تضخم بريطانيا يُصعّب مهمة بنك إنجلترا قبل اجتماع الفائدة

الأسواق رجحت التثبيت عند 3.75 في المائة... وبيرنهام تعهّد بقرارات صعبة

متسوقة في سوبر ماركت في لندن (إ.ب.أ)
متسوقة في سوبر ماركت في لندن (إ.ب.أ)
TT

تضخم بريطانيا يُصعّب مهمة بنك إنجلترا قبل اجتماع الفائدة

متسوقة في سوبر ماركت في لندن (إ.ب.أ)
متسوقة في سوبر ماركت في لندن (إ.ب.أ)

تتجه الأسواق إلى ترجيح إبقاء بنك إنجلترا سعر الفائدة الرئيسي عند 3.75 في المائة في اجتماعه الخميس، رغم ارتفاع التضخم في أغسطس (آب) إلى أعلى مستوى في 5 أشهر عند 3.1 في المائة، في ظل موازنة صانعي السياسة بين تجدد ضغوط الأسعار وضعف سوق العمل واعتدال نمو الأجور.

وأظهرت بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني أن ارتفاع أسعار الوقود وتذاكر الطيران كان وراء جانب كبير من زيادة التضخم، الذي ارتفع من 2.9 في المائة في يوليو (تموز)، ليبتعد أكثر عن مستهدف بنك إنجلترا البالغ 2 في المائة. ويأتي ذلك في وقت تضيف فيه تداعيات الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط والغاز ضغوطاً جديدة على الاقتصاد البريطاني.

ورغم ارتفاع التضخم، لا يُتوقع أن يعمد البنك إلى رفع الفائدة في اجتماع الخميس، إذ يراقب صانعو السياسة مدى انتقال ارتفاع الأسعار إلى الأجور والتضخم المحلي، في وقت تلفت فيه مؤشرات سوق العمل إلى تباطؤ. كما استقر التضخم الأساسي عند 2.6 في المائة للشهر الرابع على التوالي، ما يوفر للبنك مساحة للتريث في اتخاذ قرار جديد بشأن الفائدة.

وقال سورين ثيرو، كبير الاقتصاديين في معهد المحاسبين القانونيين في إنجلترا وويلز، إن ارتفاع التضخم في أغسطس من غير المرجح أن يؤدي إلى رفع الفائدة في اجتماع الغد، لكنه قد يدفع البنك إلى تبني لهجة أكثر تشدداً ويُبقي الباب مفتوحاً أمام رفع أسعار الفائدة في وقت لاحق من العام.

وتأتي هذه التطورات في وقت أصبحت فيه أسعار الطاقة عاملاً أكثر تأثيراً في مسار التضخم البريطاني، بعد الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، مع استمرار اضطرابات حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. ويزيد انتقال تكاليف الطاقة إلى الأسعار من صعوبة مهمة البنك في التمييز بين ضغوط تضخمية مؤقتة وتلك التي قد تستمر لفترة أطول.

وفي الوقت نفسه، تواجه الحكومة البريطانية ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع تكاليف الاقتراض، مع صعود عوائد السندات الحكومية إلى مستويات مرتفعة. ولامس عائد السندات لأجل 30 عاماً أعلى مستوى له منذ 1998، فيما ارتفع عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى منذ 2007، ما يزيد تكلفة خدمة الدين ويضيّق هامش المناورة أمام الحكومة في وقت تستعد فيه لموازنة 28 أكتوبر (تشرين الأول).

وقال رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام إن ارتفاع التضخم إلى 3.1 في المائة «مصدر قلق»، لكنه أكد أن الصورة الأساسية للاقتصاد تظهر «قدرة على الصمود»، متعهداً باتخاذ «قرارات صعبة» لضمان بقاء الاقتصاد على المسار الصحيح.

وأضاف بيرنهام أن حكومته ستتخذ إجراءات لمساعدة المواطنين، مع الالتزام بالانضباط في إدارة الاقتصاد، مؤكداً أن الحكومة لن تخاطر بمستويات معيشة الناس أو بالاقتصاد ككل.

بيرنهام مغادراً مقر رئاسة الوزراء لحضور جلسة أسئلة رئيس الوزراء في مجلس العموم (رويترز)

من جانبه، قال وزير الخزانة البريطاني جون هايلي إن الحرب في الشرق الأوسط «تؤثر في التضخم في أنحاء العالم، وليس هنا في الداخل فقط»، مشيراً إلى انعكاساتها على فواتير الأسر ومشترياتها وأسعار الوقود. وأضاف أن الحكومة اتخذت إجراءات مبكرة لتوفير «مساحة للتنفس» للأسر والشركات، من بينها خفض الضريبة على فواتير الكهرباء، ووضع سقف لأسعار تذاكر الحافلات عند جنيهين، وخفض الرسوم على الحانات والنوادي وأماكن الموسيقى.

وتضع هذه التصريحات الحكومة أمام معادلة صعبة مع اقتراب إعلان الموازنة، في ظل ضعف المالية العامة وارتفاع تكاليف الاقتراض، في حين يحد استمرار التضخم فوق المستهدف من قدرة بنك إنجلترا على تسريع دورة خفض الفائدة.

كما أن ارتفاع توقعات أسعار الفائدة يفرض ضغوطاً إضافية على المالية العامة البريطانية، إذ ترتفع تكلفة خدمة الدين مع صعود عوائد السندات، ما يجعل أي زيادة جديدة في تكاليف الاقتراض أكثر حساسية بالنسبة للحكومة.

وبينما ترجح الأسواق تثبيت الفائدة في اجتماع الخميس، فإن بقاء التضخم فوق مستهدف البنك قد يعزز لهجته المتشددة، خصوصاً إذا استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع وبدأت آثارها تنتقل إلى الأجور والأسعار المحلية. ويظل مسار الفائدة في الاجتماعات اللاحقة مرتبطاً بمدى استمرار هذه الضغوط وبأداء سوق العمل والتضخم الأساسي.

وكانت أسعار الفائدة البريطانية قد اتجهت للانخفاض من ذروة بلغت 5.25 في المائة، وهي الأعلى في 15 عاماً، قبل أن تعيد الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة رسم جزء من معادلة التضخم والنمو، ما يجعل قرار البنك غداً اختباراً جديداً لقدرته على الموازنة بين احتواء التضخم وتجنب تشديد السياسة النقدية في اقتصاد تظهر فيه علامات على تباطؤ سوق العمل.


مقالات ذات صلة

موازنة هيلي توازن بين تخفيف أعباء المعيشة والضبط المالي وسط تداعيات الحرب

الاقتصاد وزير الخزانة البريطاني جون هيلي خلال تقديمه الميزانية في مجلس العموم بلندن (أ.ف.ب)

موازنة هيلي توازن بين تخفيف أعباء المعيشة والضبط المالي وسط تداعيات الحرب

قدّم وزير الخزانة البريطاني جون هيلي، الأربعاء، أول موازنة له في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع تكاليف الطاقة والاقتراض.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد قطعة نقدية من فئة جنيه إسترليني واحد في مانشستر البريطانية (رويترز)

الإسترليني يتراجع أمام اليورو والدولار قبيل إعلان الموازنة البريطانية

تراجع الجنيه الإسترليني أمام اليورو والدولار، الأربعاء، قبيل إعلان الموازنة البريطانية المرتقبة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد وزير الخزانة البريطاني جون هيلي خلال المؤتمر السنوي لحزب العمال في ليفربول (رويترز)

معادلة صعبة تنتظر وزير الخزانة البريطاني في أول موازنة

يواجه وزير الخزانة البريطاني جون هيلي معادلة صعبة عندما يَعرض، الأربعاء، أول بيان للموازنة خلال عهده في ظل تعقيدات اقتصادية متزايدة بفعل تداعيات الحرب مع إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام ووزير المالية جون هيلي مجتمعان قبل إعلان الموازنة في مقر رئاسة الوزراء يوم الاثنين (أ.ف.ب)

موازنة بريطانيا تختبر الأسواق وسط ارتفاع تكاليف الاقتراض

يقدم وزير المالية البريطاني الجديد جون هيلي، الأربعاء، أول موازنة له في ظل ارتفاع تكاليف الاقتراض عالمياً وصعود أسعار الطاقة بفعل الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد وزير المالية البريطاني جون هيلي خلال مؤتمر حزب العمال في ليفربول (رويترز)

وزير المالية البريطاني يستعد لإعلان موازنة حذرة

يتجه وزير المالية البريطاني جون هيلي إلى إعلان أول موازنة له هذا الأسبوع بحذر، مع إعطاء الأولوية للاستقرار في سوق السندات، بدلاً من تبنِّي خطوات إنفاق كبيرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«أديس» السعودية تقرّ زيادة رأس المال 100 % بمنحة أسهم للمساهمين

منصة بحرية تابعة لـ«أديس» (الشركة)
منصة بحرية تابعة لـ«أديس» (الشركة)
TT

«أديس» السعودية تقرّ زيادة رأس المال 100 % بمنحة أسهم للمساهمين

منصة بحرية تابعة لـ«أديس» (الشركة)
منصة بحرية تابعة لـ«أديس» (الشركة)

وافقت الجمعية العامة غير العادية لشركة «أديس القابضة» على زيادة رأسمال الشركة بنسبة 100 في المائة، من نحو 1.13 مليار ريال (301.1 مليون دولار) إلى 2.26 مليار ريال (602.2 مليون دولار)، عبر رسملة مبلغ 1.13 مليار ريال (301.1 مليون دولار) من رصيد علاوة إصدار الأسهم، ومنح سهم واحد لكل سهم مملوك.

وأعلنت الشركة، في إفصاح على موقع السوق المالية السعودية، أن الجمعية العامة غير العادية وافقت على توصية مجلس الإدارة خلال اجتماعها المنعقد الأربعاء، بعد اكتمال النصاب القانوني، وبنسبة حضور بلغت 76.75 في المائة.

وتهدف الزيادة، بحسب الشركة، إلى دعم استراتيجية النمو طويلة الأجل، وتعزيز قاعدة رأس المال وتقوية هيكل حقوق الملكية، بما يدعم خطط النمو والتوسع المستقبلية.

وبموجب القرار، سيرتفع عدد الأسهم من نحو 1.13 مليار سهم إلى 2.26 مليار سهم، مع توزيع سهم مجاني واحد عن كل سهم يملكه المساهمون المستحقون للمنحة. وتكون الأحقية للمساهمين المالكين للأسهم بنهاية يوم انعقاد الجمعية العامة غير العادية، والمقيدين في سجل مساهمي الشركة لدى شركة مركز إيداع الأوراق المالية «إيداع» بنهاية ثاني يوم تداول يلي تاريخ الاستحقاق.

وأوضحت الشركة أنه في حال وجود كسور أسهم، فستُجمع في محفظة واحدة لجميع حملة الأسهم وتباع بسعر السوق، ثم توزع قيمتها على المساهمين المستحقين، كل بحسب حصته، خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً من تاريخ تحديد الأسهم الجديدة المستحقة لكل مساهم.

وحظي قرار زيادة رأس المال بموافقة 99.82 في المائة من الأصوات، بينما بلغت نسبة الأصوات غير الموافقة 0.0033 في المائة، والأصوات الممتنعة 0.18 في المائة تقريباً.

كما وافقت الجمعية على تعديل المادتين السابعة والثامنة من النظام الأساسي للشركة، والمتعلقتين برأس المال والاكتتاب بالأسهم، إلى جانب تعديل المادة العشرين المتعلقة بصلاحيات الرئيس ونائبه والعضو المنتدب وأمين السر.

وتأتي هذه الخطوة في إطار تعزيز القاعدة الرأسمالية للشركة ودعم خططها التوسعية، وفقاً للأهداف التي أعلنتها «أديس» في توصية مجلس إدارتها.


إيرادات «الكابلات السعودية» تتراجع نحو 40 % في 9 أشهر والأرباح تهبط 56 %

جناح «الكابلات السعودية» في أحد المعارض بالرياض (حساب الشركة على «إكس»)
جناح «الكابلات السعودية» في أحد المعارض بالرياض (حساب الشركة على «إكس»)
TT

إيرادات «الكابلات السعودية» تتراجع نحو 40 % في 9 أشهر والأرباح تهبط 56 %

جناح «الكابلات السعودية» في أحد المعارض بالرياض (حساب الشركة على «إكس»)
جناح «الكابلات السعودية» في أحد المعارض بالرياض (حساب الشركة على «إكس»)

تراجعت إيرادات شركة «الكابلات السعودية» بنسبة 39.7 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، لتبلغ 68.3 مليون ريال (18.2 مليون دولار)، مقابل 113.3 مليون ريال (30.2 مليون دولار) في الفترة المماثلة من العام الماضي، بينما انخفض صافي الربح بنسبة 56.4 في المائة إلى 44.4 مليون ريال (11.8 مليون دولار)، مقارنة بنحو 101.7 مليون ريال (27.1 مليون دولار) قبل عام.

وأوضحت الشركة، في إفصاح على السوق المالية السعودية، أن تراجع الإيرادات يرتبط بالتحديات المالية ومشكلات السيولة، واستمرار القيود على رأس المال العامل، إلى جانب انخفاض الدفعات المقدمة من العملاء، الأمر الذي أثَّر في قدرتها على تنفيذ الأعمال وتحقيق الإيرادات.

وعلى مستوى الربع الثالث من العام، انخفضت الإيرادات إلى نحو 20 مليون ريال (5.3 مليون دولار)، مقارنة بـ39 مليون ريال (10.4 مليون دولار) في الربع المماثل من عام 2025، بتراجع نسبته 48.8 في المائة.

كما تراجع صافي الربح العائد إلى مساهمي الشركة خلال الربع الثالث إلى 18.3 مليون ريال (4.9 مليون دولار)، مقابل 36.8 مليون ريال (9.8 مليون دولار) في الفترة المقابلة من العام السابق، بانخفاض بلغ نحو 50.3 في المائة.

وعلى صعيد الأداء التشغيلي، سجلت الشركة خسارة تشغيلية بلغت 84 مليون ريال (22.4 مليون دولار) خلال الأشهر التسعة الأولى، مقارنة بخسارة قدرها 75.9 مليون ريال (20.3 مليون دولار) في الفترة نفسها من العام الماضي، بارتفاع نسبته 10.6 في المائة. كما بلغت الخسارة الإجمالية 24 مليون ريال (6.4 مليون دولار)، مقابل 24.9 مليون ريال (6.6 مليون دولار) قبل عام.

وعزت الشركة تراجع الربحية إلى انخفاض الإيرادات وارتفاع إجمالي التكاليف، خصوصاً أسعار المواد الخام، فضلاً عن زيادة المصروفات التشغيلية. وأضافت أن الظروف الجيوسياسية الإقليمية زادت التحديات المرتبطة بالنقل والخدمات اللوجستية، ورفعت الأعباء الصناعية غير المستوعبة في المصنع.

وأشارت الشركة أيضاً إلى تراجع الإيرادات الناتجة عن العقود خلال الربع الثالث مقارنة بالربع السابق، مع انخفاض مستوى الإنجاز في عقود العملاء، بعدما تسلمت الشركة توريدات كابلات لمشروعات خلال الربع الثاني، في حين انخفضت التوريدات خلال الربع الثالث. وفي المقابل، ارتفعت إيرادات الكابلات بنسبة 21 في المائة مقارنة بالربع السابق، ما ساهم جزئياً في الحد من التراجع.

ورغم انخفاض صافي الربح خلال الأشهر التسعة، فإن المركز المالي للشركة لا يزال يواجه تحديات كبيرة؛ إذ بلغت الخسائر المتراكمة 227 مليون ريال (60.5 مليون دولار)، بما يعادل 340 في المائة من رأس المال.

كما تجاوزت المطلوبات المتداولة الأصول المتداولة بنحو 671.4 مليون ريال (179 مليون دولار) في 30 سبتمبر (أيلول) 2026، وفقاً لما أورده تقرير مراجع الحسابات، الذي لفت إلى وجود شك جوهري بشأن قدرة المجموعة على الاستمرار كمنشأة مستمرة والوفاء بالتزاماتها عند استحقاقها.

وفي المقابل، قالت الإدارة إنها أعدت توقعات للعام الحالي تشير إلى تحقيق صافي دخل، مستندة إلى افتراضات تشمل ضخ سيولة من خلال إصدار أدوات حقوق أولوية، ونمو الإيرادات بناءً على طلبات وعروض مستقبلية. غير أن مراجع الحسابات أشار إلى أن هذه الافتراضات تتعلق بأحداث مستقبلية تنطوي على عدم يقين جوهري، مؤكداً عدم تعديل رأيه بشأن القوائم المالية.

ويأتي ذلك في وقت عادت فيه الشركة إلى إجراء إعادة التنظيم المالي، بعد أن أصدرت الدائرة الخامسة بمحكمة الاستئناف في الرياض، في 26 أغسطس (آب) 2026، حكماً بنقض قرار سابق بإنهاء الإجراء ورفض طلب الإنهاء، وفقاً لما ورد في إفصاح الشركة.

وتعكس النتائج استمرار الضغوط على أعمال الشركة، مع تراجع الإيرادات وتفاقم الخسارة التشغيلية، في وقت تعتمد فيه خطط الإدارة لتحسين الوضع المالي على توفير سيولة إضافية واستعادة نمو الأعمال خلال الفترة المقبلة.


«الفيدرالي» يربك سوق السندات الأميركية رغم قوة الاقتصاد

شاشة تعرض مؤتمراً صحافياً لرئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)
شاشة تعرض مؤتمراً صحافياً لرئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

«الفيدرالي» يربك سوق السندات الأميركية رغم قوة الاقتصاد

شاشة تعرض مؤتمراً صحافياً لرئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)
شاشة تعرض مؤتمراً صحافياً لرئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

أبقى مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير كما كان متوقعاً، لكنه لم يبدد مخاوف المستثمرين في سوق السندات بشأن المسار المقبل للسياسة النقدية، في وقت عزز فيه تقييمه لقوة الاقتصاد الأميركي حالة عدم اليقين حيال مدى الحاجة إلى مزيد من التشديد النقدي، وانعكاس ذلك على عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل.

ورفع البنك المركزي تقييمه للنشاط الاقتصادي من «توسع متين» في اجتماعه السابق خلال سبتمبر (أيلول) إلى اقتصاد «قوي»، مشيراً إلى متانة الاستثمار واستمرار نمو الوظائف بوتيرة تواكب نمو القوى العاملة. غير أن هذه الصورة الإيجابية لم توضح للمستثمرين كيف يمكن أن يتراجع التضخم نحو مستهدف البنك البالغ 2 في المائة، وهو ما يمثل أولوية رئيسية لحائزي السندات.

ويثير الجمع بين النمو الاقتصادي القوي واستمرار الضغوط التضخمية مخاوف من أن يواجه مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» صعوبة في خفض الفائدة مستقبلاً، حتى إذا بدأ الاقتصاد في التباطؤ. كما قد يبقي تكاليف الاقتراض الحكومي مرتفعة، في ظل القلق من اتساع العجز المالي الأميركي وتزايد احتياجات الحكومة إلى التمويل.

وارش في مؤتمره الصحافي عقب قرار لجنة السياسة النقدية الإبقاء على سعر الفائدة (أ.ب)

وقال أندرس بيرسون، كبير مسؤولي الاستثمار في الدخل الثابت العالمي لدى شركة «نيفن»، إن استمرار النمو القوي، الذي يتوقعه رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش، قد يؤدي إلى مزيد من التضخم، مما يجعل المخاوف المتعلقة بالعجز المالي وسبل معالجته على المدى الطويل أكثر إلحاحاً.

عوائد السندات طويلة الأجل تحت الضغط

واتسع الفارق بين عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين ونظيرتها لأجل عشر سنوات إلى 34.1 نقطة أساس في أعقاب المؤتمر الصحافي لوارش، بعد أن شهد منحنى العائد اتجاهاً نحو التسطح خلال الأسابيع الماضية. ويعكس هذا التحرك ارتفاع العوائد طويلة الأجل بوتيرة أكبر، في إشارة إلى تزايد الضغوط على السندات ذات آجال الاستحقاق الأطول.

وجاء هذا التحرك وسط تفسيرات متباينة لرسائل رئيس «الاحتياطي الفيدرالي». فمن جهة، لم يقدم وارش التزاماً واضحاً بشأن الخطوة التالية للسياسة النقدية، وهو ما حدّ من بعض الرهانات على رفع الفائدة. كما أشار إلى أن الزيادة الأخيرة في أسعار الفائدة بدأت تؤتي أثرها، وأن الأوضاع المالية شرعت في التشدد.

لكن ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل يسلط الضوء على التوتر بين نهج البنك المركزي الذي يفضل انتظار مزيد من الأدلة قبل تعديل السياسة النقدية، وبين مخاوف المستثمرين من استمرار التضخم والمخاطر المرتبطة بالاحتفاظ بالديون الحكومية طويلة الأجل.

وقال بايرون أندرسون، رئيس الدخل الثابت لدى «لافر تينغلر للاستثمارات»، إن عمليات بيع السندات تعكس اعتقاداً بأن قدرة «الاحتياطي الفيدرالي» على رفع الفائدة كثيراً تظل محدودة، خشية أن يؤدي ذلك إلى ظهور مشكلات في أجزاء أخرى من الاقتصاد أو الأسواق.

وأضاف فيل بلانكاتو، كبير استراتيجيي الأسواق لدى شركة «أوسايك» لإدارة الثروات، أن المستثمرين ينبغي أن يستعدوا لبقاء أسعار الفائدة مرتفعة، في ظل تركيز «الاحتياطي الفيدرالي» على إعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2 في المائة.

وتعرضت عوائد سندات الخزانة للارتفاع عبر معظم آجال الاستحقاق، بدءاً من الآجال المتوسطة بين خمس وسبع سنوات وصولاً إلى الآجال الأطول، التي واجهت ضغوطاً ملحوظة. ولا يرتبط هذا الاتجاه فقط بتوقعات قرارات الفائدة المقبلة، بل يتصل أيضاً بمخاوف أوسع بشأن التضخم والمسار المالي للحكومة الأميركية.

فالمستثمرون في السندات لأجل عشر سنوات وثلاثين سنة أكثر تعرضاً للتغيرات في توقعات التضخم وأسعار الفائدة على المدى الطويل. وعندما تزداد حالة عدم اليقين، قد يطالب هؤلاء بعائد إضافي لتعويض مخاطر الاحتفاظ بالسندات لفترات طويلة، مما يدفع العوائد إلى الارتفاع والأسعار إلى التراجع.

وقد ترتفع أيضاً «علاوة الأجل»، وهي التعويض الإضافي الذي يطلبه المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل، إذا تراجعت ثقتهم في استقرار التضخم على المدى البعيد أو زادت مخاوفهم من احتياجات الحكومة إلى الاقتراض، حتى من دون تغير مماثل في توقعات سعر الفائدة الذي يحدده «الاحتياطي الفيدرالي».

وفي هذا السياق، رأى بيرسون أن الضغوط المرتبطة بالآفاق المالية للحكومة الأميركية هي المحرك الأساسي لارتفاع العوائد في الطرف الطويل من منحنى العائد.

وارش في مؤتمره الصحافي عقب قرار لجنة السياسة النقدية الإبقاء على سعر الفائدة (رويترز)

شكوك بشأن تقييم قوة الاقتصاد

ولم يقتصر الجدل على تداعيات قرار الفائدة، بل امتد إلى تقييم «الاحتياطي الفيدرالي» نفسه للاقتصاد. فقد شكك بعض المشاركين في الأسواق في مدى اتساع نطاق القوة الاقتصادية التي أشار إليها البنك المركزي، في ظل مؤشرات على فقدان النمو بعض زخمه.

وقال برايان جاكوبسن، كبير الاقتصاديين الاستراتيجيين لدى «أنكس ويلث مانجمنت»، إن متوسط مكاسب الوظائف الأسبوعية الذي تنشره شركة «إيه دي بي» كان يتجه صعوداً بين اجتماعي يوليو (تموز) وسبتمبر، لكنه بدأ التراجع منذ ذلك الحين. كما أشار إلى أن توقعات الناتج المحلي الإجمالي الصادرة عن بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في أتلانتا انتقلت من نمو شديد القوة إلى وتيرة أكثر اعتدالاً.

من جهته، قال أندرو هولنهورست، كبير الاقتصاديين الأميركيين لدى «سيتي غروب»، إن وارش بالغ في تقدير اتساع نطاق القوة في الاقتصاد الأميركي، مما قد يجعل عتبة المفاجآت السلبية التي تدفع إلى مراجعة التوقعات منخفضة نسبياً.

ويزيد هذا التباين من صعوبة قراءة مسار السياسة النقدية. فضعف البيانات الاقتصادية قد يؤثر في عوائد السندات قصيرة الأجل، الأكثر حساسية لتوقعات قرارات الفائدة، بينما تعكس الضغوط على السندات طويلة الأجل مزيجاً أوسع من المخاوف بشأن التضخم والعجز المالي وحجم التعويض الذي يطلبه المستثمرون مقابل مخاطر الاحتفاظ بالديون الحكومية.

وفي الوقت نفسه، تسعّر الأسواق المالية احتمال رفع أسعار الفائدة مجدداً في ديسمبر (كانون الأول)، بينما تزيد التوقعات بإمكان تنفيذ زيادات إضافية خلال العام المقبل من الغموض بشأن اتجاه السياسة النقدية الأميركية.