قراءة في السياسة الأميركية بسوريا ولبنان

روبرت غيتس: البيت الأبيض و«مجلس الأمن القومي» نجحا في حصر السياستين الخارجية والدفاعية في يد أوباما بشكل لا سابق له

الرئيس أوباما يستمع الى حديث الرئيس الفرنسي هولاند في البيت الأبيض (أف ب)
الرئيس أوباما يستمع الى حديث الرئيس الفرنسي هولاند في البيت الأبيض (أف ب)
TT

قراءة في السياسة الأميركية بسوريا ولبنان

الرئيس أوباما يستمع الى حديث الرئيس الفرنسي هولاند في البيت الأبيض (أف ب)
الرئيس أوباما يستمع الى حديث الرئيس الفرنسي هولاند في البيت الأبيض (أف ب)

قدم أحد المغردين على موقع «تويتر» رابط المقالة المشتركة التي نشرها الرئيسان الأميركي باراك أوباما والفرنسي فرنسوا هولاند في صحيفة «واشنطن بوست»، بمناسبة زيارة الأخير إلى العاصمة الأميركية، وجاء فيها: «لقد مهد تهديدنا باستخدام القوة الطريق لخطة نزع أسلحة سوريا الكيماوية». وأضاف الرئيسان: «الآن، على سوريا الوفاء بالتزاماتها»، ما دفع المغرد المذكور إلى التعليق: «على سوريا الوفاء بالتزاماتها وإلا فماذا؟ نذهب إلى جنيف 15؟».
التغريدة تختصر السياسة الأميركية تجاه سوريا منذ اندلاع الثورة المطالبة بإنهاء حكم الرئيس السوري بشار الأسد في مارس (آذار) 2011. وهي سياسة متمحورة حول الكلام والتصريحات. بعضها حازم، وبعضها الآخر غامض، وكلها قلما تقترن بأفعال أو رؤية عامة متناسقة أو متماسكة.
وفي وقت لم يكن معروفا، في الأشهر الأولى للثورة، من يضع هذه السياسة، بدا جليا في وقت لاحق أن أوباما نفسه هو المسؤول الأول والأخير عنها، أو هذا هو الوصف الذي قدمه وزير دفاعه السابق روبرت غيتس، الذي قال في كتاب مذكراته الصادر حديثا إن البيت الأبيض، و«مجلس الأمن القومي» خصوصا، نجحا في حصر السياستين الخارجية والدفاعية الأميركية في يدي الرئيس بشكل لا سابق له، وإنه منذ أن انخرط غيتس في عالم السياسة في أوائل السبعينات وعمل في الإدارات المتعاقبة، لم يسبق أن رأى مركزية في القرار كالتي عايشها تحت حكم الرئيس الحالي.

يضرب غيتس أمثلة متعددة على احتكار أوباما الكامل لقرارات السياسة الخارجية الأميركية بالقول إنه في موضوع تسليح المعارضة السورية، كان هو ووزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، ومدير «وكالة الاستخبارات المركزية» (سي آي إيه) السابق ليون بانيتا يؤيدون التسليح، لكن أوباما لم يكن يستمع إلى وزيري دفاعه وخارجيته ومدير استخباراته، بل كان يصر على عدم التسليح.
وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، وفي حلقة حوارية في ولاية تكساس شارك فيها غيتس وبانيتا، قال الرجلان إنهما لو كانا في مركزيهما لكانا قدما نصيحة للرئيس بتوجيه ضربة لقوات الأسد، من دون الذهاب إلى الكونغرس طلبا لموافقة استخدام القوة العسكرية، عقابا للأسد على شنه هجوما بالأسلحة الكيماوية في ضاحية دمشق في 21 أغسطس (آب) الماضي.
سبتمبر 2013 شهد أيضا استدارة أوباما الشهيرة على نفسه، فهو بعدما ركن أربع سفن حربية مقاتلة قرب الشواطئ اللبنانية والسورية، خرج إلى العلن فجأة، وكان يوم سبت وهو اليوم الذي تفرض فيه عطلة نهاية الأسبوع شبه حظر على النشاط السياسي في العاصمة الأميركية، ليبلغ الأميركيين أنه ارتأى أن يحيل قرار توجيه الضربة في سوريا إلى الكونغرس الذي يسيطر الحزب الجمهوري المعارض على غالبية مجلس الممثلين فيه، فيما يحتفظ حزب أوباما الديمقراطي بغالبية مجلس الشيوخ.
وفيما اعتقد المتابعون في بادئ الأمر أن أوباما اتخذ قراراه بعد استشارة زعماء الكونغرس من الحزبين وحصوله على موافقتهم، اتضح فيما بعد أن الرئيس الأميركي لم يكن قد طلب مشورة أحد، ولا حتى كبار أركان إدارته، إذ أشارت التسريبات اللاحقة إلى أن أوباما اتخذ قراره منفردا وبالتشاور فقط مع رئيس موظفي البيت الأبيض دينيس ماكدنو، ثم جمع في وقت لاحق القياديين في «فريق الأمن القومي» ليعلمهم بقراره، لا ليستشيرهم، وكذلك فعل مع وزيري خارجيته ودفاعه جون كيري وتشاك هيغل اللذين بلغا الخبر من الرئيس عبر الهاتف.
عدم اكتراث أوباما بالشأن السوري، ولا بنصائح كبار أركان إدارته حول ضرورة تسليح الثوار وتوجيه ضربة لقوات الأسد، أكدته فيما بعد صحيفة «نيويورك تايمز» في مقالة نشرتها في أكتوبر (تشرين الأول) وشارك في كتابتها مايكل غوردن، وهو معروف بقربه من البيت الأبيض، وجاء فيها أنه «حتى في الوقت الذي اكتسب فيه النقاش حول تسليح الثوار أهمية استثنائية، كان يندر أن يعبر السيد أوباما عن آراء قوية أثناء اجتماعاته مع كبار موظفيه».
ونقلت الصحيفة عن كبار المسؤولين الحاليين والسابقين قولهم إنه لطالما كانت «لغة جسد أوباما في هذه الاجتماعات معبرة؛ فهو كان يبدو غالبا غير صبور وغير منخرط أثناء استماعه للنقاش، وكان أحيانا يتناول جهازه البلاكبيري أو يمضغ العلكة».

* سوريا تهدد أمن أميركا
في ظل احتكار أوباما قرارات السياسة الخارجية، وفي ظل غياب حماسة أوباما تجاه سوريا كان من الطبيعي أن تتراوح سياسة واشنطن تجاه الأزمة السورية بين المرتبكة والمتضاربة، فعلى عكس ما حدث في مصر حيث لم يمر الكثير من الوقت قبل أن يتخلى أوباما عن حليف أميركا الرئيس الأسبق حسني مبارك ويقول له إن مغادرته اليوم تعني الأمس، تأخر أوباما كثيرا في اتخاذ موقف تجاه عدو أميركا بشار الأسد، إذ مضت خمسة أشهر على اندلاع الثورة السورية قبل أن يطلق الرئيس الأميركي، في 17 أغسطس 2011، تصريحا قال فيه إن «مستقبل سوريا يقرره الشعب السوري، لكن الرئيس بشار الأسد يقف في الطريق»؛ لذا «من أجل مصلحة الشعب السوري، حان الوقت للرئيس الأسد أن يتنحى جانبا».
قبل ذلك، وفيما كانت قوات الأسد تطلق النار على المتظاهرين السوريين السلميين وتقتل منهم وتعتقل وتعذب، التزمت واشنطن الصمت باستثناء إصدار وزارة الخزانة ثلاثة قرارات عقوبات مالية طالت مقربين من الأسد.
على أن مطالبة أوباما الأسد بالرحيل لم تتعد كونها موقفا خطابيا لم يقترن بأي سياسات معينة داخل العاصمة الأميركية، فلم يجرِ رصد أي أموال لدعم الثوار أو تدريبهم، ولا جرى تخصيص شحنات أسلحة لتسليحهم، ورفض أوباما التهديد باستخدام القوة الأميركية من أجل إجبار الأسد على الرحيل. على العكس، تمادت الإدارة الأميركية في حبس دعمها المادي عن الثوار، وأرسلت عاملين في استخباراتها إلى الدول الحليفة المجاورة لسوريا، وراح هؤلاء العملاء يتفحصون كل عمليات التسليح التي قامت بها دول مؤيدة للثوار، وراحوا يمنعون تزويد الثوار بأي أسلحة نوعية.
وداخل واشنطن، راح أوباما يعقد الاجتماعات المتوالية لفريق الأمن القومي، برئاسته، من أجل التباحث في تطورات الشأن السوري. ولأن أوباما حافظ على صمته وعدم اكتراثه، تحول النقاش بين أفراد فريقه إلى نقاش حامي الوطيس، خصوصا بين كيري، المؤيد لضربة أميركية «تجعل الأسد يقرأ الكتابة على الحائط» ويدرك أن لا سبيل له للبقاء أو لحكم سوريا مجددا، وهيغل الذي يعارض الضربة العسكرية ويعتقد أن أفضل الحلول هو التوصل إلى تسوية مع إيران تتضمن سوريا.
وفي إحدى الجلسات، تفاقم النقاش بين كيري وهيغل إلى حد دفع أوباما إلى الطلب منهما ترتيب لقاء بينهما في اليوم التالي لتبريد الأجواء.

* تنظيم القاعدة وحزب الله اللبناني
على أن الرأي الأبرز الذي خرج من هذه الاجتماعات إلى العلن كان رأي رئيس الأركان الجنرال مارتن ديمبسي، الذي كرر سرا وعلنا اعتقاده أن لا مصلحة أميركية في استخدام القوة العسكرية في سوريا. وكرر ديمبسي، أثناء لقاءات فريق الأمن القومي، أن في سوريا حربا بين طرفين هم بمثابة إرهابيين وأعداء لأميركا: تنظيم القاعدة وحزب الله اللبناني، وأنه كلما طالت المعركة بين هذين الطرفين، استنزفا قوتيهما، وكانت المواجهة في مصلحة واشنطن التي ليس لها مصلحة، في هذه الحالة، في التدخل لمصلحة أي منهما.
وتبنى نظرية أن مصلحة أميركا في استمرار الحرب بين «القاعدة» وحزب الله عدد من أصحاب القرار والخبراء الأميركيين، وخصوصا من أصدقاء إسرائيل.
إلا أن المسؤولين والخبراء الأكثر حنكة كانوا يدركون أن استمرار المواجهة في سوريا لم يكن في مصلحة أميركا، وقال هؤلاء إن الحرب السورية تقدم مسرحا ملائما للإرهابيين للاستقطاب، والتنظيم، والتدريب، والتسليح، وإقامة شبكات تمويل. وأضاف هؤلاء أنه عندما تنتهي الحرب السورية، سيعود الإرهابيون إلى منازلهم، ولكنهم سيحتفظون بتدريبهم وبعلاقاتهم مع الشبكات الإرهابية، وقد يستخدمون الخبرة التي اكتسبوها في سوريا لشن عمليات إرهابية في دول غربية، منها الولايات المتحدة.
في هذا السياق، قال وزير الأمن القومي الأميركي جيه جونسون إن مسؤولي الاستخبارات الأميركيين «يعرفون أشخاصا من أميركا الشمالية وأوروبا في طريقهم إلى سوريا حيث سيجدون أنفسهم تحت تأثير نفوذ راديكاليين متطرفين، وربما يعودون إلى بلدانهم فيما بعد (في الغرب) مع نية القيام بأذى».
وقال جونسون، في خطاب في مركز وودرو ويلسون في واشنطن في شهر فبراير (شباط) الماضي، إن «سوريا أصبحت شأنا مرتبطا بالأمن القومي» للولايات المتحدة، وهو تصريح يشبه تصاريح مماثلة أدلى بها مسؤولون أميركيون كبار حول خوفهم من أن تتحول سوريا إلى ملتقى للإرهابيين الذين يتلقون التدريب ثم يعودون إلى بلدانهم، مثل أميركا، فيهددون أمنها.

* أوباما: سوريا حرب الآخرين الأهلية.. ولبنان تابع
التضارب في آراء المسؤولين الأميركيين ليس حديثا، فمنذ اندلاع الثورة السورية والمسؤولون هنا يقدمون مواقف ورؤى متضاربة، فتصريحات جونسون وأمثاله حول الخطر الذي تشكله الحرب السورية على الأمن القومي الأميركي هو رأي يتناقض تماما مع تصريحات أوباما المتكررة، التي غالبا ما تكون مرتبكة ومتناقضة.
وبلغ الارتباك في رؤية ومفهوم أوباما تجاه سوريا ذروته ليل العاشر من سبتمبر أثناء توجيهه خطابا إلى الشعب الأميركي حول الأزمة السورية. وقتذاك، قال أوباما للأميركيين: «الليلة، أريد أن أتحدث إليكم عن سوريا، ولماذا تهمنا». وبعدما سرد الرئيس الأميركي تاريخ الثورة السورية، وقال: إن قمع الأسد للمظاهرات السلمية حولها إلى حرب أهلية، واتهم حكومة الأسد بشن هجوم كيماوي أدى إلى مقتل أكثر من ألف سوري، ما خرق «مفهومنا للإنسانية»، قال أيضا إن «ما حدث لهؤلاء الناس (لهؤلاء الأطفال) ليس فقط اختراقا للقانون الدولي، بل هو أيضا خطر على أمننا». ثم عاد ليصف الوضع في سوريا بأنه «حرب الآخرين الأهلية» التي لا يمكن حلها باستخدام القوة الأميركية.
في خطاب أوباما ذاك حول سوريا تناقض واضح، إذ هو من ناحية عدها «حرب الآخرين الأهلية» التي لا مصلحة لواشنطن في التدخل فيها، ومن ناحية أخرى عدها «تهديدا للأمن القومي» الأميركي الذي يفرض اهتماما أميركيا. وفي وسط التناقض في مواقفه، يقف أوباما متفرجا حتى اليوم.
على أن الرئيس الأميركي جدد اعتقاده أن الحرب في سوريا هي «حرب الآخرين» في مقالته المشتركة مع هولاند، التي جاء فيها: «وفيما تهدد الحرب في سوريا استقرار المنطقة، بما فيها لبنان، على المجتمع الدولي أن يزيد من مجهوده للعناية بالشعب السوري، وتقوية المعارضة السورية المعتدلة، والعمل من خلال عملية جنيف 2 باتجاه انتقال سياسي يمكنه أن يخلص الشعب السوري من الديكتاتورية والإرهاب».
إذن، عاد أوباما إلى مقولة إن الحرب في سوريا تهدد أمن المنطقة، ولبنان، فيما هو لم يعدها تهدد الأمن القومي الأميركي. هكذا، يصبح الحل في سوريا ولبنان، مرتبطا بتوصل السوريين إلى حل سياسي خلال «عملية جنيف».
واستخدام كلمة «عملية» لوصف مؤتمر جنيف هو عادة درج عليها المسؤولون الأميركيون منذ مطلع هذا العام، لإدراكهم أن المؤتمر لا يمكنه التوصل إلى حلول قريبة، ولتبريرهم استمرار عملية القتل المستمرة في سوريا فيما المجتمع الدولي يقف متفرجا بقولهم إن «الانتقال السياسي» في سوريا هو عملية تستغرق وقتا، وإنها لن تجري بسرعة، ما يبرر الموقف الدولي المتفرج.
على أن ما يثير القلق في موقف أوباما، الذي يبدو أنه ألبسه لهولاند كذلك، هو اعتقاد الرئيس الأميركي أن لبنان هو مجرد تابع لسوريا، وأن أي اهتزاز لاستقراره هو بسبب الحرب السورية. كما يشي قول أوباما إن الحل الوحيد للتخلص من الديكتاتورية والإرهاب في سوريا هو عملية انتقالية سياسية بين السوريين باعتقاده أن الإرهاب اليوم هو في سوريا فقط، مع العلم أن وزارة الخارجية الأميركية تضع حزب الله اللبناني على قائمتها للتنظيمات الإرهابية، وكذلك يفعل الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعني أنه إذا كانت سوريا لا تثير قلق أوباما، الذي يعتقد أن لا دور لبلاده للحل فيها، فإنه لن يثير لبنان قلق الرئيس الأميركي، رغم وجود حزب الله، السابق لاندلاع الثورة السورية، والذي يواجه أعضاؤه عددا من المحاكمات الدولية والمحلية في دول أوروبية وآسيوية بتهمة التفجير، كما في بلغاريا في عام 2012. أو التخطيط للقيام بعمليات إرهابية، كما في قبرص العام الماضي.

* الولايات المتحدة وحزب الله: عدو عدوي صديقي
في يونيو (حزيران) 2013. كتب آندرو أكسوم، مسؤول ملف لبنان السابق في مكتب وزير الدفاع الأميركي، تغريدة جاء فيها: «أعجب كيف يحث حزب الله اللبنانيين على دعم الجيش». وأضاف متوجها بسؤال إلى الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله بالقول: «إذن نحن الآن نتفق على أن على الدولة احتكار العنف يا أبو هادي؟».
وقتذاك جاء التلاقي في المواقف بين أميركا وحزب الله على دعم الجيش اللبناني، وفي حالة الحزب المذكور ربما القتال إلى جانب الجيش أو حتى توريطه في معركة مع رجل الدين أحمد الأسير في مدينة صيدا الجنوبية. والأسير كانت تحيطه مجموعة من عشرات المؤيدين، بعضهم مع أسلحة خفيفة، ولكن الشيخ المذكور ومجموعته لم يرقيا في الغالب إلى مستوى المجموعات المسلحة التي يمكنها أن تهدد أمن اللبنانيين أو حكومتهم.
والأهم أن وزارة الخارجية الأميركية لا تضع الأسير ولا مجموعته على لائحة التنظيمات المصنفة إرهابية، ما يعني أن أي مواجهة تخوضها القوى الأمنية اللبنانية مع الأسير هي من باب حفظ الأمن، وأنها لا تدخل في إطار «الحرب على الإرهاب»، ولا تتطلب حتى مشاركة الجيش اللبناني في القتال.
إلا أن الحكومة الأميركية لم تكترث لتفاصيل الأسير، بل جددت دعمها للجيش اللبناني، ووجدت نفسها في ذلك في موقع مطابق لموقع حزب الله، فيما خلت البيانات والتصريحات الأميركية من أي إشارة تطالب الجيش اللبناني بفرض سلطة الدولة على الأرض اللبنانية كاملة، بما في ذلك المناطق التي يسيطر عليها حزب الله، الذي تعده واشنطن تنظيما إرهابيا.
التطابق بين الولايات المتحدة وحزب الله اللبناني لم يأت في إطار توافقهما على «الحرب على الإرهاب» في لبنان فحسب، بل في سوريا كذلك، إلى درجة أنه لم يدلِ أي مسؤول أميركي بتصريح يعد فيه أن وجود الحزب في سوريا، للقتال إلى جانب الأسد، هو إرهاب، بل تدلى التصريحات الأميركية على اعتقاد واشنطن أن الإرهاب في سوريا مصدره المجموعات المناهضة للأسد وحزب الله فقط.
ويأتي كذلك اعتبار أوباما، في مقالته مع الرئيس الفرنسي، أن لبنان هو ضحية الحرب السورية، من دون أن يعد أن لبنان هو (قبل حرب سوريا) ضحية حزب الله الذي تصنفه واشنطن إرهابيا، ليؤكد التفكير الأميركي أن الولايات المتحدة لم تعد ترى في حزب الله عدوا، بل ترى فيه في الغالب حليفا أو صديقا، حتى وإن بشكل غير رسمي، وعلى قاعدة «عدو عدوي صديقي».
التقارب الأميركي مع حزب الله في لبنان وسوريا يأتي في وسط الانفراجات بين واشنطن وطهران في ملف إيران النووي، والتوصل إلى «اتفاقية إطار» مؤقتة في جنيف في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. كذلك نشرت وسائل إعلام أميركية وأوروبية وعربية مختلفة مقالات أكدت فيها وجود قنوات حوار غير مباشر بين واشنطن والحزب اللبناني، وهو أمر لاقى نفيا تامّا من الطرفين.
لكن «لا دخان من دون نار»، حسب القول المأثور، فمع حلول العام الحالي، أطل سعد الحريري رئيس أكبر كتلة في «مجلس النواب» اللبناني ورئيس الحكومة الأسبق المناوئ لحزب الله والأسد ليعلن قبوله الدخول في حكومة «وحدة وطنية» مع الحزب وحلفائه، بعدما رفض الحريري هذا الأمر على مدى عشرة أشهر، مطالبا بانسحاب مقاتلي الحزب من سوريا كشرط لقبوله تأليف حكومة من هذا النوع.
ولكن رغم موافقة الحريري على تشكيل حكومة وحدة برئاسة النائب في كتلته تمام سلام، برزت عقبات وضعها حليف حزب الله النائب ميشال عون.
يعتقد الكاتب والتر راسل ميد أن الدول الآسيوية تقول اليوم عن الرئيس أوباما ما كانت تقوله بالضبط عن الرئيس السابق جورج بوش، بأنه «رغم التزام أميركا اللفظي بآسيا، ابتلع الشرق الأوسط السياسة الخارجية الأميركية». وتأتي شكوى حلفاء أميركا في آسيا، رغم تكرار المسؤولين الأميركيين لمقولة «الاستدارة» من الشرق الأوسط إلى الشرق الأقصى: «في وقت يدل على اتساع دور الصين وتزايد قوة الردود اليابانية على اعتقاد الدولتين أن واشنطن ليست مهتمة بشؤون منطقتهم، وهو ما يعني أن الأوضاع تصبح أكثر خطورة» في غياب قوة ناظمة للعلاقات المتدهورة بين دول هذه المنطقة.
«هذه ليست مشكلة آسيا أو الشرق الأوسط أو أي حي من العالم تشعر الإدارة بأنها ترغب في الاستدارة نحوه»، يكتب ميد، ويضيف: «إنها مشكلة انفصال بين ما تقوله الإدارة وبين ما تفعله، وهو ما يدفع الناس إلى السؤال: هل تعني إدارة أوباما ما تقوله؟».
ويتابع الكاتب الأميركي أن «كارثة الخطوط الحمر في سوريا»، أي أنه عندما هدد أوباما الأسد بأن استخدام الأسلحة الكيماوية سيكون بمثابة تخطي الخطوط الحمراء ويجبر أميركا على التدخل عسكريا: «مزق مصداقية الإدارة حول العالم»، وهو ما يجعل الجميع عصبيين، في حال كنا نستدير نحوهم أو لا، فكل ما تقوله الإدارة الآن يبدو، وللأسف، وكأنه خط أحمر جديد في سوريا.
ويختم ميد أنه لا يمكن حل مشاكل إدارة أوباما للسياسة الخارجية بالاستدارة من منطقة إلى منطقة، فآسيا تحتاج إلى المزيد من الانتباه الأميركي، وكذلك الشرق الأوسط، وكذلك (كما بدا واضحا في أوكرانيا) أوروبا، إذ إن «ما تحتاجه إدارة أوباما فعلا هو استدارة نحو العالم، واستدارة نحو سياسة خارجية جدية ومتناسقة تقول فيها ما تعنيه وتعني ما تقوله».

* صحافي وكاتب لبناني مقيم في الولايات المتحدة



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.