اللجوء السوري في الأردن.. 85 % يعيشون تحت خط الفقر

انعكس على مختلف مناحي الحياة والقطاعات الاقتصادية والاجتماعية

أحد معسكرات اللجوء في الأردن ({الشرق الأوسط})
أحد معسكرات اللجوء في الأردن ({الشرق الأوسط})
TT

اللجوء السوري في الأردن.. 85 % يعيشون تحت خط الفقر

أحد معسكرات اللجوء في الأردن ({الشرق الأوسط})
أحد معسكرات اللجوء في الأردن ({الشرق الأوسط})

انعكس اللجوء السوري في الأردن على مختلف القطاعات سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو الأمنية وغيرها من مختلف مناحي الحياة، مما اضطر الحكومة الأردنية لتوجيه نداء استجابة للدول المانحة لمساعدة اللاجئين ومساعدتها كي تؤمن احتياجاتهم واحتياجات المجتمعات المضيفة، خاصة أن غالبية اللاجئين السوريين الذين قدموا إلى الأردن باتوا يعيشون تحت خط الفقر المحلي.
ويؤكد مختصون في مجال الرعاية والإشراف على اللاجئين أن نحو 86 في المائة من اللاجئين السوريين في الأردن يعيشون تحت حد الفقر، بمعدل قدره 68 دينارا للفرد شهريا (ما يعادل 96 دولارا)، فيما بدأ 80 في المائة منهم في استخدام أساليب التكيف السلبية، مثل «تقليل كميات الغذاء، وسحب الأطفال من المدارس، والتسول، والزواج المبكر، وعمالة الأطفال، والدعارة».
ويشير هؤلاء إلى ازدياد المعاناة الإنسانية للاجئين السوريين مع ازدياد أمد الصراع، حيث تبلغ نسبة الفقر في مجتمعهم نحو 86 في المائة، فيما ينخرط نحو 30 ألف طفل سوري في سوق العمل، إلى جانب انقطاع نحو 70 ألفا من الأطفال السوريين عن الدراسة، في وقت تتزايد فيه مشكلة الزواج المبكر بين القاصرات من اللاجئات السوريات.
ويقول الأمين العام للمجلس الوطني لشؤون الأسرة فاضل الحمود إن «الأردن على الدوام فتح ذراعيه لأشقاء مزقت الصراعات أوطانهم، وهجروا منها بحثا عن الأمن والطمأنينة والعيش بسلام». وتابع: «المجلس يسعى إلى تعزيز الأنظمة الوطنية لحماية اللاجئين من العنف والاستغلال وسوء المعاملة، بما في ذلك العنف الجنسي، إضافة إلى ما يحتاجه الناجون من خدمات اجتماعية وإيوائية، وكذلك خدمات قانونية، وطبية، وشرعية»، داعيا إلى ضرورة تعزيز نظم الحماية الاجتماعية خصوصا مع ارتفاع عدد سكان الأردن لنحو 9 ملايين نسمة منهم ما يقارب 3.5 مليون من غير الأردنيين، منهم 1.4 مليون لاجئ سوري حسب الإحصائيات الرسمية الأردنية.
من جانبه، يرى المفوض المقيم للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الأردن أندرو هاربر أن أبرز المشاكل التي يعاني منها الأطفال السوريون هي «الانسحاب من المدرسة، والعمل، والزواج المبكر، والانخراط مع الجماعات المسلحة، والانفصال عن العائلة، ونقص توثيق المواليد الجدد، والعنف في المنزل، والمدرسة والبيئة المحيطة».
ويشير إلى أن هناك 647 ألفا مسجلين لدى المفوضية، وأن سكان المخيمات يصل تعدادهم إلى نحو 115 ألف لاجئ في الزعتري والأزرق وسايبر ومريجب الفهود ومخيزن الغربي. وبين هاربر أن نحو 52 في المائة من اللاجئين هم من الأطفال، فيها ترتفع نسبة الأطفال في مخيم الزعتري إلى 56.4 في المائة، و56.2 في المائة في مخيم الأزرق، مشيرا إلى أنه دخل إلى الأردن نحو 3248 طفلا منفصلا عن عائلته، إلى جانب 548 طفلا غير مصحوب بعائلة، ويشكل الأطفال الذكور غالبيتهم.
وأوضح أن التقديرات تشير إلى وجود 30 ألف طفل سوري عامل في الأردن، كما يعاني الأطفال السوريون بشكل عام من «العنف في المنزل والمدرسة، إلى جانب مشكلة الزواج المبكر والآخذة في الازدياد مع طول أمد الصراع في سوريا».
من ناحيتها، قالت الأمينة العامة للمجلس الأعلى للسكان سوسن المجالي إن نحو 120 ألف طفل منهم فقط مندمجون في المدارس، في حين يوجد نحو 70 ألفا انقطعوا عن الدراسة. وبينت أن العدد الكبير من الطلبة السوريين أثر على قدرة المدارس على استيعاب الطلبة، حيث يوجد نحو 100 مدرسة تدرس وفقا لنظام الفترتين، علما بأن اكتظاظ الصفوف يؤثر سلبا على جودة التعليم.
وحول أثر أزمة اللجوء، قالت إن القطاع الاقتصادي عانى في الأردن من تباطؤ ملحوظ خلال عام 2015، متأثرا بزيادة عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي في الإقليم، والذي بدوره أثر على أداء كثير من القطاعات. وحول الآثار المترتبة على ذلك، بينت المجالي أن الموارد المالية للسوريين أصبحت تتضاءل وأنهكت مدخراتهم، وزادت نسب ديونهم، إضافة إلى تناقص الدعم الدولي من كوبونات الغذاء. وأضافت: «في النصف الأول من العام الحالي، كان 86 في المائة من اللاجئين يعيشون تحت حد الفقر الأردني، وبواقع 68 دينارا للفرد شهريا، و80 في المائة بدأوا استخدام أسلوب الطوارئ أو أساليب التكيف السلبية، مثل تقليل كميات الغذاء، وسحب أطفالهم من المدارس، والتسول، والزواج المبكر، وعمالة الأطفال، والدعارة».
ولفتت إلى أن ذلك سيلحق تأثيرا سلبيا بالمجتمع الأردني، إذ سيؤدي إلى «انتشار الجريمة، وارتفاع معدلاتها، وانتشار أنواعٍ جديدةٍ منها كجرائم المخدرات، والجرائم السياسية، نتيجة لاختلاف الانتماءات السياسية بين غير الأردنيين». ولفتت إلى أن التقرير الإحصائي الجنائي لعام 2013 المستقى من إدارة المعلومات الجنائية، بين أن «عدد الجرائم العامة التي ارتكبها غير الأردنيين بلغ 4354 جريمة أو ما نسبته 13 في المائة من مجموع الجرائم المرتكبة في الأردن، والتي بلغ عددها 33853 جريمة».
ومع هذا الواقع بدأت معاناة اللاجئين السوريين في الأردن تظهر في المجتمعات المستضيفة في المدن والقرى الأردنية بعد أن قام برنامج الغذاء العالمي بوقف المساعدات النقدية عن نحو 229 ألف لاجئ سوري نتيجة انخفاض المساعدات التي يتلقاها البرنامج.
وتعيش معظم العائلات السورية في الأحياء الشعبية للتكيف مع واقع الحال، خاصة أنهم فقدوا معظم أملاكهم في بلادهم واستنفدوا معظم مدخراتهم التي أحضروها معهم. ويقول محمود خليل، لاجئ من دمشق، إنه اضطر إلى النزول إلى الشارع لبيع المعجنات الشامية بعد أن توقفت المساعدات النقدية، حيث كان يتقاضى 24 دينارا من برنامج الغذاء العالمي تم تخفيضها إلى النصف إلى أن أصبحت خمسة دنانير ثم أبلغهم المسؤولون في البرنامج عن توفق الصرف بسبب قلة الموارد.
ويضيف خليل: «لدينا عائلة مكونة من ستة أشخاص، والكبير يعمل في محل حلويات براتب ضئيل لا يتجاوز 300 دينار حيث ندفع راتبه أجرة المنزل والمياه والكهرباء ونصرف مما يرزقنا الله به من المعجنات التي تصنع في البيت وتقوم أفراد العائلة بتجهيزها». ويؤكد أنه سيصبر على هذه الحياة التي تؤمن رمق العيش حتى يتغير الحال في سورية ويعودوا إلى بلادهم.
وعندما سئل إن كان يطمح للسفر إلى خارج الأردن قال: «قدمت للمفوضية السامية كي نذهب إلى كندا، لكننا ننتظر قرار السلطات الكندية التي قررت توطين 10 آلاف سوري من الأردن، ولا نعلم إذا كان الحظ سيبتسم لنا أم سيتم رفضنا».
أما حنين ماجد (28 عاما) فقالت إنها فقدت زوجها في سوريا، ولديها طفلان، وهي تسكن مع أقاربها في بيت واحد وتدفع أجرة شقة صغيرة 160 دينارا. وتقول إن المساعدات النقدية باتت قليلة، وإنها بدأت تعاني من قلة المال لتأمين احتياجات أطفالها من حليب وغذاء. وعندما سئلت حنين كيف تدبر نفسها ردت بأنها تذهب إلى التجار وتطلب المساعدة، وأحيانا تقف أمام المساجد تطلب العون، مشيرة إلى أن فرق مكافحة التسول تلاحق كل من يقف أمام المساجد، لذلك تطلب المساعدة من الجمعيات الخيرية التي تقدم القليل من المساعدات لأنها لا يتوافر لديها المال الكافي.
وأكدت حنين أنها أحيانا تأكل وجبة واحدة في اليوم بسبب قلة المال والغلاء الفاحش، مشيرة إلى أنها تتعرض بين الحين والآخر إلى التحرش الجنسي من قبل الشباب الطائش، وأحيانا يعرض عليها آخرون المال مقابل الرذيلة. وقالت إنها لا تعرف أين ستصل بها الأمور، خاصة أنه لا يوجد من يحميها أو يرافقها إلى بلد آخر، لكنها ستنتظر في الأردن حتى تهدأ الأحوال في سوريا وتبحث عن زوجها لعلها تجده.
وتقوم اللجنة الدولية للصليب الأحمر بإصدار وثائق السفر للاجئين السوريين في الأردن الذين لا يمتلكون وثائق إثبات هوية رسمية، وذلك بموجب طلب خطي يُقدم من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أو من سفارة البلد المُضيف، حيث أصدرت منذ بداية عام 2015 ما يزيد على 900 وثيقة من هذا النوع.
من ناحيته، يقول اللاجئ أبو عمران «إن وثائق السفر هذه ستساعدني وعائلتي على بدء حياة جديدة لنا، بعد تم قبولي وزوجتي وأطفالي الخمسة لإعادة التوطين في الولايات المتحدة الأميركية. لا نعلم ما يخبئه القدر لنا لكننا متفائلون بحياة أفضل». ولجأ أبو عمران، الذي ينحدر أصلا من مدينة درعا جنوب سوريا، إلى الأردن في أغسطس (آب) من عام 2012. ويقول: «كانت بلدتنا ترزح تحت قصف مستمر. سقط صاروخان على منزلنا ودمّراه بالكامل». ويتابع: «عندما وصلت إلى الأردن مكثت في منزل شقيقي في إربد طيلة شهرين، ثم تمكنت من استئجار بيت صغير في المدينة ذاتها. لكني اضطررت للانتقال عدّة مرات بسبب زيادة الأجرة كل سنة». ويشير: «كنت أدير مطعما لـ(الشاورما) مع أخي في سوريا. لقد كنا سَعيديْن، كان لنا وطن. أما الآن فإننا نعتمد على المساعدات من المنظمات الإنسانية، إذ من الصعب جدا العثور على عملٍ هنا».
وختم أبو عمران بقوله: «أريد أن يحظى أبنائي بتعليم جيد وبمستقبل أفضل، لكن علاوة على ذلك كله أعتقد أن وثيقة السفر هذه تمثل الأمل بأن أرى البسمة على وجوه أفراد عائلتي مجددًا».
من جانبها، قالت المتحدثة باسم برنامج الغذاء العالمي شذى المغربي في عمان إن الأولوية لدى البرنامج حاليا في توزيع المساعدات هي لسكان المخيمات البالغ تعدادهم 115 ألف لاجئ، وهم في أمس الحاجة إلى هذه المساعدات خاصة أن معظمهم من دون معيل.
وأكدت المغربي أن اللاجئين الموجودين في المخيمات لم يطرأ عليهم أي تغيير، وسيستمر البرنامج في صرف 28 دولارا للشخص الواحد شهريا، إضافة إلى توزيع مادة الخبز يوميا عليهم. وأضافت أن البرنامج اضطر إلى قطع المساعدات عن نحو 229 ألف لاجئ، والذين يعيشون في المدن والقرى الأردنية نتيجة قلة المساعدات التي تصل للبرنامج، مشيرة إلى أنه تم توجيه المساعدات المتوافرة إلى 210 آلاف لاجئ هم في أشد الحاجة إليها على الرغم من عدم كفايتها بعد تخفيضها إلى 14 دولارا للشخص، وهذا المبلغ نصف ما كانت عليه قبل شهرين، مؤكدة أن «اللاجئين كانوا يكافحون بالفعل للتكيف مع القليل الذي أمكننا توفيره لهم».
وعبرت المغربي عن قلقها إزاء تأثير هذا الخفض على اللاجئين، قائلة: «تتخذ الأسر إجراءات صعبة للتكيف مع الوضع، مثل سحب أطفالهم من المدارس، وتقليل عدد وجبات الطعام، والاستدانة للبقاء على قيد الحياة»، موضحة أنه يمكن للآثار الطويلة الأجل لهذا أن تكون مدمرة.
إلى ذلك، قال وزير الدولة لشؤون الإعلام الناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية محمد المومني إن تقليص المساعدات النقدية عن اللاجئين سيزيد من معاناتهم، وإن هذه المعاناة سوف تهدد الأمن والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة. وأضاف: «إننا نرى العالم يكابد في تعامله مع أزمة اللاجئين بأبعادها السياسية والأمنية والاقتصادية»، مشددا على أن «أزمة اللاجئين السوريين ومصيرهم المأساوي أمر يندى له جبين الإنسانية ويضع المبادئ الأممية على المحك».
واستغرب المومني إحجام الكثير من دول العالم المتأثرة بهذه الأزمة عن تقديم ما يلزم لبرنامج الغذاء العالمي أو غيرها من البرامج الدولية ذات العلاقة باللجوء، مذكرا المجتمع الدولي بتحذيرات الأردن السابقة من أن التقاعس عن مساعدة اللاجئين داخل دولهم ولدى الدول المستضيفة لهم سيهدد الأمن والاستقرار في الإقليم والعالم. وقال إن الأردن فخور بسجله الإنساني باستضافة اللاجئين وإغاثتهم، وهو واجب إنساني وأخلاقي تفرضه القيم والمبادئ الإنسانية والقانون الدولي.
ودعا المومني إلى وضع خطة عمل لدفع الدول المانحة من أجل توفير دعم وتمويل البرنامج والذي هو استثمار في أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى أنه يزود الحاجات الأساسية للاجئين الهاربين من مناطق النزاع. واستغرب المومني دعوة المجتمع الدولي للأردن لاستضافة المزيد من اللاجئين في الوقت الذي يتراجع فيه دعم الدول المانحة والمقدم للاجئين في الأردن.
وكان الأردن قلل من إدخال اللاجئين عبر الحدود، إذ يسمح للحالات الإنسانية وبمعدل 70 لاجئا يوميا، وذلك حسب الإحصائيات التي تصدرها قيادة الجيش الأردني الذي يتولى القيام بعملية استقبال اللاجئين على الحدود وتأمينهم إلى المخيمات بمساعدة المفوضية السامية للاجئين ومنظمات دولية أخرى. ووضعت الحكومة الأردنية خطة استجابة جديدة لتحمل أعباء الأزمة السورية للأعوام 2016 – 2018، بكلفة تقريبية بلغت 8.2 مليار دولار توزعت على 11 قطاعا حيويا.
من جهته، قال وزير التخطيط والتعاون الدولي الأردني عماد فاخوري إن خطة الاستجابة للعام الماضي 2015 حققت العديد من الإنجازات رغم النقص الحاد في التمويل الذي وصل إلى 34.5 في المائة من إجمالي المساعدات التي تطلبتها خطة الاستجابة الأردنية لعام 2015، وتبلغ 2.99 مليار دولار أميركي تم الالتزام بها حتى الآن، مما يشير إلى أن ثلثي الاحتياجات على الأقل بقيت وللعام الرابع على التوالي من دون تمويل. وأكد فاخوري أن الخطة للأعوام الثلاثة المقبلة سيتم طرحها في لندن خلال اجتماع المانحين الذي سيعقد في فبراير (شباط) المقبل.
واعتبر أندرو هاربر أن جزءا من اللاجئين السوريين الذين يعودون من الأردن إلى سوريا «هم ممن يتطلعون للذهاب إلى أوروبا»، في حين أن أغلبية الراغبين في الرجوع لبلادهم يقولون إن السبب الرئيسي لعودتهم هو أنهم لا يستطيعون العيش في الأردن، لأنهم لا يتمكنون من العمل، وبسبب قطع المساعدات الغذائية عنهم مؤخرا».
وحسب هاربر، وبناء على ما يسمعه من اللاجئين أنفسهم، فإنهم يرغبون في العودة بسبب الظروف الصعبة التي يعيشونها في الأردن «حيث لا توجد لديهم رعاية صحية ولا طعام، بعد قطع المساعدات، ولا يستطيعون العمل لتوفير هذه المتطلبات».
لكن الحكومة الأردنية أوضحت سياستها في موضوع العمالة السورية، وذلك على لسان الناطق باسمها محمد المومني، الذي قال إن الأردن «يعاني من معدلات بطالة عالية بين الأردنيين، خاصة بين الشباب، وإن أعدادا كبيرة من السوريين يعملون بالأردن من قبل الأزمة».
وبدوره، أشار هاربر إلى وجود مباحثات مستمرة بين المفوضية والحكومة، لتمكين اللاجئين السوريين من العمل، مشيدا في هذا الصدد بقدرة السوريين على العمل، واصفا إياهم بـ«العاملين المهرة الذين قد يفيدون الأردن لأنهم يعملون في مجالات لا يرغب الأردنيون في العمل بها». وأضاف: «الأردن يريد تحسين اقتصاده، والأفضل أن يستغل العمالة السورية، بدلا من إحضار العمالة من شرق آسيا». واعتبر أنه في حال تم السماح لهم بالعمل، فإن المساعدات التي تتلقاها المنظمات الإنسانية ستتحول إلى الأردن والأردنيين، لأن الحاجات ستقل لدى اللاجئين السوريين.
وفي سياق رغبتهم في العودة إلى سوريا، أضاف هاربر سببا آخر لهذه الرغبة المتزايدة، بقوله: «بعضهم لديهم أسر في سوريا ولا يستطيعون الانضمام إليهم في الأردن، بسبب بعض القيود على الدخول من الحدود». وتابع: «بشكل عام، يقول الكثيرون منهم إنهم يفضلون الموت السريع في سوريا، على الموت البطيء في الأردن»، بحسب ما نقل عنهم.
بينما تساءل هاربر عن الكيفية التي يمكن أن يعيش بها هؤلاء اللاجئون «ما داموا لا يتلقون مساعدات ولا غذاء ولا أموالا»، مشيرا إلى أن الأغلبية من اللاجئين «هم من الأشد فقرا، وتقريبا 90 في المائة منهم تحت خط الفقر، فقد فقدوا كل شيء لهم في الحرب هناك». وبالنسبة إلى اللجوء الهائل الذي تواجهه أوروبا هذه الأيام، قال هاربر إن الوصول إلى أوروبا «خطير وكذلك يكلف الكثير من الأموال»، واعتبر أن تدفق هذه الأعداد الهائلة من اللاجئين السوريين إلى أوروبا «يعني أننا فاشلون في عملنا هنا»، لأن الطبيعي أن يفضل السوريون البقاء قرب وطنهم. وعزا أيضا أسباب التدفق الهائل إلى أوروبا بأن هؤلاء «لا يرون مستقبلا أو أملا لهم في الأماكن التي يوجدون بها، لذا يريدون العمل، ويحاولون تأسيس مستقبل لأولادهم».



«تهديدات القراصنة» تثير ذُعر أهالي البحارة المصريين المختطفين في الصومال

مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)
مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)
TT

«تهديدات القراصنة» تثير ذُعر أهالي البحارة المصريين المختطفين في الصومال

مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)
مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)

انتابت أسر بحارة مصريين مختطفين على متن ناقلة نفط استولى عليها قراصنة قبالة السواحل اليمنية حالة من الذعر والهلع، عقب تداول مقطع فيديو حديث لثلاثة من أبنائهم مقيدين داخل السفينة التي جرى اقتيادها إلى المياه الإقليمية الصومالية.

وكانت ناقلة النفط «M-T Eureka» قد تعرضت للخطف من قبل مسلحين في الثاني من مايو (أيار) الحالي، قرب سواحل شبوة جنوب اليمن، قبل أن تبحر لاحقاً باتجاه خليج عدن وصولاً إلى السواحل الصومالية. ويضم طاقم السفينة 8 مصريين و4 هنود.

وضمن تحركاتها للإفراج عنهم، التقى مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية، محمد كريم شريف، بالسفير الصومالي لدى القاهرة علي عبدي أواري، في وقت متأخر الاثنين، مشدداً على «ضرورة العمل للإفراج العاجل عن جميع البحارة المصريين المحتجزين، وضمان سلامتهم وعودتهم في أقرب وقت». كما برزت متابعة برلمانية وصفت بأنها «دائمة ومستمرة ودقيقة» من لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب المصري مع وزارة الخارجية، وفق ما قالت وكيلة اللجنة سحر البزار.

وعبرت البرلمانية المصرية في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن اطمئنانها للتحركات الدبلوماسية المصرية، خصوصاً أن «أحداثاً وظروفاً سابقة تعرض لها المصريون في الخارج لقيت استجابة وحلولاً حاسمة من جانب السلطات المصرية بمستوياتها كافة».

ولم يتضمن مقطع الفيديو، الذي وثّق الظهور الأول لثلاثة من البحارة المصريين المختطفين على متن السفينة، أي إشارة إلى تاريخ تصويره أو موقعه، فيما ظهر إلى جوارهم مسلحون من القراصنة الذين نفذوا عملية الاختطاف، وهم يطلقون أعيرة نارية بصورة عشوائية، في مشهد أثار حالة واسعة من الرعب بين البحارة الذين سُمعت استغاثاتهم ومناشداتهم بعدم إطلاق النار عليهم.

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)

وتواصلت النداءات المطالبة بالإفراج عن البحارة عقب انتشار التسجيل المصور، عاكسة حجم القلق الذي يخيّم على أسرهم سواء عبر وسائل إعلام محلية أو صفحات تواصل اجتماعي أطلق مصريون عبرها وسوم «#أنقذوا_طاقم_يوريكا» «_MT #استغاثة» «#حق_البحارة»، تضامناً مع المحتجزين ودعوات لتسريع التحرك لإنقاذهم.

وقال سالم شعبان جابر، شقيق أدهم، طباخ السفينة المحتجزة قبالة السواحل الصومالية، في تصريحات محلية، إن والدته دخلت في حالة انهيار عقب مشاهدتها الفيديو الذي ظهر فيه شقيقه وسط إطلاق نار من القراصنة.

وعلّقت أميرة محمد، زوجة أحد البحارة المختطفين، على الفيديو المتداول بعبارة مقتضبة غلب عليها الألم: «حسبي الله ونعم الوكيل»، وفق منشور عبر حسابها بموقع «فيسبوك»، الذي شهد متابعة وعبارات تضامن ملحوظة.

وخلال لقائه السفير الصومالي بالقاهرة، أكد مساعد وزير الخارجية المصرية أهمية تدخل السلطات الصومالية في هذه الأزمة، والعمل على إطلاق سراح المواطنين المصريين. فيما أبرز السفير أواري الجهود المبذولة لإطلاق سراح البحارة والاتصالات الرفيعة المستوى الجاري اتخاذها في هذا الصدد.

وكانت وزارة الخارجية المصرية قد أعلنت في بيان قبل أسبوع أنها وجهت سفارتها في الصومال بمتابعة التطورات بشكل مستمر، والتواصل على أعلى المستويات لضمان أمن المختطفين وتسريع إجراءات الإفراج عنهم.

وفي توقيت متزامن، قال مساعد وزير الخارجية المصري، حداد الجوهري، في تصريحات تلفزيونية، إن الوزارة تولي الملف اهتماماً بالغاً، وتعمل على توفير الدعم اللازم لأسر البحارة، بالتوازي مع التحركات الدبلوماسية الجارية.

وكان التواصل المباشر قد انقطع بين المخطوفين المصريين وذويهم منذ آخر مكالمة هاتفية مقتضبة جرت قبل نحو أسبوعين.

والمخطوفون المصريون هم محمد راضي المحسب، ومؤمن أكرم أمين، ومحمود الميكاوي، وسامح السيد، وإسلام سليم، ومحمد عبد الله، وأحمد درويش، وأدهم جابر.

ومع تزايد قلق الأهالي والتحركات الحكومية والبرلمانية، أبدى اللواء رضا يعقوب، الخبير المصري المتخصص في شؤون الإرهاب الدولي، تفاؤله بإمكانية حل أزمة البحارة المختطفين في الصومال عبر المسارات الدبلوماسية، «أو حتى من خلال تحرك عسكري إذا اقتضت الضرورة»، وفق تصريحاته لـ«الشرق الأوسط».

ووصف يعقوب ظاهرة اختطاف البحارة بأنها «شكل من أشكال الإرهاب الدولي العابر للحدود»، محذراً من قابليتها للتكرار والانتشار، خصوصاً في البيئات البحرية التي تمثل «مناطق رخوة وخصبة» لنشاط جماعات القرصنة والتنظيمات المسلحة.

وأكد أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب «جهداً دولياً منسقاً وتعاوناً استخباراتياً عالي المستوى»، لافتاً إلى أن القرصنة البحرية «قد تتحول إلى عدوى تنتقل من دولة إلى أخرى» إذا لم يتم احتواؤها مبكراً.

وأشار إلى أن التنسيق الأمني يعتمد بالأساس على تبادل المعلومات الاستخباراتية، إلى جانب الاستفادة من صور الأقمار الاصطناعية وعمليات المسح الجوي والبحري لرصد المناطق الخطرة وتعقب تحركات الخاطفين.

وعلى مدى سنوات، عرفت سواحل القرن الأفريقي ظاهرة القرصنة التي بلغت ذروتها في 2008 واستمرت على مدى عقد، مسببة اضطراباً واسعاً في حركة الملاحة بالمنطقة، قبل أن تتراجع تراجعاً ملحوظاً لعدة سنوات. إلا أن هذه الأنشطة عادت للظهور مجدداً منذ أواخر عام 2023، بالتزامن مع تصاعد التوترات في الممرات البحرية الإقليمية وازدياد المخاطر على خطوط التجارة الدولية.


الحوثيون يوسّعون التجنيد التعبوي بين المهمشين والمسنين

عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)
عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)
TT

الحوثيون يوسّعون التجنيد التعبوي بين المهمشين والمسنين

عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)
عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)

صعّدت الجماعة الحوثية من عمليات الاستقطاب والتعبئة في أوساط الفئات الأشد ضعفاً في مناطق سيطرتها، مستهدفة المهمشين وكبار السن عبر حملات تجنيد وتعبئة ذات طابع عسكري وطائفي، بالتوازي مع استمرار الأزمة الإنسانية والانهيار المعيشي الذي يضرب البلاد.

وأكدت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة كثَّفت نزولها الميداني إلى الأحياء الفقيرة والتجمعات السكنية التابعة للمهمشين في العاصمة المختطفة صنعاء ومحافظة إب، وعملت على استغلال الأوضاع المعيشية الصعبة التي تكابدها هذه الفئات، من خلال تقديم وعود بمساعدات غذائية ومبالغ مالية ورواتب شهرية مقابل الدفع بأبنائهم إلى معسكرات التجنيد التابعة لها.

وحسب المصادر، فإن الجماعة ركزت حملاتها على فئات الشبان والمراهقين من ذوي البشرة السوداء، قبل نقل العشرات منهم إلى معسكرات تدريب في صنعاء وذمار؛ تمهيداً لإرسالهم إلى جبهات القتال في مأرب وتعز ضمن التعزيزات البشرية التي تدفع بها الجماعة بصورة مستمرة إلى خطوط المواجهات.

حريق ضخم التهم مخيماً لفئة المهمشين في صنعاء الخاضعة للحوثيين (إكس)

وفي صنعاء، استغلت الجماعة الحوثية حادثة الحريق التي اندلعت قبل أيام في مخيم يتبع للمهمشين بمديرية معين، وأدى إلى تدمير مساكن عشرات الأسر؛ لتنفيذ حملات استقطاب داخل المخيم تحت غطاء العمل الإغاثي.

وأوضحت المصادر أن الجماعة نفذت عقب الحريق نزولات ميدانية إلى المخيم الذي يضم نحو 75 أسرة متضررة، وعرضت تقديم مساعدات إيوائية وغذائية مقابل السماح لأبنائهم بالالتحاق بمعسكرات التدريب الحوثية.

وأكدت المصادر أن الجماعة نقلت نحو 55 مجنداً من أبناء الفئات المهمشة، معظمهم من صغار السن، إلى معسكرات تدريب في صنعاء وذمار، قبل الدفع ببعضهم لاحقاً نحو جبهات مأرب وتعز.

وروى سكان من مخيم المهمشين في شارع الزبيري بصنعاء لـ«الشرق الأوسط» بعضاً من تفاصيل الضغوط التي تعرضوا لها عقب الحريق، مؤكدين أن المشرفين الحوثيين ربطوا بين الحصول على المساعدات الإنسانية وبين إرسال أحد أفراد الأسرة إلى ما تسمى «الدورات العسكرية».

وقال أحد سكان المخيم، طلب حجب هويته لدواعٍ أمنية: «كنا ننتظر تدخلات لإنقاذ النساء والأطفال بعد الحريق، لكن المشرفين بدأوا بالسؤال عن الشباب القادرين على القتال، وأبلغوا بعض الأسر أن أولوية الدعم ستكون لمن يوافق على إرسال أحد أبنائه».

وأضاف أن كثيراً من الأسر وجدت نفسها أمام خيار صعب بين الجوع والتشرد، أو القبول بزج أبنائها في المعارك، في ظل غياب أي دعم حكومي أو إنساني كافٍ.

حملات استقطاب في إب

وفي محافظة إب، (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) تحدثت مصادر محلية عن تصاعد حملات التجنيد الحوثية في مخيمات وتجمعات المهمشين الواقعة في مفرق جبلة ومناطق أخرى بمحيط مركز المحافظة، حيث جرى نقل عشرات الشبان خلال الأيام الماضية إلى معسكرات تدريب خارج المدينة.

واتهم أحد أبناء الفئات المهمشة الجماعة بالتركيز على استهداف الأسر الأشد فقراً، مستفيدة من تدهور الظروف المعيشية وغياب مصادر الدخل، مؤكداً أن كثيراً من الأسر رضخت للضغوط تحت وطأة الحاجة.

الحوثيون خصّصوا الأموال لاستقطاب الفئات الأكثر ضعفاً وتجنيدهم (إعلام حوثي)

وفي السياق ذاته، كشف ناشطون حقوقيون عن تعرض سكان في مخيمات «مشهورة» و«قحزة» غرب مدينة إب لضغوط متواصلة لدفع أبنائهم إلى الجبهات، مقابل الحصول على مساعدات غذائية أو مبالغ مالية محدودة.

وأكد الناشطون أن الرافضين لحملات الاستقطاب يواجهون تهديدات بالتضييق أو الحرمان من المساعدات، إلى جانب تعرضهم لحملات ترهيب اجتماعي داخل الأحياء الخاضعة لسيطرة الجماعة.

وأشاروا إلى أن الجماعة تستخدم شعارات سياسية ودينية مرتبطة بـ«نصرة غزة» و«الدفاع عن حزب الله اللبناني» وسائلَ تعبئة لتحفيز عمليات التجنيد، في حين يتم في الواقع الزج بالمجندين الجدد في معارك داخلية بمختلف الجبهات اليمنية.

استهداف كبار السن

بالتوازي مع حملات التجنيد العسكري، وسّعت الجماعة الحوثية من برامج التعبئة الفكرية والطائفية، مستهدفة كبار السن في صنعاء عبر دورات ودروس ذات طابع تعبوي تُقام داخل المساجد والمراكز الدينية.

وذكرت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة أخضعت العشرات من كبار السن في صنعاء القديمة لبرامج يومية تحت مسمى «الدورات الثقافية والدينية»، يجري تنظيمها بإشراف وتمويل من هيئة الأوقاف التابعة للجماعة.

محاضرات تعبوية فرضها الحوثيون في الجامع الكبير بصنعاء (الشرق الأوسط)

وحسب المصادر، تُقام هذه الأنشطة داخل عدد من المساجد التاريخية، بينها الجامع الكبير في صنعاء القديمة، حيث يُطلب من المشاركين الحضور يومياً خلال ساعات الظهيرة للاستماع إلى محاضرات ذات مضامين عقائدية مرتبطة بآيديولوجية الجماعة.

وأكدت المصادر أن الخطاب المقدَّم داخل هذه الدورات يتجاوز الوعظ الديني التقليدي، ليركز على رسائل تعبوية أحادية، ضمن مساعٍ لتوسيع التأثير الفكري والاجتماعي للجماعة داخل الأحياء التقليدية.

ويقول أبو محمود (68 عاماً)، وهو أحد سكان حي القاسمي بصنعاء القديمة، لـ«الشرق الأوسط»، إنه تلقى دعوة لحضور دورة دينية في مسجد قريب، قبل أن يكتشف لاحقاً أن مضمونها يحمل طابعاً تعبوياً واضحاً.

وأضاف: «في البداية قيل لنا إنها دروس عن الأخلاق وتربية الأبناء، لكن مع الأيام بدأت المحاضرات تركز على أفكار محددة، وطُلب منا الحضور بشكل يومي».

الحوثيون حوّلوا المساجد مراكزَ للتعبئة والاستقطاب (الشرق الأوسط)

أما جميل (35 عاماً)، وهو نجل أحد المشاركين، فأكد أن الجماعة تراهن على كبار السن لنقل الأفكار التعبوية إلى محيطهم الأسري والاجتماعي، خصوصاً في الأحياء الشعبية التي تلعب فيها الروابط العائلية دوراً مؤثراً.

وقال: «أصبح والدي يكرر العبارات ذاتها التي يسمعها في الدروس داخل المنزل، وهذا خلق أحياناً نقاشات وخلافات داخل الأسرة».

ووفق تقديرات سابقة للجهاز المركزي اليمني للإحصاء، يبلغ عدد كبار السن في اليمن نحو 1.3 مليون شخص، يمثلون ما نسبته 4.4 في المائة من إجمالي السكان، في حين تشير دراسات دولية إلى أن نحو 1.65 مليون مسن يمني يواجهون خطر المجاعة نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع القدرة الشرائية.


الصومال: مخاوف من تنامي «إرهاب الشباب» مع تصاعد الأزمة السياسية

قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)
قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال: مخاوف من تنامي «إرهاب الشباب» مع تصاعد الأزمة السياسية

قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)
قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)

وصلت الأزمة السياسية في الصومال إلى منحنى ينذر بخطر كبير مع إطلاق المعارضة على رئيس البلاد حسن شيخ محمود تعبير «الرئيس السابق»، وإخفاق محادثات سهلتها واشنطن ولندن في الوصول لتفاهمات، مع استمرار تهديدات «حركة الشباب» التي تصنفها عدة دول منظمة إرهابية.

وطالبت بعثة الأمم المتحدة في الصومال السياسيين بضبط النفس، وحذرت من التهديد الأمني الذي تشكله الهجمات الإرهابية، وهو ما يرجعه خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط» إلى مخاوف من استغلال «حركة الشباب» للأزمة السياسية في تصعيد هجماتها، داعياً إلى التوصل لتفاهمات تعزز استقرار البلاد.

وعبَّرت الأمم المتحدة، الأحد، عن أسفها لانتهاء المحادثات السياسية بين الأطراف الصومالية دون نتيجة، ودعت الصوماليين إلى التعاون في معالجة الوضع الإنساني المتردي، والتصدي للتهديد الأمني.

كما دعت المنظمة الدولية إلى تجنب أي إجراءات قد تزيد من حدة الانقسامات، مؤكدة استعدادها لمواصلة دعم الجهود الرامية إلى حل الخلافات بين القادة السياسيين.

وقال نائب قائد القوات البرية للقوات المسلحة، عبد الله حسين عرو، عقب تفقد الوحدات العسكرية في مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غربي الصومال: «معركتنا مستمرة حتى اجتثاث الإرهاب، وتأمين المواطنين»، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الصومالية الرسمية، الاثنين.

وضع «يزداد تعقيداً»

المحلل السياسي الصومالي، علي محمود كلني، قال إن الصومال يشهد مرحلة شديدة الحساسية في ظل تداخل الأزمات السياسية، والأمنية، والإنسانية، بما يهدد مسار الدولة الهش، ويضعف جهود مواجهة الإرهاب.

وأكد أن تعثر الحوار السياسي يشكل تهديداً مباشراً للحرب على «حركة الشباب»، مشيراً إلى أن المواجهة مع التنظيم لا تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل تحتاج إلى توافق سياسي يضمن وحدة القرار، وتنسيق العمليات الأمنية بين الحكومة الفيدرالية والولايات المحلية.

قائد الجيش الصومالي إبراهيم محمود خلال زيارة لوحدات تتلقى تدريبات عسكرية (وكالة الأنباء الصومالية)

ويزداد الوضع تعقيداً مع اعتماد الصومال بدرجة كبيرة على الدعم الخارجي، سواء من بعثة الاتحاد الأفريقي، أو من الشركاء الدوليين، ما يجعل أي اضطراب سياسي داخلي عاملاً مؤثراً في ثقة المجتمع الدولي بقدرة الحكومة على إدارة المرحلة الأمنية الحساسة، وفق كلني.

وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء الصومالية، السبت، أعلن شيخ محمود البدء في تطبيق الدستور الجديد الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي وسط رفض من المعارضة، وهو ما يعني تمديد فترة ولايته عاماً انتقالياً.

وذكر «مجلس مستقبل الصومال» في بيان، الجمعة، أن المحادثات التي جرت بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة في مقديشو في الفترة من 13 إلى 15 من الشهر الجاري «انتهت دون نتيجة حاسمة، بعد فشل التوصل إلى اتفاق بشأن قضايا الانتخابات، والدستور، وعملية الانتقال السياسي».

ووفق البيان الصادر عن المجلس، فإن شيخ محمود يُعد «رئيساً سابقاً»، وعلى قوات الأمن الاضطلاع بواجباتها الدستورية، وعدم تلقي «أوامر تنفيذية» منه.

ولم تذهب الحكومة، في بيان الجمعة، للإقرار بفشل جولة مقديشو؛ ولكنها أكدت التزامها بتنفيذ انتخابات مباشرة وفق نظام «صوت واحد لكل شخص»، فضلاً عن «استمرار انفتاحها على الحوار، والتشاور مع مختلف الأطراف الوطنية بشأن القضايا المرتبطة بالعملية الديمقراطية في البلاد».

«حركة الشباب»... المستفيد الأكبر

وبحسب كلني، أظهرت التجارب السابقة في الصومال أن الانقسامات السياسية غالباً ما تؤدي إلى إضعاف المؤسسات الأمنية، وخلق فراغات تستغلها الجماعات المسلحة. كما أن الخلافات القائمة تؤثر على توزيع الموارد العسكرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، إضافة إلى ضعف تعبئة العشائر المحلية المشاركة في محاربة التنظيم.

ويقول المحلل السياسي الصومالي إن «حركة الشباب» هي «المستفيد الأكبر من حالة الانقسام السياسي، إذ تعتمد تاريخياً على استغلال الخلافات السياسية والعشائرية لتوسيع نفوذها، خصوصاً في المناطق الريفية، والهشة، حيث تشير تقديرات أمنية إلى أن الحركة لا تزال تحتفظ بقدرات كبيرة على تنفيذ هجمات معقدة، وجمع الموارد المالية عبر شبكات الجباية، والابتزاز».

ويأتي الخلاف السياسي مع ارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي؛ ففي 14 مايو (أيار) الجاري ذكر مراقبان لأمن الغذاء العالمي أن مناطق في جنوب الصومال تواجه خطر المجاعة، في وقت بلغ أحد الأقاليم مستوى من الجوع لم تشهده البلاد منذ 2022، بحسب «رويترز».

ويعد الصومال واحداً من أكثر دول العالم معاناة من انعدام الأمن الغذائي بسبب الجفاف المتكرر، والصراعات، والفقر. وكانت المجاعة الأحدث في 2011، عندما لقي نحو 250 ألف شخص حتفهم؛ وكاد الصومال أن يشهد مجاعة أخرى في عامي 2017 و2022، وفق إعلام محلي.

وحذر كلني من أن استمرار الاستقطاب السياسي، والتدهور الإنساني قد يمنحان «حركة الشباب» فرصة جديدة لإعادة التموضع، والتوسع، بما يهدد مستقبل الاستقرار في الصومال، ومنطقة القرن الأفريقي بأكملها، مؤكداً أن ذلك يتوقف على الوصول لتفاهمات سياسية عاجلة.