عاد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى بغداد، الأربعاء، بعد جولة أوروبية شملت فرنسا وألمانيا، في وقت يسعى فيه إلى توسيع الشراكات مع الغرب، بينما يواجه في الداخل ضغوطاً سياسية وأمنية مرتبطة بملف حصر السلاح بيد الدولة وبالعلاقة مع الفصائل القريبة من إيران.
ووقّع العراق خلال زيارة الزيدي إلى فرنسا 6 مذكرات تفاهم وإعلانات نوايا في مجالات؛ بينها الدفاع والطاقة والطيران المدني والتعاون الاقتصادي، قبل أن يتوجه إلى برلين لإجراء محادثات مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس حول ملفات إقليمية ودولية، إضافة إلى التعاون في قطاعات الطاقة والأمن والنقل.
وتأتي الجولة الأوروبية بعد زيارة الزيدي إلى واشنطن في يوليو (تموز)، حيث أعلن خلال لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن القوات الأميركية ستغادر العراق بحلول 30 سبتمبر (أيلول)، وأن بغداد تعمل في المقابل على شراكة اقتصادية مع الولايات المتحدة. كما أعلن الزيدي عزمه على منع أي جهة من حمل السلاح خارج مؤسسات الدولة.
لكن مساعي الحكومة العراقية لتوسيع علاقاتها مع أوروبا والولايات المتحدة تجري في بيئة سياسية وأمنية معقدة، مع اقتراب موعد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي، واستمرار الخلاف بشأن آلية وتوقيت حصر السلاح بيد الدولة.

طموحات الزيدي
يبدو أن الزيدي يسعى إلى البناء على التحرك الذي بدأه خلال زيارته إلى واشنطن، وتوسيع هامش الحركة العراقية باتجاه أوروبا، في محاولة لجذب استثمارات وشراكات في قطاعات الطاقة والصناعة والبنية التحتية.
وقال نائب عراقي سابق، طلب عدم الكشف عن اسمه، إن قوى الإطار التنسيقي «تراجعت عن مستوى الدعم الذي كانت قد تعهدت بتقديمه إلى الزيدي عندما كلفته بتشكيل الحكومة».
وأضاف أن قوى «الإطار التنسيقي»، في الوقت الذي كانت فيه «مجبرة على القبول بالزيدي بسبب خلافها الحاد على من يتولى منصب رئيس الوزراء، بدأت تتخوف من تبعات تعهداته الأمنية والسياسية».
وبحسب النائب السابق، تراقب قوى الإطار التنسيقي «ما يصدر عن الإدارة الأميركية من إشارات، تلميحاً أو تصريحاً، على صعيد حصر السلاح بيد الدولة بعد الثلاثين من هذا الشهر».
وقال إن تلك القوى «لا تستطيع في النهاية التصادم مع الإرادة الأميركية»، لكنها «تماطل الآن على صعيد اللجنة المُشكَّلة للتفاهم مع الفصائل الرافضة لتسليم سلاحها»، بهدف معرفة مدى الضغط السياسي الذي يمكن أن تمارسه واشنطن.
وأضاف أن السؤال بالنسبة إلى هذه القوى هو ما إذا كان الضغط سيبقى «عند حدود التراجع عن دعم الزيدي» أم قد يصل إلى «اتخاذ قرارات صارمة، ومنها إيقاف شحنات الدولار وغير ذلك من وسائل الضغط التي من شأنها أن تجعل تلك القوى أمام مواجهة مع الشارع تتعدى حدود خلافها الصامت مع الزيدي».

واشنطن داعمة
وفي أحدث مؤشر على موقف واشنطن، قالت وزارة الخارجية الأميركية إن الولايات المتحدة تدعم جهود الزيدي لتعزيز سيادة الدولة ومنع الهجمات داخل العراق أو انطلاقاً من أراضيه، كما أكدت التزامها ببناء «شراكة قوية ومتبادلة المنفعة» مع بغداد.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إن واشنطن تدعم جهود الزيدي «لتطبيق وممارسة السيادة العراقية»، مضيفاً أن العراق «بدأ اتجاهاً جديداً تحت قيادة رئيس الوزراء الزيدي، بالشراكة الكاملة مع الولايات المتحدة».
وكانت «الخارجية» الأميركية قد ربطت هذا الموقف باللقاء الذي جمع ترمب والزيدي في البيت الأبيض في 14 يوليو، وقالت إن واشنطن تدعم رؤية رئيس الوزراء العراقي لـ«مستقبل أكثر إشراقاً لجميع العراقيين خالٍ من الإرهاب»، إلى جانب منع الهجمات داخل العراق أو انطلاقاً منه وبناء شراكة أميركية-عراقية قوية ومتبادلة المنفعة.
ويرى الكاتب والإعلامي فلاح المشعل أن «اتجاه الزيدي غرباً حالة إيجابية، نظراً لتاريخ العلاقة التجارية والاستثمارية والصناعية التي جمعت العراق مع فرنسا وألمانيا، وتنويع المصادر ما بين أميركا وأوروبا».
وقال المشعل لـ«الشرق الأوسط» إن هذا التوجه «سيفتح أسواق هذين البلدين للبترول العراقي وإعادة تصنيعه في تشارك للمصالح وتطويرها، خاصة في الصناعات النفطية».
لكنه أضاف أن «جميع تلك الطموحات التي يسعى إلى تحقيقها رئيس الوزراء الزيدي تصطدم بواقع عراقي يفتقد البيئة المشجعة، من ناحية الاستقرار الأمني والكفاءة المصرفية وقوانين الاستثمار العراقي، ناهيك بظروف الحرب الإقليمية المتقطعة ما بين أميركا وإيران».

استراتيجية جديدة
وفي السياق ذاته، قال الأكاديمي والباحث السياسي الدكتور هاني عاشور إن الزيدي «انتهج سياسة جديدة في الجانب السياسي والاقتصادي معاً، وذلك بالانفتاح على القوى العربية والإقليمية والدولية»، معتبراً أن هذه السياسة يمكن أن تمهد للتوجه الاقتصادي الذي يتبناه رئيس الوزراء.
وأضاف عاشور أن طبيعة الظروف الإقليمية، إلى جانب خبرة الزيدي السابقة في مجال الأعمال، دفعت الحكومة إلى تبني «سياسة جديدة، خاصة في الجانب الاقتصادي»، مشيراً إلى تأثير التطورات الإقليمية على صادرات النفط العراقية.
وقال إن الاتفاقيات التي وقعها الزيدي في أوروبا، إلى جانب مواقف حكومته من تركيا وسوريا والعمل على زيادة تصدير النفط عبر خط أنابيب إلى البحر المتوسط، تمثل، من وجهة نظره، جزءاً من «استراتيجية جديدة تقوم على نهج اقتصادي جديد من أجل النهوض بالعراق من جديد».





