أبو بلال الحمصي.. من متمرد وطني إلى انتحاري «داعشي»

تزوج من تونسية بالتنظيم ما جعله مستحقًا لإعانة الزواج وتبلغ 1500 دولار وغيرها من المميزات المالية

أبو بلال الحمصي يحمل علم {داعش} الذي قتل بعملية انتحارية قام بها في حمص وقتل حوالي 30 شخصا
أبو بلال الحمصي يحمل علم {داعش} الذي قتل بعملية انتحارية قام بها في حمص وقتل حوالي 30 شخصا
TT

أبو بلال الحمصي.. من متمرد وطني إلى انتحاري «داعشي»

أبو بلال الحمصي يحمل علم {داعش} الذي قتل بعملية انتحارية قام بها في حمص وقتل حوالي 30 شخصا
أبو بلال الحمصي يحمل علم {داعش} الذي قتل بعملية انتحارية قام بها في حمص وقتل حوالي 30 شخصا

في السنوات الأولى للانتفاضة السورية، كان يصور المتظاهرين في شوارع حيه الذي يسيطر عليه المتمردون، في المركز التاريخي لمدينة حمص.
كان يهتف من أجل الكرامة والحرية، حاملا راية من الألوان الأبيض والأخضر والأسود، وهي النسخة القديمة من العلم الوطني. عندما حاصرت القوات الحكومية المدينة القديمة، كان يزرع الخضراوات على سطح منزل عائلته، كان يبكي وهو يترك ثمار الطماطم على فروعها مغادرا على مضض إثر قرار بوقف إطلاق النار. وفي وقت لاحق، وإثر شعوره بالحنين الشديد لوطنه، نقل بيتا من الشعر لشقيقته تقول فيه «ليس هناك أدفأ من حينا وبلادنا وبيتنا».
حتى في أحلك الظروف والأوقات، كان يتندر بالنكات ويمازح المراسلين من مختلف دول العالم، ويخبرهم بما لديه عن المعارك، ويرفق رسالاته النصية إليهم بالتعبيرات المبتسمة والورود. وقال ممازحا إحدى الفتيات ذات مرة على الشات «لسوف أتقدم لخطبتك قريبا». كان الرجل الذي يسمي نفسه أبو بلال الحمصي، بعبارة موجزة، متمردا وطنيا من الطراز الكلاسيكي. وكان من نشطاء الإعلام، حيث كان معروفا في أوساط المراسلين الأجانب هناك، ومناصرا للمقاتلين الذين يقاتلون ضد القوات الحكومية، ومن أهم مصادر المعلومات هناك. كان يستخدم اسما مستعارا يتحرك به لحماية أقاربه من الانتقام، والذي سوف يلحق بعائلته لا محالة إذا تم الكشف عن هويته الحقيقية الآن.
لم يكن من المقاتلين الأجانب، بل كان مواطنا سوريا يقاتل من أجل التغيير في بلاده وللدفاع عن حيه، وفي حين أنه كان محافظا من الناحية الدينية، كان يبدو برغم ذلك منفتحا على العالم الخارجي. ولذلك تعرض أصدقاؤه المقربون لصدمة عارمة الشهر الماضي لما علموا بأنه فجر نفسه منتحرا حيث صار، كما يحلو للمتطرفين من تنظيم داعش أن يصفوه، «فارس الاستشهاد». وتسبب الهدف الذي اختاره في جُل اللبس والارتباك لدى الناس: جيرانه من سكان حمص الذين يسكنون على مسافة قصيرة من منزل أبو بلال القديم. أسفر الانفجار الناجم عن قنبلتين في مصرع ما لا يقل عن 30 مواطنا وإصابة نحو 100 آخرين. ولقد تفاخر تنظيم داعش، بالعملية التي استهدفوا فيها «شرذمة من المرتدين»، كما وصفوهم.
يقول أحد أصدقائه ويدعى جلال التلاوي، والذي كان يعمل على مقربة منه خلال أيام الانتفاضة الأولى وحتى الحصار «لم أعتقد أبدا أن أبو بلال يفعل ذلك. لم يكن متعصبا ولا متطرفا. ولكن تصرفاته تغيرت تماما خلال الحصار».
يتابع التلاوي: مسار أبو بلال نحو التطرف بدأ بالاشتراك مع عدد من المقاتلين والنشطاء الذين بدأوا بداية نوعا ما علمانية، ضمن جماعات التمرد الوطنية، ثم انتقلوا أولا إلى الإسلامويين، ومنهم إلى المتطرفين من شاكلة «داعش».
يحول بعض من صغار المتمردين ولاءهم إلى «داعش» بناء على التزام آيديولوجي معين، أو بسبب الإكراه، أو بسبب أنه الخيار الأفضل أو لعله الوحيد أمامهم للحصول على السلاح والمال والحماية. ولكن في تلك البيئة المثيرة للحنق والسخط مثل حصار مدينة حمص، كما يقول التلاوي، كانت تصرفات أبو بلال – بصرف النظر عن سلوكياته الشخصية – تتخذ مسارا طائفيا بمرور الوقت.
يقول التلاوي مستطردا بأن الكثير من المقاتلين المحاصرين بدأوا في كراهية الطائفة العلوية، الذين ينتمون إلى نفس طائفة رئيس النظام السوري بشار الأسد، ويتخذون لأنفسهم مناصب أمنية رفيعة في الحكومة: «قبل الثورة، لم تكن لدينا مثل تلك المشاعر تجاه أي طائفة. ولكن بعد ما مررنا به، تغيرت توجهاتنا. صرنا نكره النظام ومن يؤيدونه». في مايو (أيار) عام 2014. عندما سلم المقاتلون المدينة القديمة مرة أخرى إلى القوات الحكومية مقابل مرر آمن إلى المناطق التي يسيطر عليها المقاتلون، افترقت الطرق بالأصدقاء، ماديا وفكريا. قال أبو بلال في شريط فيديو صوره في ذلك الوقت «سوف نعود إلى تلك الأرض، وسوف نحررها بدمائنا وأشلائنا». ثم توجه نحو الشمال والشرق للانضمام إلى «داعش»، بينما تخير التلاوي الابتعاد عن مسار التطرف، وبقي مع الجماعات المناوئة لبشار الأسد ولداعش.
نشأ أبو بلال، الذي كان يبلغ من العمر (28 عاما)، في مدينة حمص القديمة، ولكن أصدقاءه من النشطاء قالوا: إنهم لا يعلمون الكثير عن نشأته وطفولته، حيث التقوا به خلال الاحتجاجات ضد بشار الأسد في عام 2011. كان حي أبو بلال المعروف باسم باب الدريب من أول الأحياء المشاركة في المظاهرات، وكان هو نفسه من أول المشاركين وبعمق في الأحداث، كما قال التلاوي حاكيا عنه. كان أبو بلال يحمل عينين كبيرتين ناعستين، وخدين ممتلئين، وموهبة التواصل مع الآخرين. كان يقضي الساعات الطويلة على الإنترنت، يوفر المعلومات حول الاحتجاجات، والمعارك، والقصف، حيث كانت الأمور تزداد صعوبة على المراسلين لتغطية تلك الأحداث بأنفسهم.
ولكن مع استمرار الحصار، أصبحت الأحوال داخل المدينة القديمة لا تحتمل. حيث حول القصف شوارع الطفولة الجميلة إلى تلال من الأنقاض وشبكات قاتلة من الحديد. ونفدت سريعا المؤن من الطعام في المدينة حتى صار الناس يطهون الحساء من بذور الفاكهة. لم يكن الطعام متوفرا إلا إلى حفنة قليلة من كبار قادة المقاتلين. انعقدت الآمال في خاطر أبو بلال إثر متابعته لمنشورات «داعش» عبر الإنترنت ظنا منه أن قادة التنظيم الإرهابي سوف يتمتعون بقدر أكبر من الشرف والأمانة. وفي رسائله إلى المراسلين بدأ في إلقاء اللوم على الطائفة العلوية للمعاناة التي تشهدها مدينة حمص.
قضى أبو بلال الساعات الطويلة الخانقة في الدردشة والحديث المتواصل على الإنترنت ومن خلال الرسائل النصية. ومن بين أصدقائه على الإنترنت كانت امرأة لبنانية ثرية تمتلك سيارة رياضية حديثة، وكانت ترسل إليه صورها وهي ترتدي ملابس عصرية من رحلاتها إلى إيطاليا. قال أبو بلال «لن تجرؤ المغنية (.....) نفسها على التقاط مثل تلك الصور!». ومن أصدقائه على الإنترنت أيضا، كانت امرأة تونسية، والتي كانت أكثر أهمية بالنسبة له. فلقد تبين أنها لحقت بأخيها، وهو مقاتل لدى «داعش»، إلى مدينة الرقة السورية. في نهاية المطاف، طلب أبو بلال الزواج منها. ولقد واجهته في أول الأمر مشكلة مغادرة مدينة حمص. ثار أبو بلال على صفحات «فيسبوك» ضد قادة المقاتلين والقوى الدولية، وخصوصا ضد مسؤولي الأمم المتحدة الذين ساعدوا في تسهيل عملية الإجلاء.
قال أبو بلال «إنهم يزعمون بأنهم محايدون – كيف؟»، متهما المسؤولين بالأمم المتحدة بمساعدة بشار الأسد وحكومته، وأضاف يقول: «إنهم يشاركون السفاح بشار في إخلاء الناس من منازلهم وأراضيهم، بدلا من معاقبة النظام الحاكم المجرم».
بعد عدة أسابيع، اجتاحت قوات «داعش» معظم أنحاء العراق، واستولوا على مدينة الموصل وأعلنوا خلافتهم المزعومة. كان أبو بلال يشعر بسعادة غامرة، ودافع عن التنظيم الإرهابي في مواجهة زملائه من المقاتلين الذين اتهموا التنظيم بتجاهل القتال ضد نظام بشار الأسد سعيا وراء إعلان الخلافة.
كتب أبو بلال على «فيسبوك» يقول: «فكر قبل أن تحكم. إنهم مؤمنون، مسلمون أتقياء. لقد تركوا كل شيء من أجل الجهاد». بدا أبو بلال، في الشهر التالي، مكتئبا مرة أخرى، عندما شاهد الألعاب النارية فوق المناطق الموالية لحكومة بشار تبتهج بإعادة انتخاب بشار رئيسا للبلاد في اقتراع وصفه خصومه بأنه صوري. ثم اتخذت مدوناته نزعة متطرفة بمرور الوقت. ففي يناير (كانون الثاني) عام 2015. أشاد بالهجوم العنيف على مكاتب مجلة «شارلي إيبدو» الساخرة في باريس، واصفا الهجمات بأنها «عملية مباركة» انتقمت من «كل من يقصفون المسلمين».
وبحلول أبريل (نيسان)، كان أبو بلال قد أصبح عضوا كامل العضوية في تنظيم داعش. فلقد تزوج من المرأة التونسية، وهي طبيبة تسمي نفسها أم بلال – مما جعله مستحقا لإعانة الزواج وتبلغ 1500 دولار وغيرها من المميزات المالية من جانب التنظيم الإرهابي. ثم انطلق الزوجان في رحلة شهر عسل بمدينة الرقة، عاصمة «داعش» على ضفاف الفرات، ولقد أخبر صديقه التلاوي قائلا: «إنني في منتهى السعادة!».
في الشهر التالي، كان برفقة «داعش» عندما اجتاحوا مدينة تدمر الصحراوية التي تضم بعضا من أروع الآثار السورية القديمة، والتي عمل التنظيم الإرهابي على تدمير بعضها في أوقات لاحقة. كان منتشيا بالحماس والإثارة للمناظر الطبيعية الصحراوية، وقال: «لدينا كافة أنواع الطيور، والغزلان هنا».
وكان لديه وقت ليفعل شيئا لطيفا، حيث ساعد أحد أصدقائه القدامى من سكان تدمر ومن المعارضين لبشار الأسد ولداعش، على تلطيف العلاقات مع الجماعة الإرهابية. وقال صديقه هذا ويدعى خالد الحمصي، مستخدما اسما مستعارا هو الآخر لأجل الحماية، إن وساطة أبو بلال منحته وقتا كافيا للفرار من قبضة التنظيم.
وبعد زواج أبو بلال، هدأت اتصالاته كثيرا مع المراسلات الصحافيات، وحتى عندما كان يتواصل مع بعضهن، كان يناديهن بأسماء مستعارة مثل «أم العيون». ولكنه كان دائم التودد إلى أصدقائه القدامى من حمص، محاولا تجنيدهم لصالح «داعش» وعرض المساعدة عليهم والأموال حتى يتمكنوا من الفرار إلى مناطق التنظيم. يقول بيبرس التلاوي، شقيق جلال «كان مصرا إصرارا كبيرا في المرة السابقة. كما لو كان يريد مني أن أحل محله عند وفاته».
وكانت آخر إشارة تصلهم منه تحمل معاني غامضة. حيث تغيرت وضعيته على مواقع التواصل الاجتماعي. حيث صارت تقرأ عبارة: «سامحوني». ترفض شقيقته ووالداه، الذين يعانون مشقة مالية كبيرة كلاجئين في إحدى الدول المجاورة، مجرد الحديث عنه. وقالت أخته بمرارة في مكالمة هاتفية أخيرة «ماذا تريد مني أن أقول، أن أنصح الآخرين حتى لا يكونوا مثل أخي؟ إنه قد نال «الشهادة»، وكان لا يزال طبيعيا، أسأل الله أن يتقبله».

* خدمة {نيويورك تايمز}



العليمي يعلن بدء المعركة العسكرية الشاملة ضد الحوثيين

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن بدء المعركة العسكرية الشاملة ضد الحوثيين

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، الأحد، بدء العمليات العسكرية لاستعادة ما تبقى من أراضي الجمهورية وبسط سلطة الدولة ومؤسساتها على كامل التراب الوطني، في إعلان مثّل انتقالاً رسمياً من مرحلة الاستعداد والتعبئة إلى مرحلة العمل العسكري المفتوح.

وقال العليمي، في خطاب إلى الشعب اليمني، إن قرار بدء العمليات اتُّخذ بعد استكمال الإجراءات والتدابير اللازمة، وبناءً على قرارات مجلس الدفاع الوطني، مؤكداً توجيه القوات المسلحة والأمن وجميع التشكيلات العسكرية إلى تنفيذ مهامها وفق الخطط المعتمدة، «حتى تحرير البلاد من وطأة الميليشيا الإرهابية».

وبرر رئيس مجلس القيادة القرار باستنفاد فرص التهدئة، قائلاً إن الدولة منحت السلام الوقت والفرص الكافية، فيما قابلت الجماعة الحوثية ذلك بمزيد من التحشيد والتصعيد والاعتداءات والتهديدات للمدنيين والمنشآت الوطنية ودول الجوار والممرات الدولية.

وأكد أن المعركة المعلنة ليست حرباً على سكان المناطق الخاضعة للحوثيين، ولا ضد مذهب أو قبيلة، وإنما «معركة الدولة من أجل مواطنيها واستعادة مؤسساتها»، مشدداً على أن هدفها إنهاء مصادرة إرادة اليمنيين ومستقبلهم السياسي بقوة السلاح.

مقاتلة تابعة للقوات المسلحة اليمنية (إعلام عسكري)

ووجه العليمي رسالة مباشرة إلى السكان في مناطق سيطرة الحوثيين، داعياً إياهم إلى الابتعاد عن المواقع والتجمعات العسكرية وطرق الإمداد، وحماية أبنائهم من الزج بهم في القتال، مجدداً في الوقت نفسه التزام الدولة بالعودة الآمنة والعفو المعلن لمن يترك السلاح ويتوقف عن القتال في صفوف الجماعة.

وفي رسالة إلى القوات الحكومية والمقاومة، شدد رئيس مجلس القيادة على أن المهمة «ليست استعادة الأرض فقط، بل إعادة الدولة إليها»، داعياً إلى حماية المدنيين والممتلكات والالتزام بالقانون، ومؤكداً أنه لا مجال للثأر أو الانتقام أو الاعتداء على الأبرياء.

توجيهات للحكومة

في الجانب المدني، أعلن العليمي توجيه الحكومة بإعداد برنامج عمل متزامن مع العمليات العسكرية، بحيث تبدأ مؤسسات الدولة ممارسة مسؤولياتها في المناطق التي تستعيدها القوات الحكومية أولاً بأول.

وتشمل الأولويات التي أعلنها إعادة صرف رواتب موظفي الدولة ومعالجة المستحقات المتأخرة بأثر رجعي، وإطلاق برنامج عاجل للتعافي وإعادة الإعمار، وإصلاح الطرق والكهرباء والمياه والمنشآت المتضررة، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واستئناف النشاط الاقتصادي.

وقال العليمي إن نجاح المعركة لن يقاس بعدد المدن المستعادة، وإنما بعدد المواطنين الذين يعود إليهم الأمن، والأسر التي تعود إلى منازلها، والإجراءات التي تمنع العودة إلى ممارسات القتل والقهر ومصادرة إرادة الشعب.

القوات الحكومية اليمنية تخوض معارك ضارية في تعز (إعلام عسكري)

كما جدد التزام مجلس القيادة والحكومة بما سيفضي إليه الحوار الجنوبي - الجنوبي الذي ترعاه السعودية، بما يضمن حلاً عادلاً وشاملاً للقضية الجنوبية، ودعا الأشقاء والأصدقاء والمجتمع الدولي إلى مساندة اليمن وقواته المسلحة ومؤسساته الوطنية، ودعم الجهود الإنسانية والاقتصادية وبرامج التعافي وإعادة الإعمار.

وختم العليمي بإعلان دخول مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والمدنية في «حالة استنفار كامل» حتى إنجاز المهمة، مؤكداً أن المرحلة الجديدة تستهدف استعادة الدولة لأرضها ومؤسساتها، وعودة السلاح إلى «مكانه الطبيعي تحت سلطة القانون».


ضغط حوثي يعزل تعز عن أريافها الجنوبية وسط مقاومة شرسة

جنود من القوات الحكومية اليمنية غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية اليمنية غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)
TT

ضغط حوثي يعزل تعز عن أريافها الجنوبية وسط مقاومة شرسة

جنود من القوات الحكومية اليمنية غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية اليمنية غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)

ضغطت الجماعة الحوثية المتحالفة مع إيران بكامل ثقلها في الريف الجنوبي الغربي لمدينة تعز، للسيطرة على الطرق الرئيسية التي تربط المدينة بريفها الجنوبي، وقطع خطوط الاتصال باتجاه محافظة لحج ومدينة عدن، في وقت تخوض فيه القوات الحكومية مسنودة بالمقاومة الشعبية معارك عنيفة لوقف هذا التقدم، بالتزامن مع ضربات جوية تستهدف تعزيزات الجماعة وقدراتها العسكرية.

وتكتسب هذه الجبهة أهمية خاصة، مع استمرار الحوثيين في الدفع بمجاميعهم نحو مناطق جديدة في جنوب تعز، وسط أنباء عن سيطرتهم، الأحد، على منطقتي الصافية والبركاني، وقطع الطريق الذي يربط بين مدينة التربة مركز مديرية الشمايتين في الجنوب، بمدينة تعز في الشمال، وهو ما يعني عزل الأخيرة عن المناطق المحررة؛ حيث لحج وعدن.

ومع ذلك، لا تزال الجبهة مفتوحة على مواجهات عنيفة، وسط مؤشرات على إصرار الحوثيين على مواصلة الضغط في هذا المحور، وهو ما دفع مصادر ميدانية إلى التحذير من خطورة استمرار الهجمات والحاجة إلى تعزيزات فورية للقوات الحكومية الموجودة في المنطقة.

وفي موازاة هذه المعارك في الريف الجنوبي الغربي، كانت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية قد حققت مكاسب ميدانية في عدد من جبهات تعز؛ حيث استعادت السيطرة على منطقتي المقارمة والزكيرة في مديرية الشمايتين، جنوب المحافظة، بعد مواجهات عنيفة مع الحوثيين، إلا أن الحوثيين استعادوا السيطرة عليها مجدداً.

آلية عسكرية تابعة للقوات الحكومية اليمنية في منطقة جبل هان غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)

كما تمكنت القوات الحكومية في الجبهة الجنوبية الشرقية، بمساندة مقاومين من أبناء مديرية سامع، من السيطرة على حصن سامع، قبل أن تتقدم إلى جبل الجعشة الاستراتيجي، عقب إحكام السيطرة على جبل حصن سامع.

وقالت المصادر إن هذه العمليات أسفرت عن خسائر بشرية ومادية كبيرة في صفوف الحوثيين، شملت مقتل وإصابة عشرات منهم، بينما فر عدد آخر من عناصر الجماعة من مواقع المواجهات. وتواصلت المعارك -وفق المصادر نفسها- في جبهات جبل حبشي والكدحة.

وفي جبهة جبل هان وحذران، غربي مدينة تعز، اندلعت مواجهات عنيفة وانتهت -حسب محور تعز العسكري- بهزيمة القوات المهاجمة، ومقتل قائد الهجوم الحوثي الذي استهدف مواقع القوات الحكومية في جبل هان.

257 عملية خلال يوم

بالتزامن مع المواجهات البرية، صعَّدت القوات الحكومية عملياتها ضد مواقع وتحركات الحوثيين، على امتداد عدد من الجبهات.

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن القوات نفَّذت 257 عملية استهداف دقيقة ضد مواقع وتحركات وقدرات عسكرية تابعة للحوثيين، باستخدام الطيران الحربي والطيران المسيَّر والمدفعية والصواريخ والراجمات.

وأوضح أن العمليات شملت صنعاء وميدي في حجة وباقم في صعدة، وجبهات الجوف ومأرب والبيضاء ولحج، مع تركيز الجهد العملياتي على جبهات تعز؛ مشيراً إلى استهداف مراكز قيادة وسيطرة، وتجمعات وتحشيدات واحتياطيات قتالية، إلى جانب مخازن الأسلحة والذخائر وخطوط ووسائل الإمداد العسكرية.

توغل الحوثيين في تعز أدى إلى فرار آلاف الأُسَر (فيسبوك)

وحسب النزيلي، أسفرت العمليات -وفق التقديرات الميدانية الأولية- عن تحييد ما لا يقل عن 700 من عناصر الحوثيين، وتدمير 170 وسيلة وآلية قتالية، وهو ما قال إنه ألحق أثراً مباشراً بالقدرة القتالية للجماعة، وحدَّ من قدرتها على مواصلة هجماتها ضد المدنيين في مساكنهم وقراهم.

وكانت القوات المسلحة اليمنية قد أعلنت، في تطور آخر، تنفيذ 97 عملية استهداف دقيقة ضد تعزيزات عسكرية حوثية في جبهة طور الباحة ومحور تعز.

وقال النزيلي إن العمليات تنوعت بين الطيران الحربي والطيران المسيَّر والمدفعية والصواريخ والقناصة، وأسفرت عن تحييد 260 من عناصر الجماعة، وتدمير أو إعطاب 44 آلية ووسيلة نقل وإمداد عسكرية.

صورة متداولة للفارِّين من الهجمات الحوثية في ريف تعز الجنوبي (فيسبوك)

كما أعلنت القوات الجوية تنفيذ ضربات ضد أهداف حوثية في صنعاء وصعدة، بينما أعلنت القوات المسلحة، في وقت سابق، تنفيذ هجوم على أهداف عسكرية حوثية في العاصمة صنعاء.

وترفع هذه الأرقام خسائر الحوثيين إلى قرابة 6 آلاف قتيل وجريح خلال أسبوع، حسب البيانات المتعاقبة للقوات المسلحة اليمنية.

تعبئة واستنفار

وتزامنت التطورات الميدانية في تعز مع انتقال الحكومة والقوات المسلحة إلى مستوى أعلى من التعبئة والاستعداد العسكري.

فقد دشَّنت وزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان العامة التعبئة العامة والنفير المجتمعي، تنفيذاً لتوجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي.

وجاء الإعلان خلال اجتماع موسع ترأسه وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي في عدن، بينما شارك رئيس هيئة الأركان العامة قائد العمليات المشتركة الفريق الركن صغير بن عزيز، عبر الاتصال المرئي من مأرب، إلى جانب مساعدي وزير الدفاع ونائب رئيس هيئة الأركان ورؤساء الهيئات والدوائر العسكرية.

وقال العقيلي إن الوزارة اتخذت الإجراءات العملية لتنفيذ قرار التعبئة العامة والنفير العام، وتفعيل مسارات التعبئة البشرية والاحتياط، وتنظيم مراكز الاستقبال، وتكليف الجهات المعنية بالبدء في تنفيذ المهام الموكلة إليها.

وأكد وزير الدفاع اليمني اضطلاع القوات المسلحة بواجبها في الدفاع عن البلاد وسيادتها، ودحر الحوثيين، واستعادة مؤسسات الدولة، مشدداً على الضبط والربط العسكريين، وحشد الطاقات، وتكامل الجهود.

من جهته، قال بن عزيز إن إعلان التعبئة العامة يمثل قراراً وطنياً يستدعي الانتقال المنظم إلى أعلى مستويات الاستعداد، وتوحيد الجهود والإمكانات، ورفع كفاءة القوات المسلحة، وتعزيز قدرتها على أداء واجباتها.

وشدد على استكمال حصر القوى والوسائل والاحتياجات، وتنظيم أعمال الاستدعاء والتعزيز، ورفع مستوى الانضباط والجاهزية، وتعزيز التدريب والتأهيل، والعمل على بناء جهد عسكري ومجتمعي متكامل.

وفي ظل اشتداد القتال، أجرى رئيس هيئة الأركان اتصالات مع قيادات عسكرية وميدانية في تعز، بينهم عضو اللجنة العسكرية العليا، قائد جبهة تعز، اللواء الركن يوسف الشراجي، وقائد محور تعز اللواء الركن خالد فاضل، ورئيس أركان المحور اللواء الركن عبد العزيز المجيدي، وقائد مقاومة تعز رشيد شمسان.

واستمع بن عزيز إلى إيجازات حول سير العمليات والموقف الميداني في مختلف جبهات المحافظة، مشيداً بمواقف أبناء تعز ومساندتهم للقوات المسلحة، ومبادرتهم إلى المشاركة في القتال.

وأكد وقوف القوات المسلحة في مختلف الجبهات والقطاعات إلى جانب القوات المقاتلة في تعز، مشيداً بما وصفها بالكفاءة والقدرات القتالية للمقاتلين، وبأداء الطيران الحربي والطيران المسيَّر.


مخلَّفات الهجمات الحوثية تقتل مزيداً من الأطفال

أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
TT

مخلَّفات الهجمات الحوثية تقتل مزيداً من الأطفال

أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)

في اليمن، لا ينتهي الخطر بالنسبة للأطفال بانحسار صوت القصف أو مغادرة مناطق القتال. فالألغام الأرضية الحوثية ومخلَّفات الحرب غير المنفجرة تظل كامنة في الطرقات والمنازل ومحيط التجمعات السكانية، لتحوِّل الحياة اليومية إلى رحلة محفوفة بالمخاطر.

ومع تجدد القتال في غرب البلاد، تجد آلاف العائلات نفسها مضطرة إلى الفرار، بينما يواجه الأطفال مخاطر جديدة لا تتوقف عند النزوح وفقدان الأمان والتعليم؛ بل تمتد إلى خطر قد يكون مختبئاً تحت أقدامهم.

وبعد 11 عاماً من الحرب التي أشعلها انقلاب الحوثيين على الحكومة المعترف بها دولياً، يواجه الأطفال في اليمن مجدداً بعضاً من أعنف موجات القتال منذ سنوات؛ حيث أدت الاشتباكات المتجددة في محافظتَي تعز والحديدة، غربَي البلاد، إلى نزوح نحو 18500 شخص خلال 72 ساعة فقط، ما أجبر عائلات على ترك منازلها، وأدى إلى تعطُّل تعليم الأطفال وتفاقم احتياجات الأسر النازحة.

مخيَّم للنازحين من هجمات الحوثيين في مديرية جبل حبشي بتعز (إعلام محلي)

وترى منظمة «وور تشايلد» الدولية، أن المخاطر التي تهدد الأطفال في اليمن تتجاوز القتل والإصابات الناجمة عن القتال المباشر. فقد سُجِّل مقتل عدد أكبر من الأطفال جرَّاء الألغام الأرضية ومخلفات الحرب غير المنفجرة، خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026 مقارنة بعام 2025 كله، في مؤشر مقلق على حجم المخاطر التي يواجهها الأطفال في حياتهم اليومية.

حاجة للمساعدات

وتشير المنظمة الدولية إلى أن أكثر من 12.2 مليون طفل في أنحاء اليمن يحتاجون بصورة عاجلة إلى المساعدات الإنسانية. وفي ظل التصعيد الأخير، تعمل المنظمة على تقييم آثاره والاستجابة للاحتياجات العاجلة للأطفال والأسر المتضررة، بما يشمل توفير المستلزمات الأساسية، ودعم رفاهية الأطفال وحمايتهم، ومساعدتهم على الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وحتى الآن، وزَّعت المنظمة 400 حزمة إغاثية تضمنت مواد أساسية، مثل الفرش والأغطية ومعدات الطهي ومستلزمات النظافة الشخصية. إلا أن حجم الاحتياجات يزداد مع استمرار فرار مزيد من العائلات من مناطق العنف بحثاً عن مكان أكثر أماناً.

بدورها، أفادت جمعية «الهلال الأحمر اليمني» بأن التغير السريع في خطوط المواجهة، إلى جانب قيود التنقل وتعطل شبكات الاتصالات، أجبر عائلات على مغادرة منازلها في وقت قصير، وغالباً من دون أن تتمكن من اصطحاب سوى القليل من ممتلكاتها الأساسية، أو من دون أي ممتلكات على الإطلاق.

أرقام مختلفة

وعزت جمعية «الهلال الأحمر اليمني» الاختلافات بين أرقام النازحين الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة وصندوق الأمم المتحدة للسكان والوحدة الحكومية لإدارة مخيمات النازحين، إلى اختلاف فترات إعداد التقارير، والنطاق الجغرافي الذي تغطيه كل جهة، ومنهجيات جمع البيانات المستخدمة.

وأوضحت أن آلية «تتبع النزوح السريع» التابعة للمنظمة الدولية للهجرة توفر رصداً سريعاً وجزئياً لحالات النزوح، بينما تجمع الوحدة الحكومية لإدارة المخيمات بيانات التسجيل الواردة من المحافظات المتضررة. ولذلك، ينبغي التعامل مع هذه الأرقام بوصفها بيانات مكملة بعضها لبعض، وليست أرقاماً يمكن مقارنتها بصورة مباشرة.

أطفال فارُّون من التصعيد في غرب محافظة تعز (الأمم المتحدة)

كما أن بيانات النزوح السريع تحتاج إلى التحقق المستمر، نظراً إلى استمرار تغيُّر حركة السكان وتبدل أماكن وجود الأسر النازحة.

وبالإضافة إلى حالات النزوح التي ترصدها مجموعات البيانات الخارجية المتاحة، تشير عمليات الرصد والمعلومات التشغيلية الخاصة بفروع جمعية «الهلال الأحمر اليمني» إلى أن آثار التصعيد تمتد جغرافياً إلى نطاق أوسع.

وقد حددت الجمعية الاحتياجات الحالية للاستجابة في محافظات تعز والضالع والحديدة والجوف ومأرب وصعدة ولحج.

كما حُددت محافظات عمران وذمار وعدن بوصفها مناطق مواجهة، أو مناطق استقبال ووجهات مؤكدة لتحركات السكان، ما دفع الجمعية إلى حشد موارد الاستجابة وتوجيهها نحو نقاط استقبال النازحين.

وفي أحدث تقاريرها، أكدت الجمعية أن هذه الملاحظات الميدانية تخضع لعمليات تحقق مستمرة، في ظل عدم استقرار حركة السكان، وعدم توفر تغطية شاملة حتى الآن لجميع المواقع المتضررة ضمن مجموعات بيانات النزوح المتاحة.

وحذَّرت الجمعية من أن استمرار هذه التحركات يزيد الضغط على القدرات المحدودة أصلاً في مجالات الإيواء والمياه والصحة والخدمات الأساسية، سواء في المناطق المتضررة من القتال أو في مناطق استقبال النازحين.