النجيفي لـ «الشرق الأوسط»: طهران تعمل على تأجيج الصراع العربي ـ الكردي

محافظ نينوى السابق يكشف عن الخطة الإيرانية للسيطرة على الموصل وأربيل ودهوك

محافظ نينوى السابق وقائد «الحشد الوطني» أثيل النجيفي («الشرق الأوسط»)
محافظ نينوى السابق وقائد «الحشد الوطني» أثيل النجيفي («الشرق الأوسط»)
TT

النجيفي لـ «الشرق الأوسط»: طهران تعمل على تأجيج الصراع العربي ـ الكردي

محافظ نينوى السابق وقائد «الحشد الوطني» أثيل النجيفي («الشرق الأوسط»)
محافظ نينوى السابق وقائد «الحشد الوطني» أثيل النجيفي («الشرق الأوسط»)

كشف قائد «الحشد الوطني» ومحافظ نينوى السابق، أثيل النجيفي، أن إصرار النظام الإيراني على الزج بميليشيات «الحشد الشعبي» في معركة تحرير الموصل تُبين الخطة الإيرانية للسيطرة على الموصل وأربيل ودهوك، وبالتالي إنهاء آخر القلاع الصامدة أمام المد الإيراني في العراق. محذرا في الوقت ذاته من محاولات طهران تأجيج الصراع العربي الكردي في المنطقة.
وقال قائد قوات «الحشد الوطني» من متطوعي محافظة نينوى، أثيل النجيفي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «هناك استعدادات لعملية تحرير الموصل المرتقبة، والقوات الموجودة في المنطقة كافية لتحرير المدينة من (داعش)، والتحالف الدولي موجود لتنسيق العمل بين القوات المشاركة في العملية»، وتساءل النجيفي: «لكن هل استكملت الخطة الحقيقية لتحرير الموصل؟ بحسب معلوماتي، حتى الآن ليست لكل هذه القوات الموجودة في المنطقة، ما عدا التحالف الدولي، خطة حقيقية لتحرير مدينة الموصل، وإنما خططها هي للاقتراب من مدينة الموصل، والتواجد في أطرافها، أما كيف سيُتعامل مع (داعش) داخل الموصل، فهذه القضية لا تزال تبدو غير واضحة حتى الآن».
ويعتبر النجيفي عدم وجود خطة حتى الآن من الأمور الجيدة لأهالي الموصل؛ لأن هذه الحالة، وبحسب رأيه، تعطي الفرصة للأهالي كي ينفذوا أمرا ما، يساعد في عملية التحرير، وبالتالي يجعل عملية تحرير المدينة من الداخل وليس من الخارج. مبينا بالقول: «العملية العسكرية لتحرير وسط الموصل ستنطلق خلال الخريف القادم».
وحدد النجيفي القوات المشاركة في عملية تحرير الموصل، بالجيش العراقي وقوات البيشمركة والحشد الوطني من متطوعي الموصل، وبعض الحشود العشائرية، إلى جانب قوات التحالف الدولي، مستبعدا في الوقت ذاته مشاركة ميليشيات الحشد الشعبي المدعومة من إيران والحكومة العراقية.
وأضاف النجيفي: «بالنسبة لميليشيات الحشد الشعبي، فلا يزال هناك جدل حول مشاركتها في معارك منطقة تلعفر، هذه الميليشيات تسعى للوصول إلى منطقتين، هما تلعفر وسهل نينوى، أكثر من سعيها إلى مدينة الموصل، وهذا الأمر لم يُحسم بعد من الناحية العملية، وليس من ناحية النوايا؛ لأن دخول ميليشيات الحشد إلى سهل نينوى يحتاج موافقة إقليم كردستان، وأعتقد أن مصلحة إقليم كردستان تتضارب مع وجود هذه الميليشيات في المنطقة، أما بالنسبة لموضوع دخولها إلى تلعفر، فيحتاج إلى تأمين الخط بين ناحية القيارة (جنوب الموصل) وتلعفر، وهذا أيضا ليس سهلا».
وجدد النجيفي رفضه وأهالي الموصل مشاركة ميليشيات الحشد الشعبي في معركة تحرير الموصل، وبين بالقول: «بالنسبة لنا نحن سكان محافظة نينوى، نرى أن ابتعاد هذه الميليشيات عن محافظتنا هو الأفضل؛ لأن هذه الميليشيات ستكون لها تدخلات في أوضاع المنطقة بعد عملية التحرير، وستعقّد المشهد، فالمنطقة أساسا فيها كثير من الصراعات، وإن لم تكن هناك عقلانية في حل هذه الصراعات، فدخول الميليشيات الشيعية فيها يعني إدخالها إلى مرحلة جديدة من الصراع ما بعد (داعش)».
وتابع النجيفي: «هناك قوى سياسية شيعية تريد من خلال مشاركة ميليشيات الحشد الشعبي أن تفرض أجندات سياسية لبناء وضع جديد لها في المنطقة، وهذا يدخل في إطار المحاولات الإيرانية للسيطرة على الطريق البري الواصل بين سوريا والعراق»، وأضاف النجيفي: «هناك إلحاح كبير وغير مبرر من قبل طهران لإشراك الميليشيات الشيعية في معركة الموصل، ونحن نرى أنه لا توجد حاجة عسكرية لمشاركة هذه الميليشيات، فقد لا تكون هناك معركة كبيرة في الموصل، ونتوقع أن يفر (داعش) منها قبل دخول القوات المحررة إليها، وأن أهل المدينة سيتمكنون من القضاء على من يتبقى من مسلحي التنظيم»، متسائلا: «إذن لماذا الزج بهذه الميليشيات في المعركة؟».
وكشف النجيفي أسباب الضغوطات الإيرانية لإشراك الميليشيات الشيعية في معركة الموصل، قائلاً: «محاولات إيران لزج الحشد الشعبي في المعركة تعود إلى كون الموصل آخر قلاع السنة في العراق التي لم تسيطر عليها إيران، وفي الوقت نفسه طهران لا تريد السيطرة على الموصل وحدها، بل ستتوسع بعد ذلك باتجاه أربيل ودهوك، فالموصل مجرد مرحلة للنظام الإيراني ليستكمل سيطرته في هذه المنطقة، وعليه أن يتوسع بهذا الاتجاه، ونرى الآن المشكلات الموجودة داخل الإقليم أيضا، والدور الإيراني واضح في تهييج المشكلات الداخلية في الإقليم، إذن فالموصل وإقليم كردستان هي القلاع الأخيرة التي إذا أنهتها طهران فستحكم سيطرتها على العراق».
وأزاح محافظ نينوى السابق، الستار عن محاولات الميليشيات الشيعية المستمرة للمشاركة في المعركة المرتقبة، وأوضح بالقول: «هناك وعود دولية بعدم السماح للميليشيات الشيعية بالمشاركة في معركة الموصل، الضمان الذي نطمئن إليه في عدم مشاركتها في معركة الموصل هو بعدها الجغرافي عن المحافظة، وأن (الحشد الشعبي) بحاجة إلى تأمين منطقة كبيرة قبل أن تصل إلى الموصل، لكن هذا لا يمنع أن تستغل هذه الميليشيات بعض المجموعات التابعة لها من أهل المنطقة، وهذا بالفعل ما تعمل عليه حاليا، من خلال التواصل مع بعض شيوخ العشائر غير المعروفين في المحافظة للدخول عن طريقهم إلى المدينة، والمشاركة في المعركة».
وطرح النجيفي، خلال حديثه، مشروع إنشاء إقليم نينوى لإدارة المحافظة في مرحلة ما بعد التنظيم، لتفادي المشكلات التي أشار إليها، وأوضح تفاصيل المشروع، قائلاً: «نحن نقدم مقترحا لحل هذه المشكلات كافة، ومقترحنا يحتاج إلى النقاش مع الآخرين، وأول جهة نحتاج إلى أن يكون لنا معها توافق ونقاش، إقليم كردستان، ولا نقصد كل إقليم كردستان، بل مع الحزب الديمقراطي الكردستاني (الذي يتزعمه رئيس الإقليم مسعود بارزاني)، الطرف الكردي المتنفذ في محافظة نينوى وصاحب الثقل الأكبر، وبالتالي لا بد من أن يكون هناك اتفاق ما بين الأطراف العربية القوية والطرف الكردي القوي، وهذا الاتفاق هو الذي يضع المظلة لكي تحتوي الآخرين. المقترح الذي نتقدم به هو أننا نحتاج إلى تشكيل إقليم نينوى الجغرافي في محافظة نينوى، كي نتفادى المركزية التي كانت تدار بها المحافظة قبل سقوطها بيد (داعش)، ونستطيع من خلالها أن نوزع هذه اللامركزية والصلاحيات على مناطق المحافظة»، لافتا إلى أن الإقليم المقترح يجب أن يُدار بإدارة لا مركزية مع بغداد، وبإدارة لا مركزية في داخله أيضا.
وكشف النجيفي عن تفاصيل أكثر من تفاصيل إنشاء إقليم نينوى، وقال: «يحتاج هذا الإقليم إلى إنشاء محافظات، وكل محافظة يجب أن تكون لديها سلطة لا مركزية في داخلها، حتى تستطيع أن تتعامل مع المشكلات التي تنتج بعد (داعش). إقليم نينوى سيتألف من 6 - 8 محافظات. وستحمي كل قوة من القوات الموجودة والتابعة للمكونات المختلفة في المحافظة مناطقها، مع وجود تدريب مشترك لجميعها، لكي يكون هناك رابط بين هذه القوات كي لا تذهب إلى الصراعات الداخلية، وإنما تستطيع أن تتعاون فيما بينها لمكافحة الإرهاب وفرض الأمن».
ويرى النجيفي أن مشروع إنشاء الإقليم الذي طرحه بحاجة إلى حسم بعض الموضوعات مع إقليم كردستان، أو على الأقل تأجيل حسمها، حسبما يصل إليه الاتفاق مع إقليم كردستان، وخصوصا فيما يتعلق بالمناطق المتنازع عليها وكيف ستنظم إدارتها في هذا الوضع، مستدركا بالقول: «هذه الأمور يجب أن نتفق عليها نحن أهالي محافظة نينوى مع إقليم كردستان وحدنا، فهذه المناطق النفوذ الأكبر فيها هو لإقليم كردستان، وسيكون النفوذ الكردي مشاركا في إدارة الإقليم».
وعما إذا كانت الأطراف العراقية والدولية قد رحبت بالمشروع أم عارضته، بين النجيفي: «عرضنا هذا المقترح على رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، ولم يعترض على تشكيل إقليم نينوى بعد تحرير المحافظة من (داعش)، كذلك وافقت بعض الأحزاب الشيعية على هذا المقترح، مع ضمانات لكيفية التعامل مع المكون الشيعي في تلعفر وسهل نينوى، في حين أن هذه الأحزاب ترفض إقامة الإقليم السني».
ومضى النجيفي بالقول: «طرحنا المشروع على بعض قيادات إقليم كردستان، وعلى الرغم من أننا لم نتلق منهم حتى الآن أي إجابة، فإن فكرة تشكيل الإقليم في محافظة نينوى مقبولة لديهم وهناك اتفاق عليها تقريبا، لكن الموضوعات المتعلقة بكيف ستكون أوضاع المناطق المتنازع عليها وكيفية إدارتها، هي التي لم تُحسم بعد، ونحن في محافظة نينوى لا نستطيع أن ندخل في نقاش ذي جدوى إلا بعد أن يكون لنا إقليم. كذلك قدمنا المشروع للولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، وهو لا يزال قيد الدراسة من قبلهم، أما تركيا فليس لديها مانع».
وعن المخاوف من مواجهة إقليم نينوى نفس ما يواجهه إقليم كردستان اليوم من مشكلات مع الحكومة الاتحادية في بغداد، أعرب النجيفي بالقول: «الوضع في نينوى يختلف عن إقليم كردستان، أولاً من ناحية الموارد هناك موارد داخلية لنينوى قد تكون أكثر من موارد إقليم كردستان، مثلا نينوى تعتمد على الزراعة وتضم هذه المحافظة 43 في المائة من الأراضي الزراعية في العراق، وبالتالي العمل والإنتاج الزراعي سيمكن أهالي نينوى من العيش حتى ولو لم تكن هناك روافد كثيرة تأتي من بغداد، فإلى جانب الزراعة لدينا كثير من حقول النفط وحقول الغاز والكبريت، ولدينا منتجات صناعية. بالتأكيد نحن نحتاج إلى أن يكون هناك حل للمشكلات من بغداد، وأن يكون هناك توزيع عادل للثروات، وشراكة حقيقية، حتى لا تتأخر هذه الشراكة وتكون هناك معوقات في تنفيذها. الموصل لديها قدرة اقتصادية ذاتية، لهذا نجد أن الحياة مستمرة في الموصل على الرغم من عزلها عن العالم من قبل (داعش) منذ أكثر من عامين، وحتى الآن لم يمت أي شخص داخل المدينة من الجوع، على الرغم من أن التنظيم لا يقدم لهم أي شيء».
وشدد النجيفي بالقول: «إقليم كردستان خرج بتجربة ناجحة بعد عام 2003، قد تكون التجربة الناجحة الوحيدة في العراق، وهذه التجربة بالإمكان أن تسوق عربيا داخل العراق بما يؤدي إلى تقوية العلاقات العربية الكردية، وإلى منع أي محاولة لإعادة الصراع العربي الكردي، الذي يسعى الجانب الإيراني إلى بثه في هذه الفترة».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.