أزمة فرنسا تتجاوز الشارع إلى أسواق الدَّين مع اقتراب معركة الموازنة

ارتفاع العوائد وتراجع الأسهم واليورو يعكسان القلق من خفض العجز دون تأجيج الاحتقان الاجتماعي

متظاهر يلتف بالعلم الفرنسي يقف أمام مكتب السياحة في ليون الذي أُضرمت فيه النيران خلال مظاهرة احتجاجاً على «ارتفاع تكاليف المعيشة» (أ.ف.ب)
متظاهر يلتف بالعلم الفرنسي يقف أمام مكتب السياحة في ليون الذي أُضرمت فيه النيران خلال مظاهرة احتجاجاً على «ارتفاع تكاليف المعيشة» (أ.ف.ب)
TT

أزمة فرنسا تتجاوز الشارع إلى أسواق الدَّين مع اقتراب معركة الموازنة

متظاهر يلتف بالعلم الفرنسي يقف أمام مكتب السياحة في ليون الذي أُضرمت فيه النيران خلال مظاهرة احتجاجاً على «ارتفاع تكاليف المعيشة» (أ.ف.ب)
متظاهر يلتف بالعلم الفرنسي يقف أمام مكتب السياحة في ليون الذي أُضرمت فيه النيران خلال مظاهرة احتجاجاً على «ارتفاع تكاليف المعيشة» (أ.ف.ب)

تواجه الحكومة الفرنسية اختباراً مزدوجاً بين احتواء الاضطرابات الاجتماعية واستعادة ثقة الأسواق المالية، مع اقتراب الجمعية الوطنية (البرلمان) من مناقشة مشروع موازنة عام 2027، الذي يستهدف خفض العجز عبر إجراءات تصحيح مالي بقيمة 43 مليار يورو.

وفي وقت تزيد فيه الاحتجاجات وأعمال العنف من الضغوط السياسية على الحكومة، تتصاعد مخاوف المستثمرين من قدرة ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو على كبح الإنفاق العام، والسيطرة على مسار الدَّين، ما انعكس ارتفاعاً في عوائد السندات وتراجعاً في الأسهم الفرنسية واليورو.

وتأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه الحكومة إلى خفض عجز الموازنة إلى 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وسط معارضة لإجراءات تشمل تقليص الإنفاق على الرعاية الصحية والحد من الزيادة المرتبطة بالتضخم في بعض المعاشات التقاعدية. ويزيد غياب الأغلبية البرلمانية الواضحة من صعوبة تمرير الخطة؛ خصوصاً بعدما أعلن الاشتراكيون عزمهم التحرك ضد الشق المتعلق بإيرادات الموازنة مع بدء مناقشته في الجمعية الوطنية.

وتعكس تحركات الأسواق حجم هذا القلق. فقد تراجع مؤشر «كاك 40» الفرنسي بأكثر من 1 في المائة في التعاملات المبكرة الاثنين، وانخفض اليورو بنحو 0.3 في المائة إلى نحو 1.12 دولار. وفي سوق الدين، ارتفع عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات إلى نحو 4.85 في المائة، بينما اتسع الفارق مع السندات الألمانية المماثلة إلى نحو 141- 144 نقطة أساس خلال التعاملات، مقارنة بنحو 137 نقطة أساس يوم الجمعة، وفق توقيتات الرصد المختلفة. ويعكس اتساع الفارق مطالبة المستثمرين بعائد إضافي مقابل الاحتفاظ بالدين الفرنسي، في ظل ارتفاع المخاطر المالية والسياسية.

رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو خلال حضوره اجتماعاً وزارياً مشتركاً للأزمة بوزارة الداخلية في باريس (أ.ب)

وتأتي هذه التحركات بعد أن شهدت فرنسا خلال عطلة نهاية الأسبوع اضطرابات وأعمال نهب وتخريب، أعادت إلى الواجهة التوترات المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة. وأفادت التقارير بتوقيف نحو 2400 شخص، وإصابة نحو ألف من أفراد الشرطة والدرك، بينما تضرر أكثر من ألفَي متجر، وقدَّرت جهات عاملة في قطاع التجارة الخسائر بمئات الملايين من اليوروات.

ولا تنفصل هذه التطورات عن أزمة المالية العامة التي تواجهها البلاد منذ فترة. فقد ارتفعت تكاليف الاقتراض الفرنسي إلى مستويات مرتفعة، مع مطالبة المستثمرين بعوائد أكبر لتعويض مخاطر العجز والدَّين.

وكانت عوائد السندات لأجل 10 سنوات قد اقتربت من 5 في المائة مطلع أكتوبر (تشرين الأول)، قبل أن تتراجع نسبياً خلال الأسبوع الماضي، ولكن الاضطرابات الأخيرة أعادت الضغوط إلى السوق.

وحذَّر محللون في «دويتشه بنك» من أن التطورات الأمنية والاجتماعية قد تجعل المستثمرين أقل ارتياحاً لشراء السندات الحكومية الفرنسية، بما يهدد المكاسب المحدودة التي حققتها السوق أخيراً.

كما رجحت كاثلين بروكس، مديرة البحوث لدى «إكس تي بي»، اتساع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية إلى نحو 150 نقطة أساس، إذا تواصل تداخل الضغوط السياسية والاجتماعية مع الخلافات بشأن إجراءات التقشف.

موازنة تحت ضغط الشارع والبرلمان

ويتمثل الاختبار المباشر أمام رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو في قدرته على تمرير مشروع الموازنة، في ظل اعتراضات تتجاوز حزباً واحداً. فالحكومة تريد خفض العجز إلى 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، من خلال حزمة إجراءات بقيمة 43 مليار يورو تشمل خفض الإنفاق وتدابير مالية أخرى، بينما ترى قوى معارضة أن بعض هذه الإجراءات يُحمِّل الأُسَر أعباء إضافية؛ خصوصاً في مجالَي الصحة والمعاشات.

وكان الاشتراكيون قد أعلنوا عزمهم تقديم تحرك لرفض الشق المتعلق بالإيرادات عند بدء النقاش البرلماني، بينما أعلنت كتلة «التجمع الوطني» اليمينية المتطرفة أنها لن تدعم هذا التحرك، ما يقلل فرص نجاحه؛ غير أن ذلك لا يضمن تمرير الموازنة، في ظل غياب أغلبية مستقرة للحكومة واحتمال امتداد الخلافات إلى مراحل لاحقة من المناقشات.

وحثَّ لوكورنو الاشتراكيين على عدم تعطيل النقاش، معتبراً أن رفض الدخول في مناقشة الموازنة سيبعث برسالة سلبية من البرلمان. ولكن المعارضة رفضت دعوته إلى التسوية، بينما شدد وزير الحسابات العامة ديفيد أمييل على أن ارتفاع أسعار الفائدة يجعل من الصعب تجاهل الحاجة إلى مناقشة أوضاع المالية العامة.

وفي حال تعذُّر تأمين الأصوات اللازمة، قد تلجأ الحكومة مجدداً إلى صلاحيات دستورية تتيح تمرير التشريع من دون تصويت مباشر، كما فعلت في العام السابق؛ غير أن هذا الخيار قد يفاقم التوتر السياسي والاجتماعي؛ ولا سيما أن إصلاحات سابقة للمعاشات التقاعدية أدت إلى احتجاجات واسعة، قبل أن تتراجع الحكومة عن بعض خطواتها سعياً إلى تأمين الدعم اللازم لموازنة 2026.

رجل إطفاء فرنسي يستجيب لحريق حاجز شارع بينما تستمر الاشتباكات بين شرطة مكافحة الشغب والمتظاهرين في باريس (إ.ب.أ)

مخاطر تتجاوز السوق الفرنسية

ولا يقتصر أثر التوتر الفرنسي على الأصول المحلية؛ إذ تراقب الأسواق احتمال انتقال الضغوط إلى دول أخرى في منطقة اليورو تعاني مستويات مرتفعة من الدَّين. ويظل اتساع الفوارق بين عوائد السندات مؤشراً مهماً على مدى استعداد المستثمرين لتحمل المخاطر السيادية، وعلى ما إذا كانت المخاوف ستظل محصورة في فرنسا، أم ستؤثر في تكاليف الاقتراض في اقتصادات أخرى.

كما يواجه اليورو ضغوطاً إضافية بفعل تراجع الثقة في الاستقرار السياسي الفرنسي، وارتفاع أسعار الطاقة. ويزيد ارتفاع النفط والغاز من صعوبة الموازنة بين كبح التضخم ودعم النمو، بينما يترك ارتفاع تكاليف الطاقة أثراً على الأسر والشركات، في وقت تتصاعد فيه الاعتراضات على إجراءات ضبط الإنفاق.

وتتوقف قدرة الحكومة الفرنسية على احتواء هذه الضغوط على مسارين متداخلين: إحراز تقدم ملموس في خفض العجز بما يطمئن حاملي السندات، وتجنب تحميل الأسر أعباء إضافية تزيد الاحتقان. وفي ظل غياب أغلبية برلمانية واضحة، لن يكون إقرار موازنة 2027 مجرد خطوة محاسبية؛ بل سيكون اختباراً لقدرة الحكومة على التوفيق بين متطلبات الاستقرار المالي وتكلفة التسوية الاجتماعية والسياسية.


مقالات ذات صلة

اضطرابات فرنسا تضغط على الأسهم وتفاقم المخاوف بشأن الدين العام

الاقتصاد رجل إطفاء فرنسي يتعامل مع حواجز مشتعلة بأحد الشوارع في ظل استمرار الاشتباكات بين شرطة مكافحة الشغب والمتظاهرين (إ.ب.أ)

اضطرابات فرنسا تضغط على الأسهم وتفاقم المخاوف بشأن الدين العام

تراجعت الأسهم الفرنسية، الاثنين، مع تصاعد المخاوف بشأن الدين العام وتكاليف الاقتراض، بعدما أعادت أعمال العنف الضغوط السياسية والاجتماعية إلى الواجهة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد أوراق نقدية من فئة العشرين دولاراً في نورث أندوفر ماساتشوستس (أ.ب)

الدولار يستقر مع تراجع اليورو بفعل الاضطرابات السياسية في فرنسا

استقر الدولار الأميركي قرب أدنى مستوياته خلال الشهر، الاثنين، مع تراجع اليورو تحت ضغط الاضطرابات السياسية في فرنسا.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
أوروبا متظاهر يلوّح بالعلم الفرنسي يسير بجوار نار مشتعلة خلال اشتباكات سبقت بدء مظاهرة احتجاجاً على «ارتفاع تكاليف المعيشة» في مدينة مارسيليا بجنوب فرنسا (أ.ف.ب)

فرنسا لفرض «حظر تجول محدود» لمواجهة أعمال العنف... ومحتجون يغلقون «اللوفر»

رفض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استقالة وزير داخليته لوران نونيز رغم إقراره بوجود «إخفاقات في الاستباق وجمع المعلومات الاستخباراتية».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا حريق يلتهم مبنى بلدية ليموج التاريخي بعد أن اقتحمته مجموعة من المحتجين (أ.ف.ب) p-circle

فرنسا تواجه تداعيات أسوأ اضطرابات تشهدها منذ سنوات

تواجه فرنسا تداعيات موجة من الاضطرابات الاجتماعية تعد من الأعنف منذ سنوات، بعدما تحولت الاحتجاجات على ارتفاع تكاليف المعيشة إلى أعمال عنف ونهب.

«الشرق الأوسط» (باريس - روما)

وزير الطاقة السوداني لـ«الشرق الأوسط»: فرق عمل مع السعودية لتحويل التفاهمات إلى مشروعات

وزير الطاقة والنفط السوداني المعتصم إبراهيم خلال اجتماعه مع مساعد وزير الطاقة السعودي محمد عبد الرحمن على هامش مؤتمر البترول العالمي (إكس)
وزير الطاقة والنفط السوداني المعتصم إبراهيم خلال اجتماعه مع مساعد وزير الطاقة السعودي محمد عبد الرحمن على هامش مؤتمر البترول العالمي (إكس)
TT

وزير الطاقة السوداني لـ«الشرق الأوسط»: فرق عمل مع السعودية لتحويل التفاهمات إلى مشروعات

وزير الطاقة والنفط السوداني المعتصم إبراهيم خلال اجتماعه مع مساعد وزير الطاقة السعودي محمد عبد الرحمن على هامش مؤتمر البترول العالمي (إكس)
وزير الطاقة والنفط السوداني المعتصم إبراهيم خلال اجتماعه مع مساعد وزير الطاقة السعودي محمد عبد الرحمن على هامش مؤتمر البترول العالمي (إكس)

أطلق السودان فرق عمل لدراسة فرص الشراكة مع السعودية في قطاع الطاقة، تمهيداً لتحويل المباحثات الثنائية إلى مشروعات تستهدف إعادة تأهيل المنشآت المتضررة من الحرب واستعادة قدرات التكرير والكهرباء، وفق وزير الطاقة والنفط السوداني المعتصم إبراهيم، الذي كشف لـ«الشرق الأوسط» عن أربعة مسارات رئيسية للتعاون تشمل تأمين إمدادات الوقود، وتطوير المربعات النفطية في البحر الأحمر، وإنشاء مصفاة في بورتسودان، وإعادة تأهيل البنية التحتية للكهرباء.

تأتي هذه التحركات في وقت يسعى فيه السودان إلى استعادة قدرات قطاع الطاقة بعد الأضرار التي لحقت بمنشآته، وفي مقدمتها مصفاة الجيلي التي كانت تغطي أكثر من 60 في المائة من الاحتياجات المحلية، بينما يعتمد البلد حالياً على استيراد المنتجات النفطية من الخارج.

وقال إبراهيم إن المباحثات مع الجانب السعودي ركزت على فرص الاستثمار والتعاون الفني، مع تشكيل فرق عمل لدراسة نطاق المشروعات المطلوبة وآليات تنفيذها.

وأوضح أن مشاركته في مؤتمر البترول العالمي الذي انعقد في الرياض الأسبوع الماضي استجابةً لدعوة سعودية، أتاحت فرصة لتعزيز التشاور في قضايا الطاقة ذات الاهتمام المشترك، وبحث سبل استقطاب الاستثمارات والخبرات اللازمة لإعادة إعمار القطاع وتطويره، بما يدعم جهود التعافي الاقتصادي في السودان.

وأضاف أن اللقاءات شملت مسؤولين في وزارة الطاقة السعودية وجهات تابعة لها، إلى جانب شركات «أرامكو» و«سابك» و«أكوا باور»، والهيئة السعودية لتنظيم الكهرباء. وأوضح أن التعاون مع «أرامكو» يركز على استيراد المنتجات النفطية وتأمين إمدادات منتظمة للسودان، في ظل الأضرار التي لحقت بمنشآته جراء الحرب، لا سيما مصفاة الجيلي، التي كانت تغطي أكثر من 60 في المائة من الاحتياجات المحلية.

وقال إبراهيم إن الزيارة أسفرت عن تفاهمات لتشكيل فرق عمل تدرس فرص الشراكة والاستثمار في إعادة تأهيل منشآت الطاقة المتضررة، بما يشمل شبكات الكهرباء ومحطات الطاقة والمياه، وإعادة تشغيل مصفاة الجيلي وتوسعة قدرات التكرير في بورتسودان ومنطقة البحر الأحمر.

الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال افتتاحه أعمال مؤتمر البترول العالمي (الشرق الأوسط)

4 مسارات للشراكة

وقال إبراهيم إن المباحثات مع مساعد وزير الطاقة السعودي محمد عبد الرحمن، ركزت على أربعة مسارات رئيسية، أولها تعزيز الشراكة مع «أرامكو» لتوفير إمدادات منتظمة من المشتقات النفطية، بما يدعم استقرار السوق المحلية، خصوصاً في ظل تضرر منشآت الإنتاج والتكرير جراء الحرب.

ويتمثل المسار الثاني في بحث فرص تطوير المربعات النفطية في البحر الأحمر، بما يشمل تشجيع استثمارات القطاع الخاص السعودي في أنشطة الاستكشاف والإنتاج، والاستفادة من الفرص المتاحة في القطاع النفطي السوداني.

أما المسار الثالث فيتعلق بمشروع إنشاء مصفاة لتكرير النفط في بورتسودان، الذي قال الوزير إنه يوفر فرصاً للتعاون الفني والاستثماري مع الجانب السعودي، بما يعزز قدرات السودان في مجال التكرير ويدعم أمن الطاقة.

ويشمل المسار الرابع إعادة تأهيل البنية التحتية لقطاع الكهرباء وإعمار المنشآت التي تضررت جراء الحرب، مع بحث توفير المعدات والتجهيزات اللازمة وتبادل الخبرات الفنية وبناء القدرات.

وأكد إبراهيم أن فرق العمل المشتركة ستدرس طبيعة التعاون وحجمه في مشروعات إعادة تأهيل شبكات الكهرباء ومحطات الطاقة والمياه، تمهيداً لتحديد الخطوات المقبلة وتحويل التفاهمات إلى برامج ومشروعات عملية.

إحدى جلسات مؤتمر البترول العالمي (الشرق الأوسط)

إعادة تأهيل المصافي

وكشف إبراهيم عن خطة لإعادة تأهيل وإعمار البنية التحتية للمصافي وشبكات الكهرباء والمحطات الحرارية والمائية ومرافق الطاقة الشمسية، موضحاً أن المرحلة الأولى تمثل 20 في المائة من المراحل الكلية للخطة.

وقال إن السودان يعمل بالتوازي على تصميم المصافي والترويج للاستثمار فيها، مشيراً إلى وجود فريق هندسي سوداني في الصين منذ أكثر من شهر لمتابعة التصاميم المطلوبة، بالتعاون مع الجانب الصيني، وباستخدام تقنيات حديثة في هذا المجال.

وأضاف أن فريقاً هندسياً وفنياً سودانياً يعمل على إنجاز المرحلة الأولى من خطة التأهيل، في وقت تتطلع فيه الخرطوم إلى استقطاب استثمارات تركية وبيلاروسية وروسية في مراحل مختلفة من صناعة الطاقة، تشمل الاستكشاف والتنقيب.

وأشار إبراهيم إلى أن السودان يتطلع أيضاً إلى استثمارات سعودية في قطاع التكرير، بما في ذلك مشروع مصفاة بورتسودان، الذي يخضع للدراسة، إلى جانب بحث توسيع السعة التكريرية وطرح مشروع مصفاة احتياطية أو تجارية في منطقة البحر الأحمر.

وأضاف أن مصفاة الجيلي في الخرطوم طُرحت للاستثمار بهدف إعادة تشغيلها باستخدام أحدث التقنيات، بعد الأضرار التي لحقت بها خلال الحرب.

الاحتياجات الكهربائية

وقال إبراهيم إن وزارة الطاقة تعمل على توفير الكهرباء والطاقة للقطاعات الحيوية، بما فيها الصناعة والزراعة، مشيراً إلى توفير احتياجات المشروعات الزراعية، ومن بينها مشروع الجزيرة.

وأوضح أن الوزارة تمكنت من توفير طاقة كهربائية للخرطوم تتجاوز 80 في المائة من احتياجاتها، لكنه أشار إلى أن استعادة كامل الطاقة في المحطات والسدود والبنية التحتية ذات الصلة تتطلب نحو ثلاث سنوات.

وأكد أن الاستفادة من التجربة السعودية في تطوير منظومات الكهرباء ورفع كفاءتها تشكل أحد محاور التعاون، إلى جانب توفير المعدات وتبادل الخبرات الفنية، بما يساعد على إعادة تأهيل الشبكات والمنشآت المتضررة.

اضطرابات الملاحة

هذا وأقرّ إبراهيم بتأثير اضطرابات الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، في ظل الحرب الأميركية - الإيرانية، على أسعار الطاقة في السودان، نتيجة ارتفاع تكاليف التأمين البحري والعلاوات السعرية المرتبطة بها.

لكنه أكد أن السودان لا يعاني حالياً من شح في إمدادات المشتقات النفطية، التي يستوردها من الخارج، مشدداً على أن خطة الوزارة تستهدف تأمين احتياجات القطاعات الحيوية من الطاقة، بالتوازي مع إعادة تأهيل المنشآت المحلية وتعزيز قدرات التكرير.

وأوضح إبراهيم أن مشاركة السودان في منتدى الطاقة الدولي ومؤتمر البترول العالمي في السعودية أتاحت فرصة للاطلاع على التقنيات والحلول الحديثة في مجالات الطاقة والصناعات المرتبطة بها، بما يفتح المجال للاستفادة من الخبرات السعودية في تطوير القطاع السوداني.


«مسرّعة أعمال» تعزز جاهزية المنشآت السعودية وتنمية قدراتها التصديرية

حاويات داخل مناطقها المخصصة في «ميناء جدة الإسلامي» (واس)
حاويات داخل مناطقها المخصصة في «ميناء جدة الإسلامي» (واس)
TT

«مسرّعة أعمال» تعزز جاهزية المنشآت السعودية وتنمية قدراتها التصديرية

حاويات داخل مناطقها المخصصة في «ميناء جدة الإسلامي» (واس)
حاويات داخل مناطقها المخصصة في «ميناء جدة الإسلامي» (واس)

أطلق «بنك التصدير والاستيراد» السعودي «مُسرّعة أعمال التصدير»؛ بهدف تعزيز جاهزية المنشآت المحلية وتنمية قدراتها التصديرية، بمشاركة 50 منشأة تستفيد من حزمة من البرامج والخدمات المتخصصة، وذلك خلال الفترة من 18 أكتوبر (تشرين الأول) إلى 17 ديسمبر (كانون الأول) 2026.

وتقدم «المُسرّعة»، التي تُعدّ الأولى من نوعها في مجال تطوير أعمال التصدير، برنامجاً متكاملاً يشمل الإرشاد المتخصص، والتدريب، وبناء العلاقات، إلى جانب التعريف بخيارات النفاذ إلى الأسواق العالمية، وتهيئة المنشآت للاستفادة من الحلول الائتمانية (التمويلية والتأمينية).

وأوضح الرئيس التنفيذي لـ«بنك التصدير والاستيراد» السعودي، المهندس سعد بن عبد العزيز الخلب، أن «إطلاق (مُسرّعة أعمال التصدير) يأتي امتداداً لدور البنك في تمكين المنشآت الوطنية خلال مختلف مراحل رحلتها التصديرية، وتعزيز قدرتها على المنافسة والتوسع في الأسواق العالمية، متطلعاً من خلال المُسرّعة إلى الإسهام في توسيع قاعدة المنشآت المحلية المؤهلة للتصدير، وربطها بالفرص التجارية والشركاء والحلول الائتمانية التي تمكّنها من تنمية أعمالها، بما يسهم في تعزيز الصادرات السعودية غير النفطية وتوسيع حضورها عالمياً».

وتتيح «المُسرّعة» للمنشآت المشاركة مساراً عملياً يبدأ بـ«تقييم الجاهزية التصديرية، مروراً بتطوير خطط تصديرية قابلة للتنفيذ، والاستفادة من جلسات إرشادية فردية ومتخصصة، وصولاً إلى الربط بالجهات الممكنة والمساندة؛ بما يعزز جاهزية المنشآت للتعامل مع متطلبات دخول الأسواق والجوانب التجارية والتشغيلية المرتبطة بها. ويواصل البنك - من خلال إطلاق المُسرّعة - توسيع نطاق تمكين المنشآت المحلية، عبر الجمع بين الخدمات غير المالية والحلول الائتمانية في منظومة متكاملة تلبي احتياجاتها وتعزز قدرتها على تنمية أعمالها في الأسواق العالمية».

يُذكر أن «بنك التصدير والاستيراد» السعودي يعمل تحت إشراف «صندوق التنمية الوطني»، ويهدف إلى تنمية الصادرات السعودية غير النفطية وتعزيز تنافسيتها في الأسواق العالمية، من خلال تقديم حلول التمويل والضمان وتأمين ائتمان الصادرات، بما يسهم في سد فجوات التمويل وتقليل مخاطر التصدير، ويعزز تنويع الاقتصاد الوطني وتحقيق مستهدفات «رؤية 2030».


أزمة فرنسا تتجاوز الشارع إلى أسواق الدَّين مع اقتراب معركة الموازنة

متظاهر يلتف بالعلم الفرنسي يقف أمام مكتب السياحة في ليون الذي أُضرمت فيه النيران خلال مظاهرة احتجاجاً على «ارتفاع تكاليف المعيشة» (أ.ف.ب)
متظاهر يلتف بالعلم الفرنسي يقف أمام مكتب السياحة في ليون الذي أُضرمت فيه النيران خلال مظاهرة احتجاجاً على «ارتفاع تكاليف المعيشة» (أ.ف.ب)
TT

أزمة فرنسا تتجاوز الشارع إلى أسواق الدَّين مع اقتراب معركة الموازنة

متظاهر يلتف بالعلم الفرنسي يقف أمام مكتب السياحة في ليون الذي أُضرمت فيه النيران خلال مظاهرة احتجاجاً على «ارتفاع تكاليف المعيشة» (أ.ف.ب)
متظاهر يلتف بالعلم الفرنسي يقف أمام مكتب السياحة في ليون الذي أُضرمت فيه النيران خلال مظاهرة احتجاجاً على «ارتفاع تكاليف المعيشة» (أ.ف.ب)

تواجه الحكومة الفرنسية اختباراً مزدوجاً بين احتواء الاضطرابات الاجتماعية واستعادة ثقة الأسواق المالية، مع اقتراب الجمعية الوطنية (البرلمان) من مناقشة مشروع موازنة عام 2027، الذي يستهدف خفض العجز عبر إجراءات تصحيح مالي بقيمة 43 مليار يورو.

وفي وقت تزيد فيه الاحتجاجات وأعمال العنف من الضغوط السياسية على الحكومة، تتصاعد مخاوف المستثمرين من قدرة ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو على كبح الإنفاق العام، والسيطرة على مسار الدَّين، ما انعكس ارتفاعاً في عوائد السندات وتراجعاً في الأسهم الفرنسية واليورو.

وتأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه الحكومة إلى خفض عجز الموازنة إلى 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وسط معارضة لإجراءات تشمل تقليص الإنفاق على الرعاية الصحية والحد من الزيادة المرتبطة بالتضخم في بعض المعاشات التقاعدية. ويزيد غياب الأغلبية البرلمانية الواضحة من صعوبة تمرير الخطة؛ خصوصاً بعدما أعلن الاشتراكيون عزمهم التحرك ضد الشق المتعلق بإيرادات الموازنة مع بدء مناقشته في الجمعية الوطنية.

وتعكس تحركات الأسواق حجم هذا القلق. فقد تراجع مؤشر «كاك 40» الفرنسي بأكثر من 1 في المائة في التعاملات المبكرة الاثنين، وانخفض اليورو بنحو 0.3 في المائة إلى نحو 1.12 دولار. وفي سوق الدين، ارتفع عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات إلى نحو 4.85 في المائة، بينما اتسع الفارق مع السندات الألمانية المماثلة إلى نحو 141- 144 نقطة أساس خلال التعاملات، مقارنة بنحو 137 نقطة أساس يوم الجمعة، وفق توقيتات الرصد المختلفة. ويعكس اتساع الفارق مطالبة المستثمرين بعائد إضافي مقابل الاحتفاظ بالدين الفرنسي، في ظل ارتفاع المخاطر المالية والسياسية.

رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو خلال حضوره اجتماعاً وزارياً مشتركاً للأزمة بوزارة الداخلية في باريس (أ.ب)

وتأتي هذه التحركات بعد أن شهدت فرنسا خلال عطلة نهاية الأسبوع اضطرابات وأعمال نهب وتخريب، أعادت إلى الواجهة التوترات المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة. وأفادت التقارير بتوقيف نحو 2400 شخص، وإصابة نحو ألف من أفراد الشرطة والدرك، بينما تضرر أكثر من ألفَي متجر، وقدَّرت جهات عاملة في قطاع التجارة الخسائر بمئات الملايين من اليوروات.

ولا تنفصل هذه التطورات عن أزمة المالية العامة التي تواجهها البلاد منذ فترة. فقد ارتفعت تكاليف الاقتراض الفرنسي إلى مستويات مرتفعة، مع مطالبة المستثمرين بعوائد أكبر لتعويض مخاطر العجز والدَّين.

وكانت عوائد السندات لأجل 10 سنوات قد اقتربت من 5 في المائة مطلع أكتوبر (تشرين الأول)، قبل أن تتراجع نسبياً خلال الأسبوع الماضي، ولكن الاضطرابات الأخيرة أعادت الضغوط إلى السوق.

وحذَّر محللون في «دويتشه بنك» من أن التطورات الأمنية والاجتماعية قد تجعل المستثمرين أقل ارتياحاً لشراء السندات الحكومية الفرنسية، بما يهدد المكاسب المحدودة التي حققتها السوق أخيراً.

كما رجحت كاثلين بروكس، مديرة البحوث لدى «إكس تي بي»، اتساع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية إلى نحو 150 نقطة أساس، إذا تواصل تداخل الضغوط السياسية والاجتماعية مع الخلافات بشأن إجراءات التقشف.

موازنة تحت ضغط الشارع والبرلمان

ويتمثل الاختبار المباشر أمام رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو في قدرته على تمرير مشروع الموازنة، في ظل اعتراضات تتجاوز حزباً واحداً. فالحكومة تريد خفض العجز إلى 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، من خلال حزمة إجراءات بقيمة 43 مليار يورو تشمل خفض الإنفاق وتدابير مالية أخرى، بينما ترى قوى معارضة أن بعض هذه الإجراءات يُحمِّل الأُسَر أعباء إضافية؛ خصوصاً في مجالَي الصحة والمعاشات.

وكان الاشتراكيون قد أعلنوا عزمهم تقديم تحرك لرفض الشق المتعلق بالإيرادات عند بدء النقاش البرلماني، بينما أعلنت كتلة «التجمع الوطني» اليمينية المتطرفة أنها لن تدعم هذا التحرك، ما يقلل فرص نجاحه؛ غير أن ذلك لا يضمن تمرير الموازنة، في ظل غياب أغلبية مستقرة للحكومة واحتمال امتداد الخلافات إلى مراحل لاحقة من المناقشات.

وحثَّ لوكورنو الاشتراكيين على عدم تعطيل النقاش، معتبراً أن رفض الدخول في مناقشة الموازنة سيبعث برسالة سلبية من البرلمان. ولكن المعارضة رفضت دعوته إلى التسوية، بينما شدد وزير الحسابات العامة ديفيد أمييل على أن ارتفاع أسعار الفائدة يجعل من الصعب تجاهل الحاجة إلى مناقشة أوضاع المالية العامة.

وفي حال تعذُّر تأمين الأصوات اللازمة، قد تلجأ الحكومة مجدداً إلى صلاحيات دستورية تتيح تمرير التشريع من دون تصويت مباشر، كما فعلت في العام السابق؛ غير أن هذا الخيار قد يفاقم التوتر السياسي والاجتماعي؛ ولا سيما أن إصلاحات سابقة للمعاشات التقاعدية أدت إلى احتجاجات واسعة، قبل أن تتراجع الحكومة عن بعض خطواتها سعياً إلى تأمين الدعم اللازم لموازنة 2026.

رجل إطفاء فرنسي يستجيب لحريق حاجز شارع بينما تستمر الاشتباكات بين شرطة مكافحة الشغب والمتظاهرين في باريس (إ.ب.أ)

مخاطر تتجاوز السوق الفرنسية

ولا يقتصر أثر التوتر الفرنسي على الأصول المحلية؛ إذ تراقب الأسواق احتمال انتقال الضغوط إلى دول أخرى في منطقة اليورو تعاني مستويات مرتفعة من الدَّين. ويظل اتساع الفوارق بين عوائد السندات مؤشراً مهماً على مدى استعداد المستثمرين لتحمل المخاطر السيادية، وعلى ما إذا كانت المخاوف ستظل محصورة في فرنسا، أم ستؤثر في تكاليف الاقتراض في اقتصادات أخرى.

كما يواجه اليورو ضغوطاً إضافية بفعل تراجع الثقة في الاستقرار السياسي الفرنسي، وارتفاع أسعار الطاقة. ويزيد ارتفاع النفط والغاز من صعوبة الموازنة بين كبح التضخم ودعم النمو، بينما يترك ارتفاع تكاليف الطاقة أثراً على الأسر والشركات، في وقت تتصاعد فيه الاعتراضات على إجراءات ضبط الإنفاق.

وتتوقف قدرة الحكومة الفرنسية على احتواء هذه الضغوط على مسارين متداخلين: إحراز تقدم ملموس في خفض العجز بما يطمئن حاملي السندات، وتجنب تحميل الأسر أعباء إضافية تزيد الاحتقان. وفي ظل غياب أغلبية برلمانية واضحة، لن يكون إقرار موازنة 2027 مجرد خطوة محاسبية؛ بل سيكون اختباراً لقدرة الحكومة على التوفيق بين متطلبات الاستقرار المالي وتكلفة التسوية الاجتماعية والسياسية.