طالبت منظمة حقوقية سورية التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب بتأسيس لجنة مستقلة تختص بالنظر في مطالبات المدنيين، وجبر الأضرار الناجمة عن العمليات العسكرية التي قامت بها الدول الأعضاء في التحالف في السنوات الماضية، مستعرضةً مرور اثني عشر عاماً على انطلاق التدخل العسكري للتحالف في سبتمبر (أيلول) 2014.
وأظهرت البيانات التوثيقية لـ«الشبكة السورية لحقوق الإنسان»، في التقرير المنشور اليوم الخميس، مقتل ما لا يقل عن 3048 مدنياً، من بينهم 925 طفلاً، بفعل ضربات قوات التحالف، في ظل غياب أي مسار توحيدي أو هيئة مستقلة تمكّن المتضررين من تقديم شكاواهم، والحصول على قرارات معللة، وقابلة للمراجعة. إلى جانب تسجيل 172 مجزرة على الأقل، و181 استهدافاً للمنشآت والأعيان المدنية الحيوية. وأوضح التقرير أن المنهجية التوثيقية للشبكة في تعريف «المجزرة»، هي كل هجوم يتسبب في مقتل خمسة مدنيين أو أكثر في الواقعة ذاتها.

«الشرق الأوسط» سألت مدير الشبكة، الحقوقي فضل عبد الغني، عن سبب تحريك هذه المطالبة الآن، وإن كان وراءها الضحايا أنفسهم؟ فأوضح أن هذه الدعوة مرتبطة بثلاثة عوامل رئيسة، أولها: مرور اثني عشر عاماً على بدء عمليات التحالف في سوريا، وحجم الأضرار المدنية الموثقة، وغياب آلية موحدة ومستقلة تتيح للمتضررين تقديم مطالباتهم، والحصول على قرارات معللة، وقابلة للمراجعة.
وتابع بقوله إنه «قانونياً لا ينشأ (الحق في الجبر) نتيجة تغير الوضع السياسي في سوريا، بل عند ثبوت فعل منسوب إلى دولة يشكل إخلالاً بالتزام دولي. إلا أن تغير الظروف السياسية قد يتيح مجالاً عملياً أوسع للتوثيق، والتواصل، والمطالبة بإنشاء آلية للجبر، من دون أن تكون حقوق الضحايا معلقة على موقف الحكومة السورية».
إذن كيف يمكن التعامل مع المطالبة، هل عبر قنوات دولية أم محاكم محلية؟ يقول عبد الغني إنه لا توجد حالياً قضية جماعية مفتوحة ضد «التحالف» بوصفه «كياناً قانونياً مستقلاً»، فالتحالف ليس دولة، ولا منظمة دولية منشأة بموجب معاهدة.
وتابع القول بأنه تُبحث مسؤولية كل دولة على حدة وفق دورها في الواقعة المحددة، سواء تعلق ذلك بتنفيذ الضربة، أو اختيار الهدف، أو تقديم معلومات الاستهداف، أو الإسناد العملياتي.

على هذا الأساس يقترح المسار الذي تطرحه الشبكة إنشاء لجنة مستقلة لمطالبات المدنيين، باتفاق وتمويل من الدول المشاركة، تتولى استقبال مطالبات الأفراد مباشرة، وتفصل بين نوعين من المسارات: جبر كامل للضرر عندما تثبت المخالفة، والمسؤولية. مسار أسرع للاعتراف بالضرر، وتقديم المساعدة عند ثبوت الوفاة، أو الإصابة، حتى إذا ظلت مسائل الإسناد أو عدم المشروعية غير محسومة.
ولا يمثل هذا المسار إجراءً قضائياً قائماً، بل آلية تدعو الشبكة إلى إنشائها. أما المحاكم السورية، فلا ينبغي تقديمها باعتبارها مساراً قائماً، أو مضموناً. فالتقرير لا يحدد دعوى سورية بعينها، ولا يبين أساساً محدداً لاختصاص المحاكم السورية بمقاضاة دولة أجنبية، كما قد تمثل حصانة الدولة الأجنبية وصعوبات تنفيذ أي حكم عائقين مستقلين.
يلفت عبد الغني إلى أن لدى الولايات المتحدة إجراءات داخلية لتقييم الأضرار التي تلحق بالمدنيين، إضافة إلى سلطة تقديرية لتقديم مدفوعات على سبيل المجاملة مرتبطة بالعمليات العسكرية.
غير أن هذه الإجراءات لا تشكل هيئة مستقلة، كما أن تلك المدفوعات لا تعد حكماً بثبوت المسؤولية القانونية. ويستند هذا المسار إلى المادة 1213 من قانون تفويض الدفاع للسنة المالية 2020، بصيغتها المعدلة، والمدرجة كملاحظة تشريعية ملحقة بالقسم 2731 من العنوان العاشر من قانون الولايات المتحدة، وليس إلى متن القسم 2731 وحده.

إذا افترضنا أن الإشكالات السابقة حُلّت... فمن يمثل الضحايا إذا فُتحت قضية جبر، وتعويض؟ هل الدولة السورية؟ أم محامون؟ أم منظمات حقوقية؟
يجيب مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، على سؤال «الشرق الأوسط»، بقوله: الأصل أن الضحية أو الأسرة هي صاحبة المطالبة، ولها أن تمثل نفسها، أو توكل محامياً عنها. ويمكن للجنة المقترحة أن توفر مساعدة قانونية مجانية، كما يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تسهم في التوثيق، وإحالة الملفات.
يلفت عبد الغني الانتباه إلى أن قيام منظمة ما بتوثيق حالة لا يجعلها، تلقائياً، ممثلاً قانونياً للضحية. أما الدولة السورية، فإنه يمكنها دعم إنشاء الآلية، وتسهيل الوصول إلى السجلات، والوثائق، واتخاذ خطوات دبلوماسية مع الدول المعنية. مستدركاً أن ذلك لا يجعلها تصبح، لمجرد قيامها بذلك، وكيلاً قانونياً عن كل أسرة. وإذا اختارت الدولة إثارة نزاع على مستوى العلاقات بين الدول، فإنها تتحرك باسمها، ووفق قواعد القانون الدولي، فيما يظل تمثيل المطالبات الفردية مرهوناً بوجود صفة قانونية، أو تفويض واضح من أصحابها.





