شركات الأسمنت السعودية بين مكاسب الاستثمارات ورهان الطلب

293 مليون دولار أرباح القطاع في 6 أشهر

مصنع شركة «الأسمنت السعودية» (المركز الإعلامي لشركة الأسمنت السعودية)
مصنع شركة «الأسمنت السعودية» (المركز الإعلامي لشركة الأسمنت السعودية)
TT

شركات الأسمنت السعودية بين مكاسب الاستثمارات ورهان الطلب

مصنع شركة «الأسمنت السعودية» (المركز الإعلامي لشركة الأسمنت السعودية)
مصنع شركة «الأسمنت السعودية» (المركز الإعلامي لشركة الأسمنت السعودية)

أظهرت النتائج المالية لشركات الأسمنت السعودية المدرجة خلال النصف الأول من 2026 قدرة القطاع على الحفاظ على مستويات ربحية مرتفعة، رغم التفاوت الواضح بين الشركات واختلاف مصادر النمو من شركة إلى أخرى.

وبلغ صافي أرباح الشركات المدرجة نحو 1.1 مليار ريال (293.9 مليون دولار)، بانخفاض محدود بلغ 2.4 في المائة عن الفترة المماثلة من العام الماضي، في حين سجل القطاع نمواً في أرباح الربع الثاني.

وتكشف قراءة النتائج عن أن الصورة لا تتعلق بمبيعات الأسمنت والكلنكر وحدها؛ إذ أسهمت إيرادات الاستثمارات ومكاسب إعادة تقييم بعض الأصول والتصرف في أصول غير مستغلة، إلى جانب ضبط المصروفات وتكاليف التمويل، في دعم أرباح عدد من الشركات. وفي المقابل، أظهرت نتائج الشركات ذات الانتشار الجغرافي الأبعد عن مراكز الطلب الكبرى ضغوطاً أكبر، بفعل تكاليف النقل والخدمات اللوجستية وأعباء التمويل والطاقة الإنتاجية الفائضة.

وبينما واصلت الشركات الكبرى، وفي مقدمتها «أسمنت اليمامة» و«أسمنت السعودية» و«أسمنت الشرقية»، قيادة أرباح القطاع، تطرح النتائج سؤالاً أكثر أهمية للفترة المقبلة: إلى أي مدى تعكس هذه الأرباح تحسناً مستداماً في النشاط التشغيلي، وإلى أي حد استفادت من بنود استثمارية وغير متكررة؟

في التفاصيل، حققت 13 شركة عاملة في القطاع أرباحاً خلال النصف الأول، حيث جاءت «أسمنت اليمامة» في صدارة أعلى الأرباح، خلال النصف بصافي ربح بلغ 265.39 مليون ريال، مقابل 263.08 مليون ريال، في الفترة المماثلة من 2025، بنمو طفيف 0.88 في المائة.

وحلّت «أسمنت السعودية» في المرتبة الثانية من حيث الأرباح، بصافي ربح بلغ 202.2 مليون ريال خلال النصف الأول، مقابل 204 ملايين ريال في الفترة المماثلة من العام السابق، بتراجع طفيف 0.88 في المائة. كما جاءت «أسمنت الشرقية» في المرتبة الثالثة، بعدما حققت نمواً نسبياً في صافي أرباحها 12.8 في المائة إلى 141 مليون ريال، مقابل 125 مليون ريال في النصف الأول من 2025.

وعلى مستوى الربع الثاني، سجلت شركات القطاع صافي أرباح بلغ نحو 135.7 مليون دولار (508.7 مليون ريال)، بنمو قدره 2.27 في المائة، مقارنة بأرباحها خلال الربع المماثل من 2025 والتي ربحت فيه نحو 132.6 مليون دولار (497.4 مليون ريال)، وأعلنت 9 شركات عن نمو صافي الأرباح بالربع الثاني من 2026، في حين تراجعت الأرباح الصافية لـ7 شركات، وعمَّقت «أسمنت الجوف» صافي خسائرها خلال الربع ذاته.

وفي تعليق على النتائج المالية، يرى الرئيس التنفيذي لشركة «جي وورلد»، محمد حمدي عمر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن النتائج المالية لشركات الأسمنت السعودية المدرجة خلال النصف الأول، تقدم قراءة مزدوجة لواقع القطاع؛ ففي حين تثبت الرقمية الإجمالية مرونة المصدات المالية وقدرة الشركات القيادية على التكيف، فإنها تكشف في الوقت ذاته عن تفاوت تشغيلي وهيكلي واسع بين مكونات القطاع.

وحدّد عمر أربعة عوامل رئيسية دعمت أرباح شركات الأسمنت خلال النصف الأول، في مقدمتها مساهمة البنود غير التشغيلية، موضحاً أن مبيعات الأسمنت والكلنكر لم تكن المحرك الوحيد للربحية؛ إذ أسهمت مكاسب إعادة تقييم الاستثمارات بالقيمة العادلة، إلى جانب الأرباح الرأسمالية الناتجة من التصرف في بعض الأصول غير المستغلة، في دعم النتائج.

وأشار إلى أن «أسمنت اليمامة» تمثل أحد أبرز الأمثلة على ذلك، بعدما استفادت من بيع ملحقات خطوط إنتاج المصنع القديم، إلى جانب إيرادات الاستثمارات.

وأضاف أن كفاءة الإنفاق وإدارة تكاليف التمويل أسهمتا أيضاً في دعم الشركات الكبرى؛ إذ نجحت شركات مثل «أسمنت السعودية» و«أسمنت الشرقية» في ترشيد مصاريف البيع والتوزيع والسيطرة على تكاليف التمويل؛ ما ساعد على الحد من الضغوط على هوامش الربحية.

كما استفادت الشركات المتمركزة في منطقتي الرياض والشرقية من قربها من مراكز الطلب والمشروعات الكبرى، وفق عمر، الذي يرى أن تسارع تنفيذ مشروعات البنية التحتية والتوسع العمراني وفّر لهذه الشركات أحجاماً تشغيلية تساعدها على امتصاص تقلبات التكاليف بصورة أفضل.

مصنع شركة «أسمنت الرياض» (المركز الإعلامي للشركة)

فجوة أداء بين الشركات

في المقابل، تكشف نتائج الشركات الواقعة بعيداً عن مراكز الطلب الرئيسية، عن تحديات تشغيلية ولوجستية أكبر، حسب عمر، الذي يشير إلى تراجع أرباح «أسمنت تبوك» بنحو 96.4 في المائة، إلى جانب تعمق خسائر «أسمنت الجوف».

ويعزو ذلك إلى ارتفاع تكاليف النقل والخدمات اللوجستية، إضافة إلى زيادة أعباء التمويل وخدمة الدين لدى الشركات ذات المديونية المرتفعة أو الهياكل التمويلية القائمة على الإيجار.

ويقول عمر إن هذه الفجوة تبرز أهمية الموقع الجغرافي وحجم الشركة في تحديد قدرتها على المنافسة، خصوصاً في سوق تتسم بوجود طاقة إنتاجية فائضة وتفاوت في مستويات الطلب بين المناطق.

من الأرباح الاستثمارية إلى التشغيلية

ويرى عمر أن قطاع الأسمنت يقف أمام مفترق طرق في الفترة المقبلة، مع ضرورة التمييز بين الأرباح الناتجة من بنود استثمارية أو رأسمالية وبين النمو التشغيلي المستدام.

ويحذّر من أن الاعتماد على بيع الأصول أو إعادة تقييم المحافظ الاستثمارية لدعم الأرباح يمثل مساراً مؤقتاً لا يضمن استدامة النمو، مشيراً إلى أن الرهان الحقيقي سيكون على تعافي الطلب المحلي وتحسن متوسط أسعار بيع الطن.

كما يتوقع أن يسهم انخفاض أسعار الفائدة في تخفيف أعباء خدمة الدين لدى الشركات المقترضة، بما قد يحسّن هوامشها الصافية ويوفر سيولة أكبر لإعادة التأهيل والتوسع.

وفي ظل اتساع الفجوة بين أداء الشركات الكبرى والصغرى، يرى عمر أن الاندماجات والاستحواذات قد تتحول خياراً استراتيجياً أكثر إلحاحاً في القطاع، بما يساعد الشركات على تعزيز قدرتها التسعيرية وخفض المصروفات الإدارية والعمومية، فضلاً عن التعامل مع مشكلة الطاقة الإنتاجية الفائضة.

ويختم عمر قائلاً إن قدرة الشركات على تصريف الفوائض الإنتاجية في الأسواق الإقليمية المجاورة ستظل عاملاً حاسماً في النصف الثاني من العام، إلى جانب تكاليف الطاقة وكفاءة استخدام اللقيم.


مقالات ذات صلة

استثمارات التقنية المالية في السعودية تتجاوز 8 مليارات دولار

الاقتصاد محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (الشرق الأوسط)

استثمارات التقنية المالية في السعودية تتجاوز 8 مليارات دولار

كشف محافظ البنك المركزي السعودي (ساما)، أيمن السياري، عن ارتفاع عدد شركات التقنية المالية العاملة في السعودية إلى 371 شركة بنهاية أغسطس (آب) الماضي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص تدفع متطلبات السيادة على البيانات والامتثال قطاعات منظمة إلى تبني نماذج ذكاء اصطناعي هجينة وخاصة وفق طبيعة المعلومات والأحمال (أدوبي)

خاص المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي في السعودية: معلومات موثوقة وحوكمة أوسع

توسّع استخدام الذكاء الاصطناعي في السعودية يرفع أهمية المعلومات الموثوقة والحوكمة والسيادة على البيانات لتحويل الاستثمار إلى قيمة مؤسسية.

نسيم رمضان (الرياض)
خاص ترى «إنتل» أن المرحلة المقبلة في السعودية ستُقاس بقدرة السوق على تحويل الحوسبة المتقدمة إلى تطبيقات ذات قيمة اقتصادية فعلية (أدوبي)

خاص «إنتل» لـ«الشرق الأوسط»: التحدي المقبل في السعودية ليس الحوسبة بل تحويلها إلى قيمة اقتصادية

ترى «إنتل» أن المرحلة المقبلة في السعودية ستُقاس بتحويل القدرة الحاسوبية إلى تطبيقات تجارية، وكفاءات محلية، وبنية تقنية قابلة للتصدير.

نسيم رمضان (الرياض)
الخليج أكد «الدفاع المدني» أهمية استقاء المعلومات من القنوات الرسمية والالتزام بالتعليمات الصادرة عن الجهات المختصة (واس)

السعودية تعلن «زوال الخطر» في 7 مدن بعد إطلاق الإنذار المبكر

أعلن الدفاع المدني السعودي، الثلاثاء، زوال الخطر في جدة وينبع والطائف وأبها وجازان والعلا ومكة، بعد إطلاق الإنذار عبر المنصة الوطنية للإنذار المبكر في حالات الطوارئ.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج اللواء الركن تركي المالكي المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن (الشرق الأوسط)

التحالف: إصابة 13 مدنياً وتضرر 7 منازل ومركبتين باعتداءات حوثية على السعودية

أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن إصابة 13 مدنياً بإصابات بسيطة ومتوسطة، وتضرر 7 منازل سكنية ومركبتين، نتيجة اعتداءات ميليشيا الحوثي الإرهابية على مدن سعودية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الرهانات تزداد على رفع الفائدة الهندية في أكتوبر

رجل يمر أمام شعار بنك الاحتياطي الهندي خارج مقره في مومباي (رويترز)
رجل يمر أمام شعار بنك الاحتياطي الهندي خارج مقره في مومباي (رويترز)
TT

الرهانات تزداد على رفع الفائدة الهندية في أكتوبر

رجل يمر أمام شعار بنك الاحتياطي الهندي خارج مقره في مومباي (رويترز)
رجل يمر أمام شعار بنك الاحتياطي الهندي خارج مقره في مومباي (رويترز)

يراهن المتعاملون بشكل متزايد على رفع بنك الاحتياطي الهندي أسعار الفائدة في أكتوبر (تشرين الأول)، مع ارتفاع أسعار النفط واتساع نطاق التضخم، ما يعزز مبررات تشديد السياسة النقدية، بينما يضيف رفع متوقع للفائدة الأميركية ضغوطاً إضافية، وفقاً لأربعة متعاملين.

وارتفع سعر مبادلة مؤشر الليلة الواحدة لأجل عام، يوم الثلاثاء، 8 نقاط أساس إلى 6.11 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ أوائل يونيو (حزيران)، بينما قفز سعر المبادلة لأجل 5 سنوات 11 نقطة أساس إلى 6.68 في المائة، وفق «رويترز».

وقال المتعاملون إن مبادلات مؤشر الليلة الواحدة لأجل عام تسعِّر ما لا يقل عن 3 زيادات بمقدار 25 نقطة أساس في أسعار الفائدة خلال العام المقبل. كما ارتفع سعر المبادلة لأجل شهر، الأقل تداولاً والأكثر مباشرة في قياس توقعات الفائدة في أكتوبر، 10 نقاط أساس إلى 5.34 في المائة.

ويشير سعر المبادلة لأجل شهر عند 5.34 في المائة إلى احتمال ملموس لرفع الفائدة 25 نقطة أساس، إلا أن هذه التسعيرات تقلل من حجم الاحتمالات الفعلية، نظراً إلى أن أسعار الفائدة لليلة واحدة تتحرك دون سعر إعادة الشراء وسط وفرة في السيولة، حسب المتعاملين.

اجتماع أكتوبر «مطروح بقوة»

وقال المتعاملون الأربعة الذين رفضوا الكشف عن هوياتهم، إن رفع بنك الاحتياطي الهندي أسعار الفائدة في أكتوبر بات شبه مؤكد، بينما قدَّم بعض الاقتصاديين توقعاتهم بالرفع إلى اجتماع البنك المقرر في 7 أكتوبر.

وقال محلل في «سيتي» في مذكرة يوم الاثنين، إن رفع الفائدة في أكتوبر «أصبح الآن السيناريو الأساسي»، مقدماً توقعاته من ديسمبر (كانون الأول)، في ظل تراجع ملاءمة آفاق التضخم.

وأضاف أن التضخم الأساسي في الهند شهد تسارعاً حاداً؛ إذ جاءت قراءة أغسطس (آب) عند أكثر من ضعف متوسطها خلال العامين الماضيين، ما يثير مخاوف من تنامي الضغوط التضخمية الناجمة عن الطلب.

ويتوقع «سيتي» ارتفاع التضخم في سبتمبر (أيلول) إلى 5.7 في المائة، مقترباً من الحد الأعلى البالغ 6 في المائة لنطاق التضخم الذي يسمح به بنك الاحتياطي الهندي، ما يجعل من الصعب -وفقاً لتقديره- على البنك المركزي إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير.

واتخذ «دويتشه بنك» خطوة مماثلة؛ إذ قدَّم توقعه لرفع الفائدة إلى أكتوبر بدلاً من ديسمبر. وأشار إلى تسارع التضخم العام صوب 5 في المائة واتساع نطاق التضخم الأساسي، إلى جانب قوة بيانات الناتج المحلي الإجمالي في الفترة من أبريل (نيسان) إلى يونيو، وذلك في وقت تقترب فيه دورة رفع الفائدة الأميركية.

وتسعِّر الأسواق حالياً احتمالاً يتجاوز 90 في المائة لرفع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي أسعار الفائدة 25 نقطة أساس يوم الأربعاء، بينما تبلغ توقعات رفع آخر بحلول ديسمبر نحو 50 في المائة.

ضغوط النفط

يعزز خطر استمرار ضغوط أسعار الطاقة الرهانات على حاجة بنك الاحتياطي الهندي إلى رفع الفائدة في وقت أقرب.

وارتفع خام برنت بأكثر من 18 في المائة خلال الأسبوعين الماضيين، ليلامس نحو 110 دولارات للبرميل يوم الاثنين.

ولم يستجب بنك الاحتياطي الهندي حتى الآن لصدمة ارتفاع أسعار النفط برفع الفائدة، على خلاف اقتصادات آسيوية أخرى تتأثر بأسعار النفط وشرعت بالفعل في تشديد سياستها النقدية.

ورفع بنك إندونيسيا سعر الفائدة الأساسي 50 نقطة أساس في مايو (أيار)، ثم 25 نقطة أساس أخرى في يونيو، بينما رفعت الفلبين أسعار الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس منذ يونيو.

وقال «دويتشه بنك» إن فروق أسعار الفائدة النسبية قد تصبح أكثر أهمية في الحفاظ على تدفقات رؤوس الأموال إلى الهند، وهو ما يشكِّل سبباً إضافياً لرفع بنك الاحتياطي الهندي أسعار الفائدة.


استثمارات التقنية المالية في السعودية تتجاوز 8 مليارات دولار

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (الشرق الأوسط)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (الشرق الأوسط)
TT

استثمارات التقنية المالية في السعودية تتجاوز 8 مليارات دولار

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (الشرق الأوسط)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (الشرق الأوسط)

كشف محافظ البنك المركزي السعودي (ساما)، أيمن السياري، عن ارتفاع عدد شركات التقنية المالية العاملة في السعودية إلى 371 شركة بنهاية أغسطس (آب) الماضي، في وقت تجاوزت فيه الاستثمارات التراكمية في القطاع 30 مليار ريال (8 مليارات دولار) بنهاية النصف الأول من العام الحالي.

وقال السياري، خلال كلمته في مؤتمر «موني 20/20 الشرق الأوسط» المنعقد في الرياض، إن قطاع التقنية المالية شهد خلال الأشهر الـ12 الماضية «نمواً استثنائياً»، مع تطور وتوسع ملحوظ في الأنشطة والحلول الابتكارية.

وأضاف أن المدفوعات الإلكترونية واصلت الانتشار في السعودية، لتصل حصتها إلى 85 في المائة من إجمالي عمليات الدفع المنفَّذة في قطاع التجزئة بنهاية 2025.

الخدمات المصرفية المفتوحة

وأشار محافظ «ساما» إلى أن الخدمات المصرفية المفتوحة حقَّقت «تطوراً نوعياً» بانتقالها من البيئة التجريبية التشريعية إلى مرحلة الترخيص، لافتاً إلى أن عدد مستخدمي هذه الخدمات النشطين تجاوز 337 ألف مستخدم.

وأوضح أن الاستثمارات التراكمية في قطاع التقنية المالية، عبر رأس المال الجريء والتمويل الاستراتيجي، تجاوزت 30 مليار ريال بنهاية النصف الأول من 2026، متوقعاً تنامي هذه الاستثمارات خلال المرحلة المقبلة.

ولفت السياري إلى أنه سيتم الإعلان عن حدثين بعد كلمته؛ أحدهما على المستوى الخليجي، والآخر يتعلق باستثمار كبير في قطاع التقنية المالية في السعودية.

بنية تحتية للابتكار

وأكد محافظ «ساما» أن النجاحات التي حقَّقها قطاع التقنية المالية جاءت نتيجة «تعاون تنظيمي وتنسيقي متكامل» يهدف إلى تمكين الابتكار، مستنداً إلى إطار عمل يجمع بين مسارات الترخيص المتخصصة وأدوات الرقابة وبنية تحتية مشتركة.

وبحسب السياري فإن هذا النهج أسهم في تذليل عقبات الدخول إلى السوق ومعالجة تحديات القطاع، مع المحافظة على الاستقرار المالي، مؤكداً التزام البنك المركزي بتحفيز المبتكرين ودعم نماذج الأعمال المبتكرة في المنظومة المحلية.

وواصل أن السعودية حافظت، في ظل تصاعد حالة عدم اليقين عالمياً، على متانة اقتصادها وتماسكه، مشيراً إلى أن البيئة التنظيمية المستقرة والمتقدمة والاستشرافية، أسهمت في الحفاظ على ثقة المستثمرين بالمملكة بوصفها وجهة آمنة وجاذبة ومستعدة للنمو.

وذكر أن «ساما» ركز خلال العام الماضي على إنشاء وتطوير بنية تحتية مشتركة ومتاحة للجميع، وتسريع طرح المنتجات والخدمات الجديدة في الأسواق، إلى جانب الحفاظ على استقرار النظام المالي وشموليته.

العملات المستقرة

وتحدث السياري عن تعزيز البنك المركزي تعاونه مع الجهات التنظيمية العالمية النظيرة بشأن العملات المستقرة والأصول الافتراضية؛ بهدف تقييم المخاطر وتطوير الضمانات اللازمة، موضحاً أن هذا التعاون يستهدف ضمان بقاء السعودية «طرفاً مسؤولاً ومتوازناً» في أسواق هذه الأصول.

وأكمل أن التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة تقود القطاع المالي إلى «عصر مالي جديد» يرتكز على أدوات الذكاء الاصطناعي والتدفق اللحظي للبيانات والمعاملات العابرة للحدود.

وشدد على أن هذه التطورات تتطلب قدراً من العناية والحذر، موضحاً أن التقدم لا ينبغي أن يقاس فقط بسرعته أو حجمه، وإنما أيضاً بمستوى الثقة التي يجري بناؤها، والحفاظ عليها في النظام المالي المستقبلي.

«برق» تغلق جولة استثمارية (سيريس إيه) بقيمة 329.5 مليون دولار (الشرق الأوسط)

اتفاقات جديدة

ودعا الجهات التنظيمية ورواد القطاع إلى العمل على إنشاء أطر عمل مرنة تعزِّز الابتكار، مع ضمان الاستقرار، مؤكداً التزام «ساما» بدعم الاستقرار المالي وتعزيز الثقة بالنظام المالي بالتعاون مع الجهات التنظيمية والقطاع المالي.

وأُعلن خلال المؤتمر عن بدء قبول عمليات بطاقات «مدى» و«هميان» بين السعودية وقطر، في خطوة تستهدف تعزيز تكامل أنظمة المدفوعات في المنطقة، بما يتيح لحاملي البطاقات الوطنية استخدام بطاقات الدفع بسهولة وموثوقية بين البلدين.

وفي إعلان ثانٍ، كُشف عن إغلاق شركة «برق» جولة استثمارية من الفئة «C» بقيمة 329.5 مليون دولار، في واحدة من جولات التمويل الكبيرة في قطاع التقنية المالية السعودي.


خبير دولي لـ«الشرق الأوسط»: المدفوعات العابرة للحدود أمام مرحلة جديدة

أجهزة صرّاف آلي في واشنطن (رويترز)
أجهزة صرّاف آلي في واشنطن (رويترز)
TT

خبير دولي لـ«الشرق الأوسط»: المدفوعات العابرة للحدود أمام مرحلة جديدة

أجهزة صرّاف آلي في واشنطن (رويترز)
أجهزة صرّاف آلي في واشنطن (رويترز)

قطعت المدفوعات العابرة للحدود شوطاً كبيراً في سرعة تنفيذ التحويلات، إلا أن البنية التحتية التي تقوم عليها لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالتكلفة، وتعدُّد الوسطاء، واختلاف الأنظمة ومتطلبات السيولة، ما يحدُّ من الاستفادة الكاملة من التطور الرقمي في هذا المجال.

ويقول رامانا كومار، رئيس منظومة العملات المستقرة في مؤسسة «إيه دي آي»، إن إرسال الأموال من محفظة رقمية قد يستغرق لحظات، لكن عملية التسوية تظل أكثر تعقيداً، نتيجة تعدُّد الأطراف، واختلاف ساعات العمل، ومتطلبات السيولة، والحاجة إلى مطابقة المعاملات بين الأنظمة في الدول المختلفة.

رامانا كومار رئيس منظومة العملات المستقرة في مؤسسة «إيه دي آي» (الشرق الأوسط)

وأوضح كومار، في حديث لـ«الشرق الأوسط» على هامش مشاركته في النسخة الثانية من مؤتمر «موني 20/20 الشرق الأوسط» في الرياض، أن التحدي لا يتمثل بالضرورة في بناء بنية تحتية جديدة، بقدر ما يكمن في تعزيز الترابط والتكامل بين البنى القائمة والناشئة، عادّاً أن العملات المستقرة يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في هذا التحول.

وتبرز التكلفة بوصفها أحد أبرز التحديات التي تواجه المدفوعات العابرة للحدود؛ إذ تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن متوسط تكلفة إرسال الحوالات المالية عالمياً يتجاوز 6 في المائة من قيمتها، أي أكثر من ضعف المستوى المستهدف ضمن أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، البالغ أقل من 3 في المائة.

ويرى كومار أن المرحلة المقبلة ستتجاوز المفاضلة بين الأنظمة التقليدية والرقمية، لتتركز على مدى قدرة البنوك ومزودي خدمات الدفع والجهات التنظيمية والبنى الرقمية المختلفة على العمل معاً بأمان وكفاءة، ضمن أطر واضحة تضمن الثقة والاستدامة.

التكلفة... تحدٍّ مستمر

قال كومار إن التكلفة لا تزال أحد أبرز التحديات التي تواجه المدفوعات العابرة للحدود، مشيراً إلى أن ارتفاعها يفرض أعباء اقتصادية مباشرة على الأفراد والمنشآت الصغيرة والمتوسطة والشركات العاملة في الأسواق الناشئة.

وأضاف أن الحل لا يكمن بالضرورة في إنشاء بنية تحتية جديدة للمدفوعات، وإنما في تعزيز الترابط والتكامل بين البنى التحتية القائمة والناشئة، بما يسمح للأنظمة المختلفة بالعمل معاً بصورة أكثر كفاءة.

العملات المستقرة تدخل مرحلة جديدة

وأوضح أن العملات المستقرة يمكن أن تؤدي دوراً مهماً ضمن هذه المنظومة، لكن قيمتها لا تقتصر على تمثيل الأموال في صورة رموز رقمية، وإنما تمتد إلى إتاحة تسويات قابلة للبرمجة، يمكن دمجها مع البنوك ومزودي خدمات الدفع وأنظمة الدفع الفوري القائمة.

وتبرز، في المدى القريب، فرص لاستخدام العملات المستقرة في تسوية المدفوعات العابرة للحدود وإدارة الخزينة والمعاملات التجارية، خصوصاً في العمليات التي تتعدد فيها الأطراف وتحتاج إلى مطابقة المعاملات والبيانات بين أنظمة مختلفة.

لكن كومار يرى أن اعتماد هذه الحلول على نطاق مؤسسي يتطلب أكثر من السرعة. فالبنوك والجهات التنظيمية تحتاج إلى وضوح بشأن الاحتياطات والاسترداد والحفظ والامتثال والحوكمة والمرونة التشغيلية.

وقال إن التشريعات والأطر التنظيمية «لا تأتي بعد الابتكار، بل توفِّر له الأساس الذي يحتاج إليه للنمو والتَّوسُّع»، مشيراً إلى أنَّ الثقة والوضوح التنظيمي سيكونان عاملَين حاسمَين في توسيع نطاق استخدام هذه الحلول.

من المدفوعات إلى التجارة

ويرى كومار أن التحدي التالي يتمثل في توسيع نطاق استخدام هذه الحلول وربطها بحركة التجارة بين الأسواق، بحيث لا تقتصر الاستفادة من البنية الرقمية على تسريع تحويل الأموال، وإنما تمتد إلى تسهيل دورة التجارة بكاملها.

وفي هذا السياق، أشار إلى تجربة مؤسسة «إيه دي آي» من خلال شراكتها مع أمانة منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، لتطوير بنية رقمية للتجارة بقيادة أفريقية، تجمع بين أنظمة مترابطة للمدفوعات والتسوية، وبيانات اعتماد تجارية موثوقة، ووثائق التجارة الرقمية.

وأوضح أن البرنامج يستهدف سوقاً تضم نحو 1.4 مليار نسمة، ومن المقرر أن يبدأ تطبيقه في عدد من الممرات التجارية اعتباراً من أواخر 2026.

التكامل يتقدم على المنافسة التقنية

وتوقع كومار أن يتراجع تدريجياً خلال الأعوام المقبلة التمييز بين البنية التقليدية والرقمية للمدفوعات، مع تحول التركيز إلى قدرة الأنظمة المختلفة على العمل معاً بأمان وكفاءة، وضمن أطر تنظيمية واضحة.

وقال إن مستقبل المدفوعات العابرة للحدود لن يتحدَّد بتفوق تقنية على أخرى، وإنما بقدرة المنظومة كلها على التكامل بين البنوك والجهات التنظيمية ومزودي خدمات الدفع والبنى الرقمية.

وأضاف أن نجاح هذا التحول سيُقاس بمدى القدرة على جعل المعاملات أكثر سلاسة وكفاءة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مستويات الثقة التي تقوم عليها المنظومة المالية.