كل صباح، يبدأ الستيني أحمد رمضان يومه بالتوجه إلى المخبز البلدي في منطقة العمرانية الشعبية بمحافظة الجيزة، على مسافة أمتار قليلة من بيته لشراء حصة أسرته من «العيش المدعم» 20 رغيفاً، ويقول: «أحياناً أشتري الحصة كلها، وأحياناً جزءاً منها، لا أنتظر حتى ينفد ما لدينا، فدائماً الثلاجة بها مخزون يكفي يومين على الأقل».
لا يتعامل رمضان، وكان محاسباً في جهة حكومية مع «العيش» على أنه عنصر في وجباته أو حصة من الكالوريز، وإنما كـ«سلعة استراتيجية وأمن غذائي»، مثله مثل ملايين الأسر التي تعتمد على الخبز في وجباتها، غير عابئ بدعوات وقف تناوله، ومزاعم ضرره، التي ظهرت الفترة الماضية، من قبل متبعي نظام غذائي مثير للجدل، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «طول عمرنا نأكله، ولم يحدث شيء سوى أننا نشبع... نمتنع عن العيش ونأكل ماذا؟!».
ويعكس ارتباط «العيش» بشعور الاكتفاء و«الشبع» مكانته الخاصة وأهميته الاستثنائية، ليس فقط كوجبة، وإنما كـ«حياة» لدى المصريين، حسب الباحث في الأنثروبولوجيا وليد محمود، شارحاً أن كلمة «عيش» في العامية المصرية تستخدم للإشارة إلى معنيين، الأول الخبز والثاني الحياة وسيرورتها؛ لذا نجد عبارات أساسية يومية رائجة مثل «خرج يأكل عيش» في إشارة إلى «العمل»، كما رفعت مظاهرات عام 2011 شعار «العيش».
ويستهلك المصريون نحو 254 مليون رغيف «عيش» تقريباً في اليوم، وهي التقديرات التي أعلنها وزير التموين الأسبق علي المصيلحي في عام 2022 إبان الحرب الروسية - الأوكرانية، التي تركت قلقاً شعبياً على مصير السلعة الأساسية، حين انقطعت سلاسل الامتداد من القمح، حتى استطاعت الحكومة احتواء الأزمة، وتوفير مصادر مختلفة ومتنوعة.
وأخيراً عاد القلق يساور المصريين من جديد مع ارتفاع أسعار القمح عالمياً بفعل التوترات في البحر الأسود، كأثر جديد وممتد للحرب الروسية - الأوكرانية، وفي الخلفية تدور الحرب الإيرانية الأحدث، والتي تزيد المشهد قتامة، وترفع مخاوف الاقتصاديين والحكومات درجات ودرجات بتأثيرها المباشر وغير مباشر على الخبز وغيره من السلع والخدمات، إذ تضرب أمن سوق الطاقة العالمي.

لا تتابع السبعينية نبوية أحمد تطورات الحروب وحركات الاقتصاد عالمياً وتوقعات أسواقه، لكنها تسمع من أبنائها، وفي فقرات متقطعة على «التوك شو» المسائي، حين تقلب في التلفاز بحثاً عن فيلم عربي قديم، أن «سعر الخبز قد يرتفع»، يزيد ذلك نبوية «هماً وقلقاً».
انتقلت الأم والجدة أخيراً من منطقة سكنها في «ساقية مكي» بمحافظة الجيزة إلى مدينة السادس من أكتوبر، حيث تواجه صعوبة في الحصول على العيش؛ فـ«المخبز الذي يقدم عيشاً مدعوماً لا يعمل سوى ساعات قليلة في الصباح الباكر، عكس المخابز في منطقتها القديمة؛ ما يجعل شراء الخبز أزمة بالنسبة لها»، حسبما تقول ابنتها الثلاثينية آية فوزي لـ«الشرق الأوسط».
وتضيف آية، وهي أم لطفلين، أن «والدتها تعيش في قلق بسبب تغير طريقة حصولها على العيش، فبدلاً من شرائه في أي وقت، تضطر الآن إلى انتظار أحد أبنائها للحصول على بطاقتها التموينية وشراء كمية لها تكفيها لأسبوع، أو الحل الآخر أن تشتريه بسعر مرتفع خارج منظومة الدعم».
ويبلغ سعر «رغيف الخبز الشعبي» 20 قرشاً داخل منظومة الدعم التي توفر 5 أرغفة يومياً لكل شخص، وتغطي نحو 70 مليون شخص. وسبق أن رفعت الحكومة سعر الخبز من 5 قروش إلى 20 في مايو (أيار) 2024 بهدف «تخفيض فاتورة الدعم بنحو 130 مليار جنيه سنوياً»، مع فرض نظام «العيش الحر» لمن لا يتمتعون بغطاء الدعم، وفيه تحدد وزارة التموين أوزاناً وأسعاراً معينة في المتوسط 2 جنيه للرغيف الواحد، أي 10 أضعاف سعره في منظومة الدعم.
جولة بسيطة بين المخابز في مناطق مختلفة تعكس التباين في أسعار منظومة «الخبز الحر»، بما يوحي بالتلاعب من قبل المخابز. وتقول آية: «في (أكتوبر) حيث أسكن يرتفع سعر الخبز، ويقل وزنه عن منطقة سكن أمي القديمة».

وتحرر وزارة الداخلية محاضر كثيرة ضد مخابز تتلاعب في الأوزان والأسعار. وكل ذلك لا يمنع شعبة «المخابز» في غرفة القاهرة التجارية من مطالبة الحكومة بزيادة سعر «الخبز الحر» لاستيعاب الزيادة في التكلفة مع الحروب الإقليمية، بينما تؤكد الحكومة في بيانات متتالية أن «الأسعار ما زالت كما هي حتى الآن».
بالنسبة للخبير الاقتصادي علي الإدريسي، فإن موقف الخبز معقد، ولا تُحسد عليه الحكومة، مع زيادة أسعار القمح عالمياً، وكذلك أسعار النقل والتأمين؛ ما يعني زيادة تكلفة الدعم على منظومة الخبز في الموازنة، بشكل لم يكن في الحسبان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» الأمر محل ترقب وتساؤل «هل ستحتوي الحكومة الأزمة، وتستوعب هي الزيادة أم ستمررها إلى المواطن؟».
وتحفظ الإدريسي على التعامل مع الخبز ضمن مفهوم «اقتصاد الفقراء أو المهمشين»، على اعتبار أنهم الأكثر اعتماداً عليه في نظامهم الغذائي، موضحاً «الكل يتأثر بارتفاع سعر سلعة مهمة وحيوية مثل الخبز سواء بشكل مباشر أو غير مباشر».

أما الباحث في الأنثروبولوجيا فيتخوف من الأثر الاجتماعي لزيادة سعر رغيف «العيش» خصوصاً لو تم ذلك بشكل «خفي من خلال تقليل حجم الرغيف دون زيادة سعره بشكل مباشر»، موضحاً «الرغيف المدعم كان بنحو 130 غراماً في التسعينيات، وخُفّض في أغسطس (آب) 2020 من 110 إلى 90 غراماً، فزاد إنتاج جوال الدقيق من 1250 إلى 1450 رغيفاً. أما «الرغيف الحر» فبعد قرارات التسعير تُباع الأحجام الصغيرة 25 و40 و80 غراماً بأسعار محددة بالوزن».
وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «السعر الثابت يمنح إحساساً بالأمان، بينما تقلص الحجم يُقرأ كنقض لعقد غير مكتوب بين الدولة والمواطن، فالأسرة الفقيرة تعوض بكثرة الأرغفة، فتزيد النفقات رغم ثبات السعر الظاهر».
و«سواء زاد سعر العيش أو بقي، فإن ارتباط المصريين به واستخدامه كمؤشر للأمان أو القلق، يظل راسخاً عبر العقود والأزمات والخيارات السياسية تجاهها»، وفق مراقبين.








