بقايا فيروسات قديمة في جينوم الإنسان تتنبأ بالاستجابة للعلاج الكيميائي

«الجينوم المظلم» قد يحمل مؤشرات إضافية تساعد مستقبلاً في تحسين اختيار الأدوية

بقايا فيروسات قديمة في جينوم الإنسان تتنبأ بالاستجابة للعلاج الكيميائي
TT

بقايا فيروسات قديمة في جينوم الإنسان تتنبأ بالاستجابة للعلاج الكيميائي

بقايا فيروسات قديمة في جينوم الإنسان تتنبأ بالاستجابة للعلاج الكيميائي

قد تكشف «بقايا فيروسات» عمرها ملايين السنين سر استجابة مرضى سرطان الدم للعلاج الكيميائي؛ إذ أظهرت دراسة جديدة أن أنماط نشاط هذه التسلسلات الفيروسية القديمة داخل الجينوم، ترتبط بضعف الاستجابة للعلاج. وقد أدى إدراجها في نماذج الذكاء الاصطناعي إلى تعزيز القدرة على التنبؤ بالمرضى الأكثر عرضة لمقاومة العلاج.

وأجرى الدراسة باحثون من جامعة كينغز كوليدج لندن، حيث حللوا بيانات سريرية وبيولوجية لـ271 مريضاً مصاباً بابيضاض الدم النقوي الحاد acute myeloid leukemia (AML)، تلقوا العلاج الكيميائي المعتاد. ونُشرت النتائج بدورية «Blood Neoplasia» في أغسطس (آب) 2026، وأشارت إلى أن ما يُعرف بـ«الجينوم المظلم» قد يحمل مؤشرات إضافية تساعد مستقبلاً في تحسين اختيار العلاج وتطوير استراتيجيات أكثر تخصيصاً لمرضى سرطان الدم.

عندما لا ينجح العلاج

يبدأ سرطان الدم النقوي الحاد في نخاع العظم، ويمكن أن يتطور بسرعة ويؤثر في إنتاج خلايا الدم الطبيعية. ورغم استخدام مجموعة من الفحوصات لتقييم المرضى، فإن الأطباء لا يستطيعون حتى الآن التنبؤ بدقة بمن سيستجيب للعلاج الكيميائي ومن سيصاب بمرض مقاوم للعلاج.

وفي بعض الحالات لا يحقق المريض هدأة كاملة رغم تلقي العلاج. وتُعرف الحالة باسم ابيضاض الدم النقوي الحاد المقاوم للعلاج، ما يجعل اختيار الاستراتيجية العلاجية المناسبة تحدياً كبيراً.

ولبحث إمكانية تحسين التنبؤ، طور العلماء 3 نماذج متعددة الطبقات للتعلم الآلي أضافوا إليها تدريجياً أنواعاً مختلفة من المعلومات السريرية والبيولوجية، أما النموذج النهائي فأضيفت إليه بيانات تتعلق بنشاط بقايا الفيروسات القديمة الموجودة في الجينوم.

فيروسات من الماضي داخل جيناتنا

تعرف هذه البقايا باسم الفيروسات القهقرية الداخلية endogenous retroviruses (ERVs) وهي أجزاء متبقية من فيروسات قديمة أصابت أسلاف الإنسان قبل ملايين السنين، ثم اندمجت في المادة الوراثية وأصبحت جزءاً من الجينوم البشري.

وتوجد هذه التسلسلات بصورة رئيسية في الأجزاء غير المشفرة من الجينوم، وهي مناطق لا يزال العلماء لا يفهمون جميع وظائفها بشكل كامل، ويُشار إلى بعضها أحياناً باسم «الجينوم المظلم» (dark genome).

ولا تعني هذه البقايا بالضرورة وجود عدوى فيروسية نشطة، لكن نشاطها يمكن أن يؤثر في عدد من العمليات البيولوجية بما في ذلك تنظيم تشغيل الجينات والإشارات المناعية والالتهابية.

الذكاء الاصطناعي يكشف إشارة إضافية

وعندما أضاف الباحثون معلومات نشاط الفيروسات القهقرية الداخلية إلى البيانات السريرية والجزيئية الأخرى، تحسنت قدرة النموذج على التنبؤ باستجابة المرضى للعلاج الكيميائي.

كما سجل النموذج النهائي عدداً أقل من النتائج الإيجابية الكاذبة؛ أي الحالات التي يتنبأ فيها النموذج خطأً بأن المريض سيصاب بمرض مقاوم للعلاج رغم احتمال استجابته للعلاج الكيميائي.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تشير إلى أن المعلومات المخفية في أجزاء من الجينوم التي غالباً ما تحظى باهتمام أقل، قد تضيف قيمة إلى الأساليب التقليدية التي تركز على الجينات المعروفة.

هل تحاكي الخلايا عدوى فيروسية؟

يعتقد العلماء أن أحد التفسيرات المحتملة يرتبط بظاهرة تُعرف باسم «المحاكاة الفيروسية» (viral mimicry)، حيث تتصرف الخلية كما لو أنها تواجه نشاطاً فيروسياً حقيقياً. وقد يؤدي ذلك إلى تنشيط إشارات مناعية والتهابية داخل الخلية؛ وهي عمليات قد تساعد وفق الفرضية التي يدرسها الباحثون في الحفاظ على بعض خلايا سرطان الدم في حالة تجعلها أكثر مقاومة للعلاج الكيميائي.

لكن الدراسة لا تثبت حتى الآن أن نشاط هذه التسلسلات الفيروسية هو السبب المباشر لمقاومة العلاج، لذا تحتاج هذه الآلية إلى مزيد من الأبحاث والتجارب لتأكيدها.

وقال الدكتور محمد مهدي كريمي كبير المحاضرين في المعلوماتية الحيوية بجامعة كينغز كوليدج لندن والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن معظم أبحاث السرطان تركز على الجينات التقليدية، بينما تظل أجزاء كبيرة من «الجينوم المظلم» أقل دراسة. وأضاف أن النتائج تشير إلى إمكانية استخدام بصمة مستمدة من التسلسلات الفيروسية القديمة، إلى جانب بيانات التعبير الجيني التقليدية للمساعدة في التنبؤ بالاستجابة للعلاج.

خطوة نحو علاج أكثر تخصيصاً

يؤكد الباحثون أن النتائج لا تعني أن تحليل الفيروسات القهقرية الداخلية أصبح اختباراً سريرياً جاهزاً لاتخاذ قرارات علاجية؛ فلا تزال هناك حاجة إلى دراسات سريرية أكبر للتحقق من دقة النموذج وفائدته لدى مجموعات مختلفة من المرضى.

وقد حصل الباحثون على بيانات المرضى من تجربة «Beat AML»، وهي دراسة بارزة في مجال الطب الدقيق لسرطان الدم أُطلقت عام 2016.

ويرى الباحثون أن دمج إشارات «الجينوم المظلم» مع المعلومات السريرية والجينية التقليدية قد يساعد مستقبلاً في التعرف المبكر على المرضى الأكثر عرضة لمقاومة العلاج ويدعم تطوير استراتيجيات علاجية أكثر تخصيصاً لسرطان الدم النقوي الحاد.


مقالات ذات صلة

من أين تأتي أمراض المناعة الذاتية؟

علوم من أين تأتي أمراض المناعة الذاتية؟

من أين تأتي أمراض المناعة الذاتية؟

تشمل أكثر من 100 نوع وتصيب ما بين 5 في المائة و10 في المائة من سكان الدول الصناعية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم مرض باركنسون ويظهر يساراً إلى الأسفل «مستوى الدوبامين الطبيعي» ويميناً «مستوى الدوبامين في مرض باركنسون»

جين شائع يكشف سرّ سرعة تطور مرض باركنسون

أظهرت دراسة حديثة أن متغيرات وراثية في جين «إم سي 1 آر» (MC1R) ترتبط بتسارع تدهور الأعراض الحركية لدى المصابين بمرض باركنسون.

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم الدم يكشف ما تعجز الجينات عن تشخيصه

الدم يكشف ما تعجز الجينات عن تشخيصه

البيانات الجينية توفر معلومات عن المخطط البيولوجي للجسم، بينما يمكن لقياسات البروتينات أن تقدم صورة عن كيفية عمل هذا المخطط داخل جسم المريض

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
صحتك العلاج نجح في استعادة البصر جزئياً لدى الأشخاص المكفوفين (رويترز)

علاج جيني قد يعيد البصر جزئياً إلى المكفوفين

كشفت دراسة علمية حديثة عن نجاح علاج جيني مبتكَر في استعادة البصر جزئياً لدى الأشخاص المكفوفين.

«الشرق الأوسط» (برن)
علوم اكتشاف فيروس اختطف جيناً بشرياً... واحتفظ به

اكتشاف فيروس اختطف جيناً بشرياً... واحتفظ به

الفيروسات تتمتع ببراعة في سرقة الحمض النووي

كارل زيمر (نيويورك)

من أين تأتي أمراض المناعة الذاتية؟

من أين تأتي أمراض المناعة الذاتية؟
TT

من أين تأتي أمراض المناعة الذاتية؟

من أين تأتي أمراض المناعة الذاتية؟

لا تملك عملية التطور أهدافاً، بل تقدم نتائج فحسب، فالانتقاء الطبيعي الدارويني لا يصيغ الكائنات لتصبح «أفضل» أو «أرقى» بمعيار موضوعي مطلق، بل يشكّلها لكي تنجح في بيئتها وزمانها الراهنين. وما قد يكون مفيداً في بيئة أو حقبة زمنية معينة، قد يتحول إلى مصدر ضرر في سياق آخر. ويرى بعض العلماء أن هذه الحقيقة التطورية قد تساعد في تفسير أصول أمراض المناعة الذاتية لدى البشر، كما كتب ديفيد كوامن(*).

أمراض المناعة الذاتية

تعد أمراض المناعة الذاتية autoimmune diseases ظاهرة غامضة نوعاً ما، لكنها ليست نادرة على الإطلاق؛ إذ تشمل التصلب المتعدد multiple sclerosis، والتهاب المفاصل الروماتويدي rheumatoid arthritis، والسكري من النوع الأول Type 1 diabetes، والذئبة lupus، وداء كرون Crohn’s disease، والصدفية psoriasis، إلى جانب أكثر من 100 مرض آخر. وتتراوح حدة هذه الأمراض بين التسبب في معاناة شديدة، أو مجرد شعور بعدم الراحة والإزعاج، وصولاً إلى حالات قد تكون قاتلة. أما القاسم المشترك بين هذه الحالات فهو أن خلايا الجهاز المناعي لدى الشخص تبدأ -لأسباب لا تزال غير واضحة- بمهاجمة أنسجة الجسم وأعضائه، بدلاً من الاكتفاء بالدفاع عنه ضد الغزاة الخارجيين كالفيروسات والبكتيريا.

نحو 15 مليون أميركي مصاب بها

تشير التقديرات إلى أن أمراض المناعة الذاتية تصيب نحو 15 مليون شخص في الولايات المتحدة، وما بين 5 في المائة و10 في المائة من سكان الدول الصناعية، في حين تقل نسبتها في الدول النامية. وتتجه هذه الأرقام نحو الارتفاع، ربما بسبب عوامل بيئية -مثل النظام الغذائي والملوثات- التي تلعب دوراً في تحفيز ظهور هذه الأمراض. ومع ذلك، تلعب العوامل الوراثية دوراً مهماً أيضاً؛ وهنا كشفت الأبحاث في السنوات الأخيرة عن نمط مثير للاهتمام.

مجموعات جينية كانت ذات فائدة يوماً ما... تصبح عبئاً

قد تنشأ أمراض المناعة الذاتية، جزئياً، نتيجةً لعمل جينات أو مجموعات جينية كانت ذات فائدة في مراحل سابقة من التاريخ البشري، لكنها أصبحت تشكل عبئاً أو ضرراً في الوقت الحاضر. وبشكل أكثر تحديداً، وجد العلماء أدلة على حدوث انتخاب طبيعي لمتغيرات جينية معينة خلال العصر البرونزي -الذي بدأ قبل نحو 5000 عام واستمر لألفي عام- حيث قد تزيد هذه المتغيرات ذاتها من خطر الإصابة بأمراض المناعة الذاتية لدى الأشخاص الذين يحملونها اليوم.

ويُطلق على هذه التأثيرات المتناقضة مصطلح «تعدد التأثير المتضاد» (antagonistic pleiotropy)؛ وببساطة، يعني هذا أن الجين قد يكون مفيداً في سياق معين، وقد يصبح ضاراً في سياق آخر.

مقارنة التسلسل الجيني للحمض النووي البشري القديم بالجينومات البشرية المعاصرة

لماذا قد تؤدي بعض المتغيرات الجينية وظيفة قيّمة للبشر في العصور القديمة، ولكن تتحول إلى مصدر ضرر في عصرنا الحالي؟ تتمثل إحدى الإجابات -التي تدعمها دراسات حديثة تستند إلى التسلسل الجيني للحمض النووي البشري القديم ومقارنته بالجينومات البشرية المعاصرة- في الأمراض المعدية.

وخلال تلك الألفيات الغابرة، تحول البشر من نمط حياة يعتمد على الصيد والجمع ضمن مجموعات صغيرة متنقلة، إلى نمطين آخرين: الزراعة والرعي. وفي حين اتسم المزارعون بالاستقرار في أماكن ثابتة، قام الرعاة باستئناس الحيوانات البرية -كالأبقار والأغنام والماعز- وارتحلوا عبر مساحات شاسعة لتوفير المراعي لماشيتهم. وقد أدى العمل في الزراعة إلى احتكاك وثيق بين البشر والنباتات، في حين أدى الرعي إلى احتكاك وثيق بينهم وبين الفيروسات والبكتيريا وغيرها من العوامل المسببة للعدوى التي تحملها الحيوانات البرية (والتي أصبحت لاحقاً حيوانات مستأنسة).

انتقال العديد من مسببات الأمراض إلى الرعاة

انتقلت العديد من مسببات الأمراض هذه إلى الرعاة، ما أدى إلى ظهور ما يُعرف اليوم بـ«الأمراض حيوانية المنشأ» (zoonotic diseases)؛ وهي عدوى تنتقل من الحيوانات إلى البشر. وكان البقاء على قيد الحياة في مواجهة هذه التهديدات المرضية يعتمد على الحظ والجينات؛ إذ عمل الانتقاء الطبيعي على استبعاد الأشخاص الأقل حظاً، فيما بقيت مجموعات من الناجين الذين حملوا طفرات جينية منحتهم مقاومة ضد تلك العدوى.

طفرات جينية مفيدة قديماً... تتحول إلى عوامل خطر

غير أنه يبدو الآن أن تلك الطفرات الجينية، التي وفرت الحماية في العصر البرونزي، قد يكون لها أثر سلبي في عصرنا الحديث الذي يتميز بأنظمة صرف صحي متطورة، وتوافر المضادات الحيوية والمطهرات، وغيرها من تدابير مكافحة العدوى. فمن خلال رفع حساسية الجهاز المناعي إلى مستويات مفرطة، تحولت هذه الطفرات إلى عوامل خطر للإصابة بأمراض المناعة الذاتية. وهذا ما يُعرف بفرضية «التأثير الجيني المزدوج المتضاد» (antagonistic pleiotropy hypothesis)..

طفرات جينية ترتبط بمرض التصلب المتعدد

وقد وجد العلماء أدلة تدعم هذه الفرضية؛ إذ أفاد باحثون في جامعة أكسفورد وزملاؤهم في مؤسسات أخرى بوجود ارتباط قوي بين طفرات جينية معينة -انتشرت بسرعة بين الشعوب الأوروبية قبل نحو 5000 عام- وبين زيادة احتمالية الإصابة بمرض التصلب المتعدد في وقتنا الحاضر. وقد ازداد شيوع هذه الطفرات مع وصول الرعاة المهاجرين من سهوب أوراسيا إلى أوروبا. وقد وفرت معظم هذه الطفرات حماية ضد أنواع معينة من العدوى الفيروسية والبكتيرية أو الطفيليات، ما ساعد البشر لا على التكيف مع نمط الحياة الرعوي فقط، بل أيضاً على التأقلم مع زيادة الكثافة السكانية، التي أدت بدورها إلى تكثيف انتقال الأمراض المعدية وانتشارها.

ويرى الباحثون أن هذه الطفرات الجينية ذاتها تبدو اليوم وكأنها تُحدث تأثيراً معاكساً تماماً. مع تحسّن السيطرة على الأمراض المعدية وتزايد معدلات الإصابة بالتصلب المتعدد، كتب الباحثون: «نلاحظ مجدداً ارتباطاً لافتاً بالتغيرات التي طرأت على بيئتنا -بما في ذلك أنماط الحياة وتحسّن مستويات النظافة- وهي تغيرات لم تعد تتوافق مع البنية الجينية التي كانت سائدة سابقاً». وبعبارة أخرى، فإن الجينات التي كانت توفر لنا الحماية في الماضي قد تصبح اليوم سبباً في تعريضنا للخطر.

تسلسلات الحمض النووي في زمن الطاعون

تناولت دراسة أخرى، أجراها فريق دولي من الباحثين، حقبة تاريخية أكثر حداثة شهدت تغيراً ديمغرافياً مفاجئاً، ألا وهي فترة تفشي «الموت الأسود» (الطاعون). فقد اجتاح هذا الوباء -الذي ظهر في القرن الرابع عشر، وتسببت فيه بكتيريا «يرسينيا الطاعونية» (Yersinia pestis) التي تنتقل عبر البراغيث التي تحملها الفئران- كلاً من أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الفترة ما بين عامي 1346 و1353، ما أسفر عن وفاة ما يتراوح بين 30 في المائة و50 في المائة من سكان تلك المناطق.

وقد فحص الباحثون بدقة تسلسلات الحمض النووي (DNA) لأشخاص دُفنوا في إنجلترا والدنمارك؛ بعضهم دُفن قبيل سنوات الطاعون، وبعضهم أثناء تفشيه، وآخرون بعد انتهائه. ومن بين المواقع التي استعانوا بها موقع «إيست سميثفيلد» (East Smithfield)، وهو مقبرة جماعية لضحايا الموت الأسود تقع شرق «برج لندن».

وفي هذا الموقع وغيره، اكتشف الباحثون أربعة متغيرات جينية مرتبطة بالمناعة لدى أعداد أكبر من الأشخاص الذين دُفنوا بعد الطاعون مقارنة بمن دُفنوا قبله أو أثناءه؛ ما يشير إلى أن هذه المتغيرات منحت أصحابها ميزة ساعدتهم على البقاء.

متغير جيني مضاد للطاعون يسهم في حدوث مرض كرون

حصر الباحثون استنتاجهم في متغير واحد فقط. وقد تبين أن هذا المتغير -الذي كان مفيداً في التكيف ومواجهة الطاعون- يُعد اليوم عامل خطر للإصابة بداء كرون (Crohn’s disease). وهكذا، يبدو أن «الموت الأسود» -على غرار التحول نحو الرعي خلال العصر البرونزي- ربما كان حدثاً انتقائياً زاد من عرضة الأجيال اللاحقة للإصابة بأمراض المناعة الذاتية.

ورغم أن فريق جامعة أكسفورد، في دراسته حول مرض التصلب المتعدد (MS)، وصف هذا الوضع بأنه حالة من «البنية الجينية» التي عفّى عليها الزمن، إلا أن هناك تشبيهاً آخر يوضح الفكرة بشكل أكثر حيوية؛ إذ يُقال عن إخفاقات القيادة العسكرية إن الجنرالات يقضون أوقات السلم في الاستعداد لخوض «الحرب السابقة» بدلاً من «الحرب القادمة». فهم يتمسكون بتكتيكات واستراتيجيات وأسلحة عفّى عليها الزمن -أشياء كانت فعالة في الماضي- متجاهلين مرور الوقت وظهور معطيات جديدة.

متغيرات جينية تسبب المعاناة

ويبدو أن هذا بالضبط ما فعله التطور بالمتغيرات الجينية التي يحملها الكثير منا اليوم؛ فأمراض المناعة الذاتية في القرن الحادي والعشرين قد تمثّل محاولات الجهاز المناعي البشري لخوض حربٍ ضد أمراض معدية كانت يوماً ما كارثية -وإن كانت حدتها قد تراجعت الآن- وهي أمراض لا تزال منتشرة في كل مكان ولا يوجد لها علاج شافٍ. بالنسبة للبعض، تُعد معاناة الإصابة بالتصلب المتعدد (MS) أو الذئبة أو غيرهما من أمراض المناعة الذاتية سوء حظ قاسياً. أما آخرون فهم أكثر حظاً؛ فأنا، على سبيل المثال، لا أعاني سوى من الصدفية -التي ورثتها عن والدي، الذي ورثها بدوره عن أسلافٍ له من ريف النرويج- وهي بمثابة تذكيرٍ بأن جهاز مناعتي مستعدٌّ ومتحمسٌ، بل متحمسٌ أكثر من اللازم، لخوض معركةٍ قديمةٍ تعود إلى العصر البرونزي؛ معركةٍ دارت رحاها بين راعٍ من ذلك العصر وفيروسٍ انتقل إليه من إحدى معيزه.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الجينات وحدها لا تفسّر سلوكنا

الجينات وحدها لا تحدد السلوك
الجينات وحدها لا تحدد السلوك
TT

الجينات وحدها لا تفسّر سلوكنا

الجينات وحدها لا تحدد السلوك
الجينات وحدها لا تحدد السلوك

كشفت دراسة دولية واسعة عن أن التأثيرات الجينية المرتبطة بالسلوك الاجتماعي لدى الإنسان تختلف تبعاً للعمر والبيئة الاجتماعية، وباختلاف الشخص الذي يصف السلوك ويقيّمه. وهذا ما يؤكد أن فهم السلوك البشري يتطلب النظر إلى الجينات والسياق الذي يتطور فيه هذا السلوك معاً.

تحليل 500 ألف ملاحظة سلوكية جُمعت من أكثر من 73 ألف شخص

وحلّل باحثون بقيادة معهد «ماكس بلانك لعلم اللغة النفسي» في مدينة نايميخن الهولندية نحو 500 ألف ملاحظة سلوكية جُمعت من أكثر من 73 ألف شخص. وأظهرت الدراسة المنشورة في مجلة «Nature Human Behaviour» في 21 سبتمبر (أيلول) 2026 أن الأنماط الجينية المرتبطة بالسلوك الاجتماعي تختلف عبر مراحل النمو وبين تقييمات الوالدين والمعلمين والتقارير الذاتية للأفراد.

وتسلّط النتائج الضوء على أهمية السياق الاجتماعي في دراسة الأسس الجينية للسلوك وعلاقته باضطرابات النمو العصبي، بما فيها التوحّد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.

تتبّع السلوك عبر مراحل النمو

وركّز الباحثون على جانبين من السلوك الاجتماعي: الأول مدى استعداد الفرد لمساعدة الآخرين ومشاركة ما لديه معهم ومواساتهم عند الحاجة. أما الثاني، فهي الصعوبات التي قد يواجهها في تكوين الصداقات والتواصل مع أقرانه والحفاظ على العلاقات معهم.

وشملت التقييمات أشخاصاً تتراوح أعمارهم بين عامين و29 عاماً مع تكرار تقييم بعض المشاركين في مراحل عمرية مختلفة. كما قارن الباحثون بين تقارير الوالدين والمعلمين والتقييمات الذاتية للمشاركين.

وعلى خلاف الدراسات الجينية التقليدية التي تجمع النتائج في تقدير عام استخدم الباحثون أسلوباً إحصائياً يُعرف باسم «الانحدار التَّلَوِي Meta-regression» يتيح مقارنة نتائج دراسات متعددة وتحليلها مع مراعاة العوامل التي قد تؤثر فيها. وساعدهم هذا الأسلوب على الكشف عن كيفية اختلاف الارتباطات الجينية بالسلوك الاجتماعي تبعاً لنوع السلوك وعمر الفرد والشخص الذي يقيّمه بدلاً من التعامل مع هذه الاختلافات بوصفها نمطاً واحداً ثابتاً.

6 مناطق جينومية مرتبطة بالسلوك

وحدّد التحليل ست مناطق جينومية مرتبطة بالسلوك الاجتماعي وأظهرت جميعها اختلافات في ارتباطاتها تبعاً لنوع السلوك والعمر والجهة التي أبلغت عنه.

وظهر أقوى ارتباط جيني في منطقة CADM2 وهو جين يسهم في تنظيم الاتصالات بين الخلايا العصبية. وكان الارتباط أكثر وضوحاً في حالات انخفاض السلوك الاجتماعي الإيجابي وفقاً للتقييم الذاتي في أواخر الطفولة وبداية المراهقة. وسبق أن رُبطت تغيرات جينية في هذه المنطقة بالتوحّد وسمات أخرى.

وقدّرت الدراسة أن الاختلافات الجينية الشائعة تفسّر ما بين 2 و7 في المائة من التباين في السلوك الاجتماعي. كما حدّد الباحثون أربعة عوامل جينية مترابطة ارتبط اثنان منها بمجالي السلوك المدروسين بينما عكس الآخران الاختلافات بين تقييمات الوالدين والمعلمين.

وتشير النتائج إلى أن سلوك الطفل في المنزل قد يختلف عن طريقة تفاعله في المدرسة أو مع أقرانه، مما يستدعي مراعاة هذه الاختلافات عند دراسة النمو.

وأوضحت لوسيا دي هويوس، الباحثة الأولى في الدراسة من قسم اللغة وعلم الوراثة في معهد «ماكس بلانك لعلم اللغة النفسي» في هولندا، أن الطبيعة المتغيرة للنمو البشري تستدعي اعتماد مناهج جينومية قادرة على رصد التغيرات عبر مراحل النمو. من جانبها أكدت بياته سانت بوركاين، الباحثة الرئيسية في الدراسة من القسم نفسه، أهمية مراعاة اختلاف تجارب الأطفال الاجتماعية عند تحليل التأثيرات الجينية بدلاً من اختزالها في تقدير عام واحد قد يغفل الفروق بين السياقات والأعمار.

روابط بالصحة النفسية

ولاختبار دقة التنبؤات الجينية أنشأ الباحثون درجات متعددة الجينات تجمع تأثيرات عديد من المتغيرات الجينية واختبروها لدى 16305 أشخاص من أصول أوروبية وأفريقية. وتحسّنت التنبؤات عندما تطابق السياق الاجتماعي المستخدم في تطوير هذه الدرجات مع السياق الذي طُبّقت فيه.

كما درس الفريق العلاقات الجينية بين السلوك الاجتماعي في الطفولة وسمات لاحقة منها التوحّد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. وأظهرت النتائج أن هذه العلاقات يمكن رصدها في مراحل عمرية مختلفة حسب السلوك والسياق المدروسين.

الجينات لا تحدد المصير

وشدّد الباحثون على أن النتائج لا تعني إمكانية التنبؤ بسلوك طفل بعينه، إذ يتأثر السلوك بتفاعل العوامل الجينية مع التنشئة والبيئة الاجتماعية والدعم الذي يتلقاه الفرد.

وقال توماس بورجيرون، المشارك في الدراسة والباحث في معهد «باستور» بفرنسا، إن الجينات تؤدي دوراً مهماً لكنها لا تحدد مصير الإنسان، مشيراً إلى أن توفير البيئة المناسبة والدعم والفرص يساعد الأفراد على التكيف وتطوير قدراتهم.

وتندرج الدراسة ضمن مشروع «المخاطر والمرونة في التنوع النمائي والصحة النفسية (R2D2-MH)»، وهو مبادرة بحثية تمتد خمس سنوات بتمويل مشترك من المفوضية الأوروبية وتهدف إلى تحديد العوامل التي تزيد مخاطر اضطرابات النمو العصبي أو تساعد على التكيف معها بما يشمل التوحّد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه والإعاقة الذهنية.

ويخطط الفريق لمواصلة أبحاثه من خلال دراسة الاختلافات الجينية بين الذكور والإناث بهدف تعميق فهم تطور السلوك الاجتماعي وعلاقته بالصحة النفسية.


عندما يصل الذكاء الاصطناعي الطبي إلى المحكمة... من يتحمل مسؤولية الخطأ؟

«جراحة الجيوب الأنفية بالمنظار»... أنظمة التوجيه تساعد الجرَّاح على تحديد موضع أدواته
«جراحة الجيوب الأنفية بالمنظار»... أنظمة التوجيه تساعد الجرَّاح على تحديد موضع أدواته
TT

عندما يصل الذكاء الاصطناعي الطبي إلى المحكمة... من يتحمل مسؤولية الخطأ؟

«جراحة الجيوب الأنفية بالمنظار»... أنظمة التوجيه تساعد الجرَّاح على تحديد موضع أدواته
«جراحة الجيوب الأنفية بالمنظار»... أنظمة التوجيه تساعد الجرَّاح على تحديد موضع أدواته

​في 21 سبتمبر (أيلول) 2026، رفضت محكمة الاستئناف الخامسة في تكساس التماساً من شركة «أكلارينت» (Acclarent)، التي أضافت قدرات الذكاء الاصطناعي إلى نظام «ترو دي» لمساعدة الجرَّاحين في جراحات الأنف والجيوب الأنفية. وتعلَّق الالتماس بالكشف عن أجزاء محجوبة من وثائق دعوى قضائية. ولم يكن القرار إدانة للشركة، ولا إثباتاً لتسبُّب تقنيتها في إصابة مريض؛ بل تناول ضرورة إتاحة الوثائق خلال التقاضي.

وتكمن أهمية هذه القرارات في أن التحقيق في الخطأ الطبي قد يتجاوز تصرف الطبيب إلى: ما الذي عرفته الشركة عن نظامها؟ وكيف اختبرته؟ وما الذي أوضحته لمستخدميه عن قدراته وحدوده؟ فعندما يدخل الذكاء الاصطناعي إلى غرفة العمليات، قد تصبح وثائق تطويره وتقييم سلامته أدلة لفهم ما حدث وتحديد المسؤولية.

«ترو دي» خريطة داخل الجسم

يعمل نظام «ترو دي» (TruDi) كخريطة رقمية داخل الأنف والجيوب الأنفية؛ إذ يستعين بصور الأشعة وتتبع الأدوات، ليُظهر للجرَّاح موضع أداته بالنسبة إلى الأنسجة المحيطة؛ خصوصاً قرب أجزاء حساسة، مثل قاعدة الجمجمة والشرايين المغذية للدماغ، فالجرَّاح يحرك الأداة، والنظام يساعده على توجيهها.

وفي عام 2021، أعلنت «أكلارينت» إضافة قدرات للذكاء الاصطناعي تساعد على التعرُّف على أجزاء تشريحية، واقتراح مسار للأداة بين نقطتين يختارهما الطبيب. ويشبه ذلك تطبيق الخرائط الذي يساعد السائق على تحديد موقعه واختيار الطريق، ولكنه لا يتولى القيادة عنه.

وإذا اختلف الموقع المعروض عن الموقع الفعلي للأداة، فقد يتأثر تقدير الجرَّاح. ولكن تحديد السبب يحتاج إلى تحقيق: هل هو يرتبط بوظائف الذكاء الاصطناعي؟ أم بتتبع الأدوات؟ أم بإعداد النظام واستخدامه؟

إصابات تصل إلى المحاكم

سلَّط تحقيق لوكالة «رويترز»، نُشر في 9 فبراير (شباط) 2026، الضوء على دعوتين تتعلقان باستخدام «ترو دي». ففي مايو (أيار) 2023، خضعت دونا فيرنيهو لجراحة للجيوب الأنفية، وتقول دعواها إن إصابة الشريان السباتي، أحد الشرايين الرئيسية المغذية للدماغ، أدت إلى سكتة دماغية. وفي يونيو (حزيران) 2022، خضعت إيرين رالف لجراحة مشابهة، وادَّعت أن النظام أعطى الجرَّاح معلومات غير دقيقة عن موضع أدواته، ما أدى إلى إصابة الشريان السباتي وسكتة دماغية.

ونفت «أكلارينت» الادعاءات؛ إذ أكدت الشركة المالكة لها: «إنتيغرا لايف ساينسز» (Integra LifeSciences)، عدم وجود دليل يربط الذكاء الاصطناعي بالإصابات المذكورة. ويبقى حسم السبب رهناً بالأدلة: هل أسهم خلل في النظام في الضرر؟ أم طريقة استخدامه؟ أم عوامل أخرى؟ فحدوث الإصابة أثناء استخدام التقنية لا يثبت وحده أنها تسببت فيها.

حين تؤثر الخوارزمية في تغطية العلاج

ولا تقتصر النزاعات على غرفة العمليات. ففي 9 مارس (آذار) 2026، وافقت محكمة فيدرالية في مينيسوتا الأميركية جزئياً على إلزام مجموعة «يونايتد هيلث» (UnitedHealth Group) بتقديم وثائق عن سياسات تغطية الرعاية واستخدام خوارزمية «إن إتش بريديكت» (nH Predict)، في دعوى أقامها ممثلو تركة الراحل جين لوكن وآخرون.

ويقول المدَّعون إن الشركة استخدمت الخوارزمية في قرارات أوقفت تحمُّل تكاليف رعاية مرضى ما زالوا بحاجة إليها، مثل التأهيل والتمريض المتخصص بعد العلاج في المستشفى. وتناولت طلبات الوثائق استخدام الأداة وتدريب الموظفين والرقابة عليها. ولم يحسم القرار صحة الاتهامات؛ بل أتاح الحصول على أدلة لفحصها.

وتكشف القضية أن تأثير الذكاء الاصطناعي قد يمتد إلى قرار شركة التأمين بشأن استمرار دفع تكاليف العلاج. وبالنسبة إلى المريض، قد يعني توقف التغطية صعوبة استكمال الرعاية التي يحتاج إليها.

من يتحمل المسؤولية؟

تدفعنا هذه القضايا إلى سؤال أوسع من: «أي طبيب أخطأ؟». فقبل استخدام النظام، تشارك جهات عدة في تطويره واختباره وتسويقه وشرائه واعتماده داخل المستشفى. وقد ينشأ الخلل في أي مرحلة؛ من تصميم البرنامج إلى تدريب العاملين ومراقبة أدائه.

ومن منظور الحوكمة، ينبغي توضيح واجبات كل طرف؛ إذ على الشركة أن تشرح قدرات النظام وحدوده والمخاطر المعروفة، وعلى المستشفى أن يتحقق من ملاءمته لمرضاه ومن أنه يوفر التدريب والمتابعة، وعلى الطبيب أن يستخدمه ضمن الغرض المخصص له، ويبلِّغ عن الخلل. أما المسؤولية القانونية فتتحدد وفق الأدلة وسبب الضرر والقانون المعمول به.

ولا يكفي القول إن النظام يعمل «تحت إشراف الطبيب». فالإشراف يتطلب فهم حدود الأداة، وامتلاك الوقت والصلاحية لمراجعة توصيتها ورفضها عند الحاجة، والتحقق حين تتعارض معلوماتها مع حالة المريض. فوجود الطبيب في نهاية سلسلة القرار لا يجعله مسؤولاً وحده عن كل خلل سبقها، كما أن استخدام التقنية لا يلغي واجبه في التحقق.

درس للمؤسسات الصحية العربية

تقدم هذه القضايا درساً للمؤسسات الصحية السعودية؛ والعربية عموماً: تبدأ حماية المريض قبل إدخال الذكاء الاصطناعي إلى العيادة، بالتحقق من أدائه محلياً، وتدريب مستخدميه، وتعيين مسؤول عن سلامته، ووضع إجراءات للإبلاغ عن الأخطاء، وإيقاف استخدامه عند ظهور أخطار تستدعي التحقيق.

ومن الضروري حفظ سجل يوضح نسخة البرنامج المستخدمة، والمعلومات التي قدمها، وكيف تعامل معها الفريق الطبي؛ لفهم مصدر الخلل حتى بعد تحديث البرنامج. وينبغي أن تضمن عقود الشراء تعاون الشركة في التحقيق وإتاحة السجلات اللازمة، مع حماية بيانات المرضى.

ويحتاج المريض إلى جهة واضحة للسؤال والشكوى، فالثقة تنمو بقدرة المؤسسة على اكتشاف الخطأ وتصحيحه وإنصاف المتضرر. وعندما يصل النزاع إلى المحكمة، يجب أن يكون ممكناً تتبع ما حدث؛ فالقرار قد يمر عبر أطراف كثيرة، ولكن المسؤولية يجب ألا تضيع بينها.