عزّز غياب الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف عن القمة الـ13 لـ«منظمة الدول التركية» في أنقرة التكهنات بشأن تطور التوتر مع تركيا، حول تطبيق قواعد الزي المدرسي الجديدة في أذربيجان، التي حظرت الحجاب بالمدارس، إلى أزمة في العلاقات الوثيقة بين البلدين.
وعشية القمة، التي تستضيفها أنقرة الجمعة برئاسة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان تحت شعار «القرن التركي: وحدة اللغة والفكر والعمل»، أعلنت باكو أن علييف لن يحضر القمة، وفق برنامج معدّ مسبقاً سيحضر بموجبه حفل ختام بطولة كأس العالم لكرة القدم تحت 15 سنة.
إردوغان يستبعد الخلافات
حرص إردوغان، خلال كلمته في افتتاح القمة، على تأكيد أنه «لا مكان للفرقة أو التباعد أو الخلاف في الصورة العائلية للعالم التركي»، مضيفاً: «نحن جميعاً متحدون، وإخوة منذ الأزل وإلى الأبد بإذن الله».
وتضم المنظمة في عضويتها 5 دول. هي: تركيا، أذربيجان، كازاخستان، قرغيزستان أوزبكستان، إضافة إلى مشاركة تركمانستان والمجر و«جمهورية شمال قبرص التركية» بصفة مراقبين.

وتناول إردوغان خلال كلمته عدداً من القضايا الإقليمية، داعياً دول المنظمة إلى تكثيف جهودها من أجل التوصل إلى حلّ عادل للقضية الفلسطينية، ومواصلة دعم إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة على أساس حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، والإسهام اللازم في إيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة وبدء أعمال إعادة إعمارها في أقرب وقت ممكن.
وعبّر عن أمله في توجيه التصعيد الأخير في التوتر مع إيران نحو الدبلوماسية بدلاً من الأسلحة، لافتاً إلى أن النزاعات في المنطقة لا تحقق مكاسب لأي طرف، كما تترك تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي والتجارة وأسواق الطاقة.

وأكد دعم تركيا للمحادثات بين أذربيجان وأرمينيا واستمرارها في تقديم كل ما في وسعها من إسهامات لتحقيق سلام دائم.
أزمة الحجاب
ورغم إعلان باكو أن غياب علييف عن القمة، التي ترأس وفد أذربيجان فيها وزير الخارجية جيهون بيراموف، يرجع إلى جدوله السابق، بدا أن التوتر مع أنقرة بشأن تطبيق قواعد الزي المدرسي الجديدة في المدارس الأذربيجانية، حيث منع العديد من المدارس بعد صدورها في سبتمبر (أيلول) الماضي، الطالبات المحجبات من حضور الحصص الدراسية، يتجه إلى أزمة في العلاقات.

وانتقدت أذربيجان التصريحات التركية بشأن القرار، معتبرةً إياها تدخلاً في شؤونها الداخلية، واتخذ علييف موقفاً صارماً أكد فيه أن أحداً لا يمكنه أن يملي على بلاده أسلوب حياة معين، لافتاً إلى أن الانتصار في ناغورنو كاراباخ في 2020 هو انتصار تحقق بيد الجيش الأذربيجاني، وأن الأسلحة التي استخدمت فيه اشتريناها بأموالنا.
وأعلنت الحكومة الأذربيجانية، في 21 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، 31 مواطناً تركياً «أشخاصاً غير مرغوب فيهم»، ومنعتهم من دخول البلاد، من بينهم رئيس حزب «الرفاه من جديد»، فاتح أربكان، ونواب برلمانيون وصحافيون وناشطون على منصات التواصل الاجتماعي. وفي اليوم نفسه، اتصل إردوغان هاتفياً بـ«علييف»، ووجّه له الدعوة لحضور قمة «منظمة الدول التركية» في أنقرة.
وفي 26 أكتوبر، أقال إردوغان، كبير مستشاريه، أوكطاي سارال، الذي وجّه عبر حسابه في «إكس»، في 13 أكتوبر، انتقادات حادة إلى قرار حظر الحجاب في أذربيجان، قائلاً: «من غير المقبول حرمان الطالبات المحجبات في أذربيجان من حقّهن في التعليم، لا ينبغي التسامح مع مثل هذا الفهم في عصرنا هذا».
مواقف حادة وتراكمات
وقبل أن يهدأ صدى إعلان عدم حضور علييف قمة أنقرة، تسببت أنباء من باكو في شرخ جديد في العلاقات التركية الأذربيجانية، حيث يسعى إردوغان منذ فترة طويلة لتأمين تولي الأمين العام لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي، التركي فريدون سينيرلي أوغلو، منصب الأمين العام للأمم المتحدة خلفاً لـ«أنطونيو غوتيريش»، لكن علييف «زاد الطين بلة»، حسب تعبير المحلل السياسي التركي مراد يتكين، بإعلان دعمه مرشحة الإمارات العربية المتحدة، لانا نسيبة.

ورأى يتكين أن رسالة أوكطاي سارال التي وجّه فيها إلى علييف «درساً في الحجاب»، كانت القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة لباكو في العلاقات مع تركيا، لافتاً إلى أن أولى بوادر التصدع بدأت في يوليو (تموز) الماضي، عندما انتقد إردوغان إسرائيل، في كلمة خلال اجتماع لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في مسقط رأسه بمدينة ريزا، شمال شرقي تركيا، قائلاً: «كما دخلنا كاراباخ، وكما دخلنا ليبيا، سنفعل بهم الشيء نفسه.. لا شيء يوقفنا».
ولفت إلى أن تصريحات إردوغان زادت من استياء علييف الذي أبدى غضبه من قبل بسبب إغلاق تركيا مجالها الجوي أمام الطائرات الإسرائيلية واضطرار الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ للعودة أدراجه أثناء توجهه إلى باكو لحضور «كوب 29» في عام 2024، ثم اضطراره للسفر على رحلة للخطوط الجوية الأذربيجانية لحضور قمة تدابير بناء الثقة في آسيا (سيكا) في باكو، تحسباً لإغلاق المجال الجوي التركي أمام طائرته مجدداً.

في المقابل، انزعجت تركيا من عدم مغادرة وفد أذربيجان قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة أثناء إلقاء نتنياهو كلمته في 24 سبتمبر (أيلول) الماضي، وردّت باكو بأن وفدها لم يغادر القاعة حتى أثناء خطاب أرمينيا.
ورأى يتكين أن العلاقات بين تركيا وأذربيجان مفتوحة حالياً على أحد خيارين؛ إما استمرار التصعيد بردود فعل متبادلة، أو وضعها على مسار أكثر صحة ومساواة، يراعي المصالح المشتركة، وأن الظروف مواتية لكلا الخيارين، وأن ترجيح أحدهما يعتمد على الإرادة السياسية التي يُبديها كل من إردوغان وعلييف.




