السعودية ضمن الأسواق المتسارعة في الذكاء الاصطناعي المادي

«دراسة أمازون ويب سيرفسيز» التي شملت 20 دولة أظهرت أن 15% من الشركات الناشئة تطوِّر تقنيات تمكّن الآلات من الإدراك والعمل

الروبوت السعودية ساره ترحّب بالحضور خلال مؤتمر «ليب» (واس)
الروبوت السعودية ساره ترحّب بالحضور خلال مؤتمر «ليب» (واس)
TT

السعودية ضمن الأسواق المتسارعة في الذكاء الاصطناعي المادي

الروبوت السعودية ساره ترحّب بالحضور خلال مؤتمر «ليب» (واس)
الروبوت السعودية ساره ترحّب بالحضور خلال مؤتمر «ليب» (واس)

تدخل السعودية ضمن مجموعة الأسواق المتسارعة في تطوير الذكاء الاصطناعي المادي، في وقت تزداد فيه الاستثمارات العالمية في التقنيات التي تمكّن الروبوتات والآلات من إدراك محيطها واتخاذ القرارات والعمل بصورة مستقلة في العالم الحقيقي، وفق تقرير «اتجاهات الشركات الناشئة العالمية» الصادر عن «أمازون ويب سيرفيسز».

ويعني الذكاء الاصطناعي المادي (Physical AI) الذكاء الاصطناعي الذي يمكّن الروبوتات والآلات من فهم العالم الحقيقي والتفاعل معه، بدلاً من الاكتفاء بمعالجة النصوص والصور أو الإجابة عن الأسئلة.

ويصنف التقرير السعودية ضمن مجموعة تضم فرنسا وسنغافورة والهند وكندا وأستراليا والمكسيك، وهي أسواق تنتج شركات ناشئة تعمل في الذكاء الاصطناعي المادي، لكنها لا تزال بحاجة إلى تسريع تبني هذه التقنيات محلياً لتحويل قدراتها إلى نمو اقتصادي وفرص صناعية.

ويستند التقرير إلى مسح شمل 4420 شركة ناشئة في قطاع التقنية موزعة على 20 دولة، من بينها السعودية، بينها 663 شركة تعمل في الذكاء الاصطناعي المادي، بما يعادل 15 في المائة من إجمالي العينة.

ويشير التقرير إلى أن التحدي الرئيسي أمام انتشار هذه التقنيات لا يتمثل في القدرة على تطويرها بقدر ما يرتبط باستعداد الأسواق لتبنيها، إذ قال 26 في المائة فقط من الشركات العاملة في المجال إن اقتصاداتها المحلية مستعدة لنشر هذه التقنيات، بينما أفاد 70 في المائة بأن بطء تبني العملاء يحد من نمو أعمالهم.

السعودية ضمن الأسواق المتسارعة

يقسم التقرير الأسواق العشرين إلى ثلاث مجموعات وفقاً لمستوى تطور الشركات العاملة في الذكاء الاصطناعي المادي. وتضم الأسواق المتقدمة ألمانيا واليابان وإسرائيل وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، فيما تشمل الأسواق المتسارعة السعودية وفرنسا وسنغافورة والهند وكندا وأستراليا والمكسيك.

أما المجموعة الثالثة، التي يصفها التقرير بالأسواق الناشئة في هذا المجال، فتضم البرازيل وتشيلي وماليزيا وإندونيسيا وفيتنام وكولومبيا والأرجنتين.

ويحذر التقرير من أن الشركات الناشئة في الأسواق المتسارعة قد تطور تقنيات تنافسية، لكنها قد تضطر إلى التوسع في أسواق أخرى إذا لم يواكب الطلب المحلي قدراتها. وفي هذه الحالة، قد تنتقل الوظائف والإيرادات والضرائب المرتبطة بنمو القطاع إلى البلدان التي تستوعب منتجاتها، بدلاً من البلدان التي نشأت فيها.

ولا يقدم التقرير ترتيباً رقمياً مستقلاً للسعودية، أو نسبة محددة لعدد الشركات السعودية العاملة في الذكاء الاصطناعي المادي، كما لا يورد مؤشراً تفصيلياً لمدى استعداد الاقتصاد السعودي لتبني هذه التقنيات. لذلك، فإن تصنيف المملكة ضمن الأسواق المتسارعة لا يعني أنها تتقدم على بقية دول المجموعة، بل يضعها ضمن الأسواق التي تمتلك نشاطاً في المجال ولا تزال أمامها فرص لتعزيز التبني والتوسع.

روبوت يلعب كرة القدم في السعودية (واس)

الصناعة والخدمات اللوجستية في مقدمة المستفيدين

يتوقع مطورو الذكاء الاصطناعي المادي أن يكون قطاعا التصنيع والسيارات الأكثر تأثراً بهذه التقنيات، إذ أشار 55 في المائة منهم إلى أنهما القطاعان الأكثر ترجيحاً للتحول أولاً، تليهما الخدمات اللوجستية والتخزين وتجارة التجزئة بنسبة 52 في المائة.

وجاء قطاع الرعاية الصحية، بما يشمل خدمات كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، في المرتبة التالية بنسبة 36 في المائة، ثم الطاقة والبنية التحتية بنسبة 30 في المائة.

وفي قطاع التصنيع، تشمل التطبيقات الأذرع الروبوتية المستخدمة في خطوط التجميع واللحام، وأنظمة فحص الجودة الآلية، ومناولة القطع، والمركبات المستقلة التي تنقل المواد داخل المصانع. وقال 51 في المائة من الشركات العاملة في هذا القطاع إن منتجاتها مطبقة تجارياً بالفعل.

أما في الخدمات اللوجستية والتخزين وتجارة التجزئة، فتشمل التطبيقات روبوتات التقاط المنتجات وتعبئتها وفرزها، والرافعات الشوكية المستقلة، والأنظمة التي تنقل المخزون وتساعد على إعادة تعبئة الرفوف. وأفاد 47 في المائة من الشركات العاملة في هذا المجال بأن منتجاتها وصلت إلى مرحلة التطبيق التجاري.

وتوفر هذه الاستخدامات فرصاً لتوسيع استخدام الروبوتات في المصانع والمستودعات ومراكز التوزيع، مع تحسين سرعة العمليات وجودتها ورفع كفاءة استخدام الأصول. غير أن التقرير لا يقدم تقديرات منفصلة لحجم هذه الفرص في السعودية.

روبوتات في ملاكمة خلال «ليب» (واس)

70 % يتوقعون أن يخلق الذكاء الاصطناعي وظائف أكثر مما يلغي

لا تقتصر آثار الذكاء الاصطناعي المادي على الإنتاجية، بل تمتد إلى سوق العمل والمهارات المطلوبة. ويتوقع 70 في المائة من الشركات العاملة في هذا المجال أن تخلق التقنية وظائف أكثر مما تلغي، مقارنةً بـ58 في المائة من إجمالي الشركات الناشئة المشاركة في الدراسة.

كما تتوقع 86 في المائة من الشركات العاملة في المجال زيادة عدد موظفيها خلال العامين المقبلين، فيما قالت 59 في المائة من الشركات التي تخطط للنمو إن أكثر من نصف توظيفاتها الجديدة ستكون في وظائف هندسية وتقنية أو مهن فنية متخصصة.

وتشمل الوظائف المتوقع نموها مهندسي الروبوتات والأجهزة بنسبة 55 في المائة، وفنيي الصيانة والإصلاح بنسبة 52 في المائة، ومشغلي الروبوتات ومشرفيها بنسبة 50 في المائة، ومختصي تكامل الأنظمة وتركيبها وربطها بنسبة 48 في المائة.

لكن هذا التحول يفرض تحديات تتعلق بتأهيل العاملين، إذ أفادت 48 في المائة من الشركات بأنها تواجه صعوبة في العثور على مهندسي الروبوتات والميكاترونكس، فيما تواجه 40 في المائة صعوبة مماثلة في استقطاب مهندسي الإلكترونيات والأجهزة.

ويُحذر التقرير من أن زيادة الوظائف الإجمالية لا تضمن انتقال العاملين الذين تتأثر وظائفهم بالأتمتة إلى الوظائف الجديدة، خصوصاً أن كثيراً من الوظائف المستحدثة تتطلب مهارات تقنية وهندسية متخصصة.

روبوت يصنع الفشار في السعودية (واس)

البنية التحتية والتمويل يحددان سرعة التوسع

رغم تقدم تطوير هذه التقنيات، يرصد التقرير فجوات في خمسة عوامل أساسية تحدد قدرة الشركات على التوسع، تشمل المهارات وسلاسل الإمداد والتمويل والتنظيم واستعداد السوق.

وجاء توفر العمالة والمهارات في مقدمة هذه العوامل، إذ قال 68 في المائة من الشركات إنها تستطيع الوصول إلى الكفاءات التقنية والهندسية التي تحتاج إليها، تلتها سلاسل الإمداد وتوفر المكونات بنسبة 60 في المائة.

في المقابل، لم تتجاوز نسبة الشركات التي قالت إنها تستطيع الحصول على التمويل اللازم 46 في المائة، فيما بلغت نسبة الشركات التي ترى أن البيئة التنظيمية توفر لها وضوحاً كافياً 40 في المائة.

وسجل استعداد الأسواق للتبني أدنى نسبة، عند 26 في المائة فقط.

وتزداد أهمية التمويل في هذا المجال مقارنةً بشركات البرمجيات التقليدية، لأن تطوير الذكاء الاصطناعي المادي يتطلب تصميم الأجهزة وتصنيعها واختبارها في بيئات حقيقية، إلى جانب تطوير النماذج والبرمجيات.

كما تواجه الشركات تحديات في سلاسل الإمداد؛ إذ ذكر 20 في المائة من الشركات العاملة في المجال أن الصين هي المصدر الرئيسي لمكوناتها المادية من الخارج، بينما قالت 48 في المائة إن الحواجز التجارية أو الرسوم الجمركية تقيد وصولها إلى المكونات الأساسية.

ويشير التقرير إلى أن الاعتماد على المكونات المستوردة يجعل توسع الشركات أكثر تأثراً بتكاليف التجارة وقدرات التصنيع المحلية، وهو ما يعزز أهمية تطوير سلاسل إمداد موثوقة وتنويع مصادر المكونات.

الروبوت السعودية ساره ترحّب بالحضور خلال مؤتمر «ليب» (واس)

الحوسبة السحابية أساس تطوير الأنظمة الذكية

على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي المادي يعمل في العالم الحقيقي، فإن تطويره وتدريبه يعتمدان بدرجة كبيرة على البنية التحتية الرقمية.

وقال 72 في المائة من الشركات العاملة في المجال إن الحوسبة السحابية ضرورية لبناء أنظمتها أو تدريبها أو تشغيلها، بينما أفادت 62 في المائة بأنها لم تكن لتتمكن من تأسيس أعمالها من دونها.

كذلك، رأت 62 في المائة من الشركات أن المحاكاة والبيانات الاصطناعية عنصران أساسيان في تقنياتها، فيما قالت 56 في المائة إن محدودية القدرة الحاسوبية تبطئ تطوير أعمالها.

وتتيح المحاكاة اختبار سلوك الروبوتات والأنظمة المستقلة في بيئات افتراضية قبل نشرها فعلياً، مما يقلل الحاجة إلى التجارب المادية المكلفة ويساعد على تحسين أداء النماذج في ظروف تشغيل متنوعة.

وتوفر الحوسبة السحابية للشركات إمكانية الوصول إلى قدرات التدريب والمعالجة وفق احتياجاتها، بينما تسمح تقنيات الحوسبة الطرفية بتشغيل النماذج مباشرة على الأجهزة لاتخاذ قرارات سريعة في الوقت الفعلي.

4 مسارات لتسريع التبني

يوصي التقرير بأربعة مسارات لتقليص الفجوة بين تطور التكنولوجيا واستعداد الأسواق لاستخدامها.

ويتمثل المسار الأول في زيادة الوعي بالتطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي المادي، من خلال التجارب التشغيلية والعروض المباشرة والمشروعات التجريبية التي تتيح للشركات تقييم أثر التقنية في أعمالها.

أما المسار الثاني فيركز على التدريب وإعادة التأهيل، لمساعدة العاملين على الانتقال إلى الوظائف التقنية والفنية الجديدة، إلى جانب تدريب الموظفين الحاليين على استخدام الأنظمة الذكية.

ويشمل المسار الثالث توفير التمويل والحوافز المناسبة لطبيعة القطاع، وتوضيح الأطر التنظيمية لتشغيل الروبوتات والطائرات المسيّرة والأنظمة المستقلة، إلى جانب إنشاء بيئات تنظيمية تجريبية تسمح باختبار التقنيات بأمان.

ويتمثل المسار الرابع في استخدام المشتريات الحكومية لتوفير طلب مبكر على هذه التقنيات، عبر شراء الأنظمة ونشرها وتقييمها في الخدمات العامة والبنية التحتية، بما يساعد الشركات على إثبات جدواها التشغيلية ويشجع القطاع الخاص على تبنيها.

روبوت يعرض خدمات على أشخاص في السعودية (واس)

انتشار متوقَّع خلال 5 سنوات

تتوقع 76 في المائة من الشركات العاملة في الذكاء الاصطناعي المادي أن تصبح التقنية شائعة في قطاعاتها خلال خمس سنوات، فيما ترى 36 في المائة أنها ستصل إلى هذه المرحلة خلال عامين. كما تتوقع 75 في المائة أن تعيد التقنية تشكيل أعمالها خلال السنوات الخمس المقبلة.

وتشير هذه التوقعات إلى أن المنافسة لا تقتصر على تطوير روبوتات أكثر تقدماً، بل تشمل أيضاً توفير التمويل والمهارات والبنية التحتية وسلاسل الإمداد والبيئة التنظيمية اللازمة لتوسيع استخدامها.

وبالنسبة إلى السعودية، يضع التقرير المملكة ضمن الأسواق التي لديها فرصة لتعزيز موقعها في هذا المجال، لكنه لا يقدم بيانات كافية للحكم على مستوى تبني الذكاء الاصطناعي المادي محلياً أو حجم مساهمته الاقتصادية الحالية.

وتتمثل المسألة الرئيسية التي يطرحها التقرير في قدرة الأسواق على الانتقال من تطوير التقنيات إلى استخدامها تجارياً على نطاق واسع؛ إذ إن الشركات التي تنجح في بناء الحلول لا تحقق بالضرورة النمو الأكبر ما لم تجد طلباً محلياً قادراً على استيعاب منتجاتها.


مقالات ذات صلة

«جنرال موتورز» تنقل إدراج أسهمها من بورصة نيويورك إلى «ناسداك»

الاقتصاد شعار «جنرال موتورز» على خزان مياه مصنع التجميع التابع للشركة في راموس أريزبي في المكسيك (رويترز)

«جنرال موتورز» تنقل إدراج أسهمها من بورصة نيويورك إلى «ناسداك»

أعلنت شركة «جنرال موتورز» الأميركية، الثلاثاء، نقل إدراج أسهمها العادية من بورصة نيويورك إلى «ناسداك».

«الشرق الأوسط» (ديترويت)
الاقتصاد متداولون في العقود الآجلة داخل قاعة بورصة نيويورك (رويترز)

العقود الآجلة للأسهم الأميركية تستقر وسط ترقب قرار «الفيدرالي» ونتائج الشركات

استقرت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية إلى حد كبير، الثلاثاء، مع بقاء أسعار النفط الخام قرب أعلى مستوياتها في 6 أسابيع.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم «جراحة الجيوب الأنفية بالمنظار»... أنظمة التوجيه تساعد الجرَّاح على تحديد موضع أدواته

عندما يصل الذكاء الاصطناعي الطبي إلى المحكمة... من يتحمل مسؤولية الخطأ؟

على الشركة المنتجة والمستشفى والطبيب معرفة قدرات النظام وحدوده ومخاطره

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
الاقتصاد موظفون في شركة «إس كيه هاينكس» خلال مراسم قرع جرس افتتاح التداول في بورصة «ناسداك» (رويترز)

أسهم التكنولوجيا تقود المكاسب الآسيوية بدعم من «وول ستريت» وخطة طرح «أنثروبيك»

ارتفعت أسهم شركات التكنولوجيا، الثلاثاء، متتبعةً أثر المكاسب القوية في «وول ستريت»، بعدما رحّب المستثمرون بإيداع شركة «أنثروبيك» المتخصصة في الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
الاقتصاد مقر «سنوفليك» (الشركة)

«سنوفليك» تخطط لاستثمارات بـ300 مليون دولار في السعودية حتى 2030

أعلنت شركة «سنوفليك» الأميركية، عن استثمارات متوقعة بقيمة 300 مليون دولار في عملياتها بالسعودية حتى عام 2030، بالتزامن مع افتتاح مقرها الإقليمي في الرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

من مخازن الدول إلى خزائن المنازل... مؤن الطوارئ في حسابات الأمن الاقتصادي

متسوقة في أحد المحال التجارية في لندن (إ.ب.أ)
متسوقة في أحد المحال التجارية في لندن (إ.ب.أ)
TT

من مخازن الدول إلى خزائن المنازل... مؤن الطوارئ في حسابات الأمن الاقتصادي

متسوقة في أحد المحال التجارية في لندن (إ.ب.أ)
متسوقة في أحد المحال التجارية في لندن (إ.ب.أ)

​لم تعد دعوات الحكومات إلى الاحتفاظ بمؤن تكفي عدة أيام تقتصر على الاستعداد للكوارث الطبيعية؛ بل باتت تعكس توجهاً اقتصادياً أوسع لتقليل أثر الأزمات في إمدادات السلع والخدمات، والحد من الاعتماد الفوري على شبكات الدعم العام، عندما تتعطل سلاسل التوريد أو تتوقف مرافق حيوية عن العمل.

ومن اليابان إلى عدد من الدول الأوروبية، تشجع السلطات الأُسَر على الاحتفاظ بمخزونات من المياه والأغذية والأدوية والمستلزمات الأساسية تكفي 3 أيام على الأقل، بينما ترفع بعض الدول المدة الموصى بها إلى أسبوع أو أكثر. ففي بريطانيا مثلاً، تدعو حملة «كن مستعداً» الحكومية الأُسَر إلى الاحتفاظ بمؤن تكفي 72 ساعة لمواجهة أي اضطراب محتمل في الخدمات الأساسية.

وفي اليابان، تستعد الحكومة لإطلاق دعوة مماثلة في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني)، توصي بتوفير احتياجات 3 أيام على الأقل، ويفضل أن تكفي أسبوعاً، تحسباً للكوارث الطبيعية وتعطل الإمدادات.

وتكتسب هذه التوصيات أهمية اقتصادية في ظل ما أظهرته أزمات السنوات الأخيرة من هشاشة سلاسل الإمداد أمام الصدمات، بدءاً من جائحة «كوفيد-19» وصولاً إلى تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا والاضطرابات التي طالت أسواق الطاقة والغذاء.

ولا تعني هذه الدعوات أن الحكومات تتوقع أزمة وشيكة أو نقصاً مؤكداً في السلع، ولكنها تشير إلى سعي متزايد لتعزيز قدرة الأسر والمجتمعات على تجاوز الانقطاعات المؤقتة، وتقليل الخسائر التي قد تنتج عن توقف الخدمات أو تعطل وصول المنتجات الأساسية.

أكياس من الأرز يتم تسليمها في محطة بطوكيو (أ.ف.ب)

من مسؤولية الدولة إلى استعداد الأُسَر

برز هذا التوجه بوضوح في استراتيجية «اتحاد التأهب» التي أطلقتها المفوضية الأوروبية في مارس (آذار) 2025، ودعت ضمنها إلى تمكين السكان من الاعتماد على أنفسهم لمدة لا تقل عن 72 ساعة عند وقوع الأزمات. ولم تقتصر الاستراتيجية على استعداد الأفراد؛ بل شملت أيضاً تحسين التنسيق الحكومي، وتعزيز الإنذار المبكر، وحماية الخدمات الحيوية، وتطوير التعاون بين القطاعين العام والخاص.

وفي يوليو (تموز) 2025، طرحت المفوضية الأوروبية استراتيجية مستقلة لتعزيز المخزونات المادية اللازمة لمواجهة الأزمات، مستندة إلى الدروس المستفادة من جائحة «كوفيد-19» واضطرابات إمدادات الطاقة والمواد الخام. وركزت على تحسين التنسيق بين الدول الأعضاء، وتحديد الثغرات في المخزونات الاستراتيجية، وتعزيز البنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية، وتوسيع التعاون مع الشركات.

وتكشف هذه المقاربة عن اختلاف بين نوعين من الاستعداد: مخزونات استراتيجية تديرها الحكومات أو المؤسسات المعنية لضمان توفُّر السلع الحيوية، ومؤن منزلية تتيح للأسر تدبير احتياجاتها خلال الأيام الأولى من الطوارئ. ويكمل المساران أحدهما الآخر، ولكنهما لا يغنيان عن استمرار عمل سلاسل الإمداد أو تدخل السلطات عند الضرورة.

تكلفة الاستعداد على ميزانيات الأسر

من الناحية الاقتصادية، تعني التوصيات بتكوين مخزون منزلي أن الأسر مطالبة بتخصيص جزء من إنفاقها الحالي لشراء سلع قد لا تحتاج إليها فوراً، مع ضرورة مراعاة تواريخ الصلاحية وتجديد المخزون. وقد يمثل ذلك عبئاً أكبر على الأسر محدودة الدخل؛ خصوصاً عندما تتزامن الاستعدادات مع ارتفاع تكاليف المعيشة أو أسعار الغذاء والطاقة.

لكن حجم التكلفة يختلف باختلاف عدد أفراد الأسرة، والسلع المتوفرة لديها بالفعل، وطول الفترة التي تريد الاستعداد لها. ولا تتوفر تقديرات موحدة تسمح بتحديد فاتورة هذه التوصيات لجميع الأسر في الدول المعنية.

ويمكن الحد من الأثر المالي عبر شراء الاحتياجات تدريجياً، وزيادة كميات السلع طويلة الصلاحية المستخدمة في الحياة اليومية، ثم استهلاكها وتجديدها بصورة دورية. ويتيح هذا الأسلوب تكوين مخزون من دون الاضطرار إلى شراء كميات كبيرة دفعة واحدة أو هدر الأغذية بسبب انتهاء صلاحيتها.

ولا تقتصر المسألة على الغذاء والمياه؛ فقد تحتاج الأسر إلى أدوية أساسية وبطاريات ومصادر إنارة وشواحن احتياطية ومستلزمات النظافة، وهي احتياجات تختلف وفق الظروف الصحية والعائلية وطبيعة المنطقة التي تعيش فيها.

صورة للعاصمة الفرنسية باريس (أ.ف.ب)

سلاسل الإمداد في قلب الاستعداد الاقتصادي

تتجاوز أهمية المخزونات المنزلية ميزانيات الأفراد إلى طريقة عمل الاقتصاد في أوقات الأزمات. فتعطل النقل أو الموانئ أو شبكات الكهرباء، على سبيل المثال، قد يحد من قدرة المتاجر على إعادة ملء رفوفها، حتى إذا كانت السلع متوفرة في مناطق أخرى أو لدى الموردين.

وفي مثل هذه الحالات، يمكن أن تساعد المخزونات الموجودة لدى الأسر على تأجيل جزء من الطلب الفوري على المتاجر وخدمات التوصيل، بما يمنح الجهات المعنية وقتاً لمعالجة الاختناقات اللوجستية. غير أن هذا الأثر يظل مرتبطاً بحجم الأزمة وطبيعتها، ولا يمثل بديلاً عن استمرار الإنتاج والنقل والتوزيع.

وتبرز هنا أهمية المخزونات الاستراتيجية التي تديرها الحكومات والشركات؛ خصوصاً في قطاعات الغذاء والطاقة والأدوية والمواد الخام. فوجود احتياطيات موزعة بصورة مدروسة، إلى جانب خطط بديلة للنقل والتوريد، قد يساعد في الحد من انقطاع الإمدادات، ويقلل تعرض الشركات والمستهلكين لتقلبات حادة عند وقوع الصدمات.

وقد أظهرت أزمة جائحة «كوفيد-19» أن الاعتماد على عدد محدود من الموردين أو مناطق الإنتاج يمكن أن يعرِّض قطاعات كاملة للاضطراب عندما تتوقف المصانع أو تتعطل حركة الشحن. كما أبرزت اضطرابات الطاقة والإمدادات الزراعية المرتبطة بالحرب الروسية على أوكرانيا أهمية تنويع مصادر التوريد وتوفير بدائل للسلع الحيوية. وقد استندت المفوضية الأوروبية إلى هذه التجارب في صياغة استراتيجيتها لتعزيز المخزونات المادية.

هل تؤدي الدعوات إلى زيادة الأسعار؟

قد يؤدي اندفاع المستهلكين إلى شراء السلع الأساسية في وقت واحد إلى ضغط مؤقت على الطلب، وربما إلى نقص بعض المنتجات في المتاجر؛ خصوصاً إذا لم تستطع الشركات زيادة المعروض بالسرعة نفسها. ولكن ذلك ليس نتيجة حتمية لتوصيات الاستعداد؛ إذ يتوقف الأثر على استجابة المستهلكين، وحجم المخزونات المتاحة، وقدرة سلاسل التوريد على تلبية الطلب.

ولهذا، فإن طريقة توجيه الرسائل الحكومية تمثل عاملاً مهماً في الحد من الاضطرابات. فالدعوة إلى شراء الاحتياجات تدريجياً، وتوضيح أنواع السلع المطلوبة، وتجنب المبالغة في التخزين، تساعد في تقليل احتمالات الشراء بدافع الخوف، وما قد يصاحبه من ضغط غير ضروري على المتاجر والأسعار.

وتظل مراقبة الأسواق ومنع الممارسات الاحتكارية أو الاستغلالية، إلى جانب نشر معلومات واضحة عن توفر السلع، من مسؤوليات السلطات الاقتصادية والرقابية. كما أن ضمان استمرار الإمدادات يتطلب تعاوناً مع الشركات العاملة في النقل والتوزيع والتخزين، لا الاكتفاء بتوجيه الأسر إلى تكوين مخزونات خاصة.

الاستعداد بوصفه استثماراً في المرونة

لا تقاس جدوى الاستعداد للطوارئ بحجم ما تخزنه الأسر وحده؛ بل بقدرة الاقتصاد على الاستمرار في توفير الاحتياجات الأساسية عندما يتعرض لصدمة. فالمخزونات المنزلية توفر هامشاً زمنياً للأفراد، بينما تعتمد قدرة المجتمع على تجاوز الأزمة على جاهزية المستشفيات وشبكات المياه والكهرباء والنقل والاتصالات، وعلى كفاءة الاستجابة الحكومية ومرونة الشركات.

ومن هذا المنطلق، تبدو دعوات الاحتفاظ بمؤن جزءاً من تحول أوسع في إدارة المخاطر الاقتصادية، يقوم على توزيع الاستعداد بين الدولة والقطاع الخاص والأسر. وهي مقاربة تستهدف تقليل الاضطرابات والخسائر عند وقوع الأزمات، لا الإشارة بالضرورة إلى قرب حدوثها.

وفي المحصلة، فإن السؤال الاقتصادي الأهم ليس ما إذا كانت الأسر ستحتاج إلى استخدام مخزون الطوارئ؛ بل مدى استعداد الاقتصادات لضمان استمرار وصول السلع والخدمات الأساسية إذا تعرضت سلاسل الإمداد أو البنية التحتية لاضطراب مفاجئ.


«المراعي» السعودية تدخل سوق اللحوم الحمراء باستثمار 133 مليون دولار

رجل يفحص جودة الأعلاف (المراعي)
رجل يفحص جودة الأعلاف (المراعي)
TT

«المراعي» السعودية تدخل سوق اللحوم الحمراء باستثمار 133 مليون دولار

رجل يفحص جودة الأعلاف (المراعي)
رجل يفحص جودة الأعلاف (المراعي)

أعلنت شركة «المراعي» السعودية دخول سوق اللحوم الحمراء، من خلال إطلاق علامتها التجارية الجديدة «هبور»، باستثمار نصف مليار ريال (133.3 مليون دولار)، في إطار خططها لتنويع أعمالها والدخول في فئات غذائية جديدة.

وقالت الشركة إن نشاطها الجديد سيركز بصورة رئيسية على منتجات اللحوم البقرية، التي ستُصنَّع محلياً وفق معاييرها للجودة وسلامة الغذاء، بما يسهم في توسيع خيارات المستهلكين، وتلبية الطلب على منتجات اللحوم عالية الجودة.

ويأتي إطلاق العلامة التجارية ضمن استراتيجية «المراعي» للنمو للفترة من 2026 إلى 2031، مستفيداً من خبرات الشركة في تطوير المنتجات والتصنيع، إلى جانب قدراتها المتكاملة في سلاسل الإمداد والتوزيع.

كما يستهدف التوسع تطوير فئات غذائية وطنية ذات قيمة مضافة، وتعزيز مرونة وأمن سلاسل الإمداد الغذائي في السعودية.

ومن المتوقع أن يبدأ الأثر المالي لإطلاق علامة «هبور» بالظهور في نتائج الشركة بدءاً من الربع الرابع من عام 2026، وفق ما ذكرته الشركة في بيان على «تداول السعودية».


السيسي يدعو لتوطين صناعات الرمال السوداء والعناصر النادرة في مصر

السيسي خلال لقائه رئيس الوزراء ووزيري الكهرباء والمالية (رئاسة الجمهورية)
السيسي خلال لقائه رئيس الوزراء ووزيري الكهرباء والمالية (رئاسة الجمهورية)
TT

السيسي يدعو لتوطين صناعات الرمال السوداء والعناصر النادرة في مصر

السيسي خلال لقائه رئيس الوزراء ووزيري الكهرباء والمالية (رئاسة الجمهورية)
السيسي خلال لقائه رئيس الوزراء ووزيري الكهرباء والمالية (رئاسة الجمهورية)

أكد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، الثلاثاء، ضرورة العمل على توطين صناعات الرمال السوداء والعناصر النادرة في البلاد.

وشدد السيسي، خلال اجتماع عقده مع مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، ومحمود عصمت وزير الكهرباء والطاقة المُتجددة، وأحمد كجوك وزير المالية، على السعي نحو تحويل الموارد الطبيعية المصرية إلى منتجات صناعية ذات قيمة اقتصادية مُرتفعة بدلاً من الاكتفاء باستغلالها في صورتها الأولية.

وصرّح المُتحدث باسم الرئاسة محمد الشناوي، في بيان نُشر على «فيسبوك»، بأن السيسي تابع كذلك الجهود المبذولة لتنمية التصنيع المحلي في صناعات الرمال السوداء والقيمة المضافة لها، نظراً إلى الأهمية الاقتصادية الكبيرة لهذا النوع من الصناعات.

ولفت المتحدث إلى أن الرئيس المصري تابع خلال الاجتماع الموقف التنفيذي لمشروع محطة إنتاج الكهرباء من طاقة الرياح بقدرة 200 ميغاواط بمنطقة خليج السويس، والذي يُسهم في تحقيق هدف الوصول بمُساهمة نسبة الطاقات المُتجددة في مزيج الطاقة إلى 45 في المائة عام 2028، بدلاً من 42 في المائة عام 2030.

وأشار وزير الكهرباء والطاقة المُتجددة إلى أن الوزارة وقَّعت مؤخراً عقداً لتدعيم الشبكة القومية بخط هوائي جديد بجهد 500 كيلوفولت، لنقل طاقة الرياح من خليج السويس إلى مناطق الاستهلاك بالجمهورية، وذلك في إطار تطوير وتدعيم الشبكة القومية المُوحدة.

وأضاف المُتحدث أن الاجتماع شَهِد أيضاً استعراضاً لجهود تعزيز مشروعات إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة، والتوسع في مشروعات تخزين الطاقة باستخدام تقنية البطاريات، فضلاً عن دعم البنية الأساسية اللازمة لذلك، وكذا تعزيز التعاون والشراكات الدولية في هذا الشأن.

واستعرض وزير الكهرباء عدداً من مشروعات توليد الكهرباء من الطاقة الجديدة وبطاريات تخزين الطاقة، المُنفذة والجارية والمُستهدف تشغيلها خلال الفترة المقبلة.

وشدد الرئيس المصري في هذا الصدد، على ضرورة بناء مزيج طاقة أكثر تنوعاً واستدامة، بهدف تعزيز أمن الطاقة، وخفض الانبعاثات، وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية وخفض الاعتماد على الوقود الأحفوري.

وأوضح الشناوي أنه تم خلال الاجتماع استعراض الموقف التنفيذي لمشروعات الهيدروجين الأخضر، وكذا مشروعات تحلية مياه البحر، ومن ذلك مجمع تحلية المياه المُخطط بمنطقة الضبعة والذي يستهدف تنفيذ منظومة متكاملة لتحلية مياه البحر، بالاعتماد على أحدث التكنولوجيات والخبرات المتخصصة، فضلاً عن عدد من مشروعات التحلية الأخرى التي تتم من خلال محطات الكهرباء القائمة، بالتعاون مع الشركاء الدوليين المتخصصين، بهدف توفير مصادر مستدامة للمياه المحلاة، وتوطين التكنولوجيا والصناعات المرتبطة بتلك المشروعات.