دبلوماسي أميركي رفيع لـ «الشرق الأوسط»: ليس لدينا خطط خفية في سوريا.. ومستقبلها يقرره السوريون

مبعوثو الدول المؤثرة «يواكبون» عن قرب محادثات جنيف ومواقف الأطراف «تطبخ» في فنادقها

دبلوماسي أميركي رفيع لـ «الشرق الأوسط»: ليس لدينا خطط خفية في سوريا.. ومستقبلها يقرره السوريون
TT

دبلوماسي أميركي رفيع لـ «الشرق الأوسط»: ليس لدينا خطط خفية في سوريا.. ومستقبلها يقرره السوريون

دبلوماسي أميركي رفيع لـ «الشرق الأوسط»: ليس لدينا خطط خفية في سوريا.. ومستقبلها يقرره السوريون

بقدر ما تحصل محادثات جنيف - 3 في جولتها الثانية في قصر الأمم المتحدة، فإن خيوطها تحبك في فنادق المدينة السويسرية حيث حلت الوفود السورية ولكن أيضا وتحديدا «المبعوثون الخاصون» لمجموعة الدعم لسوريا. وإلى جانب الاجتماعات الرسمية التي يستضيفها قصر الأمم في إطار المحادثات الرسمية المنفصلة مع وفدي النظام والهيئة العليا للمفاوضات «المعارضة» التي يقودها المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا، أو تلك الدورية التي تجري في إطار مجموعتي العمل لمراقبة وقف الأعمال العدائية أو لإيصال المساعدات الإنسانية للمدن والقرى المحاصرة، فإن فنادق الخمسة أو الأربعة نجوم تشهد بعيدا عن الأضواء لقاءات أكثر أهمية وفق صيغ متعددة: المجموعة المصغرة الداعمة للمعارضة السورية التي تضم 11 بلدا هي الدول الغربية والخليجية وتركيا ومجموعة الـ17 المكونة لمجموعة الدعم لسوريا فضلا عن لقاءات شبه متلاحقة مع وفد الهيئة العليا أو مع وفد النظام. أما آخر الواصلين فكانت «مجموعة القاهرة - موسكو» بحسب ما تسميها بيانات فريق عمل دي ميستورا «أو المعارضة الديمقراطية - العلمانية كما تحب تسمية نفسها» التي التقى بها مساء الأربعاء وما زال وضعها «وفد تفاوضي، مجموعة استشارية، مجتمع مدني...» غير محسوم.
حتى الآن، وبعد أربعة أيام على الانطلاقة الرسمية للجولة الثانية، لم تثمر لقاءات جنيف أي نتيجة ملموسة. فرئيس وفد النظام السوري ما زال يستغل كل مناسبة ليؤكد أن المحادثات رغم وصفه لها بـ«الإيجابية والمفيدة» تدور في الأمور الشكلية والإجرائية وهو يعني تحديدا تعيين هوية المفاوضين من جانب المعارضة. وما يريد السفير بشار الجعفري الحصول عليه هو ألا يجد نفسه بمواجهة وفد المعارضة المنبثقة عن مؤتمر الرياض والذي أفرز الهيئة العليا للمفاوضات وهو، لو جازت التسمية، الوفد «الرسمي» للمعارضة. ولذا، فإنه يضغط باتجاه دفع دي ميستورا للتعامل مع «مجموعة القاهرة - موسكو» كوفد ثالث. والفائدة السياسية من وراء ذلك تشتيت المعارضة والتوكؤ على الوفد الأخير المدعوم روسيا لقطع الطريق على مطالب وفد الهيئة العليا الساعي لطرح تشكيل «هيئة الحكم الانتقالي» منذ الجلسات الأولى وتشديده على ضرورة خروج الرئيس السوري من السلطة منذ بدء المرحلة الانتقالية فيما وفد النظام متمسك بـ«مفهومه» للعملية السياسية أي تشكيل حكومة وحدة وطنية موسعة تضم إليها بعض شخصيات المعارضة «المقبولة» وكتابة دستور جديد يقر في استفتاء شعبي تليه انتخابات تشريعية. أما موقع رئيس النظام الأسد، بحسب وزير الخارجية وليد المعلم فهو «خط أحمر».
هذا التصور نقله الجعفري الاثنين الماضي تحت مسمى «عناصر للحل السياسي» إلى دي ميستورا. وقام وفد الهيئة العليا بتسليم المبعوث الدولي ورقة أولية تعكس تصورها للحل السياسي. كذلك فعلت «مجموعة القاهرة - موسكو» أول من أمس. واللافت، وفق ما نقلته مصادر فريق دي ميستورا، أن الأخير لم يسلم رسميا كل طرف ما اقترحه الطرف الآخر بل إنه يحتفظ بالمقترحات ويعمل فريقه على درسها والمقارنة فيما بينها واستخلاص نقاط الالتقاء من أجل تظهير «أرضية» يمكن البناء عليها وإخصابها من خلال مقترحات يقدمها فريقه. وعندما يرى أن الأمور قد «نضجت» سيعمد إلى الدعوة إلى لقاءات مباشرة بين وفدي النظام والمعارضة. ورغم «الهوة» التي تفصل بين مقترحات الوفدين، فإن دي ميستورا يحافظ على هدوء أعصابه ويعتبر ذلك «أمرا طبيعيا» في نزاع يدوم منذ خمس سنوات.
تقول مصادر غربية على اطلاع على ما يقوم به دي ميستورا لـ«الشرق الأوسط» إن الأخير «استخلص العبر» من تجربة سابقيه كوفي أنان والأخضر الإبراهيمي وهو يريد «إنجاز شيء ما» بالاعتماد على «الدبلوماسية الهادئة» والمرونة والحيادية ليبقى مقبولا من الطرفين السوريين ومن الأطراف الراعية إقليميا ودوليا. بيد أنه يلجأ من وقت لآخر، وفق قراءة المصادر الغربية، إلى «إبراز العضلات الدبلوماسية» بإعلان استعداده لطلب «النجدة» من مجلس الأمن الدولي ومن الراعيين «الأساسيين» للمفاوضات أي الولايات المتحدة الأميركية وروسيا. وهاتان الدولتان أرسلتا دبلوماسيين رفيعي المستوى إلى جنيف من أجل «مواكبة» المحادثات الجارية وتقديم المشورة والنصح. وخلاصة المصادر الغربية أن هناك ما يمكن تسميته «منهج دي ميستورا» الدبلوماسي المخضرم الذي لا يخلو من الهنات ومنها مثلا استعجاله في الدعوة إلى انطلاق محادثات جنيف نهاية يناير (كانون الثاني) من غير أن يستوفي الشروط التي توفر له الحد الأدنى من حظوظ النجاح كـ«تبريد» جبهات القتال وإيصال المساعدات الإنسانية... وهي الأمور التي تحققت بنسبة كبيرة مع الهدنة الراهنة فيما يبقى موضوع إطلاق الموقوفين مجمدا.
إلى جانب الكلام الرسمي، تلجأ الأطراف المؤثرة إلى الصحافة لإيصال تصوراتها لما وصلت إليه الأزمة السورية. ولذا، فإن فاعلية العمل الصحافي كما تبرز في جنيف تقوم على مدى الانخراط في شبكة العلاقات التي توصل إلى مصادر المعلومات. وهكذا، فإن مصدرا دبلوماسيا أميركيا رفيع المستوى عرض في لقاء ضيق دعيت إليه «الشرق الأوسط» تقييم بلاده لما تحقق وتصورها للمرحلة القادمة ونظرتها للمسائل الخلافية.
يقول المصدر المشار إليه إن واشنطن تعتبر أن في جنيف وفدين فقط: وفد النظام ووفد الهيئة العليا للمفاوضات المنبثق عن مؤتمر الرياض وليس هناك وفد ثالث. لكنها بالمقابل وبالنظر لقراءتها لبياني فيينا وللقرار الدولي رقم 2254. فإنه يحق للمبعوث الدولي دي ميستورا أن «يستشير من يشاء» من الشخصيات ومنظمات المجتمع المدني وهو ما يقوم به. وفيما تبدو الهوة سحيقة بين تصور النظام والمعارضة للمرحلة القادمة، فإن المصدر الأميركي يؤكد أن «المرجع الأساسي» للعملية السلمية هو بيان جنيف لصيف العام 2013 الذي ينص على إقامة هيئة حكم انتقالي ذات صلاحيات تنفيذية كاملة. أما بشأن تصريحات السفير الجعفري النارية لدى انتهاء كل اجتماع مع فريق دي ميستورا، فقد قال المصدر الأميركي إن «المهم ليس ما يقوله الجعفري خارج غرفة الاجتماعات وإنما داخلها». وسألت «الشرق الأوسط» المصدر الأميركي عن طبيعة الاتصالات مع موسكو وعن «خطة» بلاده لمستقبل سوريا ولما يروج عن وجود «تفاهم روسي - أميركي» فيما الكثيرون في العالم العربي يؤمنون بـ«نظرية المؤامرة» فكان رده أن واشنطن «لم تضع خطة لا في السر ولا في العلن» وأن تفضيلها التعاون مع الطرف الروسي «على التعاون مع الأطراف الأخرى الإقليمية أو الدولية» مرده لقدرة موسكو على التأثير على النظام. وفي أي حال، فإن الصورة المستقبلية لسوريا «تحدده نتائج المفاوضات بين السوريين».
اللافت فيما قاله المصدر الأميركي هو حذره البارز في التعاطي مع موضوع قرار الرئيس بوتين سحب «الأساسي» من قواته من سوريا إذ اكتفت بالقول إن بلاده «تراقب ما يحصل وتأمل في أن يكون ذلك علامة إيجابية». وفهم منه أنه يفضل قبل إطلاق أحكام متسرعة التأكد من خطط موسكو وحصول زيارة وزير الخارجية جون كيري إلى العاصمة الروسية يوم الثلاثاء القادم ولقائه بالرئيس بوتين وبنظيره لافروف الذي دافع عن التعاون الوثيق معه وهو ما يعتبره مفيدا ومؤثرا. ومن الأمثلة التي عرضها التزام روسيا بعملية وقف الأعمال العدائية واحترامها للتعهدات التي قطعتها. وللمرحلة القادمة، فإن المصدر الأميركي يرى أنه يتعين العمل جديا على موضوع إطلاق المعتقلين وهو بند ورد في قرار مجلس الأمن رقم 2254 تحت باب تدابير الثقة بين الطرفين. وفي أي حال، فإن المصدر الأميركي ينظر بـ«إيجابية» إلى ما يجري في جنيف رغم الملفات الصعبة ومنها ملف المعتقلين التي يتعين معالجتها.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.