الشر الجذري عند كانط

رغم طبيعته فإن سلوكه وأفعاله الأخلاقية ينطويان على الخير والشر معًا

الشر الجذري عند كانط
TT

الشر الجذري عند كانط

الشر الجذري عند كانط

«إنّ دينا يعلن الحرب على العقل سوف يصبح مع مرور الزمن غير قادر على الصمود أمامه»
كانط، «الدين في حدود مجرّد العقل»، تصدير الطبعة الأولى.
يتعلق الأمر في هذه المساهمة، بمفهوم فلسفي طرح على بساط البحث والتداول منذ الفلسفة اليونانية، وما يزال مطروحا على الفكر الفلسفي المعاصر، إن لم نقل أن سؤال الشر سيظل مطروحا، أخذا بعين الاعتبار، أن سياقات مقاربته تختلف. ونميز في الشر بين أربعة مستويات أساسية: الشر الطبيعي، الشر الميتافيزيقي، الشر الأخلاقي، الشر السياسي. وليس ثمة من حدود فاصلة في القول السياسي والأخلاقي والميتافيزيق والطبيعي للشر؛ ذلك أن معظم المساهمات الفلسفية، حاولت مقاربة هذا المفهوم باعتباره مبدأ يحكم الوجود عامة (الميتافيزيقا)، ويحضر بشكل قبلي أو بعدي في الطبيعة البشرية (الطبيعي)، ويتعلق بالسلوك والتعامل البشريين وما يقتضيه الواجب والحق (الأخلاقي)، ويتعارض وضرورة الاجتماع البشري المعاصر (السياسي)؛ بل ثمة تداخل بين كل هذه الأبعاد في كل مناقشة لسؤال الشر.
في كتابه «الدين في حدود مجرد العقل»، يعالج كانط أربع قضايا أساسية، وهي على التوالي، عناوين الأقسام الأربعة للكتاب:
1 - الشرّ الجذري في الطبيعة الإنسانية.
2 – صراع مبدأ الخير ضدّ مبدأ الشر من أجل السيطرة على الإنسان.
3 - إمكانية انتصار مبدأ الخير على مبدأ الشر، والأمل في أن يؤدّي إلى إقامة مملكة الرب على الأرض.
4 - التمييز في خدمة الله بين عبادة صحيحة وعبادة باطلة، أي بين الدّين والكهنوت.
ويذهب إلى أن الشر الأخلاقي، هو كل فعل يسبب في إلحاق الضرر بالغير، شريطة أن يكون ذلك الفعل متعارضا مع القوانين الأخلاقية. فالإنسان بطبيعته يحمل في ذاته ميلا نحو تغليب الأفعال اللاأخلاقية على الأفعال المنسجمة مع القانون الأخلاقي. ولكن الحل لا يكمن في تشبث الإنسان بحرفية القانون الأخلاقي، لأن ذلك أمر مستحيل، وعلى هذا الأساس، يبحث في الأقسام الأخرى إمكانية الأمل في بلوغ حالة مدنية قوامها السلوك الإنساني الخير، فالشر في التعريف الكانطي الدقيق: «هو الأساس الذاتي الأول لإمكانية النزوع نحو الشر»، أي ذلك الميل المتجذر في الطبيعة الإنسانية.
عمل كانط في مقالته حول الشر الجذري في الطبيعة البشرية، على بيان أن «الإنسان شرير بطبعه». ولكن ليس بالمعنى الذي يورده هوبز، أي أن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، وإنما لأنه يتضمن في طبيعته، ميلا نحو الشر. وهو شر جذري لأنه يفسد أساس كل القواعد الأخلاقية. وهو كوني ويتعلق بكل النوع البشري، ويمتد إلى المؤسسات الدينية. ولكن هذه الجذرية الكانطية، لا تعني أن الشر مطلق، ببساطة، لأنه لا يلغي إمكانية فعل الخير. فالإنسان من وجهة نظره، هو وحده من يتحمل مسؤولية أفعاله التي تتعارض مع القانون الأخلاقي. ولهذا أشرنا سلفا، إلى أن مجال الشر هو مجال الحرية، مجال الأفعال الحقيقية والواقعية كما يسميها كانط. إذن، كل أفعالنا اليومية التي توصف بأنها سيئة (شريرة) إنما هي نابعة من ميلنا إلى الغريزة وتغليب الدوافع الحسية على العقلية؛ وهذا ما فعله آدم أيضا في تعارض مع القانون - التشريع الإلهي؛ في تعارض مطلق مع القانون الأخلاقي. إلا أن الفارق بيننا وبين آدم، هو أن آدم انتقل بفعله المتعارض ذاك مع القانون الإلهي، من حالة البراءة إلى حالة الخطيئة، وهذا ما تعبر عنه حالة السقوط. أما نحن البشر، فإننا ننتقل بأفعالنا الشريرة من حالة الخطيئة الأولى إلى حالة ثانية للخطيئة وهكذا دواليك.
انكب كانط على إعادة بناء مضمون الروايات والتفسيرات التاريخية التي تقدمها النصوص الدينية، بمقتضيات العقل، وليس بتأويلات مجردة وأسطورية تحاول التأثير في الناس من دون أن تقدم بديلا لدوامة الخطيئة التي يتخبطون فيها. بحيث «لا يمكن أن يكون الشر قد نشأ إلا عن الشر الأخلاقي (لا عن الحدود البسيطة لطبيعتنا)، ومع ذلك فإن استعدادنا الأصيل (الأول) استعداد للخير (ولا أحد غير الإنسان نفسه هو الذي أفسد هذا الاستعداد، إذا كان ينبغي أن ينسب هذا الفساد إليه). ولهذا لا يوجد لدينا سبب مفهوم لمعرفة من أين جاءنا الشر الأخلاقي أول ما جاء». وستكون هذه الفكرة منطلق آرنت في نقد كانط ومحاولة تأصيل الشر من منظور سياسي جديد.
«الإنسان شرير بطبعه»: لا تعني هذه الصيغة شيئا آخر؛ في نظر كانط؛ غير أن الإنسان يعرف جيدا القانون الأخلاقي، ولكنه من حيث هو كائن حر يتصرف على نحو مخالف لذلك القانون، وهو التبرير الذي يعطيه كل فرد لممارسة أعمال سيئة تؤدي إلى الفظاعات. غير أن كانط هنا، لم يكن يعالج الشر كمعضلة سياسية كجرائم ترتكب في حق البشرية باسم القانون. صحيح أن عصره كان عصرا تبريريا من وجهة نظر دينية، حيث سلطة الكنيسة تستطيع تبرير كل الأفعال البشرية بمبررات دينية واهية، نابعة من تأويلات خاطئة للنص الديني. وقد حاول التأسيس لأطروحة أن الإنسان شرير بطبعه، من محاولة نقده لأطروحة الإنسان خير بطبعه. ولكنه يغض النظر عن أطروحة توماس هوبز، ولم يشر إليها حتى. فقد رد على روسو وكل الأخلاقيين الذين يعتبرون أن حالة الطبيعة هي حالة خير. فإذا كان هؤلاء الفلاسفة يبررون أطروحتهم بإحالتهم على الشعوب البدائية التي تعيش في ود وسلام، فإن كانط يستمد أمثلة من شعوب بدائية عاشت المأساة في عصره، بل حالات إبادة بدائية جدا لا تعود إلى قرارات سياسية أو إلى حروب دينية أو سياسية. فهؤلاء الناس مدفوعون بالطبيعة نحو الشر. غير أن التبرير الكانطي هنا يعود بنا إلى الأطروحة الفلسفية التي تعتبر أن الشر أمر غير معروف أو غير مفهوم، والتي نجدها عند لايبنيز Leibniz وعند شوبنهاور Schopenhauer.
يؤكد كانط أنه «من وجهة نظر أخلاقية، الإنسان هو إمّا خيّر أو شرّير، ومن الضروري أن يصبح كذلك بفضل إرادته الحرّة». فالإنسان يميل دوما نحو الخير، رغم أن طبيعته شريرة، فإن سلوكه وأفعاله الأخلاقية يحملان في ذاتهما الخير والشر معا. ما يعني أن السلوك البشري متناقض بطبعه، أي لا يمكن أن ننزع عنه المسؤولية الأخلاقية عن فعله ذاك فـ «كيف يمكن للإنسان ذي الميل الطبيعي الشرّير أن يصبح خيّرا من ذاته؟» يمكننا أن نحدس مسبقا، الإجابة: «هذا شيء يتخطى كل مفاهيمنا»! هذه العبارة الفلسفية هي ما جعل حنا آرنت، تنتفض في وجه كانط، وفي وجه طبيعة الأحكام التي تصدر عن الإنسان. فالحكم لا يمت صلة بالتفكير، لأن الحكم مرتبط بالمعاش بالأشياء المحيطة بالبشر، في حين أن التفكير، كما تؤكد ذلك، هو مجرد تمثل، هو استحضار لأشياء كصور ذهنية. ولا شيء يمكن أن يكون غير قابل للفهم.
فحتى الظواهر الميتافيزيقية تقبل التأمل ويقربها الفكر إلى الفهم، إلا إذا اعتبرنا أن الفهم ملكة متعالية ومحدودة. الشر فعل مرتبط بالوجود بالمعيش بالحياة اليومية.
هو فعل محايث لوجودنا ولا ينبغي أن نعده أمرا غير مفهوم. لذلك تقول آرنت: «موضوع التفكير هو دوما تمثل، بمعني شيء أو شخص غائب فعليا، ويتم استحضاره فقط في الفكر بفضل الخيال الذي يستحضره على شكل صورة».
«الأمل في نزع الشر: أو نحو حالة إثيقية مدنية»: على الرغم مما يظهر في تحليل مسألة الشر الجذري عند كانط من صعوبات، وأحيانا من انتقالات بين هذه الدروب وتلك، فإن كانط يسعى في كتابه «الدين في حدود مجرد العقل»، إلى عقد الأمل في ثورة دينية، إن لم نقل جذرية في الطبيعة البشرية، من أجل تخليص الإنسان من قلقه الوجودي ومن طبعه السيئ، ومن ميوله الدائمة ونزوعه نحو الشر والأفعال الشنيعة، إيمانا منه أن كونية الشر وانغراسه في الطبع الإنساني لا يعنيان أنه مطلق أو أنه قدر محتوم لا مفر منه. بل على العكس من ذلك، يمكن تجنبه بإصلاح أخلاقي للأفراد والجماعة معا، وبالسعي نحو دين واحد (...) شريطة الاقتداء بالعبادة الصحيحة بعد تطهير الدين من الترهات والخرافات التي تحيط به وتشوبه. فالإنسان الأمثل موجود في نظره، ويمكن الاقتداء به. وقد تعرض كانط إلى نقد لاذع بخصوص هذا الأمل المسيحاني، كما يرى جاك دريدا (الدين في عالمنا ص، 18)، ما يضعه هنا في تعارض تام مع أنواريته. وهو الأمر الذي يبرره شراحه وتلامذته بالتوبة الأخيرة، بعد أن تلقى صفعة من الملك وهو في مرحلة الشيخوخة، مخافة أن يكرر ولربما قصة سقراط.



70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.