الشر الجذري عند كانط

رغم طبيعته فإن سلوكه وأفعاله الأخلاقية ينطويان على الخير والشر معًا

الشر الجذري عند كانط
TT

الشر الجذري عند كانط

الشر الجذري عند كانط

«إنّ دينا يعلن الحرب على العقل سوف يصبح مع مرور الزمن غير قادر على الصمود أمامه»
كانط، «الدين في حدود مجرّد العقل»، تصدير الطبعة الأولى.
يتعلق الأمر في هذه المساهمة، بمفهوم فلسفي طرح على بساط البحث والتداول منذ الفلسفة اليونانية، وما يزال مطروحا على الفكر الفلسفي المعاصر، إن لم نقل أن سؤال الشر سيظل مطروحا، أخذا بعين الاعتبار، أن سياقات مقاربته تختلف. ونميز في الشر بين أربعة مستويات أساسية: الشر الطبيعي، الشر الميتافيزيقي، الشر الأخلاقي، الشر السياسي. وليس ثمة من حدود فاصلة في القول السياسي والأخلاقي والميتافيزيق والطبيعي للشر؛ ذلك أن معظم المساهمات الفلسفية، حاولت مقاربة هذا المفهوم باعتباره مبدأ يحكم الوجود عامة (الميتافيزيقا)، ويحضر بشكل قبلي أو بعدي في الطبيعة البشرية (الطبيعي)، ويتعلق بالسلوك والتعامل البشريين وما يقتضيه الواجب والحق (الأخلاقي)، ويتعارض وضرورة الاجتماع البشري المعاصر (السياسي)؛ بل ثمة تداخل بين كل هذه الأبعاد في كل مناقشة لسؤال الشر.
في كتابه «الدين في حدود مجرد العقل»، يعالج كانط أربع قضايا أساسية، وهي على التوالي، عناوين الأقسام الأربعة للكتاب:
1 - الشرّ الجذري في الطبيعة الإنسانية.
2 – صراع مبدأ الخير ضدّ مبدأ الشر من أجل السيطرة على الإنسان.
3 - إمكانية انتصار مبدأ الخير على مبدأ الشر، والأمل في أن يؤدّي إلى إقامة مملكة الرب على الأرض.
4 - التمييز في خدمة الله بين عبادة صحيحة وعبادة باطلة، أي بين الدّين والكهنوت.
ويذهب إلى أن الشر الأخلاقي، هو كل فعل يسبب في إلحاق الضرر بالغير، شريطة أن يكون ذلك الفعل متعارضا مع القوانين الأخلاقية. فالإنسان بطبيعته يحمل في ذاته ميلا نحو تغليب الأفعال اللاأخلاقية على الأفعال المنسجمة مع القانون الأخلاقي. ولكن الحل لا يكمن في تشبث الإنسان بحرفية القانون الأخلاقي، لأن ذلك أمر مستحيل، وعلى هذا الأساس، يبحث في الأقسام الأخرى إمكانية الأمل في بلوغ حالة مدنية قوامها السلوك الإنساني الخير، فالشر في التعريف الكانطي الدقيق: «هو الأساس الذاتي الأول لإمكانية النزوع نحو الشر»، أي ذلك الميل المتجذر في الطبيعة الإنسانية.
عمل كانط في مقالته حول الشر الجذري في الطبيعة البشرية، على بيان أن «الإنسان شرير بطبعه». ولكن ليس بالمعنى الذي يورده هوبز، أي أن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، وإنما لأنه يتضمن في طبيعته، ميلا نحو الشر. وهو شر جذري لأنه يفسد أساس كل القواعد الأخلاقية. وهو كوني ويتعلق بكل النوع البشري، ويمتد إلى المؤسسات الدينية. ولكن هذه الجذرية الكانطية، لا تعني أن الشر مطلق، ببساطة، لأنه لا يلغي إمكانية فعل الخير. فالإنسان من وجهة نظره، هو وحده من يتحمل مسؤولية أفعاله التي تتعارض مع القانون الأخلاقي. ولهذا أشرنا سلفا، إلى أن مجال الشر هو مجال الحرية، مجال الأفعال الحقيقية والواقعية كما يسميها كانط. إذن، كل أفعالنا اليومية التي توصف بأنها سيئة (شريرة) إنما هي نابعة من ميلنا إلى الغريزة وتغليب الدوافع الحسية على العقلية؛ وهذا ما فعله آدم أيضا في تعارض مع القانون - التشريع الإلهي؛ في تعارض مطلق مع القانون الأخلاقي. إلا أن الفارق بيننا وبين آدم، هو أن آدم انتقل بفعله المتعارض ذاك مع القانون الإلهي، من حالة البراءة إلى حالة الخطيئة، وهذا ما تعبر عنه حالة السقوط. أما نحن البشر، فإننا ننتقل بأفعالنا الشريرة من حالة الخطيئة الأولى إلى حالة ثانية للخطيئة وهكذا دواليك.
انكب كانط على إعادة بناء مضمون الروايات والتفسيرات التاريخية التي تقدمها النصوص الدينية، بمقتضيات العقل، وليس بتأويلات مجردة وأسطورية تحاول التأثير في الناس من دون أن تقدم بديلا لدوامة الخطيئة التي يتخبطون فيها. بحيث «لا يمكن أن يكون الشر قد نشأ إلا عن الشر الأخلاقي (لا عن الحدود البسيطة لطبيعتنا)، ومع ذلك فإن استعدادنا الأصيل (الأول) استعداد للخير (ولا أحد غير الإنسان نفسه هو الذي أفسد هذا الاستعداد، إذا كان ينبغي أن ينسب هذا الفساد إليه). ولهذا لا يوجد لدينا سبب مفهوم لمعرفة من أين جاءنا الشر الأخلاقي أول ما جاء». وستكون هذه الفكرة منطلق آرنت في نقد كانط ومحاولة تأصيل الشر من منظور سياسي جديد.
«الإنسان شرير بطبعه»: لا تعني هذه الصيغة شيئا آخر؛ في نظر كانط؛ غير أن الإنسان يعرف جيدا القانون الأخلاقي، ولكنه من حيث هو كائن حر يتصرف على نحو مخالف لذلك القانون، وهو التبرير الذي يعطيه كل فرد لممارسة أعمال سيئة تؤدي إلى الفظاعات. غير أن كانط هنا، لم يكن يعالج الشر كمعضلة سياسية كجرائم ترتكب في حق البشرية باسم القانون. صحيح أن عصره كان عصرا تبريريا من وجهة نظر دينية، حيث سلطة الكنيسة تستطيع تبرير كل الأفعال البشرية بمبررات دينية واهية، نابعة من تأويلات خاطئة للنص الديني. وقد حاول التأسيس لأطروحة أن الإنسان شرير بطبعه، من محاولة نقده لأطروحة الإنسان خير بطبعه. ولكنه يغض النظر عن أطروحة توماس هوبز، ولم يشر إليها حتى. فقد رد على روسو وكل الأخلاقيين الذين يعتبرون أن حالة الطبيعة هي حالة خير. فإذا كان هؤلاء الفلاسفة يبررون أطروحتهم بإحالتهم على الشعوب البدائية التي تعيش في ود وسلام، فإن كانط يستمد أمثلة من شعوب بدائية عاشت المأساة في عصره، بل حالات إبادة بدائية جدا لا تعود إلى قرارات سياسية أو إلى حروب دينية أو سياسية. فهؤلاء الناس مدفوعون بالطبيعة نحو الشر. غير أن التبرير الكانطي هنا يعود بنا إلى الأطروحة الفلسفية التي تعتبر أن الشر أمر غير معروف أو غير مفهوم، والتي نجدها عند لايبنيز Leibniz وعند شوبنهاور Schopenhauer.
يؤكد كانط أنه «من وجهة نظر أخلاقية، الإنسان هو إمّا خيّر أو شرّير، ومن الضروري أن يصبح كذلك بفضل إرادته الحرّة». فالإنسان يميل دوما نحو الخير، رغم أن طبيعته شريرة، فإن سلوكه وأفعاله الأخلاقية يحملان في ذاتهما الخير والشر معا. ما يعني أن السلوك البشري متناقض بطبعه، أي لا يمكن أن ننزع عنه المسؤولية الأخلاقية عن فعله ذاك فـ «كيف يمكن للإنسان ذي الميل الطبيعي الشرّير أن يصبح خيّرا من ذاته؟» يمكننا أن نحدس مسبقا، الإجابة: «هذا شيء يتخطى كل مفاهيمنا»! هذه العبارة الفلسفية هي ما جعل حنا آرنت، تنتفض في وجه كانط، وفي وجه طبيعة الأحكام التي تصدر عن الإنسان. فالحكم لا يمت صلة بالتفكير، لأن الحكم مرتبط بالمعاش بالأشياء المحيطة بالبشر، في حين أن التفكير، كما تؤكد ذلك، هو مجرد تمثل، هو استحضار لأشياء كصور ذهنية. ولا شيء يمكن أن يكون غير قابل للفهم.
فحتى الظواهر الميتافيزيقية تقبل التأمل ويقربها الفكر إلى الفهم، إلا إذا اعتبرنا أن الفهم ملكة متعالية ومحدودة. الشر فعل مرتبط بالوجود بالمعيش بالحياة اليومية.
هو فعل محايث لوجودنا ولا ينبغي أن نعده أمرا غير مفهوم. لذلك تقول آرنت: «موضوع التفكير هو دوما تمثل، بمعني شيء أو شخص غائب فعليا، ويتم استحضاره فقط في الفكر بفضل الخيال الذي يستحضره على شكل صورة».
«الأمل في نزع الشر: أو نحو حالة إثيقية مدنية»: على الرغم مما يظهر في تحليل مسألة الشر الجذري عند كانط من صعوبات، وأحيانا من انتقالات بين هذه الدروب وتلك، فإن كانط يسعى في كتابه «الدين في حدود مجرد العقل»، إلى عقد الأمل في ثورة دينية، إن لم نقل جذرية في الطبيعة البشرية، من أجل تخليص الإنسان من قلقه الوجودي ومن طبعه السيئ، ومن ميوله الدائمة ونزوعه نحو الشر والأفعال الشنيعة، إيمانا منه أن كونية الشر وانغراسه في الطبع الإنساني لا يعنيان أنه مطلق أو أنه قدر محتوم لا مفر منه. بل على العكس من ذلك، يمكن تجنبه بإصلاح أخلاقي للأفراد والجماعة معا، وبالسعي نحو دين واحد (...) شريطة الاقتداء بالعبادة الصحيحة بعد تطهير الدين من الترهات والخرافات التي تحيط به وتشوبه. فالإنسان الأمثل موجود في نظره، ويمكن الاقتداء به. وقد تعرض كانط إلى نقد لاذع بخصوص هذا الأمل المسيحاني، كما يرى جاك دريدا (الدين في عالمنا ص، 18)، ما يضعه هنا في تعارض تام مع أنواريته. وهو الأمر الذي يبرره شراحه وتلامذته بالتوبة الأخيرة، بعد أن تلقى صفعة من الملك وهو في مرحلة الشيخوخة، مخافة أن يكرر ولربما قصة سقراط.



تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس
TT

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس

«تاريخ العالم الحديث من 1950 إلى يومنا هذا» عنوان كبير لكتاب صادر في هذا العام من تأليف جيرمي بلاك (الناشر: أركتوروس، لندن).

(Jermy Black، A History of the Modern World: from 1950 to the Present Day (Arcturus Publishing Ltd، London، 2026

للوهلة الأولى يتساءل المرء: هل يمكن لكتاب واحد لا يتجاوز طوله 254 صفحة أن يلم بأحداث 76 عاماً كانت من أحفل الأعوام بأحداث جليلة شكلت تصوراتنا للحياة عقب الحرب العالمية الثانية؟ الإجابة أن مؤلف الكتاب - وهو أستاذ للتاريخ بجامعة إكستر البريطانية - ينجح في بلوغ هذا الهدف شبه المستحيل وذلك من خلال تركيزه على الانفجار السكاني العالمي، وتغيرات المناخ والاحتباس الحراري، وانتشار قيم ليبرالية جديدة بخصوص الأقليات، ودخول التلفزيون كل بيت تقريباً، وعصر الحاسوب والشبكة العنكبوتية الدولية، والاكتشافات في مجال الفضاء، والتقدم الطبي والتكنولوجي.

يقسم المؤلف كتابه إلى فصول تحمل هذه العناوين: البيئة، الإنسانية، المجتمع، التقنيات، الاقتصاد، الثقافة، السياسة العالمية، السياسة القومية - النظر إلى المستقبل. وأقتصر هنا، في ضوء الحيز المكاني المتاح، على عرض جانب واحد من هذه الجوانب هو الجانب الثقافي.

جان بول سارتر

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين معسكرين: المعسكر الشرقي ويمثله الاتحاد السوفياتي والدول الشيوعية الدائرة في فلكه، والمعسكر الغربي الرأسمالي وتمثله الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية. اعتنق المعسكر الأول مبدأ «الواقعية الاشتراكية» في الفن والأدب، بينما مال المعسكر الثاني إلى التجريب الحر شكلاً ومضموناً. وانعكس الصراع بين هذين القطبين المتقابلين على الكثير من بلدان أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية كما في الجدال الذي ثار في أكثر من قطر عربي حول عقيدة «الفن للفن» وعقيدة «الفن للمجتمع».

ومع بداية الألفية الثالثة جنحت الثقافة - مع الاقتصاد والاجتماع - إلى العولمة نتيجة لمحو الأمية (كما حدث في الصين) وارتفاع نسبة المتعلمين في العالم الثالث والدخول في عصر الرقمنة. وتجلى ذلك في عدة مجالات: الرياضة البدنية، والسينما، والتلفزيون، وفلسفات ما بعد الحداثة، والموسيقى الدارجة، والفن التشكيلي، والعمارة.

فالرياضة البدنية - خصوصاً كرة القدم - أصبحت وثيقة الارتباط بالسياسة. ومن الأمثلة على ذلك مقاطعة عديد من الدول لجنوب أفريقيا حين كانت تمارس نظام الفصل العنصري بين البيض والسود، ثم في فترة أحدث ما ثار من خلاف حول مشاركة روسيا في دورة 2024 الأولمبية بعد غزوها لأوكرانيا.

وفي مجال الفن السينمائي أكد النموذج الأميركي وجوده بافتتاح عدة مدن ترفيهية على نسق «ديزني لاند» في كاليفورنيا وفلوريدا ثم في طوكيو وباريس (استقبل هذا الأخير في عام 2022: 375 مليون زائر).

ولكن الفيلم الأميركي لم يكن الوحيد في الساحة فقد نافسته السينما الإيطالية بأفلام «الواقعية الجديدة» منذ أواخر الأربعينات، وفرنسا بأفلام «الموجة الجديدة» في أواخر الخمسينات، والسينما الألمانية الجديدة (من أعلامها فيرنر هرتزوج) في الفترة 1962- 1982، والسينما الهندية (بوليود) غزيرة الإنتاج، والسينما النيجيرية (المعروفة باسم نوليود)، أما السينما الصينية فظلت موثقة إلى عجلة النظام السياسي. وظهرت أفلام جريئة في نقدها للسياسات الأميركية، مثل فيلم «يوم القيامة الآن» (1979) وهو إدانة لحرب أميركا في فيتنام.

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي

وأدى انتشار التلفزيون إلى تراجع نسبي في عدد متابعي الإذاعة والسينما، وارتفاع ممثلي الشاشة الصغيرة إلى شهرة لا تقل عن شهرة أبطال الأفلام السينمائية. وكثرت المسلسلات التي تتناول الحياة الاجتماعية فضلاً عن الحلقات الفكاهية والبوليسية. وتزايدت ساعات الإرسال وظهرت قنوات فضائية جديدة. ومن المسلسلات التي حظيت بنسبة مشاهدة عالية مسلسلات تركية وبعض مسلسلات عربية.

فإذا جئنا إلى مجال الفلسفة والأفكار وجدنا أن الوجودية التي أرسى قواعدها كيركغارد الدنماركي وهايدغر الألماني وسارتر الفرنسي كانت قوية التأثير في العقدين التاليين للحرب العالمية الثانية، وتزامن ذلك مع مسرح العبث الذي كتبه صمويل بكيت ويوجين يونسكو وأرتور أداموف. ولكن ظل الوجودية بدأ ينحسر مع ظهور البنيوية على أيدي فرنان دى سوسير وكلود ليفي ستراوس ورولان بارت. وأعقبتها مذاهب ما بعد الحداثة مثل التفكيكية (جاك دريدا) وفلسفات ميشيل فوكو وجاك لاكان ولوي ألتوسير وهي ترتوي من الأنظمة الفكرية للماركسية والتحليل النفسي الفرويدي.

على أن هذه ظلت في الأغلب الأعم فلسفات أوروبية وغربية لم تترك أثراً يذكر في العالم الإسلامي وفي الصين. وفي العالم العربي كان الجدل يدور أساساً بين النظرة إلى العالم من منظور ديني والنظرة من منظور علماني.

وفي مجال الرواية أفسحت روايات الحداثة عميقة المحتوى (مثل روايات جيمس جويس وأندريه جيد وتوماس مان وفرانز كافكا) الطريق لأعمال أكثر مبيعاً وأعظم رواجاً مثل روايات أجاثا كريستي التي ترجمت إلى أكثر من مائة لغة، وحظيت الأفلام المأخوذة عن رواياتها مثل «جريمة في قطار الشرق السريع» (1974) و«موت على النيل» (1984) بملايين المشاهدين.

وتتكامل الصورة مع الكلمة في كتاب جيرمي بلاك فنجد فيه، إلى جانب الخرائط والرسوم البيانية، عدداً كبيراً من الصور الفوتوغرافية لشخصيات وأحداث وأماكن شتى تجتمع على رسم صورة حية لأجواء العصر الحديث في عقل القارئ ومخيلته.


هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟
TT

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

صدر حديثاً عن دار «سؤال» للنشر في بيروت، كتاب «قرأوا حتى أصبحوا أغبياء: مرافعة ضد الغباء» للناقد والأكاديمي البحريني الدكتور نادر كاظم. والكتاب مرافعة متعددة المداخل ضد الغباء، ضد أبرز أشكاله وتجلياته منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، وضد من يقف وراء تعميمه من أجل تحويل الناس إلى أغبياء بكل الطرق الممكنة، وحتى عبر القراءة.

يتكون الكتاب من 15 فصلاً، تعالج موضوع القراءة من منظور ثقافي، وتطرح العديد من التساؤلات حولها، بوصفها أساساً للمعرفة، وبوصفها قد تكون أحياناً موضوعاً لإنتاج الغباء، فهي ليست دائماً وسيلة للتقدم، بل قد تصبح إحدى وسائل إعادة إنتاج التخلف، الذاتي والجمعي، ليست القراءة فقط، بل الكتابة أيضاً. وهو ما يتبدّى في عناوين بعض الفصول، مثل «الكتابة من أجل المال لا تنتج غير الهراء»، و«الكاتب النجم، والكاتب النيزك»، في إشارة إلى أن بعض الكتّاب يُضيئون سريعاً وينطفئون سريعاً. كما يناقش في فصول أخرى موضوعات ثقافية ملحة في الواقع الثقافي والأدبي العربي، مثل «صناعة الثقافة والخداع الجماهيري»، و«هل أصبحت الرواية أفيون الشعوب؟».

ولنادر كاظم، الذي يعمل حالياً أستاذاً للدراسات الثقافية في جامعة البحرين، العديد من الإصدارات، منها «تمثيلات الآخر»، و«الهوية والسرد»، و«استعمالات الذاكرة»، و«خارج الجماعة»، و«الشيخ والتنوير»، و«كراهيات منفلتة»، وغيرها من الكتب المعنية بالنظرية النقدية والدراسات الثقافية.

من أجواء الكتاب نقرأ:

«يُروى أن بليني الأكبر (23م - 79م)، عالم الطبيعة الروماني، كان مهووساً بالقراءة، وأنه كان يقرأ باستمرار، وفي كل مكان؛ على المائدة، وفي الرحلات والسفر، وفي الحمام عندما يدلك الخدم بدنه ويجففونه، بل كان الرجل يُحمل في أرجاء روما على كرسي من أجل أن يتفرّغ للقراءة، حتى إنه وبّخ، مرة، ابن أخيه، بليني الأصغر، لأنه كان يمشي على قدميه ويُهدِر وقته بلا فائدة. كان الرجل يقرأ كل ما يقع بين يديه من كتب جيدة أو رديئة. على الضد من هذا، كان آرثر شوبنهاور يشمئز من هوس بليني الأكبر الغريب بالقراءة، بل اعتبر هذا الهوس علامةً على الغباء، وكأنّ الرجل كان (يفتقر بشدة إلى أفكاره الخاصة، لدرجة أنه كان لا بد من نقل أفكار الآخرين إليه باستمرار، تماماً كما يُعطى الحساء الصافي لمريض السل لإبقائه على قيد الحياة). كان بليني الأكبر، بحسب شوبنهاور، عاجزاً عن التفكير الذاتي، فعوّض هذا العجز بكثرة القراءة. وماذا تفعل كثرة القراءة؟ إنها تشل تفكيرنا، وتجعلنا أغبياء أكثر مما كنا، فهل هذا صحيح؟».


36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
TT

36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)

أعلن منظمو مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن)، الأربعاء، أن كندا ستشارك لأول مرة في المسابقة إلى جانب 35 دولة أخرى على الأقل في نسخة العام المقبل، فيما ستغيب آيرلندا وهولندا عن الحدث بسبب مشاركة إسرائيل، مع ترقب قرار إسبانيا وسلوفينيا وآيسلندا، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن 36 هيئة بثّ سترسل ممثليها الوطنيين إلى الدورة 71 من المسابقة التي ستقام بمدينة بورغاس في بلغاريا في مايو (أيار)، بزيادة مشارك واحد عن عام 2026.

وقاطعت كل من إسبانيا وهولندا وآيرلندا وأيسلندا وسلوفينيا المسابقة هذا العام، التي جذبت جمهوراً عالمياً بلغ 130 مليون مشاهد، بعد أن دعت إلى طرد إسرائيل بسبب حملتها العسكرية على غزة في أعقاب الهجوم الذي شنّته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وذكرت إسرائيل حينها أن هناك حملة تشويه عالمية ضدها.

وأكدت هيئة البثّ العامة الإسرائيلية (راديو كان) مشاركتها، بينما أكدت آيرلندا وهولندا أنهما ستتغيبان مرة أخرى عن مسابقة عام 2027.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن هيئة الإذاعة العامة الإسبانية (آر تي في إي) وهيئة البث الوطنية السلوفينية (آر تي في إس إل أو) أمامهما مهلة حتى ديسمبر (كانون الأول) لتأكيد مشاركتهما. وألمح مجلس إدارة هيئة البثّ العامة في آيسلندا (آر يو في) في سبتمبر (أيلول) إلى احتمال عدم المشاركة، مع عدم اتخاذ قرار نهائي بعد.

كتب مارتن غرين، مدير مسابقة «يوروفيجن»، في بيان: «في عالم يتزايد فيه الشعور بالانقسام، تجمع المسابقة الجماهير عبر الموسيقى، متجاوزة الحدود واللغات والثقافات، وهذا أمر مهم الآن أكثر من أي وقت مضى».

وإلى جانب مشاركة كندا لأول مرة، تضم قائمة المشاركين في المسابقة مقدونيا الشمالية، التي تعود إلى المسابقة للمرة الأولى منذ عام 2022، وبلغاريا المضيفة، بالإضافة إلى فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا وأستراليا.