أزمة الدولار تضغط بقوة على «رغيف الخبز» في ليبيا

مواطنون اشتكوا من ارتفاع مفاجئ للأسعار متهمين المسؤولين بـ«الفشل والفساد»

ارتفاع أسعار الخبز في مدن ليبية عدة أثار موجة استياء شعبي (أ.ف.ب)
ارتفاع أسعار الخبز في مدن ليبية عدة أثار موجة استياء شعبي (أ.ف.ب)
TT

أزمة الدولار تضغط بقوة على «رغيف الخبز» في ليبيا

ارتفاع أسعار الخبز في مدن ليبية عدة أثار موجة استياء شعبي (أ.ف.ب)
ارتفاع أسعار الخبز في مدن ليبية عدة أثار موجة استياء شعبي (أ.ف.ب)

أثار ارتفاع أسعار الخبز في مدن ليبية عدة موجةَ استياء شعبي، منذ منتصف هذا الأسبوع، بعدما أعلن أصحاب المخابز رفع سعر الرغيف إلى نصف دينار، في تطور يعكس الضغوط المعيشية الناجمة عن تراجع الدينار أمام الدولار، وسط تساؤلات عن جدوى التدخلات الحكومية في هذا البلد نفطي.

وبحسب عدد من أصحاب المخابز، ارتفع سعر قنطار الدقيق إلى أكثر من 400 دينار، ما دفعهم إلى تعديل الأسعار من ثلاثة أرغفة بدينار واحد، إلى رغيفين بالسعر نفسه. وعزت أصوات ليبية هذه الزيادة إلى تجاوز الدولار حاجز عشرة دنانير في السوق السوداء. (سعر الدولار يساوي 6.40 دينار في السوق الرسمية و10.06 دينار في السوداء).

خبز معروض للبيع في أحد الأفران الليبية (حسابات موثوقة)

انتقادات واسعة للقرار

فجّر الإعلان عن هذه الزيادة من طرف المخابز انتقادات واسعة، تنوعت بين التنديد بغلاء الرغيف، واتهام المسؤولين بالفشل والفساد، واستعادة ذكريات انخفاض الأسعار خلال حقبة العقيد الراحل معمر القذافي.

وأمام هذا الوضع، سارعت السلطات في شرق البلاد وغربها إلى اتخاذ إجراءات لطمأنة المواطنين حول توافر الدقيق، ووضع إجراءات لاحتواء الأزمة، شملت البيع المباشر للدقيق للمخابز في مناطق حكومة «الوحدة» في طرابلس، وتوزيع دقيق مدعوم في بنغازي بسعر 260 ديناراً للقنطار، لكن مراقبين عدّوها حلولاً مؤقتة.

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، ربط مغردون بين تقلص حجم الرغيف وارتفاع الدولار، فيما وثق مواطن إمساكه ثلاثة أرغفة بكف واحدة، معلقاً: «سعرها لا يزال ديناراً واحداً... عمار يا ليبيا».

شحنة دقيق في طريقها لأحد المخابز الليبية (حسابات ليبية موثوقة)

وعزا وزير الاقتصاد والتجارة الأسبق، محمد الحويج، الأزمة جزئياً إلى «فقدان الثقة بالسوق، بسبب عدم استقرار سعر الصرف وغياب ميزانية»، في تصريح لـ«الشرق الأوسط».

وذكر الحويج أن وجود مخزون استراتيجي من الحبوب الأساسية، وفي مقدمتها القمح، أمر ضروري، ويجب أن يخضع لإشراف الدولة، مذكراً بأنه طالب عام 2022 بإنشاء الديوان الليبي للحبوب، وصدر قرار بذلك، لكنه لم يُفعّل، كما أوضح أن تفعيله كان سيحمي الدقيق من مضاربات التجار والاضطرابات الدولية، وشدد على ضرورة إخضاع الأمن الغذائي والدوائي لإشراف الدولة، مع عدم إقصاء القطاع الخاص.

ووصف الحويج القطاع الخاص بأنه الشريك الأساسي في الاستيراد، بالتنسيق مع السلطات التي تتولى تسهيل فتح الاعتمادات، والتفاوض مع الدول المصدرة خلال موسم الحصاد للحصول على أسعار تفضيلية. وأوضح أن التعاون يتيح مراقبة جودة السلع والأدوية المستوردة ومتابعة المخزون، مبرزاً أن عدم استقرار الدولار يدفع التجار إلى التسعير وفق السوق الموازية لتعظيم الأرباح، والتحوط من تقلبات سعر الصرف، وواصفاً تدخلات السلطات خلال أزمة الخبز بأنها «معالجات وقتية»؛ لأن الدعم يفتقر إلى مقومات الاستدامة في ظل تقلبات الصرف وغياب الميزانية الموحدة.

تحذيرات من تجدد الأزمة

ودعا الحويج إلى وضع «رؤية شاملة لتأمين الرغيف بوصفه محور أي سلة غذائية»، مشيراً إلى أن ليبيا تستورد نحو 1.25 مليون طن من القمح الطري، و300 ألف طن من القمح الصلب. وقال إن البلاد كانت تلبي معظم احتياجاتها من القمح الصلب بزراعته في الجنوب، قبل إهمال هذا الملف الحيوي.

وأرجعت أصوات ليبية الغلاء إلى الانقسام السياسي بين حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد، والمدعومة من قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر، التي تدير الشرق وبعض مدن الجنوب.

ليبيون باتوا يستعيدون ذكريات انخفاض الأسعار خلال حقبة معمر القذافي بسبب استمرار أزمة الغلاء (أ.ف.ب)

واتفق أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، علي الشريف، مع هذه الانتقادات، معتبراً أن إجراءات احتواء أزمة الخبز استهدفت تهدئة الشارع، عوض تنفيذ خطط لتأمين مخزون استراتيجي، في ظل غياب التنسيق بين الحكومتين، وحذر من تجدد الأزمة خلال الأشهر المقبلة.

وقال الشريف لـ«الشرق الأوسط» إن الخبز يمثل «آخر خط في شبكة الحماية الاجتماعية»، منتقداً تكرار أزماته في بلد نفطي محدود السكان، مقارنة بدول الجوار. واعتبر أن «الاختبار الحقيقي ليس خفض سعر الدقيق، بل خفض الدولار لكبح الأسعار».

ورغم إشادته بتطرق رئاسة مجلس النواب الجديدة إلى أزمة الغلاء، رأى الشريف أن توجيه لجان البرلمان بالتنسيق مع المصرف المركزي لخفض سعر صرف الدولار، والترويج لذلك باعتباره قراراً نافذاً، قد يرفع توقعات المواطنين بإمكان حل الأزمة خلال ساعات. وأكد أن سعر الصرف لن ينخفض إلا عبر ضبط الإنفاق العام، وتحديد احتياجات الاستيراد، محذراً من تهريب كميات كبيرة من السلع المدعومة إلى دول الجوار الجنوبي.

وكانت وزارة الاقتصاد في طرابلس قد أعلنت، الأربعاء، تراجع سعر قنطار الدقيق إلى أقل من 325 ديناراً، نتيجة البيع المباشر. لكن الحقوقية الليبية مبروكة بالتمر قالت إن كثيراً من الأسر، خصوصاً الكبيرة العدد، تواجه مأزقاً معيشياً بسبب الزيادات المتواصلة في أسعار الغذاء.

وأضافت بالتمر موضحة لـ«الشرق الأوسط» أن «المأساة ليست في ترك المواطن وحيداً أمام الغلاء، وجشع التجار وتدهور الخدمات، مثل الكهرباء، بل في غياب الحلول الحقيقية»، مبرزة أنه «من المؤلم أن يتحول رغيف الخبز إلى همٍّ يومي في دولة نفطية».

وقد تمثل الإضرابات والمظاهرات في قطاعي الصحة والتعليم، المستمرة منذ نحو شهر للمطالبة بتحسين الرواتب، الوصف الأدق لحالة الاحتقان الناجمة عن الغلاء، وفق المحلل السياسي الليبي حسام فنيش، الذي دعا في حديثه إلى «الشرق الأوسط» إلى «معالجات اقتصادية دائمة»، لا تعتمد على دعم تمويني مؤقت، يُستغل في المزايدات السياسية، أو زيادات في الأجور يلتهمها التضخم.

وانتهى فنيش متسائلاً عن امتلاك البرلمان أدوات حقيقية لإرغام الحكومتين المتنازعتين، والقوى الفاعلة في شرق البلاد وغربها، على وقف التوسع في الإنفاق العام وتهريب النفط والوقود المدعوم، معتبراً أن هذه العوامل مجتمعة تسهم في تراجع الدينار أمام الدولار.


مقالات ذات صلة

«المركزي» الليبي يفتح جبهة جديدة في الصراع على قيادة المؤسسات السيادية

شمال افريقيا مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)

«المركزي» الليبي يفتح جبهة جديدة في الصراع على قيادة المؤسسات السيادية

عاد مصرف ليبيا المركزي إلى واجهة الصراع على قيادة المؤسسات السيادية في ليبيا بعدما قبلت هيئة رئاسة مجلس النواب استقالة المحافظ ناجي عيسى.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا واجهة البنك المركزي في طرابلس (رويترز)

إدانة واستنكار بعد اقتحام مصرف ليبيا المركزي في طرابلس

أعربت إدارة مصرف ليبيا المركزي، برئاسة ناجي عيسى، عن بالغ استنكارها لدخول قوة وأطراف أخرى إلى مقر المصرف في طرابلس، الخميس.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة خلال لقاء مع عدد من قادة المجموعات المسلحة في الزاوية الأربعاء (الوحدة)

«الوحدة» الليبية تراهن على «الانضباط العسكري» لتطويق نفوذ الميليشيات

بدا رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، حريصاً مراهناً على أهمية الانضباط العسكري والتنسيق بين الميليشيات في غرب البلاد.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)

الاتفاقية البحرية بين ليبيا وتركيا... قضية خلافية لا تهدد العلاقات بين القاهرة وأنقرة

على الرغم من أن مصر وتركيا قطعتا شوطاً كبيراً خلال السنوات الماضية على طريق التقارب والتعاون، برزت مؤخراً إلى السطح قضية الخلاف حول «الاتفاق التركي - الليبي».

هشام المياني (القاهرة)
شمال افريقيا الرهينتان بعد وصولهما إلى بنغازي بعد عام ونصف العام من احتجازهما بالنيجر (رويترز)

ليبيا تعلن تحرير رهينتين أوروبيتين تعرضتا للخطف في النيجر

أفادت وسائل إعلام ليبية، الخميس، بأن رهينتين أوروبيتين جرى تحريرهما بعد أكثر من عام ونصف العام على احتجازهما في النيجر، حيث وصلتا إلى مدينة بنغازي بشرق ليبيا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«المركزي» الليبي يفتح جبهة جديدة في الصراع على قيادة المؤسسات السيادية

مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)
مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)
TT

«المركزي» الليبي يفتح جبهة جديدة في الصراع على قيادة المؤسسات السيادية

مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)
مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)

عاد مصرف ليبيا المركزي إلى واجهة الصراع على قيادة المؤسسات السيادية في ليبيا، بعدما قبلت هيئة رئاسة مجلس النواب استقالة المحافظ ناجي عيسى، وقررت تكليف عضو بمجلس إدارة المصرف بتسيير مهامه مؤقتاً، في خطوة رفضها المجلس الأعلى للدولة، وأثارت اعتراض المصرف نفسه.

وتأتي هذه الخطوة غداة اقتحام مسلحين مقر ديوان المحاسبة في طرابلس، أكبر جهاز رقابي في ليبيا، في محاولة لتمكين مسؤول من تولي منصب وكيل الديوان، بما يعيد استقلال المؤسسات السيادية والرقابية إلى واجهة الانقسام الليبي، ويثير تساؤلات حول قدرتها على مقاومة ضغوط صراعات التعيينات والقيادة.

ناجي عيسى محافظ المصرف المركزي الليبي المقبول استقالته من البرلمان (صفحة المركزي)

وعلى الرغم من مرور نحو عامين على أزمة الإطاحة بالمحافظ السابق الصديق الكبير، عادت الخلافات بشأن قيادة المصرف إلى الواجهة، مع إعلان هيئة رئاسة مجلس النواب، الخميس، قبول استقالة عيسى مبدئياً، وإحالة الأمر إلى المجلس في جلسته المقبلة لاتخاذ القرار النهائي وفقاً للتشريعات النافذة، إلى جانب تكليف فوزي مصباح أبو خزام، عضو مجلس الإدارة، بتسيير مهام المحافظ.

وفي مؤشر على بدء تنفيذ القرار، تداولت وسائل إعلام محلية محضر تسليم وتسلم مهام المحافظ، قالت إنه وُقّع من لجنة تضم أعضاء في مجلسي النواب والأعلى للدولة. وأظهرت تسجيلات مصورة وصول أبو خزام إلى مقر المصرف، وسط استمرار الخلاف بشأن قانونية الإجراء.

غير أن إدارة المصرف المركزي، التي قُبلت استقالتها، أبدت اعتراضاً صريحاً على ما جرى، وأعربت في بيان نشرته عبر الصفحة الرسمية للمصرف على «فيسبوك»، عن «بالغ استنكارها» لدخول قوة وأطراف أخرى إلى المقر، وانتهاك حرمة مكتب المحافظ في غيابه.

وعدّت الإدارة التابعة لناجي عيسى الواقعة تجاوزاً للأصول المؤسسية والإدارية، وإخلالاً بواجب احترام مقاره وصون حرمتها، محمّلاً الجهات التي شاركت فيها أو أسهمت فيها مسؤولية تداعياتها، وفي مقدمتها وزارة الدفاع، بالنظر إلى مسؤوليتها عن حماية المقر وتأمينه.

وفي تصعيد للموقف، أكدت الإدارة التابعة لناجي عيسى عدم تحمله المسؤولية عن الإجراءات، أو التصرفات التي ترتبت على دخول المقر، متمسكاً بحقه في اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحماية مقاره ومكاتبه ووثائقه، ومساءلة المسؤولين عن الواقعة.

رئيس مجلس النواب الليبي الصالحين عبد النبي خلال لقاء مع رئيس مجلس التخطيط الوطني في بنغازي الخميس (مجلس النواب)

وعلى المسار السياسي، أعلن المجلس الأعلى للدولة رفضه الإجراء، الذي اتخذته هيئة رئاسة مجلس النواب، إذ وجّه النائب الأول لرئيس المجلس، ناجي مختار علي، مراسلة رسمية إلى المحافظ، أكد فيها الاعتراض على قبول الاستقالة، وتكليف أحد أعضاء مجلس الإدارة بتسيير مهامه مؤقتاً.

وتعود بداية الأزمة الحالية إلى أغسطس (آب) الماضي، عندما أعلن عيسى استقالته من منصبه، من دون الكشف عن أسبابها، مكتفياً بالإشارة، في رسالة وجّهها إلى مجلسي النواب والأعلى للدولة، إلى «حساسية» تلك الأسباب، غير أن مصادر مقربة من المحافظ (المقبول استقالته) ربطت عدوله عن الاستقالة بتسريع تنفيذ اتفاق الإنفاق الموحد، ووقف زيادات الرواتب غير المتناسبة مع الإيرادات، وإقرار إجراءات للحد من تهريب السلع والمحروقات وحماية الاحتياطيات، وهي ملفات ترتبط مباشرة باستقرار المالية العامة وإدارة الموارد.

ومن وجهة نظر اقتصادية، رأى علي الشريف، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، أن قبول الاستقالة مبدئياً كان ينبغي أن يعقبه استدعاء المحافظ، والاستماع إلى الأسباب التي دفعته إلى تقديمها، بدلاً من اتخاذ قرار متسرع قبل تحديد طبيعة الأزمة.

من جلسة سابقة للمجلس الأعلى للدولة (المجلس)

وحذّر الشريف من أن استمرار الأسباب، التي دفعت عيسى إلى الاستقالة، سيُبقي تداعياتها قائمة، حتى لو جرى تغيير أكثر من محافظ، مشيراً إلى أن معالجة الأزمة تتطلب التعامل مع مسبباتها، لا الاكتفاء بتغيير المسؤول عن إدارة المصرف.

ويأتي تجدد الخلاف في سياق انقسام سياسي ومؤسسي مستمر منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، مع وجود سلطات متنافسة في شرق البلاد وغربها، وتكرار النزاعات بشأن إدارة المؤسسات العامة وتعيين قياداتها، وسط تعثر جهود توحيد مؤسسات الدولة.

وجاء تعيين عيسى عام 2024 ثمرة لاتفاق بين مجلسي النواب والأعلى للدولة، في محاولة لإنهاء أزمة السيطرة على المصرف المركزي، التي انتهت بإطاحة المحافظ السابق الصديق الكبير، بعد تصاعد الخلاف بشأن صلاحيات التعيين وإدارة المؤسسة النقدية.

وتفجرت الأزمة آنذاك بعدما قرر المجلس الرئاسي تغيير الكبير، وتعيين محافظ جديد، في خطوة رفضها مجلس النواب، قبل أن يتصاعد النزاع إلى إغلاق حقول نفطية وتعطل الإنتاج، وصولاً إلى اتفاق برعاية أممية لاختيار قيادة جديدة للمصرف.

وغير بعيد عن الصراع على قيادة المؤسسات السيادية، استمر توقف العمل في ديوان المحاسبة في طرابلس، الخميس، بعدما حاول مسلحون تمكين مسؤول من تولي منصب وكيل الديوان، وفق وصف المؤسسة الرقابية، التي أعلنت تعليق العمل عقب الواقعة إلى حين توافر الظروف المناسبة والآمنة لمباشرة مهامه الرقابية

واتسعت دائرة الإدانات الدولية لاقتحام مقر ديوان المحاسبة، إذ أدانت بعثة الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا و27 بعثة دبلوماسية، الخميس، هذا التصرف، داعية إلى إنهاء الوجود المسلح ومغادرة المقر دون تأخير، وتسوية الخلافات بشأن التعيينات القيادية عبر الإجراءات القانونية والمؤسسية.

وسبق الموقف الأوروبي، الأربعاء، تعبير الولايات المتحدة عن قلقها إزاء وجود قوات مسلحة داخل مقر ديوان المحاسبة، مؤكدة أن استقلال المؤسسات الليبية «أمر بالغ الأهمية»، وأنه ينبغي أن تتمكن من أداء مهامها بعيداً عن الترهيب والتهديدات الجسدية.

وتعيد التطورات الأخيرة ملف حماية المؤسسات السيادية والرقابية إلى صدارة المشهد الليبي، مع تزامن النزاع على قيادة المصرف المركزي، والخلاف على المناصب داخل ديوان المحاسبة، بما يضع قدرة التفاهمات السياسية على تحييد هذه المؤسسات عن صراعات النفوذ أمام اختبار جديد.


إغلاق السفارة الهولندية في القاهرة «حتى إشعار آخر»

إحدى الفعاليات التي نظمتها السفارة الهولندية في القاهرة خلال يونيو الماضي (السفارة الهولندية بالقاهرة)
إحدى الفعاليات التي نظمتها السفارة الهولندية في القاهرة خلال يونيو الماضي (السفارة الهولندية بالقاهرة)
TT

إغلاق السفارة الهولندية في القاهرة «حتى إشعار آخر»

إحدى الفعاليات التي نظمتها السفارة الهولندية في القاهرة خلال يونيو الماضي (السفارة الهولندية بالقاهرة)
إحدى الفعاليات التي نظمتها السفارة الهولندية في القاهرة خلال يونيو الماضي (السفارة الهولندية بالقاهرة)

أعلنت السفارة الهولندية في القاهرة «إغلاق أبوابها حتى إشعار آخر». وقالت، في بيان الخميس، إن «وزارة الخارجية الهولندية اتخذت هذا القرار في ضوء المظاهرات التي يتم تنظيمها أمام مبنى السفارة».

وأشارت السفارة، بحسب البيان، إلى أنه «سيتم التواصل مع الأشخاص الذين لديهم مواعيد مسبقة في السفارة، وإخطارهم في أقرب وقت ممكن بإعادة جدولة مواعيدهم»، مؤكدة أن «هذا الإغلاق المؤقت لا يؤثر على الخدمات التي تقدمها الشركة المتخصصة بإجراءات التقديم على التأشيرات في القاهرة».

ويأتي هذا التصعيد من جانب هولندا عقب تجدد التوترات الدبلوماسية مع القاهرة على خلفية توقيف الناشط أحمد ناصر نائب رئيس «اتحاد شباب المصريين بالخارج»، وزميل له في هولندا، وما سببه ذلك من تداعيات واحتجاجات أمام مبنى السفارة في حي الزمالك بالقاهرة.

وجاء توقيف ناصر وزميله، في الحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، خلال توجههما للمشاركة في مظاهرة مؤيدة للحكومة المصرية أمام مقر سفارتها في لاهاي، شارك فيها عشرات من أبناء الجاليات المصرية بأوروبا لإظهار «دعمهم لموظفي السفارة»، عقب مظاهرة مناهضة للحكومة نظمها الناشط المعارض أنس حبيب أمام مقرها في 4 أكتوبر الحالي.

وإثر توقيف ناصر وزميله أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالاً هاتفياً بنظيره الهولندي توم بيريندسن، الأسبوع الماضي، طالبه خلاله بـ«معرفة ملابسات التوقيف وسرعة الإفراج عن المواطن المصري».

وأكد بحسب بيان لوزارة الخارجية آنذاك «الأهمية القصوى لتوفير الحماية اللازمة والكافية لمقر السفارة المصرية في لاهاي، واحترام الالتزامات المنصوص عليها في اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، وربط ذلك بمبدأ المعاملة بالمثل»، مشيراً إلى «حرص السلطات المصرية على حماية جميع البعثات الدبلوماسية الموجودة في مصر».

كما امتدّت تداعيات المسألة إلى البرلمان حيث دعا رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان إلى «توضيح الأساس القانوني للإجراءات المتخذة بحق ناصر وضمان حقوقه»، مطالباً أمستردام بالإفراج عنه وعن زميله.

وامتدت التداعيات إلى محيط السفارة الهولندية في القاهرة حيث احتشد العشرات أمام السفارة للمطالبة بالإفراج عن ناصر، وكرروا الاحتجاج لعدة أيام، وسط مخاوف من تجدد التوترات الدبلوماسية بين القاهرة وأمستردام على خلفية «مظاهرات السفارات» التي جرت في وقت سابق.

وشهد العام الماضي حملة تظاهر أمام سفارات وبعثات دبلوماسية مصرية في الخارج والدعوة لإغلاقها، قام فيها المعارض المصري أنس حبيب نفسه بزعم أن القاهرة «تعرقل دخول المساعدات إلى غزة»، وهو ما نفته مصر مراراً، مُوجّهة أصابع الاتهام إلى تنظيم «الإخوان» بالوقوف وراء الحملة التي تطورت إلى احتجاجات أمام سفاراتها لدى عدة دول.


موازنة الطاقة تضغط على الحكومة المصرية... فهل ترفع أسعار الوقود؟

 جلسة حول أزمة الطاقة في» منتدى مصر» الخميس 22 أكتوبر2026 (رئاسة الوزراء المصرية)
جلسة حول أزمة الطاقة في» منتدى مصر» الخميس 22 أكتوبر2026 (رئاسة الوزراء المصرية)
TT

موازنة الطاقة تضغط على الحكومة المصرية... فهل ترفع أسعار الوقود؟

 جلسة حول أزمة الطاقة في» منتدى مصر» الخميس 22 أكتوبر2026 (رئاسة الوزراء المصرية)
جلسة حول أزمة الطاقة في» منتدى مصر» الخميس 22 أكتوبر2026 (رئاسة الوزراء المصرية)

وضعت الحكومة المصرية، الخميس، مواطنيها، أمام عدة خيارات «صعبة» في مواجهة ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، بالتوازي مع تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار، متخطياً الـ55 جنيهاً، ومن بين هذه الخيارات رفع أسعار المحروقات.

وكانت لجنة تسعير الطاقة الحكومية، أعلنت الخميس الماضي، تثبيت أسعار المحروقات، دون زيادة جديدة، ما هدأ مخاوف المصريين من استقبال موجات جديدة من زيادات الأسعار، غير أن التطورات الإقليمية المتلاحقة «بما في ذلك زيادة سعر برميل النفط على القيمة التي اتخذت اللجنة بموجبها قرارها الأسبوع الماضي، والارتفاع المتزايد لقيمة الدولار أمام الجنيه، جعلت كل السيناريوهات واردة بما في ذلك التراجع عن قرار التثبيت، وزيادة الأسعار لاحتواء الزيادات العالمية» حسب توقعات الخبير الاقتصادي وائل النحاس.

وقفز سعر النفط عالمياً نحو 6 في المائة خلال أسبوع، من نحو 105 دولارات للبرميل ليتخطى 110 دولارات.

ولم تعلن الحكومة صراحة خلال الجلسة الخاصة بمناقشة ملف الطاقة، في «منتدى مصر»، الخميس، نيتها تحميل المواطن كلفة الزيادة في أسعار الطاقة عالمياً، لكنها لم تظهر سيناريو يستبعد ذلك في وقت استعرض الرئيس عبد الفتاح السيسي الأعباء الكبيرة التي تحملتها الدولة لتوفير الطاقة منذ عام 2013.

وقرأ مراقبون هذه التصريحات باعتبارها تمهيداً لقرار وشيك برفع أسعار المحروقات مرة ثانية خلال هذا العام، بعدما زادت أسعارها بنسبة تتراوح بين 14 إلى 30 في المائة مارس (آذار) الماضي، لكن آخرين استبعدوا ذلك، متوقعين أن تُبقي الحكومة على الأسعار الحالية حتى نهاية العام، على أن تأتي الزيادة مع بداية العام المقبل، وذلك «لأسباب سياسية واجتماعية واقتصادية» وفق أستاذ الاقتصاد علي الإدريسي.

وأوضح السيسي خلال المنتدى، الخميس، أن الدولة تتحمل الجزء الأكبر من تكلفة الطاقة الحقيقية التي يتم توفيرها في ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، لافتاً إلى «أهمية توفر الوعي لدى الرأي العام المصري بذلك»، قائلاً: «أسعار المواد البترولية والكهرباء الحالية غير اقتصادية على الإطلاق، ونبيعها بأقل من تكلفتها الحقيقية».

وأضاف أن «التكاليف الحالية تفوق قدرة الدولة، والتحدي أمامنا هو حجم التمويل المطلوب ومصادر توفيره... ما يهمني أن يعرف المواطن حجم التكلفة وأعباء التحديات الجيوسياسية»، مشدداً على أن أزمة الطاقة عالمية «والتحدي أكبر من الحكومة والرئيس، لكنه ليس أكبر من المواطن، وأنا حريص على تشكيل رأي عام واعٍ».

وتبلغ قيمة دعم الطاقة في الموازنة العامة للدولة 120 مليار جنيه وفق تصريحات سابقة لوزير المالية.

مصر أمام خيارات صعبة لمواجهة أزمة الطاقة (رئاسة الوزراء المصرية)

وشرح رئيس الوزراء المصري، أزمة الطاقة حالياً في أن «الموازنة بنيت على سعر 75 دولاراً لبرميل النفط، بينما ارتفع حالياً إلى نحو 110 دولارات، وتضاعفت كلفة شحنات الطاقة المستوردة مقارنة بما قبل عامين»، عارضاً خيارات الحكومة للتعامل مع الأزمة، وأولها «تحميل المواطن الزيادة كاملة، كما حدث في دول نامية ومتقدمة».

ويرى أستاذ الاقتصاد علي الإدريسي، «أن كلفة هذا الخيار كبيرة، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي والسياسي»، موضحاً «الأسعار في بعض السلع مثل الأجهزة الكهربائية والسيارات وغيرها زادت بالفعل مع زيادة قيمة الدولار، والمواطن لن يتحمل عبء زيادة أسعار المحروقات، التي تؤدي بشكل مباشر إلى زيادة جميع أسعار السلع والخدمات تقريباً، والحكومة لهذا السبب قررت قبل أسبوع تجنب هذا الخيار وتثبيت الأسعار لنهاية العام».

وشرح مدبولي الخيار الثاني في مواجهة أزمة الطاقة «بتحمل الدولة بالكامل قيمة الزيادات، بينما لا تملك الموارد الكافية، ما قد يجبرها على الاقتراض»، وتوسع في شرح مخاطر هذا الخيار، وما قد تتعرض له الحكومة من انتقادات فيه، خصوصاً أن تكلفته ستتحملها الأجيال القادمة في صورة فوائد الدين. أما الخيار الثالث، الذي يرى الخبير الاقتصادي وائل النحاس، أن الحكومة بدأت فيه بالفعل بصورة غير معلنة، فهو «تخفيف الأحمال».

وقال مدبولي، إن «نقص الموارد قد يفرض تخفيف أحمال الكهرباء بين 6 و8 ساعات يومياً، ونجتمع أسبوعيا مع المجموعة الاقتصادية ومحافظ البنك المركزي لتدبير تمويل الشحنات».

وعلق النحاس أن «الكهرباء بالفعل تقطع مرتين بشكل يومي في بعض المناطق، ما قد يشير إلى بدء سيناريو تخفيف الأحمال، خصوصاً أن انقطاع الكهرباء ليس معتاداً في هذا التوقيت من العام»، متوقعاً أن تلجأ الحكومة للخيارين الأول والثالث خلال الفترة المقبلة.

قلق في مصر من قرار جديد بزيادة أسعار المحروقات (وزارة النقل المصرية)

وانتقد عضو مجلس النواب (البرلمان) عن الحزب «المصري الديمقراطي» المعارض، إيهاب منصور، عرض الحكومة للأزمة «دون حتى مشاركة المواطنين في الحل»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الحكومة «مطالبة بالبحث عن حلول لا تُحمل المواطن أعباء اقتصادية جديدة تضاف إلى الأعباء الكثيرة التي يتحملها بالفعل، أو باتخاذ قرار مثل تخفيف الأحمال الذي له كلفة اقتصادية ويؤثر سلباً على كثير من الأنشطة والمجالات»، متسائلاً باستنكار: «إذا لم نلجأ لتخفيف الأحمال في فصل الصيف حين تتزايد الأحمال بشكل كبير، فهل نلجأ إليه الآن؟».

ويميل منصور إلى الإدريسي في استبعاده زيادة أسعار المحروقات على الأقل حتى نهاية العام الحالي، ورأى الأخير «أن الدولة ستوفر الموارد سواء من الاحتياطي أو غيره، لتوفير التكلفة دون أن تحملها للمواطن».

وبينما استعرضت الحكومة الموقف المتأزم الحالي، أشارت إلى حلول مستقبلية ستقوض أزمات هذا الملف عبر «الطاقة المتجددة». وقال مدبولي: «رفعنا مستهدف الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة إلى 45 في المائة بحلول 2028 بدلاً من 42 في المائة بـ2030، ونستهدف 50 في المائة بحلول 2030، مع توفير 200 مليار جنيه لتطوير الشبكات».