الجيش الإثيوبي يعلن السيطرة على بلدة ألاماتا الاستراتيجية في تيغراي

تجدّد المواجهات يهدد اتفاق السلام... ويثير مخاوف من حرب إقليمية

أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

الجيش الإثيوبي يعلن السيطرة على بلدة ألاماتا الاستراتيجية في تيغراي

أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)

أعلنت قوات موالية للحكومة الإثيوبية، يوم الاثنين، السيطرة على بلدة ألاماتا الاستراتيجية في إقليم تيغراي، شمال البلاد، في تطور ميداني قد يغيّر موازين القوى مع تجدّد المواجهات بين الجيش الاتحادي و«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي». ويتزامن التقدم العسكري مع اتساع رقعة القتال إلى إقليمَي عفر وأمهرة المجاورَين، وسط اتهامات متبادلة بالتدخل الخارجي ومخاوف من انهيار اتفاق السلام الذي أنهى حرباً أهلية دامية قبل أقل من أربع سنوات.

ألاماتا في قبضة القوات الموالية للحكومة

قالت «قوة سلام تيغراي»، وهي جماعة مسلحة موالية للحكومة الإثيوبية، يوم الاثنين، إن الجيش الاتحادي والقوات المتحالفة معه تمكنوا من السيطرة على بلدة ألاماتا، الواقعة جنوب عاصمة الإقليم ميكيلي بنحو 120 كيلومتراً، بعد هجوم شنّته قوات المعارضة الأسبوع الماضي.

ونشرت الجماعة مقطعاً مصوراً عبر صفحتها على «فيسبوك» يُظهر جنوداً يسيرون في شوارع البلدة ويلوّحون بالأعلام الإثيوبية. وأكد مصدران دبلوماسيان السيطرة على البلدة، في حين قال مصدر ثالث إن القوات الموالية للحكومة دخلتها، دون أن يتضح ما إذا كانت قد أحكمت سيطرتها عليها بالكامل، وفق ما ذكرت وكالة «رويترز».

وتكتسب ألاماتا أهمية استراتيجية باعتبارها مركزاً رئيسياً لإمداد القوات بالغذاء والوقود، فضلاً عن موقعها بالقرب من الحدود الجنوبية لتيغراي مع إقليم أمهرة. ومن شأن السيطرة عليها أن تتيح للقوات الاتحادية تعزيز تقدمها شمالاً باتجاه ميكيلي، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى احتواء الهجوم الذي تشنه قوات «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي».

هجوم المعارضة يمتد إلى عفر وأمهرة

دبابة عسكرية إريترية متضررة بالقرب من بلدة ويكرو شمال إثيوبيا (أرشيفية - رويترز)

وكانت قوات «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» قد أطلقت هجوماً واسعاً يوم الأربعاء الماضي، تمكنت خلاله من السيطرة على مطار ميكيلي ومطارَين آخرَين، قبل أن تتقدم باتجاه إقليمَي عفر وأمهرة المجاورَين، معلنة أن عملياتها تأتي في إطار ما وصفته بـ«حرب دفاعية» ضد الحكومة الاتحادية برئاسة آبي أحمد.

وأفاد مصدر بأن مقاتلي «الجبهة» سيطروا يوم الأحد على بلدة إريبتي في إقليم عفر، بالقرب من حدود تيغراي، وأنهم يتقدمون باتجاه بلدة أفديرا، الواقعة على مسافة نحو 100 كيلومتر إلى الشرق. وقدّر المصدر عدد النازحين في عفر بنحو 150 ألف شخص، مشيراً إلى صعوبة تحديد حصيلة دقيقة في ظل استمرار المعارك.

وتكتسب جبهة عفر أهمية حيوية لإثيوبيا، إذ يهدف التقدم العسكري فيها، وفق تقديرات ميدانية، إلى تهديد خطوط الإمداد القادمة من جيبوتي، التي تمر عبرها غالبية الواردات الإثيوبية، بما في ذلك الوقود والسلع الأساسية.

وكانت سبع جماعات معارضة للحكومة الاتحادية، من بينها «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» وميليشيات «فانو» في أمهرة و«جيش تحرير أورومو»، قد أعلنت تشكيل تحالف جديد يهدف إلى الإطاحة بحكومة آبي أحمد. وتوعّد التحالف بشن «هجمات مضادة واسعة النطاق»، رداً على العمليات العسكرية للقوات الاتحادية.

وكانت الجبهة قد أعلنت تشكيل التحالف قبل ثلاثة أيام من بدء هجومها الأخير، في خطوة تعكس اتساع نطاق التنسيق بين الجماعات المسلحة المعارضة للحكومة في مناطق مختلفة من البلاد.

استهداف التلفزيون العام

المبنى الذي يضم قناة «تيغراي تي في» وقد بدت عليه أضرار ناجمة عن ضربة بطائرة مسيّرة في ميكيلي 27 سبتمبر (أ.ف.ب)

وفي موازاة التطورات العسكرية، تعرّض مبنى تلفزيون تيغراي، المنبر الإعلامي الرئيسي لسلطات الإقليم، لضربة بطائرة مسيّرة صباح الأحد في العاصمة ميكيلي، ما ألحق أضراراً بواجهته، وأدى إلى تعليق البث المباشر للقناة، التي يعمل فيها أكثر من 400 صحافي، وفق ما أفاد به مراسلون في المحطة «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال أحد المراسلين إن العاملين سمعوا انفجاراً قوياً ناجماً عن غارة بطائرة مسيّرة في موقع آخر، فغادروا المبنى، قبل أن يتعرض التلفزيون للقصف بعد مغادرتهم. ولم يصدر تعليق رسمي يحدد الجهة المسؤولة عن الهجوم.

ويأتي استهداف المحطة بعد إعلان السلطات الاتحادية الإثيوبية، يوم الاثنين الماضي، تعليق عمل «تيغراي تي في» ومنع وسائل الإعلام من نقل أخبارها، في وقت تتصاعد فيه المواجهات بين الجانبين.

كما شهدت مناطق في شمال إثيوبيا، منذ الجمعة، انقطاعاً في خدمات الهاتف والإنترنت، ما صعّب الحصول على معلومات مستقلة بشأن التطورات الميدانية وحجم الخسائر. وأشارت منظمة «نت بلوكس»، المعنية برصد انقطاعات الإنترنت، إلى حدوث اضطراب واسع في الاتصال بالشبكة في شمال البلاد، بالتزامن مع تقارير عن انقطاع الاتصالات في تيغراي.

وأثار ذلك مخاوف السكان من تكرار ظروف الحرب السابقة، حين فرضت الحكومة الاتحادية حصاراً على الإقليم، وانقطعت الكهرباء والخدمات المصرفية، وتراجعت قدرة المساعدات الإنسانية على الوصول إلى السكان.

اتهامات متبادلة بالتدخل الخارجي

مقاتلون من «جبهة تحرير تيغراي» التي خاضت حرباً أهلية ضد الحكومة الفيدرالية (أرشيفية - أ.ف.ب)

ومع اتساع المواجهات، تصاعدت الاتهامات بشأن دور دول الجوار في دعم أطراف النزاع. واتهم قائد الجيش الإثيوبي، المشير برهانو جولا، إريتريا والسودان ومصر بتقديم الدعم العسكري واللوجستي إلى قوات المعارضة، قائلاً إن بلاده تواجه مجموعات «منظمة ومتحالفة لخدمة مصالح قوى خارجية».

وفي تصريحات بثتها وسائل إعلام تابعة للجيش، قال جولا إن إريتريا، التي وصفها باسمها المحلي «شابيّا»، و«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي»، لا تستطيعان تحقيق أهدافهما بمفردهما، حتى في حال تحالفهما، من دون دعم وإمدادات من قوى خارجية أخرى.

ورفض الجيش السوداني الاتهامات الإثيوبية، ووصفها بأنها «لا أساس لها من الصحة»، مؤكداً في بيان أن القوات المسلحة السودانية ملتزمة بالقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، فيما نفت إريتريا في تصريحات سابقة دعم قوات المعارضة الإثيوبية.

وتأتي هذه الاتهامات في ظل توتر متصاعد بين أديس أبابا والخرطوم، إذ تتهم السلطات السودانية إثيوبيا بمساعدة «قوات الدعم السريع» التي تخوض حرباً ضد الجيش السوداني منذ أبريل (نيسان) 2023، وبالسماح بتنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة انطلاقاً من أراضيها، لكن إثيوبيا تنفي هذه الاتهامات.

وكانت إثيوبيا قد اتهمت، في مايو (أيار) الماضي، الجيش السوداني بدعم مقاتلين مرتبطين بـ«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي»، وهو ما نفته الخرطوم، في مؤشر على اتساع دائرة الخلافات الأمنية بين البلدين.

«اتفاق بريتوريا» أمام اختبار جديد

أشخاص يسيرون في ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي وسط تصاعد القتال مع الحكومة المركزية يوم 24 سبتمبر 2026 (أ.ب)

ويهدد تجدد القتال اتفاق السلام الذي وُقّع في بريتوريا بجنوب أفريقيا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وأنهى حرباً أهلية استمرت من عام 2020 إلى عام 2022 بين الحكومة الاتحادية و«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي». وأسفرت الحرب، وفق تقديرات الاتحاد الأفريقي، عن مقتل ما لا يقل عن 600 ألف شخص، فضلاً عن نزوح أعداد كبيرة من السكان وتدمير واسع للبنية التحتية.

وتعود جذور الصراع إلى انهيار العلاقات بين «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» ورئيس الوزراء آبي أحمد، الذي تولى السلطة عام 2018، منهياً عقوداً من هيمنة الجبهة على المشهد السياسي الإثيوبي، بعدما كانت قد تولت الحكم عام 1991.

وعلى الرغم من أن اتفاق بريتوريا أوقف العمليات العسكرية الواسعة وأرسى هدوءاً حذراً، فإن الجانبين تبادلا خلال الأشهر الماضية الاتهامات بانتهاكه. وتجددت الاشتباكات في أواخر عام 2025، مع تنفيذ القوات الاتحادية غارات بطائرات مسيّرة على إقليم تيغراي وحشد قواتها على حدود الإقليم، فيما اتهمت منظمات حقوقية الجبهة بتنفيذ حملات تجنيد قسري خلال العام الحالي استعداداً لاستئناف القتال.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الخلافات السياسية والعسكرية التي لم تُحسم بموجب اتفاق السلام لا تزال تشكّل مصدر تهديد للاستقرار في إثيوبيا، خصوصاً مع اتساع التحالفات المسلحة المعارضة للحكومة وتزايد الاتهامات بالتدخل الخارجي.

مخاوف من اتساع الصراع في القرن الأفريقي

دبابة «تي 72» مدمَّرة على جانب الطريق خلال الاشتباكات بين الجيش الإثيوبي و«جبهة تحرير تيغراي» (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويثير تجدد الحرب مخاوف من امتداد المواجهات إلى نطاق إقليمي أوسع، في منطقة تعاني بالفعل من تداعيات الحرب المستمرة في السودان، والتوترات المرتبطة بالبحر الأحمر، والصراعات في الشرق الأوسط.

وتكتسب العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا أهمية خاصة في هذا السياق، في ظل التوترات المرتبطة بمساعي إثيوبيا إلى الحصول على منفذ مباشر إلى البحر الأحمر، وهو ما يثير مخاوف إريترية من تداعيات أي تحرك إثيوبي بالقوة لتحقيق هذا الهدف.

ورغم التفوق العسكري الذي تتمتع به القوات الاتحادية، وما تتلقاه الحكومة الإثيوبية من دعم خارجي، فإن اتساع رقعة المواجهات وتعدد الجماعات المسلحة المنخرطة فيها قد يعقّدان جهود احتواء الصراع، ويزيدان الضغوط الإنسانية والأمنية على المناطق المتاخمة لإقليم تيغراي.

وفي ظل استمرار انقطاع الاتصالات وتضارب المعلومات بشأن السيطرة على بعض المناطق، تبقى التطورات الميدانية مرشحة لمزيد من التغير، فيما يواجه اتفاق السلام اختباراً جديداً قد تكون له تداعيات تتجاوز حدود إثيوبيا إلى منطقة القرن الأفريقي بأكملها.


مقالات ذات صلة

ضغوط داخلية على إدارة ترمب للتدخل في إثيوبيا

أفريقيا أشخاص يسيرون في ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي الإثيوبي وسط تصاعد القتال مع الحكومة المركزية يوم 24 سبتمبر 2026 (أ.ب)

ضغوط داخلية على إدارة ترمب للتدخل في إثيوبيا

ضغط أعضاء ديمقراطيون في مجلس الشيوخ الأميركي على إدارة ترمب للتدخل لوقف التصعيد في إثيوبيا، محذرين من أن اتفاق السلام الذي أنهى حرب تيغراي عام 2022 بدأ يتفكك.

هبة القدسي (واشنطن)
أفريقيا أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات على طول أحد الشوارع مع تصاعد التوترات بعد أن شنّت القوات هجوماً كبيراً ضد الحكومة الفيدرالية في مواقع متعددة في ميكيلي بمنطقة تيغراي - 24 سبتمبر 2026 (رويترز)

قوات موالية لحكومة إثيوبيا تعلن السيطرة على بلدة استراتيجية في تيغراي

قالت جماعة مسلحة موالية للحكومة الإثيوبية إن الجيش الإثيوبي ومسلحين متحالفين معه تمكنوا من السيطرة على بلدة ألاماتا الاستراتيجية إلى الجنوب من عاصمة تيغراي.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
العالم العربي المبنى الذي يضم قناة «تيغراي تي في» وقد بدت عليه أضرار ناجمة عن ضربة بطائرة مُسيرة في ميكيلي (أ.ف.ب)

السودان ينفي التدخل في شؤون إثيوبيا... ومُسيرة تستهدف مبنى تلفزيون تيغراي

اتهم قائد الجيش الإثيوبي المشير برهانو جولا، أمس الأحد، إريتريا والسودان بدعم متمرّدي تيغراي، وسط مخاوف من اندلاع حرب جديدة في إثيوبيا.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
أفريقيا أفراد من القوات الخاصة يقفون حراساً على أحد شوارع مدينة حميرة إثيوبيا (رويترز)

اضطرابات تيغراي... هل يتكرر سيناريو 2020 أم تحصل موجة صدام أوسع؟

بعد شهور من المناوشات، تتجه «جبهة تحرير تيغراي» إلى فصل جديد من المعارك مع الحكومة الفيدرالية في إثيوبيا عززها انضمام قوى أخرى عبر تدشين تحالف مسلح.

محمد محمود (القاهرة)
أفريقيا حمّالون إثيوبيون يدفعون عرباتهم اليدوية على طول شارع في ميكيلي بمنطقة تيغراي الإثيوبية يوم 23 سبتمبر 2026 (رويترز)

سكان إقليم تيغراي الإثيوبي يخزّنون الغذاء والنقد خشية «حرب كبرى»

سارع سكان إقليم تيغراي بشمال إثيوبيا، اليوم (الخميس)، إلى تخزين المواد الغذائية والنقد والسلع الأساسية، خشية أن يؤدي تجدُّد القتال إلى اشتعال حرب كبرى جديدة.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)

بوركينا فاسو: دستور جديد يعيد تنظيم «الحياة السياسية»

رئيس بوركينا فاسو إبراهيما تراوري خلال حديثه مع الصحافيين الأحد (وكالة أنباء بوركينا فاسو)
رئيس بوركينا فاسو إبراهيما تراوري خلال حديثه مع الصحافيين الأحد (وكالة أنباء بوركينا فاسو)
TT

بوركينا فاسو: دستور جديد يعيد تنظيم «الحياة السياسية»

رئيس بوركينا فاسو إبراهيما تراوري خلال حديثه مع الصحافيين الأحد (وكالة أنباء بوركينا فاسو)
رئيس بوركينا فاسو إبراهيما تراوري خلال حديثه مع الصحافيين الأحد (وكالة أنباء بوركينا فاسو)

أعلن رئيس بوركينا فاسو، الكابتن إبراهيم تراوري، أن بلاده تستعد لاعتماد «دستور جديد» يهدف إلى «إعادة تنظيم» النظام السياسي بالكامل، ودعا إلى القطيعة مع النظام السياسي القائم على التنافس بين الأغلبية والمعارضة.

وقال تراوري، في مقابلة مع صحافيين، الأحد، نشرتها وكالة الإعلام البوركينية الرسمية: «سيكون هناك دستور جديد، حتماً. سنعيد التنظيم بشكل كامل». ولم يذكر في المقتطفات التي نشرتها الوكالة موعداً لذلك، في حين أكدت صحف محلية أنه لم يحدد جدولاً زمنياً.

مهاجمة الديمقراطية

وانتقد تراوري ما وصفه بمنطق «رواد الأعمال السياسيين»، أي من يفضّلون الخطابة والمواجهة على العمل والبناء. وقال: «يجب قتل هذه الروح حتى يفهم الناس أن عليهم أن يعملوا قبل أن يأكلوا»، متهماً بعض الفاعلين السياسيين بـ«الكذب» و«خداع» السكان.

وهاجم تراوري نظام التنافس الدائم بين الأغلبية والمعارضة، عادَّاً أنه يجعل بعض الدول تهدر سنوات في الصراعات الحزبية على حساب البنى التحتية والمشاريع التنموية. وقال: «هذا هراء. أنتم تجعلون السكان يعانون. أنتم لا تتقدمون».

ودعا تراوري إلى استمرارية في عمل الدولة تتجاوز تغيّر القادة؛ لأن «الشعب استمرارية»، مستشهداً بروسيا والصين بوصفهما من الدول التي تملك رؤية بعيدة المدى للدولة. ورأى أن على الدول الأفريقية إرساء أنظمة تضمن استمرارية سياساتها العامة بدلاً من مضاعفة المواجهات بين الحكومة والمعارضة.

وتأتي هذه التصريحات كنوع من انتقاد النظام الديمقراطي، وذلك بالتزامن مع الذكرى الرابعة لوصول تراوري إلى السلطة، حين أطاح المقدم بول هنري داميبا في انقلاب وقع في 30 سبتمبر (أيلول) 2022.

ونقلت صحيفة «سيدواية» الحكومية عنه قوله إن البلاد «في ثورة» وإنها ستبني نظامها السياسي الخاص، وإن «الأمور تسير بشكل أفضل بعد أربع سنوات». وتستكمل هذه الخطوة مساراً أعاد تشكيل المشهد المؤسسي منذ الانقلاب، حيث عُلّق نشاط الأحزاب السياسية بعد استيلاء المجلس العسكري على السلطة، ثم عُدّل ميثاق المرحلة الانتقالية في مايو (أيار) 2024 بما يتيح لتراوري البقاء خمس سنوات إضافية.

وفي 29 يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلنت الحكومة حل جميع الأحزاب، وصادق البرلمان الانتقالي على القرار في 9 فبراير (شباط). وأدانت أطراف دولية الخطوة بصفتها مساساً بالتعددية. وفي 27 مارس (آذار) صوّت النواب بالإجماع (70 صوتاً) على «ميثاق الثورة» الذي حلّ محل ميثاق المرحلة الانتقالية، ويضع أفق 2029 لهذا المسار، وفق تقارير صحافية أكدت أن النظام الذي يحكم بوركينا فاسو «يقرّ بأنه ليس ديمقراطياً».

اتهامات خارجية

وتتهم منظمات حقوقية، بينها «هيومن رايتس ووتش»، السلطات بالتضييق على وسائل الإعلام والمعارضة والأصوات المنتقدة، في حين تقول السلطات إن هذه الإجراءات تهدف إلى الحفاظ على الوحدة الوطنية ودعم الحرب على الإرهاب.

وتواجه البلاد في المقابل هجمات متواصلة لجماعات مرتبطة بـ«القاعدة» وتنظيم «داعش»، ففي فبراير الماضي أُعلن مقتل أكثر من 130 شخصاً في هجمات خلال عشرة أيام، في حين أكد الجيش أنه يسيطر على 74 في المائة من أراضي البلاد.

وعلى الصعيد الخارجي، قطعت واغادوغو علاقاتها الدبلوماسية مع فرنسا في 26 يونيو (حزيران) الماضي، متهمة باريس بـ«نشاط لا يتوقف» ضد مصالحها، ووقّعت في فبراير اتفاقاً مع موسكو حول أسس العلاقات بين البلدين. ويتولى تراوري حالياً الرئاسة الدورية لكونفدرالية دول الساحل، الحلف الإقليمي المحسوب على روسيا.


ضغوط داخلية على إدارة ترمب للتدخل في إثيوبيا

أشخاص يسيرون في ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي الإثيوبي وسط تصاعد القتال مع الحكومة المركزية يوم 24 سبتمبر 2026 (أ.ب)
أشخاص يسيرون في ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي الإثيوبي وسط تصاعد القتال مع الحكومة المركزية يوم 24 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

ضغوط داخلية على إدارة ترمب للتدخل في إثيوبيا

أشخاص يسيرون في ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي الإثيوبي وسط تصاعد القتال مع الحكومة المركزية يوم 24 سبتمبر 2026 (أ.ب)
أشخاص يسيرون في ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي الإثيوبي وسط تصاعد القتال مع الحكومة المركزية يوم 24 سبتمبر 2026 (أ.ب)

ضغط أعضاء ديمقراطيون بارزون في مجلس الشيوخ الأميركي على وزير الخارجية ماركو روبيو، للتدخل لوقف التصعيد في إثيوبيا، محذرين من أن اتفاق السلام الذي أنهى حرب تيغراي عام 2022 بدأ يتفكك، وسط مخاوف من عودة الحرب الأهلية واتساعها إلى دول القرن الأفريقي.

وكشف موقع «سيمافور»، الاثنين، عن أن مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ بقيادة السيناتورة جين شاهين، كبيرة الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية، تضغط على روبيو للتحرك مع تجدد القتال في إقليم تيغراي. وتضم المجموعة جميع الديمقراطيين الأعضاء في اللجنة الفرعية للشؤون الأفريقية.

وحذّر المشرعون من أن «اتفاق بريتوريا»، الذي توسط فيه «الاتحاد الأفريقي» بدعم أميركي وأنهى حرب 2020-2022، آخذ في الانهيار. ووجه أعضاء مجلس الشيوخ انتقادات إلى طرفَي الصراع. وأدانوا ضربة بطائرة مسيّرة استهدفت شاحنة تحمل مساعدات غذائية ممولة أميركياً للنازحين في شمال غربي تيغراي، مع شكوك في ضلوع الجيش الإثيوبي فيها. وفي المقابل، اتهموا قوات تيغراي بتقويض الحكومة الانتقالية في الإقليم، وعدم نزع السلاح، والتجنيد القسري للمدنيين. كما انتقدوا إدارة ترمب لسماحها بانتهاء برنامج العقوبات الأوسع المرتبط بالأزمة الإثيوبية قبل أيام من تجدد القتال.

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (أ.ب)

وتصاعدت المواجهات بصورة حادة خلال الأسبوع الماضي، بعدما شنّت قوات تيغراي هجوماً واسعاً أنهى اتفاق وقف إطلاق النار استمر قرابة أربع سنوات، وفرضت سيطرتها على مواقع ومطارات، وامتد القتال إلى مناطق عفر وأمهرة. كما انضمت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي إلى تحالف يضم سبع جماعات مسلحة يستهدف حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد.

ووصف تقرير لمجلس العلاقات الخارجية (CFR) وضع الصراع في إثيوبيا بأنه يتدهور، وقال التقرير إن عودة المواجهة بين الحكومة الفيدرالية وقوات تيغراي، وتحالف الأخيرة مع جماعات مسلحة أخرى، يهدد بشكل كبير ترتيبات السلام التي أرساها «اتفاق بريتوريا»، وحذّر من مخاطر جر القرن الأفريقي إلى صراع أوسع.

وقال التقرير ان خطورة التطورات تحمل احتمال تداخلها مع التوتر المتصاعد بين إثيوبيا وإريتريا، موضحاً أن العلاقات بين البلدَين شهدت تدهوراً على خلفية سعي آبي أحمد للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر، فيما تتبادل أديس أبابا وأسمرة الاتهامات بدعم الجماعات المسلحة المناوئة للطرف الآخر.

مقاتلون من «جبهة تحرير شعب تيغراي» التي خاضت حرباً أهلية ضد الحكومة الفيدرالية في الفترة ما بين عامَي 2020 و2022 (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويضع التصعيد إدارة ترمب أمام اختبار بشأن سياستها تجاه إثيوبيا. فقد فرضت واشنطن في يونيو (حزيران) عقوبات على مسؤولين في «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي»، واتهمتهم بتقويض السلام، لكنها سمحت الشهر الحالي بانتهاء الأمر التنفيذي الصادر عام 2021 الذي شكل الأساس لبرنامج العقوبات الأوسع المرتبط بالأزمة الإثيوبية. وجاء ذلك بالتوازي مع مساعٍ أميركية لتحسين العلاقة مع إريتريا، ما أثار انتقادات الديمقراطيين الذين يرون أن واشنطن خففت إحدى أدوات الضغط على أطراف المنطقة في لحظة بدأت فيها ترتيبات ما بعد الحرب تتداعى.

وتتجاوز المخاوف الأميركية حدود إثيوبيا، فالحرب السابقة خلّفت مئات الآلاف من القتلى والنازحين، كما تأتي الأزمة الجديدة في منطقة تعاني أصلاً من حرب السودان وعدم الاستقرار في الصومال، واليمن، وتجاور البحر الأحمر الذي اكتسب أهمية استراتيجية أكبر للولايات المتحدة خلال الحرب مع إيران والقلق من تأمين الملاحة الدولية.

ويضع تقرير مجلس العلاقات الخارجية النزاع المصري-الإثيوبي حول «سد النهضة» ضمن شبكة الأزمات الإقليمية التي يمكن أن تتأثر بمزيد من زعزعة الاستقرار الإثيوبي.

أشخاص يسيرون في ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي الإثيوبي وسط تصاعد القتال مع الحكومة المركزية يوم الخميس 24 سبتمبر 2026 (أ.ب)

قوات موالية لحكومة إثيوبيا تعلن السيطرة على بلدة استراتيجية في تيغراي

أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات على طول أحد الشوارع مع تصاعد التوترات بعد أن شنّت القوات هجوماً كبيراً ضد الحكومة الفيدرالية في مواقع متعددة في ميكيلي بمنطقة تيغراي - 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات على طول أحد الشوارع مع تصاعد التوترات بعد أن شنّت القوات هجوماً كبيراً ضد الحكومة الفيدرالية في مواقع متعددة في ميكيلي بمنطقة تيغراي - 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

قوات موالية لحكومة إثيوبيا تعلن السيطرة على بلدة استراتيجية في تيغراي

أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات على طول أحد الشوارع مع تصاعد التوترات بعد أن شنّت القوات هجوماً كبيراً ضد الحكومة الفيدرالية في مواقع متعددة في ميكيلي بمنطقة تيغراي - 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات على طول أحد الشوارع مع تصاعد التوترات بعد أن شنّت القوات هجوماً كبيراً ضد الحكومة الفيدرالية في مواقع متعددة في ميكيلي بمنطقة تيغراي - 24 سبتمبر 2026 (رويترز)

قالت جماعة مسلحة موالية للحكومة الإثيوبية، اليوم (الاثنين)، إن الجيش الإثيوبي ومسلحين متحالفين معه تمكنوا من السيطرة على بلدة ألاماتا الاستراتيجية إلى الجنوب من عاصمة تيغراي، في تحوّل لموازين القوى بعد هجوم شنته المعارضة انطلاقاً من المنطقة الأسبوع الماضي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وظهر في مقطع مصور نشرته «قوة سلام تيغراي» الموالية للحكومة على صفحتها على «فيسبوك» جنود يسيرون في الشوارع ويلوّحون بأعلام إثيوبيا. ولم يتسنَّ لوكالة «رويترز» التحقق من صحة المقطع حتى الآن.

وأفاد مصدران دبلوماسيان بأنه تمت السيطرة على البلدة، بينما قال مصدر ثالث إن القوات الموالية للحكومة دخلت البلدة، لكن لم يتضح بعد ما إذا كانت قد سيطرت عليها بالكامل.

ولم يرد متحدثون باسم الجيش الإثيوبي ولا «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي»، التي تقود المقاومة المسلحة ضد الحكومة الاتحادية، حتى الآن على طلبات للتعليق.

ومن شأن السيطرة على ألاماتا أن تشكّل تقدماً كبيراً للقوات الاتحادية في إطار زحفها نحو ميكيلي عاصمة المنطقة، التي تبعد نحو 120 كيلومتراً إلى الشمال. وألاماتا مركز مهم لإمداد القوات بالغذاء والوقود بالقرب من الحدود الجنوبية لتيغراي مع منطقة أمهرة المجاورة.

اتهامات لدول مجاورة بدعم المعارضة

أدى القتال الدائر منذ الأربعاء الماضي في تيغراي ومنطقتي أمهرة وعفار المجاورتين إلى انهيار اتفاق بريتوريا لإحلال السلام الذي أُبرم قبل أربع سنوات وأنهى قتالاً أودى بحياة مئات الآلاف.

واندلعت حرب أهلية استمرت في الفترة من عام 2020 وحتى عام 2022 بسبب انهيار العلاقات بين الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وهي حركة مسلّحة تحوّلت إلى حزب سياسي هيمن على الساحة السياسية الإثيوبية لنحو ثلاثة عقود، وبين رئيس الوزراء آبي أحمد الذي أنهى توليه المنصب عام 2018 هيمنة الجبهة.

وتبادلت «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» والحكومة الاتحادية، خلال الأشهر القليلة الماضية، الاتهامات بانتهاك اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) 2022. وقبل ثلاثة أيام من شن هجومها، أعلنت الجبهة تشكيل تحالف جديد مع ست جماعات مسلحة أخرى في أنحاء إثيوبيا يهدف إلى الإطاحة بحكومة آبي.

ويفاقم اندلاع هذا الصراع من جديد الاضطرابات في منطقة القرن الأفريقي، التي تعاني بالفعل من وطأة الحرب الأهلية في السودان والتوترات المرتبطة بعبور البحر الأحمر وتداعيات الصراعات في الشرق الأوسط.

وفي تصريحات بثتها وسائل إعلام حكومية، أمس (الأحد)، كرر برهانو جولا قائد الجيش الإثيوبي اتهامات سابقة بأن إريتريا، الجارة والخصم التاريخي لإثيوبيا، تدعم قوات المعارضة، إلى جانب القوات المسلحة السودانية ومصر.

ونفت إريتريا والجيش السوداني هذه الاتهامات. ولم ترد مصر حتى الآن على طلب للتعليق.