو الخوف ويعرف أنه من الأقلية. يخاف من عبد الله، ثم لا يجد بداً من قتل هذا الخوف بالتخلّص من سببه. يتحوّل إلى قاتل.

* كيف اخترت ممثليك مروان وليد ونهى فؤاد، لدوري عصام وفاطمة؟

- حمّاد: مروان جاء من خلال «الكاستينغ». قابلت عدداً من المرشحين قبل التصوير، لكنه لفت اهتمامي لأنه قريب في الشكل من الشخصية التي كتبتها. المفارقة أنه جاء من وضع اجتماعي مريح. سألته: «سعر الطماطم كام؟» فوجئ بسؤالي. قلت له: «أريدك أن تعيش بمبلغ 100 جنيه في الأسبوع لمدة أسبوعين». كنت أريده أن يلتحم مع شخصية عصام وأن يعايشها فعلاً.

أما الممثلة نهى فؤاد فهي صديقة منذ سنوات عدة. كنت أعلم أنها تطمح إلى التمثيل، وكنت أعرف كذلك أنها موهوبة. كدت أن أختارها للدور الرئيسي في فيلمي السابق «أخضر يابس».

* الدور الذي لعبته هبة علي؟

- حمَّاد: نعم، لكنها كانت صغيرة على ذلك الدور.


مقالات ذات صلة

3 أفلام مصرية في قائمة العشرة «الأعلى إيراداً» بالسعودية

يوميات الشرق أحمد السقا وياسمين عبد العزيز بطلا «خلّي بالك من نفسك» (الشركة المنتجة)

3 أفلام مصرية في قائمة العشرة «الأعلى إيراداً» بالسعودية

حققت 3 أفلام مصرية إيرادات لافتة في شباك التذاكر السعودي، وحازت مراكز متقدمة ضمن قائمة العشرة «الأعلى إيراداً»في السينمات السعودية.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق عمد المخرج لتقديم المصارعين بصورة إنسانية في الفيلم (الشركة المنتجة)

ديرخوا كاسونزو: «المصارع» يستعيد سيرة بطل كاد يلتهمه النسيان

قال كاسونزو إن فيلمه الوثائقي «المصارع» (Catcher) ينطلق من هاجس أساسي يتعلق بالذاكرة، ومصير الأشخاص الذين صنعوا المجد في حياتهم ثم انتهوا إلى النسيان.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق يتّخذ مهرجان الباروك السينمائي الطبيعة حضناً والأفلام البيئية هويةً (الشرق الأوسط)

«مهرجان الباروك السينمائي»... الأفلام البيئية في الصدارة تظلِّلها أكبر غابة أَرز

انطلقت الدورة الأولى من «مهرجان الباروك السينمائي» بمبادرة شبابية، بهدف تشجيع صنّاع الأفلام على خوض السينما البيئية.

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون كريستوفر نولان

التفاحات التي ألقاها كريستوفر نولان في «الأوديسة»

لم يعد فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة» بْلَكْبسْتر فحسب، بل تحول وبسرعة إلى «سوشيال ميديا بلكبستر» باجتياحه الفضاء السيبراني، بهيمنته على وسائط التواصل الاجتماعي

د. مبارك الخالدي
ثقافة وفنون نبوءة جورج أورويل المخيفة

نبوءة جورج أورويل المخيفة

السيطرة على البشر وتوجيههم عن طريق التحكم في الخلايا العصبية والشرائح الذكية نبوءة رأيناها تتحقق في أفلام الخيال العلمي، بل قرأنا عنها في أدب وأفلام الديستوبيا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مهرجان «لوكارنو» يُحاكم هوليوود وسنوات المكارثية

 «أغنية روسيا» (م ج م)
«أغنية روسيا» (م ج م)
TT

مهرجان «لوكارنو» يُحاكم هوليوود وسنوات المكارثية

 «أغنية روسيا» (م ج م)
«أغنية روسيا» (م ج م)

من بين المظاهرات والأقسام التي يحشدها «مهرجان لوكارنو» في دورته الـ79، التي انطلقت في 5 من الشهر الحالي، وتستمر حتى 15 منه، استعادة لأفلام أنجزها سينمائيون أميركيون خلال الأربعينات والخمسينات، في ظل الحملة التي قادتها «لجنة مجلس النواب للتحقيق في النشاطات غير الأميركية» (HUAC) ضد مَن اشتبهت في انتمائهم إلى الحزب الشيوعي أو تعاطفهم معه.

هذه الأفلام كانت سبباً في تقديم أصحابها إلى المحكمة التي كانت تنظر في خلفيات السينمائيين السياسية لتصدر أحكامها عليهم.

من بين هؤلاء؛ دلمر دايفز، وإدوارد دميتريك، وتشارلي تشابلن، وروبرت روسن، وفرد زينمان، وإيليا كازان.

«مرمى نيران» (آر كي أو بكتشرز)

إفشاء معلومات

اختار المهرجان عدداً كبيراً من الأفلام لهذه الاستعادة، وهي موجهة، بالضرورة، إلى جيل ربما سمع عن تلك الفترة من تاريخ هوليوود، لكنه لم يشاهد غير القليل من أفلامها.

بعض الأعمال التي أُدرجت في خانة الأفلام المعادية لأميركا، أو تعرَّض أصحابها للتحقيق، تثير التساؤل حول مبررات نقمة اليمين عليها. من بينها «متسلل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكلارنس براون (1949)؛ يُثير التساؤل ليس فقط لأنه من تأليف الأديب ويليام فولكنر، بل لأن الموضوع الذي أثاره الفيلم منح بطولة مواقف متوازية بين المحامي الأبيض (أداه ديفيد برايان) والمتهم الأسود (جوانو هرنانديز) الذي لم يرتكب جريمة القتل التي أسندت إليه. في النهاية هو تأكيد على موقف ناصع للمحامي أدّى إلى تبرئة متهم أسود في أجواء الأربعينات العنصرية.

ومن أهم الأفلام المرتبطة بالقائمة السوداء «مرمى نيران» (Crossfire)، الذي أخرجه إدوارد دميتريك عام 1947. يتخذ الفيلم موقفاً مناهضاً للعنصرية من خلال حكاية بوليسية تدور حول مقتل مجنَّد يهودي؛ تقع الشبهة في البداية على جندي آخر اسمه مونتغمري (روبرت رايان)، والدافع معاداة السامية. أُنجز الفيلم وعُرض عام 1947، وعندما طلبت اللجنة المكارثية من مخرجه ومنتجه أدريان سكوت المثول أمامها بتهمة نقد النظام وتصوير أحد أفراد الجيش الأميركي قاتلاً. لكنهما رفضا المثول، ما حدا بمنعهما عن العمل. دخل دميتريك السجن إلى أن وافق على الإدلاء بشهادة اعتراف بأنه انتمى إلى الحزب الشيوعي، وعندما سألته اللجنة إفشاء أسماء سينمائيين آخرين كانوا في الحزب لم يتأخر عن الإدلاء بمعلوماته، ومن بين من ذكرهم منتج الفيلم؛ أدريان سكوت الذي كان «مرمى نيران» آخر أعماله.

جون غارفيلد: «ركض كل الطريق» (يونايتد آرتستس).

في عام 1947، أخضعت اللجنة عدداً من الأفلام الحربية للفحص بحثاً عن ميولها السياسية، وكان من بينها «النجم الشمالي» (The North Star) للويس مايلستون، الشهير بفيلمه المناهض للحرب «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية» (All Quiet on the Western Front)، و«مهمة إلى موسكو» (Mission to Moscow) لمايكل كورتيز، و«أغنية روسيا» (Song of Russia) لغريغوري راتوف.

كانت هذه الأفلام، في معظمها، نتاج مرحلة عُدّ فيها الاتحاد السوفياتي حليفاً للولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية. حتى «أغنية روسيا» كان في ظاهره فيلماً عاطفياً عن أميركي، أدّاه روبرت تايلور، يقع في حب عازفة بيانو روسية، أدّتها سوزان بيترز. وتم، حسب شهادة رئيس «وورنر برذرز»، بطلب من البيت الأبيض.

ومن الأفلام الأخرى المرتبطة بتلك المرحلة «ركض طوال الطريق» (He Ran All the Way) لجون بيري عام 1951. وهو حكاية بوليسية من بطولة جون غارفيلد، الذي خضع للتحقيق أمام اللجنة في 23 أبريل (نيسان) 1951، وكان هذا الفيلم آخر أعماله.

ومن أشهر القضايا في هذا المضمار تلك التي أحاطت بالمخرج إيليا كازان، الذي اعترف بأنه كان عضواً في الحزب الشيوعي لعامين، بين 1934 و1936. وفي عام 1952، أدلى بشهادة أمام اللجنة، ذكر فيها أسماء عدد من زملائه السابقين، الذين قال إنهم كانوا أعضاء في الحزب.

تكشف أفلام الاستعادة كيف تحوَّلت الشبهات السياسية في سنوات المكارثية إلى أحكام أغلقت أبواب هوليوود أمام عدد كبير من صنّاعها

بعد ذلك، اشترى كازان مساحة إعلانية في صحيفة «نيويورك تايمز» برّر فيها قراره، ودعا آخرين إلى اتخاذ موقف مماثل. لكن إفشاءه أسماء زملائه أدى إلى مقاطعته من جانب عدد من أصدقائه والعاملين في المهنة.

وحسب حديث للمخرج أورسن ويلز عام 1982، اتهم كازان بالتضحية برفاقه، قال: «باع نفسه للمكارثية مجاناً، لم يسأله أحد أن يقحم نفسه بهذه الطريقة. لم ينجز فيلماً اعتُبر معادياً لأميركا. إنه خائن».

من المجدي هنا ذكر أن أورسون وَيلز اضطر خلال مطلع الخمسينات إلى مغادرة الولايات المتحدة تفادياً لطلب شهادته. كذلك فعل تشارلي تشابلن والمخرجين جوزيف لوزاي وجول داسين وساي إندفيلد.

أما تشارلي تشابلن فكان قد غادر الولايات المتحدة على متن باخرة متوجهاً إلى لندن عام 1952، لحضور العرض الأول لفيلمه «أضواء المسرح» (Limelight)، عندما ألغت السلطات الأميركية تصريح إعادة دخوله، وهو في البحر. فاختار عدم العودة، واستقر مع عائلته في سويسرا، مؤكداً أنه لم يكن عضواً في الحزب الشيوعي، على الرغم من أن عدداً من أفلامه، وفي مقدمها «أزمنة حديثة» (Modern Times)، عُدّ يساري التوجه وناقداً للرأسمالية.

ويعرض «مهرجان لوكارنو» عشرات الأفلام الأخرى، تتوزع بين الروائي والوثائقي، لمخرجين وكتّاب وفنانين ارتبطت أعمالهم بتلك الحقبة، من أمثال أورسن ويلز، وديفيد هلبورن، وفرد زينمان، وكليفورد أوديتس، وإلمر كليفتون، وهربرت بيبرمان، وغيرهم.


شاشة الناقد: فيلمان عن البطولة... أحدهما واقعي والآخر في منتهى الخيال

«تشي غيفارا: الرفاق الآخرون» (بنتاكل برودكشنز)
«تشي غيفارا: الرفاق الآخرون» (بنتاكل برودكشنز)
TT

شاشة الناقد: فيلمان عن البطولة... أحدهما واقعي والآخر في منتهى الخيال

«تشي غيفارا: الرفاق الآخرون» (بنتاكل برودكشنز)
«تشي غيفارا: الرفاق الآخرون» (بنتاكل برودكشنز)

CHE GUEVARA‪:‬ THE LAST COMPANIONS ★★★★★

• إخراج: كريستوف ديمتري ريفاي

• فرنسا (2026)/ وثائقي

ينطلق هذا الفيلم للعرض في باريس الشهر المقبل، وهو مُبرمج بعد ذلك لعروض أوروبية متعددة مباشرة. إذا ما رضينا بكلمة واحدة بشأن ما إذا كان يستحق المشاهدة أم لا، فالجواب الموجز: بكل تأكيد.

يحمل الفيلم عنوان «تشي غيفارا: الرفاق الآخرون»، لكنه لا يدور أساساً عن تشي غيفارا الذي أُعدم يوم 1 أبريل (نيسان) سنة 1961 في بوليفيا. ليس عن مبادئه الثورية، ولا عن أسطورته بوصفه قائد حركة عسكرية مناوئة لليمين، ولا حتى عن إرثه، رغم أن كل ذلك يرد تلقائياً في هذا الفيلم. ما يعرضه المخرج كريستوف ديمتري ريفاي، بعد 22 سنة من البحث والتجميع والتصوير ثم استكمال الفيلم هذا العام، هو رفاق السلاح الستّة الذين أكملوا طريقهم من بعده.

استكمال الطريق لم يكن بدوره مجرد حَمل أفكار غيفارا والدفاع عنها، بل محاولة الإفلات من الجيش البوليفي (وبعده الإكوادوري وسواه) طيلة 5 أشهر، قطعوا خلالها 3800 كيلومتر، معظمها سيراً على الأقدام، متنقلين بين سفوحِ جبالٍ وسهول ووديان وقرى، ودائماً تحت خطر إلقاء القبض عليهم أو قتلهم في معارك على أيدي جنود يفوقونهم عدداً بأضعاف. كيف استطاع هؤلاء الستة النجاة من الكمائن؟ فوصول معظمهم إلى كوبا بعد 5 أشهر من المطاردات، بحماية فرنسية (بأمر من الجنرال شارل ديغول)، هو إنجاز يقترب من الخيال.

في الواقع، لو أن القرار كان صنع فيلم روائي عن هؤلاء بدلاً من تحقيق فيلم وثائقي، لبدا الأمر خيالياً وغير قابل للتصديق. لكن الفيلم يؤكد، على لسان الناجين من رفاق غيفارا، ما حدث، في مقابلات أجراها المخرج معهم خلال فترة إعداده الفيلم، ومن خلال شهادات جنرالات ومسؤولين معادين لهم في بوليفيا وغيرها. مجموع ما يُدلي به هؤلاء لا يشكل وثيقة تاريخية كانت غائبة عن التداول فقط، بل استعادة لتاريخ شامل كان بمعظمه غائباً عن التداول ومنسياً طيلة تلك العقود.

لسد ثغرةِ ما لا يستطيع الفيلم تصويره حيّاً من المشاهد، أو ما لم يستطع الحصول عليه من وثائق مصوّرة، عمد المخرج إلى الاستعانة برسوم لشرح مواقع وأماكن وسبل هرب أو مواجهات. التكامل بين التصوير الفعلي والرسوم منجَز بدقّة؛ مما يُفيد في توجيه الفيلم صوب ما ينشده من توفير معلومات وحقائق، من دون التحوّل إلى بروباغاندا. يجري هذا عبر الاستماع إلى الشهادات والتعليق الصوتي الهادئ. يقترب المخرج من كل الأطراف (من بينها شهادات لعملاء من «سي آي إيه») مسافة واحدة، تاركاً للمُشاهد تأسيس مسافته الخاصّة. لكنه، في الوقت نفسه، يودِع البالَ وقائع لم يكشف عنها فيلم من قبل، على تعدد ما خرج من محاولات روائية وغير روائية سابقاً.

في مجمله، هو حديث عمّن أهملهم التاريخ، وما دفعوه في مقابل ما آمنوا به وعاشوا له.

SPIDER‪-‬MAN‪:‬ A BRAND NEW DAY ★★︎

• إخراج: ديستِن دانيال كريتون

• الولايات المتحدة (2026)

«مع القوّة العظمى تأتي المسؤوليات العظمى»، تقول عمّة «سبايدر-مان» في أحد المشاهد. إنها حكمة دون شك، لكنها ليست من ابتداع الفيلم، بل جرى تداولها في أفلام أخرى، من بينها الفيلم السابق من السلسلة (2021)، في مشهد جمع بين توم هولاند في دور «سبايدر-مان» وعمّته (ماريسا تومي). هذا لأن الفيلم الجديد مكوّن من مشاهد عدة سابقة تجمع بين هذا البطل وشخصيات أخرى. «سبايدر-مان: يوم جديد» لا يتأخر عن العودة إلى الماضي، عوض بناء حكاية جديدة تفي، على الأقل، بأننا نشهد يوماً جديداً بالفعل.

«سبايدر-مان: يوم جديد» (كولومبيا بيكتشرز)

إنه الفيلم التاسع من السلسلة التي شهدت قدراً ملحوظاً من اللعب على العواطف. منذ البداية، بيتر باركر، الذي يتمتع بقدرات خارقة تحوّله إلى رجل عنكبوتي يستخدم الخيوط اللزجة في طيرانه فوق مدينة نيويورك، يحب زميلته في الدراسة ولا يستطيع الكشف عن حقيقته. يفكّر في التخلي عن بطولاته، لكنه لا يقدر. إلى ذلك، هو الشخص الحائر بين هويّتين، كل منهما تنافس الأخرى على الاستحواذ عليه.

تلعب العاطفة دوراً أكبر من المعتاد بقليل. ما عاد باركر شخصية مراهقة واقعة في حب رومانسي، أو تعرف إلى أي فصيل من المخلوقات تفضّل أن تنتمي: السوبرمانية أم تلك العادية القدرات التي تشبهنا؟ وهل يضع عاطفته في زجاجة أم يواصل تعلّقه بالفتاة التي أحبها منذ سنوات؟ يكتشف، عندما يلتقيها وصديقَ الأمس ند (جاكوب باتالون)، أنهما لا يعرفانه بسبب تعرّضهما لحالة غامضة جعلتهما ينسيانه تماماً. في الوقت نفسه، عليه أن يهتم بنفسه ليدرأ عنها أخطاراً أخرى، فكما هي الحال مع كل الأبطال الخارقين، هناك أعداء لدودون يتمتعون بقوى مماثلة، أو أكبر من قواهم، ولو إلى حين.

هناك قدر كبير من الاستعادات التي تؤخر سرد ما يُفترض أنها حكاية جديدة. في الواقع، لا يفي العنوان بيوم جديد بقدر ما يعبّر عن يوم مُستطرَد. كتابته الموزّعة بين المؤثرات والدراميات المبثوثة وسطها لا تخلو من الفوضى في السرد. كذلك يبدو البوليس الأميركي وقد ترك مهامه لـ«سبايدر-مان»، الذي سرعان ما نراه يفشل في إحدى مهامه. المخرج ماهر في توضيب المؤثرات والإشراف عليها، لكن هذا أفضل ما يمكن الخروج به من هذا الفيلم.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«الأوديسة» يحيي أفلام العصر الذهبي للسينما التاريخية

«هيلين الطروادية» (وورنر برذرز)
«هيلين الطروادية» (وورنر برذرز)
TT

«الأوديسة» يحيي أفلام العصر الذهبي للسينما التاريخية

«هيلين الطروادية» (وورنر برذرز)
«هيلين الطروادية» (وورنر برذرز)

يُحسب لفيلم كريستوفر نولان «الأوديسة» أنه يحيي، بنجاحه، عصراً من الأفلام الملحمية التاريخية التي شهدت ذروتها الإنتاجية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. يضع أمام مشاهدي اليوم نوعاً من الأفلام التي لم نعد نراها إلا لُماماً، وغالباً في أفلام ريدلي سكوت التاريخية مثل «غلادياتور» (2000)، و«مملكة السماء» (2005)، وصولاً إلى «نابليون» (2023)، و«غلادياتور 2» (2024)

لكن أفلام الملاحم التاريخية، خصوصاً تلك التي تقع أحداثها في حوض البحر المتوسط حيث حضارات الفراعنة والإغريق والرومان، ليست فقط الأقرب إلى ما وفَّره نولان، بل أيضاً النوع الذي تطلّب دائماً تضافر عناصر العمل من تصاميم إنتاجية وديكورات وملابس وكومبارس، وتنفيذاً يتبع تفاصيل التاريخ التقنية الأخرى، متوسّماً استقبال الأجيال لعالم مرّت على أحداثه نحو 3000 سنة.

إليزابيث تايلور في «كليوباترا» (تونتييث سنتشري فوكس)

نجاح طفيف

تلك السينما كانت تُسمى بـ«أفلام السيف والصندال»، حيث السيف في اليد والأحذية عبارة عن صنادل مما توفر صنعها. لكن المضمون كان دوماً الصراع بين الأفراد وبين الجيوش والإمبراطوريات. رحى تلك الصراعات كانت تدور داخل القلاع والقصور، كما في الأراضي المفتوحة، امتداداً لشواطئ البحر الأبيض المتوسط.

في عام 1953 باشر المخرج جوزيف مانكيفيتز تحقيق نسخة ويليام شكسبير من «يوليوس قيصر» (Julius Caesar). لم يكن مانكيفيتز السينمائي الأميركي الوحيد الذي كان يرغب في تقديم الرواية في فيلم تاريخي، بل سبقه في الهدف المخرج أورسن ويلز. دعم شركة «مترو غولدوين ماير» لفيلم مانكيفيتز وضع حداً لطموح ويلز، الذي انصرف لاحقاً صوب أعمال شكسبيرية أخرى.

في العام التالي فرك المخرج مايكل كورتيز (الشهير بفيلمه الأسبق «كازابلانكا») يديه فرحاً عندما اختارته «تونتييث سنتشري فوكس» لتحقيق «المصري»، الذي يستهل أحداثه بمشهد يذكّر بقصة النبي موسى. مارلون براندو وافق على بطولته، لكنه تراجع عن ذلك، وعزا الأمر إلى أنه كان بحاجة إلى معالجة طبية. ولاحقاً اعترف بأنه لم يكن راضياً عن بعض المشاركين في البطولة إلى جانبه. حل فيكتور ماتيور، بأسلوبه الأدائي المختلف 180 درجة عن أسلوب براندو، في البطولة.

كريستوفر بلامر يتوسط محاربيه في «سقوط الإمبراطورية الرومانية» (باراماونت)

حكاية بالغة التكلفة

لم ينجز هذا الفيلم سوى نجاح طفيف، لكن ذلك لم يوقف رغبة هوليوود في المزيد من الأفلام المشابهة. روبرت وايز حقَّق «هيلين الطروادية» (Helen of Troy) في عام 1956، الفيلم المقتبس عن «الإلياذة» لهوميروس. كانت «وورنر» قد اشترت الحقوق من المنتجين الإيطاليين كارلو بونتي ودينو دي لورينتيس، وأسندت البطولة إلى روزانا بوديستا وجاك سرناس والمسرحي سيدريك هاردويك. بريجيت باردو حققت ظهورها الأول على الشاشة.

هذا فيلم يحشد عناصر درامية لافتة، مع مشاهد جيدة التحضير والتنفيذ للمعارك والحشود الكبيرة. لكنه أضعف على صعيد الإلقاء، بسبب مشكلة تلقين ممثلين لا يجيدون الإنجليزية، مما يرفع من شأن أداء هاردويك ويميّزه منفرداً.

تلاه فيلم «كليوباترا»، الذي كاد أن يُطيح بشركة «فوكس» بسبب ارتفاع تكاليفه، إلى جانب مشكلات كبيرة أخرى.

هذا الفيلم «كليوباترا» الذي بدأ تحقيقه روبرت ماموليان وأكمله جوزيف مانكيفيتز، مع إليزابيث تايلور، وريتشارد بيرتون، وركس هاريسون في البطولة. ترنّحت الشركة تحت وطأة ميزانية الفيلم التي بلغت آنذاك 44 مليون دولار، ما يوازي 411 مليون دولار حالياً. لكن إلى جانب ذلك، تأخر تصوير الفيلم 3 سنوات (بدأ في 1960 وانتهى في 1963)، ونشبت خلافات، وانتهى الفيلم بإخفاق تجاري كبير.

يستوقفنا كذلك «الإسكندر العظيم» لروبرت روزن، مع ريتشارد بورتون، وكلير بلوم، الذي سبق نسخة أوليفر ستون «ألكسندر» بـ48 سنة. الحكاية هنا معروفة من أفلام سابقة ولاحقة، وتدور حول القائد الإغريقي الذي طمح إلى غزو العالم شرق وجنوب بلاده. صُوِّر في إسبانيا مع نحو 6 آلاف كومبارس.

هنا وظّف روزن نظام «سينما سكوب» بدراية، واستخدم العدد الكبير من المجاميع جيداً في مشاهد المعارك، لكن الدراما جاءت، كما في كثير من المحاولات الأخرى في هذا النوع من الأفلام، أقل تميزاً.

الأفلام الملحمية التاريخية التي بلغت ذروتها في خمسينات القرن الماضي وستيناته تعود إلى الواجهة

عودة نوعية

لم يمنع فشل «كليوباترا» من إنتاج ملاحم أخرى في الستينات، من بينها «فيدرا» لجول داسن (1960)، و«سبارتاكوس» لستانلي كوبريك (1960)، و«سقوط الإمبراطورية الرومانية» لأنطوني مان، وكل ذلك قبل أن تعود هوليوود إلى إنتاج هذا النوع من الأفلام، إنما بوتيرة متباعدة.

هذان الفيلمان الأخيران في هذا الاستعراض هما من بين أفضل ما حُقِّق من أعمال في هذا النوع من السينما. «سبارتاكوس» حشد لموضوع العبيد في ميادين القتال الرومانية والصرخة لإطلاقهم، مع أداء لافت من كيرك دوغلاس، والثاني سبر غور حياة البلاط الروماني في الفترة التي سبقت اندحاره.

كان أنطوني مان قد قرأ كتاب إدوارد غيبون، واتفق مع المنتج سامويل برونستون (عملا معاً في فيلم ملحمي سابق هو El Cid) على تحقيقه. دراما شاملة تتسم بجدية الطرح، كحال «سبارتاكوس».

هذا المنوال من الأفلام عاد إلى الحياة في عام 2000 عندما حقَّق ريدلي سكوت فيلم «غلادياتور»، ثم أتبعه بأفلام تاريخية عدَّة، من بينها «مملكة السماء»، و«نابليون»، و«غلادياتور 2». كلها تشهد بحب المخرج للتاريخ وللشاشة العريضة التي تستوعبه.