قفزة «التمويل الاستهلاكي» بمصر تكشف عن أزمات توفير الاحتياجات المعيشية

زاد 11 ضعفاً خلال 5 سنوات

زيادة لافتة في الاعتماد على نظام التقسيط في مصر (الشرق الأوسط)
زيادة لافتة في الاعتماد على نظام التقسيط في مصر (الشرق الأوسط)
TT

قفزة «التمويل الاستهلاكي» بمصر تكشف عن أزمات توفير الاحتياجات المعيشية

زيادة لافتة في الاعتماد على نظام التقسيط في مصر (الشرق الأوسط)
زيادة لافتة في الاعتماد على نظام التقسيط في مصر (الشرق الأوسط)

أمام أحد فروع متجر شهير لبيع الأجهزة الكهربائية بمصر، حيث توجَّه الخبير الاقتصادي وائل النحاس لشراء جهاز يحتاج إليه، أوقفه شابٌّ باسمٌ عارضاً عليه تمويلاً مالياً لشراء ما جاء يبتاعه، بل والمزيد، محاولاً إقناعه بـ«المزايا الكثيرة والتسهيلات في السداد»؛ لكن الخبير الذي يتجنَّب حتى استخدام «بطاقة الائتمان» ولا يحب «الديون»، شكر الشاب ومضى.

قد لا يعلم مندوب شركة التمويل أن ما يروِّج له يُسمى في علم الاقتصاد «التمويل الاستهلاكي»، بحسب النحاس الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن هذا النظام «يتسع بشكل مقلق»، رغم مزاياه في تمكين الكثيرين من شراء ما يحتاجون إليه بنظام التقسيط، دون شروط تقريباً.

وأضاف: «على خلاف البنوك التي تحتاج إلى ضمانات قبل استخراج بطاقة مشتريات لعميل لديها، تقدِّم شركات التمويل الكثيرة جداً عروض الشراء والتمويل، بداية من أقساط المدارس أو احتياجات المنزل اليومية، وصولاً إلى المنزل والسيارة».

ارتفاع متسارع

بالاعتماد على أحد تطبيقات التمويل الاستهلاكي، اشترت الموظفة سلمى محمد، من منطقة فيصل جنوب القاهرة، هاتفها قبل نحو عام؛ وقبله اشترت بتطبيق آخر ثلاجة ثمنها 12 ألف جنيه (نحو 230 دولاراً)، ثم اندلعت الحرب الروسية - الأوكرانية، وارتفعت الأسعار فتضاعف الثمن.

تقول سلمى، وهي أم لطفلين، إن شركات التقسيط سهَّلت عليها شراء احتياجاتها. وتضيف قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «من قبل كنت أستلف أو أدخر أولاً قبل شراء أي شيء، وقد يرتفع السعر فلا أستطيع شراء ما ادخرت من أجله، لكن هذه التطبيقات وفَّرت لي فرصة شراء أي شيء في أي وقت».

وواصلت حديثها: «صديقاتي وأقاربي يعتمدون على هذه التطبيقات في شراء متطلبات البيت اليومية أحياناً من خلال مواقع الشراء الإلكتروني».

شراء الاحتياجات الأساسية يحتاج إلى تمويل استهلاكي لدى بعض الأسر مع ارتفاع الأسعار (وزارة التموين المصرية)

سلمى ومعارفها ليسوا سوى نماذج لأكثر من مليون شخص اعتمدوا على هذه الآلية لتمويل استهلاكهم، سواء من السلع المعمرة أو غيرها، بل وحتى وجبات الطعام أو الملابس.

وجاء في بيان صادر عن مركز المعلومات التابع لمجلس الوزراء، الثلاثاء، أن قيمة التمويل الاستهلاكي الممنوح ارتفعت من نحو 8.4 مليار جنيه عام 2020، إلى نحو 96.3 مليار في عام 2025، أي إلى أكثر من 11 ضعفاً خلال 5 سنوات.

وارتفعت قيمة التمويل خلال عام 2025 وحده بنسبة 57.1 في المائة مقارنة بنحو 61.3 مليار جنيه في 2024، وبلغ عدد المستفيدين نحو 10.8 مليون عميل.

فقاعة التمويل

ويرى الباحث الاقتصادي محمد مهدي عبد النبي أن هذه الآلية «مؤشر مزدوج الرؤية؛ فهي من جهة تدعم النمو والاستهلاك للمواطن وتعزِّز قدرته الشرائية في مواجهة التضخم، لكنها في الوقت نفسه شراء بالدين يحمل كثيراً من مخاطر التخلف عن السداد والتعثر والإفلاس، ويكشف عن أزمات لدى كثير من المواطنين في توفير الاحتياجات المعيشية الأساسية».

وقال متحدثاً إلى «الشرق الأوسط»: «إننا أمام فقاعة في التمويل الاستهلاكي، ناتجة عن تراجع القوة الشرائية الحقيقية للمواطن نتيجة التضخم وضعف العملة وعدم وجود روافد أخرى يستطيع أن ينفق منها على احتياجاته الأساسية، فضلاً عن ارتفاع نسب الفائدة».

ويرى عبد النبي أن هذا التمويل «يعكس صورة غير دقيقة لنمو الاقتصاد المصري؛ فمقابل زيادة التمويل الاستهلاكي تقل القوة الشرائية للرواتب والدخول، أي أن المواطنين أنفسهم يسهمون في نمو الاقتصاد، لكن بالدَّين».

وتشهد الأسواق المصرية معدلات مرتفعة من التضخم الذي سجَّل 14.5 في المائة في أغسطس (آب) الماضي، مقارنة بـ14.9 في يوليو (تموز)، وذلك على أساس سنوي.

وتقرُّ الحكومة المصرية بالضغوط الاقتصادية على المواطنين.

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، الأحد، خلال كلمته بمناسبة ذكرى نصر أكتوبر: «أعلم يقيناً أن الأعباء الاقتصادية تُثقل كاهل الأسر المصرية، وأقدر صبركم وتحملكم».

المخاطر

قبل شهور عدة، سافر ع. م إلى إحدى الدول الخليجية للبحث عن عمل بعدما فشل في العثور على عمل بمصر. وقصَّ على «الشرق الأوسط» كيف أنه لم يكن لديه المال الكافي لتذكرة السفر أو التأشيرة، لذا لجأ إلى حيلة للحصول على المال من خلال شراء هواتف عدة بالتمويل الاستهلاكي، ثم بيعها مباشرة مع خسارة 10 في المائة من ثمنها.

قال: «كان ثمن الهواتف 50 ألف جنيه بالقسط على عامين، وحصلت ببيعها على 40 ألف جنيه تقريباً، كانت كافية للتذكرة والتأشيرة».

وأضاف: «زوجتي تحملت عبء سداد القسط من راتبها شهوراً عدة حتى استطعت العثور على عمل».

ويعلق الخبير الاقتصادي وائل النحاس على الأمر قائلاً: «شراء أجهزة دون استخدامها ثم بيعها للحصول على المال أمر شائع ومن مخاطر التمويل الاستهلاكي، فهو يؤدي على المدى البعيد إلى ارتفاع الأسعار».

ويلفت إلى أن الأجهزة الرقابية منعت من قبل شركات التمويل الاستهلاكي من تقديم تمويل لشراء الذهب، والذي كان يعتمد عليه المتلاعبون للحصول على المال من هذه الشركات، حتى دون تكبد أي خسائر.

ومثَّل التمويل الاستهلاكي نحو 6.9 في المائة من إجمالي التمويل الممنوح من خلال الجهات الخاضعة لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية، وفق مركز معلومات بمجلس الوزراء.

وتأتي القفزات اللافتة في آلية التمويل الاستهلاكي وسط أوضاع اقتصادية ضاغطة وفق مراقبين، في ظلِّ استمرار الاضطرابات الإقليمية وتأثيرها على الأسعار وحركة الشراء عالمياً، «ما يجعل مخاطر عدم السداد تتصاعد على نحو قد يهدِّد السلم المجتمعي»، وفق النحاس.

وأشار إلى انتشار مقاطع على «تيك توك» لمواطنين يستغيثون من ملاحقات شركات التمويل الاستهلاكي والتربص بهم تحت المنازل، أو اقتحامها وترهيبهم للحصول على المستحقات غير المُسدَّدة.


مقالات ذات صلة

«المركزي المصري» مرشح لتثبيت الفائدة للمرة السادسة توالياً

الاقتصاد مقر البنك المركزي المصري في وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

«المركزي المصري» مرشح لتثبيت الفائدة للمرة السادسة توالياً

تتجه لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري إلى تثبيت أسعار الفائدة للمرة السادسة على التوالي، في اجتماعها المقرر، الخميس.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الحكومة يعلن زيادة الحد الأدنى للأجور تدريجياً خلال 3 سنوات (رئاسة مجلس الوزراء)

كيف تفاعل المصريون مع قرار رفع الحد الأدنى للأجور عام 2030؟

لم ينل الإعلان الحكومي عن زيادة الحد الأدنى للأجور في مصر، قرابة الضعف خلال 3 أعوام، احتفاء وترحيباً شعبياً واسعاً، كالمتوقع.

رحاب عليوة (القاهرة)
الاقتصاد السيسي خلال لقائه رئيس الوزراء ووزيري الكهرباء والمالية (رئاسة الجمهورية)

السيسي يدعو لتوطين صناعات الرمال السوداء والعناصر النادرة في مصر

أكد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، الثلاثاء، ضرورة العمل على توطين صناعات الرمال السوداء والعناصر النادرة في البلاد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)

الجنيه المصري يهبط إلى مستوى قياسي أمام الدولار

هبط الجنيه المصري إلى مستوى قياسي منخفض أمام الدولار، مسجلاً 56 جنيهاً للدولار يوم الاثنين، وفق بيانات مجموعة بورصات لندن.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد مشهد من داخل البورصة المصرية (رويترز)

بورصة مصر تهوي 4 %... وتراجع قياسي للجنيه

قلصت بورصة مصر خسائرها إلى نحو 4 % مع إغلاق جلسة الأحد، التي شهدت تراجعات حادة شبه جماعية للأسهم، جرّاء تقييمات للمخاطر من مستثمرين أجانب تبعته حركة بيع جماعية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

إثيوبيا تعزز قدراتها العسكرية وسط توترات بالقرن الأفريقي

آبي أحمد في موسكو خلال تسليم طائرات مقاتلة من طراز سو - 35 من الجيل الرابع (صفحته على إكس)
آبي أحمد في موسكو خلال تسليم طائرات مقاتلة من طراز سو - 35 من الجيل الرابع (صفحته على إكس)
TT

إثيوبيا تعزز قدراتها العسكرية وسط توترات بالقرن الأفريقي

آبي أحمد في موسكو خلال تسليم طائرات مقاتلة من طراز سو - 35 من الجيل الرابع (صفحته على إكس)
آبي أحمد في موسكو خلال تسليم طائرات مقاتلة من طراز سو - 35 من الجيل الرابع (صفحته على إكس)

عززت إثيوبيا قدراتها العسكرية عبر صفقة غير مسبوقة مع موسكو، في توقيت حرج يتزامن مع تصاعد التوتر مع الجارة إريتريا، منذ قطع علاقات البلدين مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، ومخاوف من تجدد حرب بينهما وتفاقم الاضطرابات بالقرن الأفريقي.

الصفقة التي تشمل 12 مقاتلة روسية تم تسلمها، و4 بطاريات دفاع جوي تستعد أديس أبابا لتسلمها، بحسب حديث رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، ستبدو وكأنها «رسالة ردع في المنطقة»، وفق خبير إثيوبي في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، مؤكداً أن «هذا التطور لا يعني استعداد إثيوبيا لخوض مواجهة عسكرية، بل سعيها إلى رفع كلفة أي تهديد محتمل».

ويأتي هذا الإعلان بالتزامن مع وصول آبي أحمد إلى موسكو للمشاركة في القمة الروسية - الأفريقية الثالثة، التي تعقد الأربعاء والخميس، والتي يشارك فيها رئيسا مصر وإريتريا.

وأعلن آبي أحمد عبر حسابه بمنصة «إكس»، الأربعاء، أن بلاده تسلمت الدفعة الأولى المكونة من 12 مقاتلة من طراز «سو - 35» من الجيل 4++، وأنها تستعد لتسلم أربع بطاريات من منظومات «إس - 400» للدفاع الجوي.

وأعرب عن امتنانه للرئيس الروسي فلاديمير بوتين «لتسهيل تسليم المقاتلات قبل الموعد المتفق عليه بعام كامل»، واصفاً تلك الخطوة بأنها «محطة مهمة في جهود إثيوبيا الرامية إلى تعزيز قدراتها في مجالَي الدفاع الوطني والأمن».

ويعدُّ هذا المسار، بحسب حديث الخبير الإثيوبي في الشؤون الأفريقية موسى شيخو، «تحولاً مهماً في أولويات إثيوبيا الأمنية، ويتجاوز تحديث الترسانة العسكرية، إلى إعادة بناء معادلة الردع في القرن الأفريقي».

وأضاف شيخو: «نحن أمام تحول نوعي في العقيدة الدفاعية الإثيوبية، وليس مجرد إضافة عدد من الطائرات إلى سلاح الجو، فمقاتلات Su - 35 تمنح إثيوبيا عند اكتمال تشغيلها وتدريب أطقمها، قدرات متقدمة في الاعتراض الجوي والقتال بعيد المدى، أما منظومات S - 400 إذا تسلمتها وأدمجتها بنجاح في شبكة دفاعها الجوي، فستعزز قدرتها على حماية مجالها الجوي والمنشآت الاستراتيجية».

رئيس الوزراء الإثيوبي يتسلم طائرات مقاتلة من طراز سو - 35 من الجيل الرابع (صفحته على إكس)

واعتبر آبي أحمد أن «هذه الصفقة تضع إثيوبيا في طليعة دول أفريقيا جنوب الصحراء من حيث امتلاك المقاتلات المتطورة»، مؤكداً أن «تنامي الجاهزية لدى القوات الدفاعية الإثيوبية يعزز قدرة البلاد على ردع أي عدوان محتمل»، وفق قوله.

ولم يذكر أحمد طبيعة ذلك «العدوان المحتمل»، غير أنه يأتي في سياق تصاعد التوترات مع إريتريا منذ مطلع أكتوبر الحالي، بعد اتهامات إثيوبية لأسمرة بدعم «تمرد» «جبهة تحرير تيغراي» المعارضة.

وأثارت معارك اندلعت في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي بين «الجبهة» والحكومة الإثيوبية، مخاوف من اندلاع حرب إقليمية، حيث اتهمت أديس أبابا أسمرة بدعم المتمردين ونشر آلاف الجنود داخل الأراضي الإثيوبية، قبل أن تقول إنها أجبرتها على التراجع بعد نحو أسبوعين غداة ضربات مكثفة، وهو ما نفته إريتريا مراراً.

ونالت إريتريا استقلالها عن إثيوبيا عام 1993، وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامَي 1998 و2000، وشهدت العلاقات بين البلدين تحسناً لفترة وجيزة بعد وصول آبي أحمد إلى السلطة في 2018، لكنها تدهورت مجدداً، وصولاً إلى قطع العلاقات كلياً مطلع هذا الشهر بسبب النزاع في تيغراي.

ووفق الخبير الإثيوبي في الشؤون الأفريقية، تبرز ثلاثة دوافع رئيسية للتوجه الإثيوبي العسكري الجديد؛ «أولها، استعادة الجاهزية العسكرية وتعزيز الردع بعد سنوات من النزاعات الداخلية التي استنزفت الموارد العسكرية والأمنية، وثانيها مواجهة المخاطر الإقليمية المتصاعدة ولا سيما التوتر مع إريتريا، وثالثها حماية الأصول الاستراتيجية، وفي مقدمتها سد النهضة والبنية التحتية الحيوية».

ويتابع: «لا يعني هذا التطور استعداد إثيوبيا لخوض مواجهة عسكرية، بل سعيها إلى رفع كلفة أي تهديد محتمل، وتعزيز قدرتها على حماية سيادتها واستقلال قرارها الوطني». ويؤكد أن رسالة أديس أبابا تتمثل في أنها «لا تسعى إلى فرض نفوذها بالحرب، بل إلى امتلاك قوة ردع تحمي مصالحها، وتمنح دبلوماسيتها وزناً أكبر».


جدل مصري حول تعديل الدستور لتمديد حكم السيسي

السيسي وسط قيادات الدولة في «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)
السيسي وسط قيادات الدولة في «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)
TT

جدل مصري حول تعديل الدستور لتمديد حكم السيسي

السيسي وسط قيادات الدولة في «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)
السيسي وسط قيادات الدولة في «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)

لا تزال فكرة تعديل الدستور المصري بما يُمكًن الرئيس عبد الفتاح السيسي من الترشح لمدد رئاسية جديدة، محل جدل على الساحة السياسية، إذ لم تمنع رغبة الرئيس تسليم الحكم عام 2030 مؤيديه من دعوته للبقاء، في وقت يرفض سياسيون ومعارضون المساس بالدستور ويحذرون من محاولات تعديله.

كان الرئيس المصري قد صرح في 17 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، بأن «الدستور لن يُمسّ»، في إشارة إلى رفضه تعديل الدستور لتمديد حكمه، وفي اليوم التالي، أكد المعنى نفسه، مؤكداً أنه سيسلّم السلطة في 2030، مقترحاً أن تتولى الأكاديمية العسكرية تدريب المرشحين المقبلين للرئاسة.

وظهرت حملات على مواقع التواصل الاجتماعي، تدعو الرئيس إلى التراجع عن قراره، وتطالب بتعديل الدستور وترشيحه لمدد تالية، وهو ما تبناه أيضاً عدد من الإعلاميين، من ضمنهم أحمد موسى ومحمد الباز. في المقابل، رحبت أحزاب وشخصيات عامة بإعلان الرئيس التداول السلمي للسلطة.

وبينما كان المرحبون بتصريح الرئيس يدعون إلى بدء نقاش فعال حول مقترحه لشروط وآلية إيجاد بديل بعد انتهاء حكمه، أعاد المؤيدون النقاشات إلى الخلف، بتكرار دعاوى تعديل الدستور.

وتستند دعوات هذا الفريق إلى أن مصر في «أزمة» ولا يوجد «بديل»، ومن ثم «يُفترض على الرئيس النزول على رغبة الجماهير والبقاء»، معتبرين أن تعديل الدستور «أمر لا ضرر منه في هذه الحالة»، وفق ما طرحه الإعلامي موسى في برنامجه «على مسؤوليتي» مساء الثلاثاء، بينما رد عليه المفكر السياسي حسام بدراوي، في البرنامج نفسه، بالرفض، مؤكداً أن «العودة للدستور هو ما يجب أن يحدث وقت الأزمة وليس تعديله».

السيسي يُصوت في انتخابات «مجلس الشيوخ» 2025 (المتحدث باسم الرئاسة المصرية)

وأرجع الخبير في «مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية»، عمرو هاشم ربيع، دعوات تعديل الدستور إلى عدة أسباب، منها «عدم ثقة البعض في إيجاد بديل للرئيس الحالي، أو مؤيدين للرئيس من منطلق المثل الشعبي: من نعرفه أحسن ممن لا نعرفه»، فضلاً عن وجود «منتفعين»، على حد قوله، معتبراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن حالة الجدل الموجودة وظهور الآراء الرافضة لبقاء الرئيس أو الداعية لتسليم السلطة، مؤشر على أن هذه الدعوات «اجتهادات لا يتبناها الرئيس، وحالة يجب أن تستفيد منها الأحزاب والمعارضة لطرح البدائل».

واتفق معه المحلل السياسي كمال زايد، وهو من رافضي تعديل الدستور، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن ما يستند إليه المؤيدون لبقاء الرئيس، «هي نفسها الأسباب التي تدفعنا للمطالبة بتسليم السلطة في موعدها، لأنه عندما تكون الدولة في أزمة، يجب ألا يُعدل الدستور».

وسجل عدد من المواطنين مقاطع فيديو عبر موقع «تيك توك»، يرفضون فيها تصريحات السيسي حول عدم تعديل الدستور، أحدها لمواطنة تبكي وتطالبه بالبقاء، وآخر يقول: «أنا ضد قرارك بعدم الترشح مرة أخرى»...

وعبَّر الإعلامي محمد الباز، الأسبوع الماضي، في لقاء تلفزيوني، عن أمنيته «أن يتراجع الرئيس» عن عدم ترشحه للرئاسة بعد 2030، قائلاً: «الدستور ليس قرآناً، ويمكن تعديله وفق مقتضيات معينة».

ولم يستبعد ربيع أن تنجح هذه الحملات في تغيير موقف السيسي، «وإعادة التفكير في الترشح خصوصاً لو تم بثها بصورة كثيفة، وانتشرت أكثر الفترة المقبلة».

وتنتهي فترة رئاسة السيسي عام 2030، وفق التعديلات الدستورية التي وافق عليها المصريون في تصويت عام 2019، ومُدت بموجبها الفترة الرئاسية إلى 6 سنوات بدلاً من 4 سنوات، وحُددت مدة الرئاسة بدورتين متتاليتين.

واشار أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق، إلى حالة الجدل الموجودة على الساحة، والتي تتجاوز ما عبَّر الرئيس السيسي عنه، إلى مفاجأة بعض الدوائر القريبة منه بتصريحاته حول تسليم السلطة، والتي يبدو أنه لم يكن قد شاركها إلا على نطاق ضيق حوله، ومن ثم جاءت حالة الجدل التي تحمل في جزء منها إرباكاً وارتباكاً في دوائر المؤيدين.

وتخوف صادق، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، من «أن ننتقل من جدل تعديل الدستور، إلى جدل آخر إذا ما ترجم البرلمان مقترحات السيسي حول من يترشحون للرئاسة في تعديلات بقانون الانتخابات، لتواجه أي عملية سياسية خاصة بالرئاسة، شبح عدم الدستورية».

كان الرئيس قد اقترح أن يتولى البرلمان وضع شروط للترشح تتمثل في أن يكون عمر المترشح بين 40 و50 عاماً، وأن يخضع لفترة تدريب وإعداد داخل «الأكاديمية العسكرية».

وتطرَّق المفكر السياسي حسام بدراوي إلى هذه الشروط في لقائه مع أحمد موسى، قائلاً إن «الدستور المصري الحالي تضمَّن شروطاً دقيقة وكافية لاختيار رئيس الجمهورية»، مؤكداً «أن جماهير الشعب تظل هي صاحبة الكلمة العليا وحق الفصل في تحديد هوية القائد الأنسب للبلاد».


الإدارة الجديدة لـ«المركزي الليبي» أمام مهمة عاجلة لـ«إنقاذ الدينار»

مقر المصرف المركزي في العاصمة الليبية طرابلس (رويترز)
مقر المصرف المركزي في العاصمة الليبية طرابلس (رويترز)
TT

الإدارة الجديدة لـ«المركزي الليبي» أمام مهمة عاجلة لـ«إنقاذ الدينار»

مقر المصرف المركزي في العاصمة الليبية طرابلس (رويترز)
مقر المصرف المركزي في العاصمة الليبية طرابلس (رويترز)

سارع محافظ مصرف ليبيا المركزي المكلف، فوزي بوخزام، خلال الأيام الأولى من توليه منصبه، إلى تكثيف مشاوراته مع مؤسسات اقتصادية وسياسية ليبية، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً اقتصادية متزايدة، وسط شكاوى من ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية للدينار.

وتأتي هذه التحركات في ظل انقسام سياسي ومؤسسي ممتد منذ عام 2011، يضع الإدارة الجديدة أمام اختبار مبكر لاحتواء تراجع العملة المحلية، بعدما تجاوز سعر الدولار الأميركي مستوى 10 دنانير في السوق الموازية خلال الشهرين الأخيرين.

فوزي بوخزام يتوسط رئيس مؤسسة النفط ووزير المالية بحكومة الوحدة الاثنين (المصرف المركزي)

دعوات للتظاهر

وانعكست هذه الضغوط على الشارع الليبي، حيث دعا نشطاء، الأربعاء، إلى التظاهر احتجاجاً على تردي الأوضاع المعيشية، مطالبين بإعادة النظر في سياسات سعر صرف الدينار، وفق ما أعلنت عنه صفحة «رابطة حراك 28 أكتوبر» على موقع «فيسبوك».

ويصف عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي الأسبق، أمراجع غيث، تحركات المحافظ الجديد بأنها تعكس إدراكاً لضرورة تجاوز المراسم التقليدية لتولي المنصب، والانخراط سريعاً في «مهمة عاجلة لإنقاذ الدينار الليبي»، الذي فقد جانباً من قوته الشرائية أمام الدولار الأميركي خلال الفترة الأخيرة.

ويرى غيث في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن أولوية المحافظ الجديد تتمثل في احتواء تراجع قيمة الدينار، والحد من انعكاساته على الأوضاع المعيشية، مشيراً إلى أن استقرار سعر الصرف يرتبط بمعالجة الاختلالات المالية والاقتصادية، التي تضغط على العملة المحلية.

بسبب الغلاء وتردي الأوضاع المعيشية ظهرت دعوات للتظاهر للمطالبة بإعادة النظر في سياسات سعر صرف الدينار (أ.ف.ب)

وبدا هذا التوجه حاضراً في لقاء بوخزام، الثلاثاء، مع رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، حيث تصدرت المباحثات سبل دعم الدينار الليبي، وتعزيز قيمته وتحسين سعر صرفه، في خطوة عكست أهمية التنسيق بين المؤسسات الوطنية المعنية بالاستقرار النقدي.

كما أثار اجتماع المحافظ الجديد، منتصف الأسبوع، مع وزير المالية بحكومة الوحدة الوطنية، راشد أبو غفة، ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان، اهتماماً في الأوساط الاقتصادية، نظراً إلى ارتباط الملفات المطروحة بمصادر الإيرادات العامة، وآليات إدارة الإنفاق الحكومي.

ويرى غيث أن أهمية هذه اللقاءات تنبع من تكامل الأدوار بين المؤسسات المعنية؛ فالمؤسسة الوطنية للنفط تتولى إدارة القطاع النفطي وإيراداته، فيما تضطلع وزارة المالية بإدارة الإنفاق العام، بينما يتولى المصرف المركزي إدارة السياسة النقدية والاحتياطيات الأجنبية، موضحاً أن التنسيق بين هذه الجهات ضروري لضمان انعكاس الإيرادات النفطية على استقرار الدينار، في حين يحمل التواصل مع المجلس الأعلى للدولة بُعداً سياسياً يساعد على توفير الدعم المؤسسي للسياسات المطلوبة، في ظل الانقسام الذي تشهده البلاد.

ضرورة ضبط الإنفاق الحكومي

يشدد عضو مجلس إدارة المصرف المركزي الأسبق على أن تعزيز القوة الشرائية للدينار يتطلب ضبط الإنفاق الحكومي، ومعالجة الاختلالات المرتبطة بالاعتمادات المستندية الممولة بالنقد الأجنبي، إلى جانب مكافحة تهريب النفط والسلع، باعتبارها ملفات مترابطة تؤثر في سوق الصرف، وشروطاً أساسية لنجاح مهمته في إنقاذ الدينار.

فوزي بوخزام خلال لقاء مع رئيس المجلس الأعلى للدولة في طرابلس محمد تكالة (المصرف المركزي)

وعلى خلاف أزمات رافقت انتقال قيادة بعض المؤسسات السيادية في ليبيا، لم يواجه تولي بوخزام اعتراضاً مؤسسياً معلناً مماثلاً، عقب تكليفه من مجلس النواب خلفاً لناجي عيسى، الذي سبق أن تقدم باستقالته وقُبلت، وسط ترحيب من المجلس الأعلى للدولة.

وسارع المحافظ المكلف إلى عقد اجتماعات مع إدارات المصرف، وإعادة تشكيل لجنة السياسة النقدية، إلى جانب استحداث لجان تُعنى بالحوكمة والمراجعة والمخاطر والتعيينات، في إطار إعادة تنظيم العمل الداخلي وتعزيز آليات الرقابة والإدارة المؤسسية.

لكن فاعلية هذه الخطوات ستظل مرتبطة بقدرة الإدارة الجديدة على ترجمة التغييرات التنظيمية إلى إجراءات ملموسة، تعالج الاختلالات النقدية والمالية، خصوصاً في ظل استمرار الضغوط على سعر الصرف وتزايد الأعباء المعيشية على المواطنين.

وفي هذا السياق، يرى الدكتور عمر زرموح، أستاذ الاقتصاد بالأكاديمية الليبية، أن من الأخطاء التي ينبغي للمحافظ المكلف تجنبها التماهي مع واقع إدارة المالية العامة، عبر ترتيبات مالية مؤقتة مستمرة منذ سنوات، دون موازنة عامة معتمدة من السلطة التشريعية.

ويؤكد زرموح لـ«الشرق الأوسط» ضرورة العمل على إنهاء هذا الوضع، وتحديد سقف واضح للتمويل بالعجز وضوابطه، بما يعزز الانضباط المالي، ويحد من الضغوط على السياسة النقدية، ويضع إدارة الموارد العامة ضمن إطار قانوني واضح يخضع للرقابة التشريعية.

لكن قدرة المصرف المركزي على إحداث تغيير ملموس تظل موضع تساؤل في ظل الاختلالات الهيكلية، التي تعاني منها المؤسسات الاقتصادية الليبية؛ إذ لا تقتصر التحديات على نقص الأدوات النقدية، بل تمتد إلى محدودية استجابة الاقتصاد لها.

وهنا ينظر الدكتور عطية الفيتوري، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، إلى أدوات السياسة النقدية المتاحة في ليبيا باعتبارها «غير كافية وحدها لإحداث التغيير المطلوب، وإنعاش الدينار الليبي»، كما أن استجابة الاقتصاد لهذه الأدوات تظل محدودة بفعل التشوهات الاقتصادية والسياسية القائمة.

وينتهي الفيتوري إلى أن المعالجة تتطلب تطوير المؤسسات الاقتصادية، وتفعيل أدوات السياسات النقدية والمالية والتجارية، بالتوازي مع مكافحة الفساد، وتعزيز الانضباط في التوظيف والإنفاق العام، محذراً من استمرار إهدار الجهود، دون تحقيق التحسن الاقتصادي المنشود.