«مقاطع للمارة».. ملصقات شعرية على جدران بغداد

في حركة احتجاجية على شعارات الأحزاب والإعلانات التجارية

مقطع للشاعر كاظم الحجاج على واجهة مقهى الشابندر
مقطع للشاعر كاظم الحجاج على واجهة مقهى الشابندر
TT

«مقاطع للمارة».. ملصقات شعرية على جدران بغداد

مقطع للشاعر كاظم الحجاج على واجهة مقهى الشابندر
مقطع للشاعر كاظم الحجاج على واجهة مقهى الشابندر

لافتات أحزاب ومنظمات دينية، تعجّ بشعارات وخطابات متضاربة، هذه هي الصورة العامة لمشهدية الإشهار عن التوجهات والعقائد في بغداد، في مقابل إعلانات ضوئية موسمية عن عروض من المسرح التجاري، وملصقات دعائية متفرقة تجدها في مقاهي وسط العاصمة، عن حفلات توقيع كتب أو أمسيات موسيقية وسينمائية، لكن كثيرا من تجارب «الإعلان الثقافي» التي توقفنا عندها، إما تفتقر إلى تصميم فني جذاب، وإما أن طريقة وضعها في الشارع عشوائية وبلا تقاليد ثابتة، كأن يكون هناك جدار حر في كل حي يحتضن النشاط الثقافي، وليس نتفا من الإعلانات يوضع ملصق منها في شارع عام فيُزال بعد ساعات، أو ينمحي بوضع ملصق لشركة تجارية فوقه فيلغيه بالكامل، مثل حياة عدد من العراقيين التي تلغيها الملغمات بثوان خاطفة.
وبقيت مشكلة تسويق الثقافة العراقية إلى خارج حدود البلاد، واحدة من المعضلات التي لم يحلها تغيير النظام في بغداد، وانفتاح البلاد على حركة استيراد غير مسبوقة للكتب والمطبوعات، وسفر عدد غير قليل من المبدعين العراقيين، من دون أي إملاءات رسمية، ليس لأن الدولة ديمقراطية والحياة مزدهرة في بغداد؛ بل لأن التعددية السياسية فرضت صراعا شغل أمراء الطوائف وقادة الأحزاب عن قوننة الرقابة بشكل مدروس ومنظم، لكن ما عمق الإشكالية العراقية، ثقافيا، نسق الإعلام العربي، بمحافظته على سياق إخباري يتابع بدقة تفصيلات الأزمة الأمنية والسياسية، وما يتبع ذلك من تداخلات طائفية وقومية، ولا يلتفت لعلامات حيوية في يوميات الحياة العراقية. واحد منها هذا الحجيج الشهري إلى المسرح الوحيد الصالح لاستيعاب العروض المسرحية والموسيقية، حيث المسرح الوطني، والمناسبة الشهرية هي حفل الأوركسترا السيمفونية الوطنية العراقية، عائلات وصبية وصبايا، شباب وكهول، يتناسون واقع المدينة في الخارج ويأتون لاكتساب ساعات من الصفاء مع معزوفات تستدعيهم للإصغاء إليها، فحاسة السمع التي تعودت أصوات الانفجارات، ترسم هربها الجميل في القاعة خافتة الضوء. وليكن القول هنا تحديا لإدارات فضائيات عربية تقدم الأجندات السياسية على صور الحياة الأخرى، البعيدة عن ميول الكتل ومستجدات الصراع بين الأحزاب المتنفذة، من التي تمنحها تلك الوسائل ساعات من بثها اليومي.
أدمنا منذ 2003 أن نطلق العنان لأفواهنا وأصواتنا فيها متباينة الحدة والصدى، السياسي يصرخ: «نحن نعتقد..»، ورجل الدين يهتف على المنصات: «إخوة الإيمان..»، والشاعر العمودي يهجو وبعض آخر يحرض بصوت جهوري، فيرد عليه الجمهور مصفقا: «أعد أعد»، ولا شيء يريح البصر في بغداد، أو يحفز العين لوقفة ناقدة إزاء حفلة الأصوات المجانية والمتنافرة؛ فالعمران في سبات الموتى الأحياء، وألوان الفضاء العام رمادية في الغالب. ربما بدأت محاولات تقديم المبادرات ضمن شغل بصري، في ممارسة احتجاجية ضمن مشروع للمخرج الشاب سجاد عباس عبر كتابة عبارة «أكدر أشوفك» (أستطيع رؤيتك) على أعلى مبنى المطعم التركي وسط بغداد، قبالة مقر الحكومة والبرلمان في المنطقة الخضراء، التي مسحت حروفها بعد أيام من كتابتها، وسط اتهامات تسقيطية بأنها من صنائع الماسونية في بغداد.
ليس المبدعون المحترفون وحدهم من قدم تجارب تعتمد الخطاب البصري وحده، بما فيه من لمسة احتجاج، بل أناس مجهولون من عامة المجتمع، أحد هؤلاء حلاق ببغداد (حي الطالبية)، كان التعبير عن رفضه إحاطة محل عمله بجدران الكونكريت، هو أن يكتب على الجدران أنفسها عبارة «حلاقة هاني اطفر وتلكاني» أي (اجتاز الكونكريت قفزا وستجدني)، ولاحظ الداخلون إلى بغداد من جهة حي الشعب، يوم غرقت بمياه الأمطار عام 2013 عبارة كتبها مواطن مجهول الهوية هي «هنا معبر رفح» على جدار كونكريتي لم يغطِ الماء حافته الجانبية؛ إذ يمكن المشي والعبور بواسطتها؛ في إشارة للسخرية من مستوى الخدمات الذي وصلت إليه العاصمة، وصعوبة التحرك وسط فيضان الشوارع والبيوت.
يمكن أيضا التنبيه إلى تجارب شعراء من بابل قرأوا نصوصهم في أمكنة خربة، لكن فعلهم البصري لم يتخلص من النطق، بوصفه حاسة تشوه استعمالها في عراق ما بعد 2003. ولا نغيّب من الخطاب البصري الاحتجاجي، شغل الكاريكاتير العراقي، منذ أعمال مؤيد نعمة وعبد الرحيم ياسر وخضير الحميري إلى أحمد فلاح. في تجربتنا ببيت الشعر العراقي، قلنا منذ أشهر: لا بد من نقلة نوعية في العمل، ضمن هدف الاشتغال على بصر المتلقي، وعوامل الفعل المعني تعتمد بدرجة أساسية على المواءمة بين المضمون المنتخب والشكل الجامع لهذه المحاولة، فكانت فكرة «مقاطع للمارة»، باختيار مقاطع من قصائد شعراء عراقيين ووضعها في ملصقات فنية بتصاميم تحمل حسا مبتكرا، وكانت المقاهي بعدها ملتقى مفتوحا أمام الجميع، لا قيود فيه بين النخبة المفترضة وجمهور المتلقين، هي الميدان الأول لتطبيق التجربة. المفاجأة كانت في تجاوب أصحاب المقاهي السريع وردود بعضهم التي نصت: «الأهم ألا يكون شعرا شعبيا»، لأبادر بالسؤال عن السبب، وفي داخلي قناعة تستشف الجواب المنتظر الذي جاء: «إن الشعر الشعبي اليوم ارتبط بالعنف والدم وأغلبه صراخ»، والكلام لصاحب أحد المقاهي في حي الجادرية ببغداد.
بعد هذا الحوار السريع واطمئنان صاحب المقهى لملصق فيه شعر فصيح، تلمس ثمة رغبة لدى آخرين من أصحاب المقاهي في تكريس هذه المبادرة وجعلها تقليدا دائما، بعضهم طلب تصاميم الملصقات لينوّع في وضع كل منها بين شهر وآخر.
عُلّقت الملصقات بمقاطعها، وواحد منها كان للشاعر كاظم الحجاج، جاء منه: «لدينا شعب لا نواب له..- حتى الكتل الكبرى- ليست من طين حري..- ليست من طين الزقورات الممزوج مع التبن..- لدينا تبن لا غير».
بعد شهر من ذلك، وقبل أيام تحديدا، ومع إطلاق فعالية «جليسك يصافحك»، التي شملت ضمنا احتفاء باليوم العالمي للكتاب، ليس في حفلات توقيع ومنصة للإمضاء والحديث المباشر، وإنما بتكريس المبدأ نفسه، الرسالة المعتمدة على البصر، تخففا من أنماط النطق وأصوات المتكلمين، كان مفرحا للغاية أن تحتضن واجهات مكتبات معروفة ببغداد ملصقات فيها تقديم لكتب بعينها، لم نرد أن تقتصر مصافحة المارة على مناطق وشوارع حضور الكتاب، ونعني شارعي المتنبي والسعدون وساحة التحرير فقط، بل ذهبنا إلى حي الأعظمية واضعين عند مدخل مكتبة الصباح ملصق كتاب «غبش المرايا» للمترجمة خالدة حامد (2016 دار المتوسط)، إذ راح يحدثني صاحبها عن إعجابه بأغلفة كتب داري الجديد والمتوسط واستثماره مواقع التواصل في الترويج لمكتبته، وملصقا آخر عن كتاب «شجار عائلي» للشاعر خالد خشان (2015 دار صافي) في حي الكاظمية على واجهة مكتبة العلامة محفوظ. فضلا عن الصداقات التي تتكون مع بشر تتخيل أنهم بعيدون عنك، من أصحاب مقاهٍ ومكتبات، ومع بلوغ مساحة تلقٍ جديدة غير الجمهور المعتاد الذي يتابع النشاط الثقافي على اختلاف تمظهراته الإبداعية من أمسيات ومعارض، يمنحك فعل مغادرة القاعات المغلقة صوب الأمكنة المفتوحة والعامة، قدرة على تطوير التخطيط والتنسيق لمبادرات مع أناس أبعدك وهمك عنهم، بأنك تصورت سابقا انغلاقهم على وجودهم المحدد في مقهى أو مكتبة ما، ليصبح التعاون معهم محفزا على الحفر والبحث في منطقة اشتغال جديدة، تخوض فيها رحلة مجازفة صوب أذهان قصيّة، نازعًا عنك مسبقات «الروح الإنكارية» التي تريد أن تهشم أي بوادر لتقبّل المجتمع لمحاولات بسيطة ومتواضعة، لكنها غنية بجوهرها الثقافي.
* شاعر ورئيس بيت
الشعر العراقي في بغداد



مبارك العامري... صوت الحب في القصيدة العُمانية

مبارك العامري
مبارك العامري
TT

مبارك العامري... صوت الحب في القصيدة العُمانية

مبارك العامري
مبارك العامري

«أشعر أن القطار السريع شارف على الوصول إلى محطته الأخيرة / وأن رحلة الآلام المريرة حان لها أن تنتهي / دون إخلال بسيرها المتعرج / وما دام الأمر كذلك / تركت ورداتي الأثيرات / أصول كتابات لم تُنشر / شعراً ورواية ومقالات ونصوصاً مفتوحة / في بطن مندوس صغير / مطعّم بأنجم مذهبة / اقتنيته قبل شهر مضى / من سوق نزوى».

في تقديمه للأعمال الكاملة للشاعر العماني مبارك العامري (1959 - 2020)، الصادرة عن دار «منشورات كلمات» ببغداد، يتساءل الشاعر سيف الرحبي؛ لماذا تلح عليه تلك الأسطر الشعرية أعلاه كلما تذكر العامري واستعاد مع سيرته بهاء الأدب ونزوعه الطليعي وأحلامه الشاسعة التي تتجاوز شروط الواقع الصعب في تجربة مبدع اختطفه الموت وهو في ذروة عطائه ونضجه الإبداعي؟!

«هكذا فقط من غير أسئلة ولا أجوبة، لا فواصل ولا نقاط، يختتم الشاعر مسيرة حياة حافلة بالإبداع ودفق المخيلة التي لا تعرف الحدود والتصنيف، مع ما تيسر من الأحلام وصخب العائلة والعالم بعد آلام المرض المبرحة الشاقة التي كان يعاني منها».

ويلاحظ الرحبي أنه رغم كل هذا الخضم المأساوي للفراق والبين، جاءت تلك الأبيات هادئة تتأمل وتذكّر أحبته وأبناءه الأوفياء والأصدقاء مجتمعين بذكريات حبه ولطفه وهدوئه المتأمل لما حوله ولأحوال الوجود.

ليست هناك نبرة بوح وشكوى، انثيال عاطفي لشاعر يودع الأحبة وكل هذا البريق الأخاذ، خاصة أن أحلام الشاعر في الإنجاز والإبداع كانت لا تزال في منتصفها، رغم ما حققه من ريادة وإضافة على صعيد الحساسية الجمالية، وجاء مغايراً لما كان سائداً ومستقراً.

أخذ على عاتقه التجديد والتجريب في روح القصيدة وبنيتها ولغتها، وجاءت أشعاره مخالفة للذائقة المتوارثة منذ قرون، التي كانت لا تقبل المساس أو الاقتراب النقدي من معاييرها الصارمة وتصنيفاتها الجاهزة، لذلك كانت المقاومة شديدة والعداء عنيفاً لكل ما هو جديد وتجريبي.

وكان العامري من هذه القلة المبدعة، التي لا بد أن تدفع ثمن الاختلاف عن السائد في الأدب، فقد شاء له التاريخ والقدر أن يكون ضمن الطليعة الصدامية الأولى مع التقليدي من الرؤى والتصورات والأشعار التي يُلبسها أصحابها لباس القداسة، تحصيناً وترويعاً كي لا تُمس.

وعن الجانب الإنساني في حياة الشاعر الراحل، يرى الرحبي أن العامري كان يميل إلى العزلة والانتقائية في علاقاته الشخصية، فالرهافة والصدق لا ينسجمان مع الحشد والقطيع الذي يتطلب كثيراً من التنازل وإجبار الذات على محو الصفات الفردية التي تشكل تميز المبدع وجوهر وجوده وكتابته، خاصة في مجتمعاتنا التي ترى في توسل الفردية والعزلة عرضاً مرضياً يتطلب القدح والإدانة.

كما كان على حزنه وألمه العميقين، محباً للحياة ولأسرته التي أولاها جلّ حبّه واهتمامه كجزء من حبه الشاسع لهذه الحياة، مهما كانت عابرة ومأساوية، وكان السفر من بين هذه النعم لديه، إذ يرى فيه برهة تحرر وتحليق في الفضاءات اللامحدودة للمخيلة والجسد.

ويجزم الشاعر عبد الله الريامي أنه لم يقرأ شاعراً عمانياً تفيض من قصائده كلمة الحب، تصريحاً أو تضميناً أو تورية أو اغترافاً من تشبيهاتها واستعاراتها ومغذياتها جميعها في تفاعل جمالي، كما في تجربة مبارك العامري.

يستحضر العامري الحب ويمارسه في مدى نفسي وفلسفي يتفوق على الحسي، الحب بمستوياته الإنسانية المختلفة ومساراته التي بلا حدّ. يتحول هنا إلى فعل مقاومة ضد القبح وإكراهات العيش، وخلاص من التحديات الوجودية في الحياة الشخصية والعامة، فإن كان الجسد منهكاً والخيارات مهزومة فالحب عنده انتصار الروح، وهو سعي دائم إلى الحرية والاستمتاع بها.

تقع الأعمال الكاملة لمبارك العامري في 536 صفحة من القطع المتوسط، وتضم 4 دواوين، هي «بسالة الغرقى» و«مرايا تستنطق الغيم» و«رجع النواقيس» و«شرفة خضراء»، بالإضافة إلى 4 نصوص متفرقة وغير مصنفة، هي «رؤى الأمس» و«معين بسيسو» و«مطر فسفوري» و«زيتونة مباركة».

ويمكن القول إجمالاً إن العالم الشعري للعامري يندرج ضمن تجربة الجيل الذي أسهم في ترسيخ قصيدة النثر في سلطنة عُمان منذ ثمانينات القرن الماضي، حيث تميزت تجربته بالمزج بين الحس الفلسفي والبعد الإنساني واللغة المكثفة، مع انفتاح واضح على الرمز والأسطورة والتأمل الوجودي.

في ديوان «بسالة الغرقى» يحضر البعد الفلسفي بوصفه جزءاً من النسيج الشعري، لا مجرد فكرة خارجية، أما في «مرايا تستنطق الغيم» فينتقل العامري من التأمل الوجودي إلى مساءلة الواقع الثقافي والسياسي العربي، متوقفاً عند أزمات الهوية والتحولات الحضارية، بالتوازي مع انعكاسات معاناته الصحية التي عاشها في سنواته الأخيرة.

وفي «رجع النواقيس» يخوض الشاعر تجربة شكلية مختلفة، إذ يتجه إلى كتابة مقاطع قصيرة ومكثفة، تتجاور داخل النص الواحد في هيئة أجزاء مرقمة، بما يمنح الإيقاع الداخلي للنص دوراً أكبر من السرد الشعري التقليدي.

ويبلغ المشروع الشعري ذروة رقته في «شرفة خضراء»، وهو آخر دواوينه، حيث تغلب على النصوص مفردات الطبيعة والطفولة والأحلام والاخضرار، فيكتب قصائده دون عناوين مستقلة، في محاولة لمنح النص انسياباً أكبر وحرية في التلقي... مثلما يقول في قصيدة «مأوى العجزة» بديوان «مرايا تستنطق الغيم»:

«نحن الطاعنون في الصمت / ماذا ننتظر بعد / غير قيامة تبارك الخراب / منفيون في جلودنا / ممعنون في التيه / نستغيث بالشمس / المطلة علينا من صهريجها الأزلي / أن تلهب دمنا / فتدير وجهها الفسفوري / ناحية البحر / وتوغل عميقاً في اللجة / هي هناك / ربما لتستحم / من وعثاء السفر الطويل».

يتفق النقاد على أن العامري استطاع بناء لغة شعرية تجمع بين البساطة والعمق، بعيداً عن الغموض المفتعل أو الزخرفة البلاغية، عبر نبرة سلسة، لكنها مشحونة بالدلالات، تتنوع فيها الأساليب الخبرية والإنشائية، ولا سيما الاستفهام والتعجب، بما يخلق حالة من الدهشة ويفتح النص على احتمالات متعددة للتأويل، ما منح قصيدته خصوصيتها داخل تجربة قصيدة النثر العُمانية.

يستحضر العامري الحب بمستوياته الإنسانية المختلفة ومساراته ويتحول عنده إلى فعل مقاومة ضد القبح وإكراهات العيش


كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟

كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟
TT

كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟

كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟

ينطلق الباحث العراقي الدكتور سعد التميمي في كتابه «بنية الحكي وتحولاته في سرديات سعيد بن محمد السيابي»، من أن الحكاية ليست شكلاً ثابتاً، بل هي كيان حيّ يتبدل عبر مسارات السرد محتفظاً بجوهره الإنساني؛ وهو ما يفتح تجربة السيابي على أفق التجريب ويعيد مساءلة حدود الأجناس الأدبية.

ويضم الكتاب الصادر حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» بالأردن في نحو 130 صفحة، دراسة تحليلية تأويلية لمقاربة التجربة السردية للكاتب العُماني الدكتور سعيد السيابي، بوصفها مشروعاً حكائياً متكاملاً، لا مجموعة تجارب متفرقة تتوزع بين أجناس أدبية مختلفة.

وتنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن القصة القصيرة جداً عند السيابي هي مختبر أولي لتكثيف الحكاية واختزالها إلى حدها الأدنى، حيث تتقاطع المفارقة مع الإيحاء، بينما تشكّل القصة مساحة أوسع لتنامي الحدث وتداخل الأصوات، في حين تتيح الرواية عنده فضاءً رحباً لتجريب أشكال أكثر تعقيداً من السرد، أبرزها الميتاسرد وتفكيك البنية الحكائية.

ويجمع الكتاب ثلاثة فصول، مع مدخل نظري لكل منها يضيء الإطار المفاهيمي للجنس الأدبي المدروس؛ تمهيداً للانتقال من التنظير إلى التطبيق النصي. يحمل الفصل الأول عنوان «المفارقة في القصة القصيرة جداً عند سعيد السيابي»، ويقرأ فيه التميمي نصوص هذا الجنس بوصفها فضاءً للمفارقة وبنية عميقة تنظم الحكاية وتعيد توزيع عناصرها، بما يفضي إلى انزياح في التوقع وخلق توتر بين ما يُقال وما يُضمر.

ويكشف هذا الفصل أيضاً عن الخلفية المسرحية التي يستثمرها السيابي في بناء نصوصه القصيرة جداً؛ إذ يوظّف حساسية المشهد وكثافة الحوار الضمني واقتصاد الحركة، بما يجعل النص أقرب إلى لقطة درامية مكتملة تُبنى على لحظة انكشاف حاسمة. ويستعين التميمي في تحليله بمرجعيات نظرية متنوعة، من جيرار جينيت في مفهومَي «المدة» و«الحذف» السرديين، إلى رولان بارت في فكرة «لذة النص»، وتزفيتان تودوروف في مفهوم «التحول السردي»، إضافة إلى آراء نقاد عرب من بينهم صلاح فضل ويوسف وغليسي، في مقاربة تجمع بين الأدوات السردية الحديثة والحساسية النقدية العربية.

أما الفصل الثاني، فيحمل عنوان «حين تتلألأ النجوم تنبثق الحكاية: قراءة في المجموعة القصصية (اثنتا عشرة نجمة)»، ويعالج فيه المؤلف بنية القصة عند السيابي، من خلال تتبع أنماط بناء الحكاية، والعلاقة بين العنوان والنص، وتوظيف الرمز والصورة، إلى جانب التركيز على تمثيلات الذات والعالم. ويسبق هذا الفصلَ تمهيد نظري حول القصة بوصفها جنساً سردياً يمتاز بالتوازن بين التكثيف والامتداد، وبالقدرة على التقاط لحظة دالة ضمن سياق إنساني أوسع.

ويخصص الفصل الثالث، الذي يحمل عنوان «تحولات الحكي في روايات السيابي: من تمثلات التراث إلى أفق الميتاسرد... العبور المزدوج»، وقفتين قصيرتين عند روايتي «جبرين وشاء الهوى» و«الصيرة... تحكي»، تليهما دراسة مفصلة بعنوان «من الرحلة إلى الميتاسرد... قراءة في رواية (جسور متداعية)»، حيث يُقارب المؤلف النص الروائي بوصفه بنية مركّبة تتداخل فيها مستويات الحكي، ويتحول فيها السرد موضوعاً لذاته، ويقدم هذا الفصل عبر تمهيد نظري حول الرواية بوصفها جنساً مفتوحاً قادراً على استيعاب مختلف الأشكال والخطابات، وعلى مساءلة ذاته عبر تقنيات الميتاسرد والتشظي البنيوي.

في مقدمته، يوضح التميمي أن ما يجمع فصول الكتاب، على اختلاف موضوعاتها، هو الانشغال بسؤال الحكي: كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟ وكيف تُنتج معناها عبر تقنيات سردية مختلفة؟ كما يجمعها الاهتمام برصد العلاقة بين الشكل والمضمون، وبين التقنية والدلالة، وبين البنية والتمثيل، منوّهاً إلى أن النصوص المدروسة لا تُقرأ كأنساقٍ دلالية تتشكل عبر اللغة والسرد.

ويرى التميمي أن اختيار تجربة سعيد السيابي موضوعاً للكتاب جاء من قناعة ترى أن هذه التجربة تمثل نموذجاً جديراً بالدراسة في السرد العربي المعاصر؛ لما تنطوي عليه من تنوع في الأشكال وجرأة في التجريب وقدرة على استثمار الإمكانات التعبيرية لكل جنس أدبي، فهي تجربة تتحرك بين الاقتصاد اللغوي في القصة القصيرة جداً، والتوازن البنيوي في القصة، والانفتاح التركيبي في الرواية.

ويقول التميمي في مقدمته إن الكتاب لا يدّعي الإحاطة بكل جوانب هذه التجربة، بل يقدّم قراءة ممكنة تنفتح على قراءات أخرى، ويطمح إلى الإسهام في إغناء النقاش حول السرد العربي المعاصر وحول الأجناس الأدبية وحدودها وتحولاتها؛ آملاً أن يلفت الانتباه إلى أهمية دراسة التجارب السردية التي لم تحظَ بعد بما تستحقه من اهتمام نقدي رغم ما تنطوي عليه من إمكانات جمالية ومعرفية.


ذكريات مكسيم غوركي عن معاصريه من الأدباء الروس

غوركي
غوركي
TT

ذكريات مكسيم غوركي عن معاصريه من الأدباء الروس

غوركي
غوركي

يمثل الروائي والكاتب المسرحي الروسي مكسيم غوركي (1868- 1936) حلقة وصل بين عهدين من تاريخ الأدب الروسي: العهد القيصري الذي كتب في ظله عمالقة من أمثال تولستوي ودوستويفسكي وتورجنيف وتشيخوف، والعهد السوفياتي عقب ثورة أكتوبر (تشرين الأول) 1917 الاشتراكية، وأدبائه عبر السنين من أمثال مايا كوفسكي وشولوخوف ويفتشنكو. ورغم أن غوركي كان منحازاً إلى هذا العهد التالي، بل كان أكبر ممثلى «الواقعية الاشتراكية» - المذهب الأدبي الرسمي للدولة الشيوعية - وأول رئيس لاتحاد الكتاب السوفيات في 1934 وحائزاً على رضا الديكتاتور ستالين، فقد كان أوسع أفقاً من أغلب معاصريه الشيوعيين، فهو منفتح على الآداب الغربية، قارئ جيد للتراث الإنسانى، وغير ناكر لفضل الجيل العظيم الذي سبقه. تشهد بهذا كتاباته النقدية وذكرياته عن أدباء ذلك الجيل، ومنها الكتاب الذي نتوقف عنده هنا «ذكريات عن تولستوي وتشيخوف وأندريف» (Reminiscences of Tolstoy, Chekhov and Andreyev).

تشيخوف

وقد صدرت له ترجمة، من اللغة الروسية إلى اللغة الإنجليزية، بقلم بريان كارتنك (Brian Karetnyk) في سبتمبر (أيلول) 2025 عن دار فيتزكارالدو للنشر في قرابة 200 صفحة (سبق أن ترجم الكاتب المسرحي المصري ألفريد فرج بعض هذه الكتابات إلى اللغة العربية، كما ترجم الناقد فؤاد دوارة مختارات من مقالات غوركي النقدية، منها مقالة موضوعها «الانحلاليون» أي الشعراء الفرنسيون البوهيميون في أواخر القرن التاسع عشر، مثل أرتور رامبو وبول فرلين).

أهم هذه الكتابات مقالة غوركي في 1919 عن تولستوي. وكان غوركي -الذي فقد أباه في سن الحادية عشرة- يعد تولستوي أباه الروحي رغم الاختلاف الشاسع بين آيديولوجية الكاتب الشاب اليساري والمتصوف المسيحي العجوز مؤلف الروائع «الحرب والسلام» و«آنا كارنينا». كان غوركي في صباه وشبابه وقد عرك الحياة عصامياً علّم نفسه بنفسه وكان عاملاً مكافحاً اشتغل صبي حرفة لدى إسكافي وفي مطبخ سفينة تعبر نهر الفولغا ثم خبازاً في قازان. وحين قدّم المخرج ستانسلافسكي مسرحية غوركي «الحضيض» أو «الأعماق السفلى» على مسرح الفن في موسكو عام 1902 بدأ غوركي يجذب الأنظار، لا في روسيا وحدها، وإنما في أوروبا أيضاً. وما لبث تشيخوف أن قدّمه باعتباره كاتباً واعداً إلى تولستوي، فكان غوركي يحج إلى بيت الأستاذ في ياسنايا بولينا أو في القرم.

تولستوي

وبعد عامين من نشر مقالته عن تولستوي، انتقل غوركي إلى جزيرة كابري في إيطاليا. وفي العقد الخامس من عمره بدأ يسجل ذكرياته عن الأدباء الذين عرفهم قبل قيام ثورة 1917. وكما يقول آدم ثرويل في مراجعة للكتاب في «لندن رفيو أوف بوكس» (25 يونيو / حزيران 2026) كانت هذه الذكريات سجلاً لماضٍ بطولي، خاصة أنها تصدر بعد أن رحل تولستوي وتشيخوف عن الدنيا.

لم يكن غوركي يغفل تسجيل أي مشهد أو محادثة مهما كانت بسيطة حتى تافهة. فهو يذكر مثلاً أن تولستوي أثنى على أقصوصة تشيخوف المسماة «العزيزة» في حضور مؤلفها: «ذات يوم كان تشيخوف يعاني من ارتفاع في درجة الحرارة، يجلس وعلى وجنتيه بقع حمراء ورأسه مائل إلى الأمام، ينظف منظاره المثبت على الأنف مدققاً. لم يقل شيئاً لبرهة، وأخيراً وهو يتنهد، قال بهدوء محرجاً: إن فيها أخطاء طباعية.. قصة بسيطة ولكنها تلقي الضوء على جانب مهم من شخصية تشيخوف، هو الإنسان الدمث المتواضع الذي لا يفخر بمنجزاته، وإن كانت منجزات رائعة قل أن يصل إليها غيره».

وكانت المودة متبادلة بين تولستوي وتشيخوف. لصلاح عبد الصبور مقالة عنوانها «عدو التفاهة» في كتابه «مدينة العشق والحكمة»، يقول فيها عن تشيخوف: «عندما يتحدث عن تولستوي تسبح على عينيه ابتسامة شاحبة رقيقة وخجولة معاً، وينخفض صوته كأنه يتحدث عن شيء قابل للكسر... شيء ينبغي أن يتناوله الإنسان في حرص وفي حب».

وموقف غوركي من تولستوي يلخصه قوله: «لن أكون يتيماً ما ظلّ هذا الرجل يعيش على ظهر الأرض». أبوة روحية رغم الفارق الطبقي الكبير بين تولستوي النبيل الأرستقراطي وغوركي البروليتاري القادم من أسفل السلم الاجتماعي.

وتكشف محادثات غوركي مع تولستوي عن آراء هذا الأخير في عدد من الأدباء. يقول مثلاً: «إن للفرنسيين 3 كتّاب: ستندال وبلزاك وفلوبير. هناك أيضاً موباسان بطبيعة الحال، ولكن تشيخوف خير منه. أما عن الأخوين جونكور فأي مهرجين هما! إنهما لا يعدوان أن يتظاهرا بالجدية. لقد عرفا الحياة من كتب وضعها مؤلفو قصص خرافية مثلهما، وظنّا أنها جدّ. لا أحد بحاجة إلى ذلك». وقد اختلف غوركي معه في هذا الرأي «وضايقه هذا بعض الشيء». كذلك صار تولستوي غير راضٍ عن دوستويفسكي قائلاً: «إن قراءته شاقة ولا تفضي إلى شيء».

كان غوركي يعد تولستوي أباه الروحي رغم الاختلاف الشاسع بين آيديولوجية الكاتب الشاب اليساري والمتصوف المسيحي العجوز

كذلك كتب غوركي عن ليونيد آندريف، وهو - وإن يكن أقل شهرة من تولستوي وتشيخوف - قاصّ وكاتب مسرحي ومصور فوتوغرافي موهوب. وقد صدّر أول مجموعة قصصية له عام 1901 بإهداء إلى غوركي الذي شجّعه على دخول مضمار الأدب. ومن رواياته «السبعة الذين شنقوا» (لها ترجمة عربية) عن الإرهاب السياسي. وله أكثر من 20 مسرحية، منها «هو الذي يصفع» (مترجمة أيضاً إلى العربية). وإذ كان مناهضاً لثورة أكتوبر 1917، فقد عاش خارج روسيا ومات منفياً في فنلندا.

والمفارقة أنه بعد مرور 10 سنوات على كتابة هذه الذكريات غدا غوركي ذاته - في نظر أجيال الشباب - حكيماً مثل تولستوي. وفي مؤتمر الكتاب المنعقد في 1934 (الحقبة الستالينية) غضّ غوركي من شأن «الواقعية النقدية» التي يمثلها تولستوي وتشيخوف، ودعا بدلاً منها إلى «واقعية اشتراكية» أدخل في باب الدعاية منها في باب الفن. وأحجم عن مدّ يد العون لأدباء أصغر سناً، مثل الشاعر أوسيب ماندلستام، حين كان هؤلاء الأدباء في أمس الحاجة إلى غذاء وكساء.

وإذا غضضنا الطرف عن هذه السقطات - وهي تكثر في ظل الأنظمة الديكتاتورية - فستظل هناك حقيقة مستفادة من هذا الكتاب؛ أن فوارق السن بين الأجيال لا يجب أن تحول دون تواصلها. واختلاف الرأي السياسي لا يجب أن يفسد للودّ قضية. فما يجمع بين الأدباء أكبر مما يفرق بينهم، كلهم سدنة في معبد الفن مهما جنحوا يميناً أو وسطاً أو يساراً، فالفن أبقى من السياسة.