رحيل مايكل شيمينو أحد أهم أعلام سينما السبعينات المضيئة

مخرج موهوب وأفلام باهرة ولغز غامض‬

شيمينو يرحل عن 77 عامًا وفي حسابه أفلام عرفت في السبعينات النجاح النقدي وأخرى تعثرت في طريقها
شيمينو يرحل عن 77 عامًا وفي حسابه أفلام عرفت في السبعينات النجاح النقدي وأخرى تعثرت في طريقها
TT

رحيل مايكل شيمينو أحد أهم أعلام سينما السبعينات المضيئة

شيمينو يرحل عن 77 عامًا وفي حسابه أفلام عرفت في السبعينات النجاح النقدي وأخرى تعثرت في طريقها
شيمينو يرحل عن 77 عامًا وفي حسابه أفلام عرفت في السبعينات النجاح النقدي وأخرى تعثرت في طريقها

اقتحمت شرطة لوس أنجليس بيت المخرج مايكل شيمينو (77 سنة) بعد ظهر يوم السبت الماضي لتجده جثّة هامدة. الأسباب الفعلية للموت لم تعلن بعد لكن الخبر حط مزعجًا لمن عرف المخرج وسينماه والقيمة الفنية التي احتلها أيام ما كان للمخرج كلمة عليا في تلك المدينة العارية، هوليوود.
هو صاحب أفلام عرفت في السبعينات النجاح النقدي ومنحته إطلالة مشابهة في تكوينها لتلك التي عرفها أترابه من أمثال فرنسيس فورد كوبولا ومارتن سكورسيزي. هو كذلك صاحب أفلام أخرى تعثرت في طريقها صوب ذلك النجاح فحمل وزرها لمعظم سنوات حياته إن لم يكن لكل تلك السنوات. فمن ناحية أنجز «صائد الغزلان»، سنة 1978، حضورًا كبيرًا على منصّة الأعمال الفنية الكبيرة حتى من قبل أن يحصد خمسة أوسكارات متعاقبة في العام التالي: أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل ممثل مساند (كريستوفر وولكن) وأفضل صوت وأفضل مونتاج.
كان ذلك ثاني فيلم له. الأول فيلم منسي رائع عنوانه «ثندربولت ولايتفوت» قبل أربع سنوات من «صائد الغزلان». لكن مباشرة بعد فيلم الأوسكار ذاك وقعت لشيمينو حادثة اسمها «بوابة الجنة»: فيلم ضخم أسيء له على نحو غير مفهوم آنذاك وبقيت آثاره السلبية عالقة بسمعة شيمينو لسنوات كثيرة بعد ذلك حتى وإن عاد إلى العمل لينجز أربعة أفلام بعد ذلك آخرها «مطارد الشمس» الذي عرضه مهرجان «كان» سنة 1996.
وُلد مايكل شيمينو في نيويورك سنة 1939. كان والده المنحدر من أصول إيطالية قد حثّه على دراسة الهندسة المعمارية، وهذا ما قام به شيمينو بالفعل وتخرج في جامعة يال، في نيويورك، سنة 1961 بشهادة في هذا المجال. لكن خلال دراسته تلك انقلب ليدرس فن تصميم المناظر الذي أدّى به إلى اكتشاف كم هو قريب من السينما أكثر مما هو قريب من أي مجال آخر.
بعد ذلك وجد نفسه مخرج إعلانات تلفزيونية. عندما عرف والده بأنه غير من وجهته لم يشأ أن يتحدث إليه وامتدت القطيعة بينهما لنحو عام أو أكثر. لكن في النهاية كسر نجاح شيمينو ثلج العلاقة وعادت المياه إلى مجاريها.
في عام 1971 انتقل شيمينو إلى هوليوود مقتنعًا بأن مستقبله يكمن فيها وليس في نيويورك. في العام ذاته كتب أول سيناريو تم تنفيذه وهو «ركض صامت» الذي تم إنتاجه في العام التالي بإدارة المخرج دوغلاس ترومبول.
لا أحد يذكر هذا الفيلم اليوم، لكن سيناريو شيمينو الثاني منحه وضعًا مختلفًا. ففي الوقت الذي دخل فيه تروموبل تصوير «ركض صامت»، انكب شيمينو لكتابة سيناريو فيلمه التالي الذي سمّاه «قوة الماغنوم». حكاية التحري هاري كالاهان (ايستوود) الذي يكتشف خلية بوليسية تقوم باغتيال من ينقذون من العقاب قانونيًا. ايستوود قرر إنتاج هذا الفيلم وأسند إخراجه إلى الجيد تد بوست.
قبول ايستوود تبني شيمينو كاتبًا منح الثاني ثقة إضافية فقدّم لايستوود مشروعًا ثانيًا وطلب منه أن يخرجه بنفسه. المشروع فيلم بوليسي آخر عنوانه «ثندربولت ولايتفوت». ايستوود، كما قال لي في مكتبه في استوديوهات وورنر بعد سنوات كثيرة، فكر في أن يمنح هذا الكاتب الشاب الفرصة التي يتمناها لكي يصبح مخرجًا.
الأبواب من هنا بدت مشرعة وكانت كذلك فعلاً، مما مكّن شيمينو من العمل برويّة على كتابة وإخراج فيلمه اللاحق «صائد الغزلان»: دراما قاسية وعنيفة (وسياسيًا على الجانب الأيمن من خط الوسط) حول الحرب الفيتنامية. فجأة تنادى بعض أفضل وجوه السينما الأميركية للظهور فيه: روبرت دينيرو، وميريل ستريب، وكريستوفر وولكن لجانب ممثلين لمعوا في تلك الفترة وفي المقدّمة جون سافاج وجون كازال.
أنتج شمينو هذا الفيلم بنفسه لحساب «يونيفرسال». المشهد الذي يجرّب فيه الضباط الفيتناميون لعبة «الروليت الروسية» بالمسدس المحشو برصاصة واحدة قد تنطلق وقد لا تنطلق حسب موقعها، من بين أقوى مشاهد الفيلم وبلغ من تأثيره أن أدّى إلى قيام أغبياء بتطبيقها وبعضهم قضى فعليًا بسببه.‬
واجه شيمينو منتقديه من دون أن يعتذر لا عن العنف البادي في ذلك المشهد، ولا عن طريقة تصويره للفيتناميين.
إثر «صائد الغزلان» أمضى شيمينو أكثر من عام يبحث عن موضوع فيلمه المقبل بين تلال المشاريع التي انصبّت عليه. ثم أمضى سنة يكتب فيها سيناريو الفيلم الذي أراده. بعد ذلك أمضى عامين إلا قليلاً في التحضير له وإخراجه ثم أسبوعين قبل أن يسدل الستار عن أحد أكبر أفلام تلك الحقبة فشلاً.
الفيلم كان «بوابة الجنة» (1984) وشيمينو في تلك الفترة كان أصبح من نجوم المخرجين أسوة بكوبولا وسكورسيزي وسبيلبرغ. لذلك لم يضرّه الانتظار ولا التحضير المسهب بعدما تقدّمت شركة «يونايتد أرتستس» إليه بفكرة تنفيذ فيلم حول واقعة فعلية جرت أحداثها في الغرب الأميركي سنة 1890 وعرفت بـ«حرب مقاطعة جونسون». وافق المخرج ومنحته الشركة كل تأييدها و10 ملايين دولار لتنفيذ الفيلم ارتفعت سريعًا إلى 20 مليون دولار حتى من قبل أن يبدأ التصوير.
ما كان يؤمل به أن يكون فيلم وسترن يحققه مخرج تأسس على دمج الفن بالعمل الضخم طريقة كوبولا، وهذا الفيلم يبدأ بحفل عرس كبير كما بدأ فيلم كوبولا «العراب» وتصل مدة عرضه إلى أكثر من ثلاث ساعات ونصف (النسخة الكاملة)، تبلور إلى كارثة تجارية تسببت فيها عدة عوامل مختلفة خلال التصوير وبعده.
شيمينو، حسب كل الروايات المتاحة، قام بإعادة تصوير عدة مشاهد مكلفة في الأساس ممارسًا بندًا في العقد يخوله أن يمتلك زمام الأمور كما يريد. ‬
الميزانية خلال ذلك تجاوزت أولاً ضعف المبلغ المحدد له فبلغت نحو 40 مليون دولار (مبلغ كبير جدًا في ذلك الحين) وحين حطّ الفيلم في الصالات التجارية سقط بشدّة. شمينو بنى قلعة كبيرة من العمل السينمائي ولم تبارح مكانها - هذا على الرغم من أن مهرجان «كان» فتح لها ذراعيه مرّتين.
شيمينو بعد هذا الفيلم ليس شيمينو قبله ومن حقه أن يكون شعر بالإهانة والاعتداء على ذاته الفنية. وغالبًا بسبب هذا الشعور نجد أن أعماله اللاحقة وإن حوت ملامح أكيدة من فنه كانت تعكس «شيمينو لايت» قياسًا بالفيلمين السابقين.
المنتج دينو ديلارونتيس مدّ يد العون لشيمينو بعد خمس سنوات من البطالة (كان اختير لتحقيق فيلم ميوزيكال بعنوان «قدم خفيفة» لحساب باراماونت لكن العرض سُحب منه خوفًا من التبعات وحققه التقليدي الأقل خيالاً هربرت روس). مشروع المنتج الإيطالي الذي تعامل مع هوليوود باتباع مدرسة إنتاجاتها الكبيرة كان «عام التنين»: ‫دراما بوليسية عنيفة حول ذلك التحري ذي الأصل البولندي «ميكي رورك»، وهو يجابه انتشار الجريمة المنظّمة في قلب مدينة سان فرانسيسكو حيث الجالية الصينية الكبيرة.
«عام التنين» (1985) عمل جيّد حاول فيه شيمينو استعادة مكانته، لكنه لم يعكس في فيلمه اللاحق «الصقلي» (1987) أكثر من سعيه للتنفيذ وحده. أفضل منه فيلم شيمينو ما قبل الأخير «ساعات يائسة» (1990) مع ميكي رورك: إعادة صنع لفيلم حققه ويليام وايلر سنة 1955 من بطولة همفري بوغارت. بعد ذلك فيلم واحد بقي في جعبة شيمينو أنجزه بعد ست سنوات من «ساعات يائسة» وهو «مطارد الشمس»: فيلم مغامرات من كتابة سواه، حققه بنصف قلب ونال عنه إعجابًا بنصف قلب أيضًا.
انعكف شيمينو بعد ذلك عن العمل (حقق جزءًا من فيلم جماعي الإخراج بعنوان «لكل سينماه الخاصة» سنة 2007) لكنه بقي في البال كأحد علامات السبعينات المضيئة. حقيقة دفعتني للاتصال به وترشيحه رئيسا للجنة تحكيم دورة 2007 من مهرجان دبي السينمائي. كان آنذاك بات شخصًا منسيًا لا يذكره أحد وعلى الهاتف سألني: «لماذا أنا؟ هل تعرفني؟» أكدت له أنني أعرفه وشاهدت كل أفلامه ومعجب بما حققه. بدا عليه الارتياح ووافق على رئاسة لجنة التحكيم كما لو كانت حبل نجاة من الغرق.
حين حط في مهرجان دبي، حرص على مقابلتي ليشكرني ثم اختفى داخل لجنة التحكيم التي ضمّت المخرجة الجزائرية جميلة صحراوي والمخرج البحريني بسام الذوادي والمخرجة الألمانية مرغريت فون تروتا والسينمائيين والنقاد رنزو روزيلليني، وبيير أبي صعب وميرال الطحاوي. عندها فقط أخذت الأنباء تصل عن إدارة سلطوية مارسها شيمينو على أعضاء لجنة التحكيم وتوجيهه دفة الجوائز إلى حيث أراد.
ومع أن الجوائز كانت في مواضعها الصحيحة (فاز بالجائزة الأولى حينها «تحت القصف» للبناني فيليب عرقتنجي، وبالفضية الفيلم التونسي «آخر فيلم» لنوري بوزيد)، إلا أن تجربة أعضاء لجنة التحكيم، كما تناهى لاحقًا، لم تكن من تلك التجارب السعيدة.
مرّة أخرى وأخيرة تواصلت فيها مع شيمينو بعد انتهاء دورة المهرجان تمنيت له فيها أن يعود للعمل. رد قائلاً: «لكني أعمل. لقد أنجزت روايتي الأولى قبل سنوات (قصد «جين الكبيرة» سنة 2001 وسأباشر الثانية قريبًا». لكنه لم يباشر رواية أخرى مطلقًا.
كان ذا شخصية محيّرة على الصعيد الشخصي. بدا صغيرًا في السن، لكنه كان أكبر مما بدا وهو بالتأكيد أحاط سنة ميلاده الحقيقية (1939) بالكتمان إلى أن تم كشفها. إلى ذلك، عاش كأحد أفضل المواهب السينمائية في أميركا وعومل كما لو لم يكن. في هذا الصدد قال: «أنا لست من أكون، أنا من لا أكون» ثم ضحك كمن ألقى للمستمع لغزًا.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».