«المنبعث» و«ماد ماكس: طريق الغضب» في مقدمة ترشيحات الأوسكار

الأردن في سباق أفضل فيلم أجنبي

مشهد من فيلم «ماد ماكس» المرشح لجائزة أفضل فيلم (أ.ف.ب)
مشهد من فيلم «ماد ماكس» المرشح لجائزة أفضل فيلم (أ.ف.ب)
TT

«المنبعث» و«ماد ماكس: طريق الغضب» في مقدمة ترشيحات الأوسكار

مشهد من فيلم «ماد ماكس» المرشح لجائزة أفضل فيلم (أ.ف.ب)
مشهد من فيلم «ماد ماكس» المرشح لجائزة أفضل فيلم (أ.ف.ب)

في حفل جمع ألوف المتابعين مباشرة أو عبر شبكات التواصل الاجتماعي مع بعض أهم المواقع الإعلامية، تم يوم أمس الخميس إعلان الترشيحات الرسمية لجوائز الأوسكار الأميركية في النسخة الثامنة والثمانين التي ستوزع في الثالث والعشرين من الشهر المقبل.
المسافة بين اليوم وذلك التاريخ تزيد عن شهر وأسبوع، لكن الحديث إذ بدأ الآن، لن يتوقف خصوصًا وأن هناك أسماء فاجأت الأكاديمية الجميع بإدراجها، وأخرى فاجأتهم بتجاهلها. كذلك هناك حقيقة أن الأفلام التي تم استيعابها في مسابقة أوسكار أفضل فيلم (ثمانية) ليست متساوية في كل الأحوال. كالعادة سيتم التحيّـز لأفلام ضد أخرى ما يثير التساؤل حول دوافع ضمها عنوة عن أفلام أخرى غائبة.
* غياب الأقليات
بداية، وعلى سبيل المثال، نجد أن المخرج ريدلي سكوت الذي فاز فيلمه «المريخي» بجائزة غولدن غلوب كأفضل فيلم درامي ليس مطروحًا في عداد المتسابقين لأوسكار أفضل مخرج.
الممثل جوني دَب الذي قدّم هذا العام أحد أفضل أداءاته منذ سنوات بعيدة عبر فيلم «قداس أسود»، اكتشف أنه لم يستطع جمع أصوات كافية لضمّـه إلى ترشيحات أفضل الممثلين في الأدوار الرئيسية.
وفيلم «غرفة»، الذي شغل بال عدد كبير من المهتمّـين بشؤون السينما لفوز بطلته بري لارسون بتقدير النقاد وبجائزة غولدن غلوب أخرى عن دورها البطولي هناك، تم تجاهله تمامًا هنا.
لكن إذا ما كان كل ذلك وسواه من الأمور المتوقعة، إذ لا بد أن يتم تغييب البعض لصالح البعض الآخر في نطاق عملية مشهود لها أن انتخابية سليمة الإجراءات تستجيب لقرارات وأصوات نحو 6000 عضو في أكاديمية العلوم والفنون السينمائية، مانحة الأوسكار، على نحو ديمقراطي حقيقي، فإنه من الصعب قبول حقيقة أن كل الذين فازوا بالترشيحات من ممثلين وممثلات ومخرجين ومديري تصوير أو كتاب سيناريو هم من البيض وحدهم. الكثير في آخر نظرة على مواقع المؤسسات السينمائية تساءل عن أين غابت القوّة السوداء التي منحت قبل عامين ترشيحات سخية للسود تمثلت بوجود شيتوتيل إيفيجور، بطل فيلم «12 سنة عبدًا» وبالممثلة المساندة في الفيلم ذاته لوبيتا نيونغ بين المرشحين. إيفيجور لم ينل الأوسكار (إذ خطف الجائزة ماثيو ماكونهي عن «دالاس بايرز كلوب») لكن نيونغ نالت أوسكار أفضل ممثلة مساندة عنوة عن كل الأسماء الشهيرة التي خاضت السباق معها ومن بينها البريطانية سالي هوكينز والأميركيتان جوليا روبرتس وجنيفر لورنس.
أكثر من ذلك، نال «12 سنة عبدًا» أوسكاري أفضل فيلم وأفضل سيناريو، في حين نال المكسيكي ألفونسو كوارون أوسكار أفضل مخرج عن «جاذبية». ولا يُـخفى أن الممثل الصومالي بارخاد عبدي كان من ضمن المرشحين في فئة أفضل تمثيل رجالي مساند عن دوره في «كابتن فيليبس».
هذا العام كان هناك عدد لا بأس به من الأفلام التي أخرجها أو قام بالتمثيل فيها لاتينيون وأفارقة من بينهم إدريس ألبا الذي اُحتفي بدوره، في فيلم «وحوش بلا أمّـة»، في مناسبات عدّة خلال الأشهر القليلة الماضية لكنه لم يجد لنفسه موطئ قدم في الترشيحات الرسمية.
المخرج ف. غاري غراي الذي قدّم فيلمًا جيّـدًا اعتلى نجاحات على مستويات متعددة عنوانه «مباشرة من كومبتون» اختفى ذكره كذلك المخرج رايان كوغلر مخرج الفيلم الجيد «كريد». كذلك وجد بطل الفيلم مايكل ب. جوردان نفسه منفيًا من الاحتمالات في الوقت الذي اختفى تمامًا أيضًا الممثل بينيثيو دل تورو عن الترشيحات عن «سيكاريو» بين مرشحي مسابقة أفضل فيلم مساند، هو المرشّـح لجائزة «بافتا» عن دوره هذا.
ما سبق دفع، حتى الآن، السياسي الاجتماعي آل شاربتون، لإصدار تصريح انتقد فيه غياب المواهب الأفرو-أميركية منددًا بما اعتبر أنه كشف «للوجه الليبرالي والتقدمي المزيف» لهوليوود وذلك على الرغم من قيام الأكاديمية المسؤولة بدعوة 322 شخصًا من غير البيض للانضمام إلى عضويتها الأمر الذي أثار قبولاً حسنًا بين جهات ومؤسسات حقوقية ومدنية مختلفة. إذ تكبر كرة الثلج هذه لتصل، على الأرجح، إلى إحداث مزيد من ردود الفعل والتجاذب بين أطراف مختلفة، تبقى الأفلام التي أعلن عن دخولها الترشيحات الرسمية، والمواهب التي تم إطلاق أسمائها لتواكب الحفل في الثالث والعشرين من فبراير (شباط)، المثار الحقيقي للاهتمام حول العالم.
هذه الترشيحات تصب في كيانات مختلفة تبعًا للفئات التي تنتمي إليها بالطبع. وهناك ما يكفي من الحلوى لكي تنتشر على 29 فئة مختلفة من الأفلام الروائية الطويلة إلى تلك القصيرة ومن التمثيل إلى الكتابة والتصوير مرورًا بالجوائز الفنية المتعددة (توليف وتوليف صوتي وموسيقا) وبأفلام تسجيلية وأعمال أجنبية.
* غزو غير أميركي
«سبوتلايت»، الفيلم الذي يدور في عالم الصحافة من ناحية والمؤسسة الكاثوليكية من ناحية أخرى مبنيًا على وقائع حقيقية خلال أواخر التسعينات ومطلع القرن الحالي، وجد لنفسه مكانًا في ترشيحات أفضل فيلم، كذلك ثلاثة أفلام عن السعي من أجل البقاء على قيد الحياة متمثلة بأفلام «المريخي» و«المنبعث» و«ماد ماكس: طريق الغضب».
الفيلم التشويقي «جسر الجواسيس» حول إطلاق سجين سوفياتي مقابل سجينين أميركيين (وهو بدوره مأخوذ عن وقائع حقيقية) يقابله «غرفة» حول هروب سجينة وابنها من معتقل وحش آدمي، وهو من بطولة نسائية (لبري لارسون) كذلك حال «بروكلين» فهو أيضًا من بطولة نسائية لساويريس رونان. الفيلم الثامن بين تلك المرشّـحة عبارة عن ذلك الفيلم الكوميدي النبرة الذي يدور في إطار الوضع الاقتصادي للعام 2008 وعنوانه «ذا بيغ شورت».
على الجانب الكرتوني من الأفلام هناك ثلاثة أفلام غير أميركية هي «الولد والعالم» للبرازيلي ألي أبريو و«عندما كان مارني ثلاثة» للياباني هيروماسا يونيباياشا والفيلم الفرنسي التمويل (من قِـبل «استوديو كانال») «شون ذا شيب موفي» للمخرجين رتشارد ستارزاك ومارك بورتون.
الفيلمان الباقيان واحد منهما لجميع الأعمار وهو «إنسايد آوت» والثاني للراشدين وهو «أنوماليزا» من رسم دوك جونسون وكتابة تشارلي كوفمن.
على صعيد الأفلام غير الناطقة بالإنجليزية نجد «ذيب» للأردني ناجي أبو نوار في قائمة من خمسة أفلام تدخل أتون هذا السباق المهم. الفيلم يبدو الآن آيلاً إلى أصعب مراحل فوزه وهو العمل الذي يستحق التقدير فعلاً كونه أحد أبدع الأفلام العربية التي تم إنتاجها في العامين الماضيين والوحيد الذي غزا الأسواق الدولية على نحو واسع، كما كان الحال بالنسبة لفيلم «وجدة» للسعودية هيفاء المنصور قبل ثلاثة أعوام.
في المقابل هنا «ابن شاوول» من المجر و«موستانغ» الفرنسي و«حرب» الدنماركي و«أحضن الأفعى» القادم بثلاث رايات لاتينية هي كولومبيا وفنزويلا وأرجنتينا.
وهناك دول أخرى متعددة في سباق أوسكار أفضل تسجيلي طويل ولو أنها جميعًا ناطقة بالإنجليزية. من بريطانيا «آمي» لعاصف قبضايا و«ماذا حدث مس سايمون؟» لليز غاربوز. كلا هذين الفيلمين، للملاحظة، عن فنانتين موسيقيّـتين شهيرتين فالأول عن حياة آمي واينهاوس، المغنية البريطانية التي توفيت نتيجة الإفراط في الشرب في العام 2011 عن 27 سنة فقط، والثاني عن المغنية الرائعة نينا سيمون (1933 - 2003) التي غنّـت الصول والبلوز للعشاق كما لهواة الأغنية السياسية.
الفيلم الأوكراني عن الثورة التي أطاحت، تدريجيًا بالرئيس السابق وأدت إلى نشوب نزاع روسي - أوكراني حالي «شتاء على نار» هو ثالث هذه الأفلام التسجيلية الساعية للأوسكار في هذا النطاق. الفيلمان الآخران هما «نظرة الصمت» لجوشوا أوبنهايمر، سياسي آخر حول إعدامات السُـلطة الإندونيسية في ستينات القرن الماضي و«كارتل لاند» لماثيو هاينمان عن الحرب ضد عصابات الكارتل المكسيكية على الحدود الأميركية وفي داخل المكسيك ذاتها.
* ممثلون وممثلات
خمسة فقط من مخرجي الأفلام الثمانية المتنافسة على أوسكار أفضل فيلم موجود في سباق الإخراج وهم اليخاندرو غونزاليز إيناريتو عن «المنبعث» وتوم ماكارثي عن «سبوتلايت» وجورج ميلر عن «ماد ماكس: طريق الغضب» وآدام ماكاي عن «ذا بيغ شورت». المخرج الخامس هو ليني أبرامسون عن فيلم «غرفة».
على صعيد التمثيل يعاود إيدي ردماين عن «الفتاة الدنماركية» وليوناردو ديكابريو عن «المنبعث» وبرايان كرانستون ومات دامون عن «المريخي» التنافس وجهًا لوجه بعد منافستهم على جوائز الغولدن غلوبس. الوحيد الجديد في هذا الإطار هو مايكل فاسبيندر الذي غاب في تلك الجوائز ويظهر هنا عن دوره في «ستيف جوبز».
نسائيًا لدينا شارلوت رامبلينغ عن «45 سنة» وجنيفر لورنس عن «جوي» وساويريس رونان عن «بروكلين» وبري لارسون عن «غرفة» وكايت بلانشيت عن «كارول» وكلهن، باستثناء رامبلينغ، ينافسن على جائزة غولدن غلوب.
في فئة الممثلين المساندين لدينا مارك ريلانس عن «جسر الجواسيس» وسلفستر ستالون عن «كريد» (نال حظه بغولدن غلوب عن الفئة ذاتها) وتوم هاردي عن «المنبعث» ثم الجيد مارك روفالو عن «سبوتلايت» وكريستيان بايل عن «ذا بيغ شورت».
نسائيًا في هذا الإطار نجد البريطانيتين كيت ونلست عن «ستيف جوبز» (وهي نالت الغولدن غلوب عن هذا الفيلم أيضًا) وإليسا فيكاندر عن «الفتاة الدنماركية». باقي المتسابقات هن جنيفر جاسون لي عن «الكارهون الثمانية» وراتشل ماكادامز عن «سبوتلايت» وروني مارا عن «كارول».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».