قلق في الأسواق بعد دعوات قادة الذكاء الاصطناعي إلى إبطاء وتيرة التطوير

شعار «أوبن إيه آي» وعبارة «الذكاء الاصطناعي» (رويترز)
شعار «أوبن إيه آي» وعبارة «الذكاء الاصطناعي» (رويترز)
TT

قلق في الأسواق بعد دعوات قادة الذكاء الاصطناعي إلى إبطاء وتيرة التطوير

شعار «أوبن إيه آي» وعبارة «الذكاء الاصطناعي» (رويترز)
شعار «أوبن إيه آي» وعبارة «الذكاء الاصطناعي» (رويترز)

يبدي المستثمرون قدراً متزايداً من الحذر تجاه موجة الصعود التي قادها الذكاء الاصطناعي في أسواق الأسهم، بعدما دعا عدد من قادة القطاع إلى كبح وتيرة تطوير هذه التكنولوجيا، رغم أن بعض المراقبين يرون أن وضع ضوابط تنظيمية قد يصب في نهاية المطاف في مصلحة الصناعة.

وجاءت هذه المخاوف بعد سلسلة من التحذيرات التي تناولت المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي على البشرية، أعقبتها خلال عطلة نهاية الأسبوع دعوات من شخصيات بارزة في القطاع، من بينهم الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريو أمودي، لإبطاء وتيرة التطور، وإتاحة مزيد من الوقت لمعالجة المخاطر المرتبطة بهذه التقنية، وفق «رويترز».

وقد أدى الإنفاق الضخم لشركات التكنولوجيا العملاقة على بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إلى دعم أسهم عدد كبير من الشركات، وأسهم في تضاعف مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» أكثر من مرتين منذ انطلاق السوق الصاعدة في أكتوبر (تشرين الأول) 2022. إلا أن المستثمرين يراقبون عن كثب أي مؤشرات على احتمال تباطؤ هذا الإنفاق، الذي يُتوقع أن يقترب من 800 مليار دولار في عام 2026.

وقال تشاك كارلسون، الرئيس التنفيذي لشركة «هورايزون إنفستمنت سيرفيسز» في ولاية إنديانا: «ستصبح المسألة مقلقة إذا بدأنا نرى إلغاء للطلبات، أو توقفاً لمشاريع بناء مراكز البيانات. ما أحتاج إليه هو أدلة ملموسة على وجود تباطؤ فعلي، وليس مجرد أحاديث، أو توقعات».

وأضاف أن أي توقف قسري في نشاط شركتي «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك»، وهما من أبرز مطوري الذكاء الاصطناعي، قد يثير تساؤلات حول تقييماتهما السوقية، خصوصاً مع التوقعات بطرحهما أسهماً للاكتتاب العام مستقبلاً. وأوضح أن المساهمين سيطالبون هذه الشركات بمواصلة تحقيق النمو بمجرد تحولها إلى شركات مدرجة في الأسواق.

أسهم البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تحت الضغط

حقق مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» مكاسب تجاوزت 11 في المائة منذ بداية العام، مدعوماً بنمو أرباح الشركات الناتج عن موجة الإنفاق المكثف خلال السنوات الأخيرة.

وتتوقع مؤسسة «بنك أوف أميركا غلوبال ريسيرش» أن تنفق شركات التكنولوجيا العملاقة -مثل «مايكروسوفت»، و«ألفابت»، و«أمازون»، و«ميتا»، و«أوراكل»- نحو 795 مليار دولار على النفقات الرأسمالية هذا العام، لترتفع إلى ما يقارب 1.08 تريليون دولار بحلول عام 2027.

ويذهب جزء كبير من هذه الاستثمارات إلى شركات أشباه الموصلات التي شهدت أسهمها وأرباحها ارتفاعات قوية هذا العام، لكنها كانت الأكثر تضرراً من موجة البيع يوم الاثنين. ورغم ذلك، لا يزال مؤشر «فيلادلفيا» لأشباه الموصلات مرتفعاً بنحو 60 في المائة منذ بداية 2026.

وقال إريك كراتز، كبير مسؤولي الاستثمار، والشريك في إدارة الثروات لدى «أرينا برايفت ويلث» في شيكاغو: «الأسواق تعاقب شركات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي أكثر من الشركات العملاقة، لأنها الأكثر تعرضاً لأي تباطؤ في وتيرة تطور القدرات التقنية».

ومع ذلك، يرى كراتز جانباً إيجابياً في زيادة التدقيق على معايير السلامة داخل القطاع، مشيراً إلى أن «التوسع في البنية التحتية لن يتوقف لمجرد أن الرؤساء التنفيذيين طالبوا بضوابط تنظيمية، بل إن وجود إطار موثوق للسلامة قد يجعل تمويل الاستثمارات طويلة الأجل أكثر سهولة».

الشكوك تعمّق المخاطر على الأسهم

ذكّرت التطورات الأخيرة بعض المستثمرين بالاضطرابات التي شهدتها الأسواق مطلع عام 2025 عقب ظهور نموذج الذكاء الاصطناعي الصيني «ديب سيك»، والذي أثار آنذاك شكوكاً حول حجم الإنفاق المستقبلي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، قبل أن يتبين لاحقاً أن موجة البيع كانت قصيرة الأجل.

لكن المستثمرين يواجهون اليوم مجموعة أوسع من المخاطر، تشمل احتمال تشديد الرقابة الحكومية على القطاع، رغم أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب صرّح يوم الاثنين بأن المخاوف المتعلقة بسلامة الذكاء الاصطناعي «مبالغ فيها»، وقلّل من الحاجة إلى فرض تنظيمات إضافية.

وقال كراتز: «الخطر الحقيقي ليس في تباطؤ التطوير نفسه، بل في المبالغة التنظيمية التي قد تعيق القطاع».

من جانبه، أوضح مايكل برون، الرئيس المشارك للاستثمار المباشر في «غولدمان ساكس ألترناتيفز»، أن المستثمرين يحاولون تقييم عدة عوامل مؤثرة، من بينها مستوى التنظيم الحكومي، والتوترات الجيوسياسية، واحتمال ظهور نماذج أو تقنيات جديدة قد تغيّر قواعد اللعبة.

ورغم ذلك، أكد برون أنه لا يزال يرى فرصاً استثمارية جذابة في «قلب منظومة الذكاء الاصطناعي».

الشكوك تهدد مكاسب الأسهم

ويرى محللون أن أي تراجع في الثقة بقطاع الذكاء الاصطناعي قد يجعل الأسهم أكثر هشاشة، خصوصاً أن مؤشري «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك» لا يبتعدان سوى بنحو 2 في المائة عن مستوياتهما القياسية، في وقت تواجه فيه الأسواق ارتفاع عوائد السندات، وصعود أسعار النفط، واحتمال رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة هذا الأسبوع لكبح التضخم.

وقال جيمس همفريز، الشريك الإداري في «مايندسيت ويلث مانجمنت»: «أسهم أشباه الموصلات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي سعّرت مسبقاً استمرار طفرة الإنفاق الرأسمالي دون انقطاع، ما يترك هامش خطأ شبه معدوم إذا فُرضت قيود على وتيرة التطور».

وأضاف أن الأسواق تواجه بالفعل تضخماً أكثر ثباتاً من المتوقع، ومساراً غير واضح لأسعار الفائدة، محذراً من أن إبطاء المحرك الرئيس للنمو في السوق قد يترك المؤشرات الرئيسة مكشوفة أمام الضغوط الاقتصادية الكلية المتزايدة.


مقالات ذات صلة

رئيس «سدايا»: المرحلة المقبلة تتطلب سياسات عملية لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي

الاقتصاد رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي الدكتورعبد الله الغامدي خلال حضوره المؤتمر (سدايا)

رئيس «سدايا»: المرحلة المقبلة تتطلب سياسات عملية لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي

قال رئيس «سدايا»، الدكتور عبد الله الغامدي، إن المرحلة المقبلة تتطلب تحويل المبادئ المشتركة لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي إلى تطبيق عملي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص تدفع متطلبات السيادة على البيانات والامتثال قطاعات منظمة إلى تبني نماذج ذكاء اصطناعي هجينة وخاصة وفق طبيعة المعلومات والأحمال (أدوبي)

خاص المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي في السعودية: معلومات موثوقة وحوكمة أوسع

توسّع استخدام الذكاء الاصطناعي في السعودية يرفع أهمية المعلومات الموثوقة والحوكمة والسيادة على البيانات لتحويل الاستثمار إلى قيمة مؤسسية.

نسيم رمضان (الرياض)
تكنولوجيا الحرفان «AI» (اختصاراً لمصطلح الذكاء الاصطناعي) على شاشة حاسوب محمول (أ.ف.ب) p-circle

ما هو الذكاء الاصطناعي؟ ولماذا يثير مخاوف؟

كيف بدأت قصة الذكاء الاصطناعي وما استخداماته؟ ولماذا تتزايد المخاوف بشأنه؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد نائبة المدير العام لـ"اليونيسكو" آسيا ريجينيه تتحدث في افتتاح المنتدى العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض (الشرق الأوسط)

من الرياض... «اليونيسكو»: الذكاء الاصطناعي يتقدم أسرع من أطر الحوكمة

قالت نائبة المدير العام لـ«اليونيسكو»، آسيا ريجينيه، إن الذكاء الاصطناعي يتقدم بسرعة غير مسبوقة، بينما تكافح أطر الحوكمة والتنظيم للحاق بوتيرة التطور المتسارعة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا الملياردير والمؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت» بيل غيتس (أ.ب) p-circle

بيل غيتس يحذر من مخاطر الذكاء الاصطناعي... ويدعو الحكومات للعمل معاً

قال بيل غيتس إنه ليست هناك حكومة في العالم مستعدة للتغييرات التي سيجلبها الذكاء الاصطناعي على المجتمع، محذراً من المخاطر المستقبلية.

«الشرق الأوسط» (لندن )

رئيس «سدايا»: المرحلة المقبلة تتطلب سياسات عملية لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي

رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي الدكتورعبد الله الغامدي خلال حضوره المؤتمر (سدايا)
رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي الدكتورعبد الله الغامدي خلال حضوره المؤتمر (سدايا)
TT

رئيس «سدايا»: المرحلة المقبلة تتطلب سياسات عملية لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي

رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي الدكتورعبد الله الغامدي خلال حضوره المؤتمر (سدايا)
رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي الدكتورعبد الله الغامدي خلال حضوره المؤتمر (سدايا)

قال رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، الدكتور عبد الله بن شرف الغامدي، إن المرحلة المقبلة تتطلب تحويل المبادئ المشتركة لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي إلى تطبيق عملي، من خلال سياسات قابلة للتنفيذ، وأدوات فاعلة لإدارة المخاطر.

وأضاف الغامدي، خلال افتتاح المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض، أنه «في ظلِّ المخاوف التي عبَّرت عنها مؤخراً قيادات الشركات الكبرى حول التسارع في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة (Frontier AI)، ودعواتهم المتواترة إلى كبح جماح هذا التسارع وترشيده، فإن المرحلة المقبلة تتطلب البناء على هذه المبادئ المشتركة وتحويلها إلى تطبيق عملي».

وأوضح أن ذلك يتطلب «سياسات قابلة للتنفيذ، وأدوات فاعلة لإدارة المخاطر، وقدرات مؤسسية تمكِّن الدول من تطبيقها في واقعها».

وقال الغامدي إن هذا التوجه «لا يعني بالضرورة أن تتبنى الدول نموذجاً موحداً»، مضيفاً: «بل الانطلاق من مبادئ مشتركة، وأن نتبادل الخبرات والأدوات مع احترام أولويات كل دولة وثقافتها».

وفي الجانب المرتبط بتمكين الدول من الاستفادة من التقنية، قال الغامدي: «لا ينبغي أن تنفصل الحوكمة عن التمكين؛ فالدول تحتاج إلى الأطر كما تحتاج إلى المهارات، والبيانات، والبنية التحتية التي تمكِّنها وتعظِّم الاستفادة من تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي».

وأشار إلى أن السعودية أطلقت في 2026 «الإطار الوطني لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي» و«علامات أخلاقيات الذكاء الاصطناعي»، في إطار توجه يجعل الحوكمة وإدارة المخاطر جزءاً من تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وأكد الغامدي أن أهمية المنتدى تتمثل في الانتقال «من الاتفاق على المبادئ إلى القدرة على تنفيذها»، مشدداً على أن التعاون الدولي ينبغي أن يركز على بناء القدرات، وليس الحوار فقط.


«مورغان ستانلي» يتوقع رفع الفائدة الفيدرالية مرتين هذا العام وزيادة أوروبية واحدة

مبنى مجلس الاحتياطي الاتحادي في واشنطن بالولايات المتحدة (رويترز)
مبنى مجلس الاحتياطي الاتحادي في واشنطن بالولايات المتحدة (رويترز)
TT

«مورغان ستانلي» يتوقع رفع الفائدة الفيدرالية مرتين هذا العام وزيادة أوروبية واحدة

مبنى مجلس الاحتياطي الاتحادي في واشنطن بالولايات المتحدة (رويترز)
مبنى مجلس الاحتياطي الاتحادي في واشنطن بالولايات المتحدة (رويترز)

انضم بنك «مورغان ستانلي» إلى بنوك كبرى أخرى في «وول ستريت» في تبنِّي نظرة أكثر تشدداً بشأن أسعار الفائدة، متوقعاً أن يرفع «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي الفائدة مرة أخرى، وأن يُقدِم البنك المركزي الأوروبي على زيادة إضافية في وقت لاحق من هذا العام، في ظل استمرار الضغوط التضخمية.

وتأتي هذه التوقعات قبيل قرارات السياسة النقدية المرتقبة من «الاحتياطي الفيدرالي» وبنك اليابان هذا الأسبوع، وذلك بعد أيام من استئناف البنك المركزي الأوروبي دورة التشديد النقدي، ما أبقى الأسواق العالمية في حالة ترقب لآفاق أسعار الفائدة، وفق «رويترز».

ويتوقع «مورغان ستانلي» أن يرفع «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماعه المقرر يومَي 15 و16 سبتمبر (أيلول)، وأن يقر زيادة أخرى بمقدار ربع نقطة مئوية في ديسمبر (كانون الأول)، بعد أن جاءت قراءات التضخم الأخيرة أعلى من التوقعات.

وفي مذكرة صدرت يوم الاثنين، ذكرت شركة الوساطة المالية أن تباطؤ التضخم كان «أبطأ وأقل إقناعاً» مما قد يتطلبه صناع السياسات، مما دفعها إلى توقع رفع أسعار الفائدة مرتين هذا العام.

كما تتوقع الشركة أن يشير «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي إلى مزيد من التشديد النقدي، قبل أن يتوقف المسؤولون مؤقتاً مع اعتدال معدلات التضخم.

وأضافت الشركة: «نرى مبررات لكل من خيار رفع الفائدة وخيار تثبيتها، ولكن مؤشرات الآثار غير المباشرة (أو تأثيرات الجولة الثانية) الناجمة عن أسعار الطاقة، والطلب القوي المرتبط بالاستثمارات في مجال الذكاء الاصطناعي، ومعدل الفائدة المحايد الذي قد يكون مرتفعاً مؤقتاً، والمخاوف بشأن المصداقية، تعني أن ميزان المخاطر يرجِّح الآن تبني سياسة أكثر تقييداً إلى حد ما».

وكان كيفن وارش، الذي تولى رئاسة «الاحتياطي الفيدرالي» في مايو (أيار)، قد تجنب مراراً تقديم توجيهات بشأن المسار المحتمل لأسعار الفائدة الأميركية.

ولكن مع بقاء التضخم أعلى من المستهدف، وتداول أسعار النفط فوق مستوى مائة دولار للبرميل، وترجيح الأسواق المالية بشكل شبه مؤكد زيادة في الفائدة، يرى المستثمرون أن اجتماع هذا الأسبوع من المرجح أن يشهد أول رفع لأسعار الفائدة خلال فترة ولايته.

وفي أوروبا، عدَّل بنك «مورغان ستانلي» توقعاته بشأن البنك المركزي الأوروبي لتشمل زيادة إضافية بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر، مما يرفع سعر الفائدة على الودائع إلى 2.75 في المائة، متراجعاً بذلك عن تقديراته السابقة التي كانت تشير إلى انتهاء دورة التشديد النقدي للبنك المركزي.

وعزا البنك توقعه رفع أسعار الفائدة مجدداً من قبل البنك المركزي الأوروبي في ديسمبر إلى مرونة النمو الاقتصادي في منطقة اليورو، وارتفاع أسعار الطاقة، كما بات يتوقع الآن خفضاً واحداً فقط لسعر الفائدة في عام 2027، وتحديداً في ديسمبر.


وارش أمام اختبار صعب لكبح تضخم لا تملك السياسة النقدية أدواته المباشرة

وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في يوليو الماضي (أ.ب)
وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في يوليو الماضي (أ.ب)
TT

وارش أمام اختبار صعب لكبح تضخم لا تملك السياسة النقدية أدواته المباشرة

وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في يوليو الماضي (أ.ب)
وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في يوليو الماضي (أ.ب)

مع اقتراب «الاحتياطي الفيدرالي» من أول قرار لرفع أسعار الفائدة منذ 3 سنوات، لا يواجه رئيسه كيفين وارش معركة التضخم التقليدية التي يمكن حسمها بسهولة عبر إضعاف الطلب؛ فموجة ارتفاع الأسعار التي تواجه الاقتصاد الأميركي اليوم، تغذيها بدرجة متزايدة عوامل تقع خارج نطاق السياسة النقدية، من قفزة أسعار النفط بفعل الحرب في الشرق الأوسط، إلى الرسوم الجمركية، مروراً بطفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.

هذه المعادلة تضع «الفيدرالي» أمام اختبار دقيق: كيف يستخدم أداته الرئيسية لكبح التضخم، من دون أن يدفع الاقتصاد إلى تباطؤ حاد في محاولة لمعالجة صدمات لا يستطيع التحكم في مصادرها؟

الأسواق تكاد تكون حسمت رهانها على قرار الأربعاء؛ إذ تسعّر العقود الآجلة احتمالاً يقارب 90 في المائة لرفع النطاق المستهدف لسعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس ليصل إلى نطاق يتراوح بين 3.75 و4 في المائة. لكن أهمية الاجتماع لا تكمن في الزيادة نفسها بقدر ما تكمن في ما ستكشفه لهجة وارش عن المسار المقبل، في وقت تجاوز فيه عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات مستوى 5 في المائة، وارتفعت تكلفة الاقتراض عبر الاقتصاد إلى مستويات تضغط على الشركات والأسر والحكومة.

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

تضخم مختلف

في دورة التشديد السابقة، كانت مهمة «الفيدرالي» أكثر مباشرة: رفع أسعار الفائدة بين عامي 2022 و2023 في محاولة لكبح الطلب وإبطاء النشاط الاقتصادي، ضمن سياسة أسهمت في تخفيف الضغوط التضخمية بعد وصولها إلى أعلى مستوياتها في 4 عقود. وبحلول 2025، كان التضخم قد اقترب من هدف «الفيدرالي» البالغ 2 في المائة.

أما اليوم، فقد تغيرت طبيعة المشكلة.

أسعار النفط ارتفعت بقوة مع تصاعد الحرب الأميركية - الإيرانية، فيما سجل متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة مستوى قياسياً عند 6.27 دولار للغالون. وفي الوقت نفسه، تضيف الرسوم الجمركية ضغوطاً على أسعار السلع، بينما تدفع الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات الطلب على الطاقة والبنية التحتية ورأس المال إلى مستويات أعلى.

وهذه العوامل الثلاثة لا يمكن لـ«الفيدرالي» إزالتها برفع أسعار الفائدة.

فكما قال رئيس «الفيدرالي» في ريتشموند، توم باركين، في مايو (أيار) الماضي، فإن رفع الفائدة لإضعاف الطلب لا يعالج جذور التضخم الناجم عن صدمة في جانب العرض؛ فهو لا يعيد فتح طرق التجارة، ولا يعيد تشغيل المصانع، ولا يعالج نقص السلع الناجم عن اضطرابات الإمدادات.

لكن المشكلة بالنسبة لـ«الفيدرالي» أن تجاهل هذه الصدمات قد يكون مكلفاً إذا بدأت تتحول من ارتفاعات مؤقتة في الأسعار إلى توقعات تضخمية أكثر رسوخاً.

أشخاص يتسوقون لشراء البقالة من سوبر ماركت في مانهاتن (أ.ف.ب)

لماذا يرفع وارش الفائدة إذن؟

هنا تكمن المفارقة الأساسية في اجتماع الأربعاء.

فرفع الفائدة لن يخفض سعر النفط مباشرة، ولن يلغي الرسوم الجمركية، لكنه يمكن أن يحد من انتقال صدمة الأسعار إلى بقية الاقتصاد عبر إبطاء الطلب والحيلولة دون ترسخ التضخم في سلوك الشركات والمستهلكين.

وهذا تحديداً ما يجعل توقعات التضخم عنصراً محورياً في قرار وارش.

وتشير استطلاعات حديثة إلى أن المستهلكين لا يتوقعون استمرار التضخم المرتفع لفترة طويلة، وهو ما يمنح «الفيدرالي» مساحة لاعتبار جزء من موجة ارتفاع الأسعار مؤقتاً. لكن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والسلع لفترة أطول قد يغير هذه التوقعات، خصوصاً بعد سنوات من التضخم المرتفع جعلت الشركات والمستهلكين أكثر سرعة في تعديل الأسعار.

وتقول الاقتصادية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا كريستين فوربس، لـ«أسوشييتد برس»، إن مخاطر استمرار التضخم أصبحت أكبر من مخاطر تراجعه سريعاً، مشيرة إلى أن المستهلكين والشركات باتوا أكثر حساسية بعد تجربة السنوات الأخيرة، ما قد يدفعهم إلى رفع الأسعار بوتيرة أسرع.

معركة المصداقية

لذلك، فإن قرار رفع الفائدة قد لا يكون موجهاً فقط إلى التضخم الحالي، بل إلى مصداقية «الفيدرالي» في المستقبل؛ فوارش، الذي شدد في خطابه خلال مؤتمر «جاكسون هول» الشهر الماضي، على أن البيانات الأخيرة لا تظهر تحسناً كافياً في الاتجاهات الأساسية للتضخم، وضع نفسه أمام اختبار عملي. وإذا رفع الفائدة يوم الأربعاء، فإنه يثبت أن تحذيراته لم تكن مجرد رسائل إلى الأسواق.

أما إذا امتنع عن الرفع رغم هذه التصريحات، فقد تواجه الأسواق سؤالاً مختلفاً يتعلق بمدى استعداد البنك المركزي لاستخدام أدواته إذا استمر التضخم مرتفعاً.

وهذا مهم بصورة خاصة في سوق السندات.

فالمستثمرون لا ينظرون فقط إلى سعر الفائدة قصير الأجل، بل إلى المسار المتوقع للسياسة النقدية والتضخم على مدى سنوات. وقد تجاوز عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات 5 في المائة، مسجلاً أعلى مستوياته منذ 2007، فيما ارتفع عائد السندات لأجل 30 عاماً إلى نحو 5.39 في المائة.

وبالتالي، فإن «الفيدرالي» يواجه مفارقة أخرى: قد يؤدي رفع الفائدة إلى إضعاف الاقتصاد على المدى القصير، لكنه قد يساعد في المقابل في احتواء ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل إذا أقنع المستثمرين بأنه جاد في إعادة التضخم إلى هدفه.

وارش مترئساً اجتماع اللجنة اللفيدرالية للسوق المفتوحة (الاحتياطي)

النفط يختبر حدود السياسة النقدية

لكن النفط يبقى الاختبار الأكثر وضوحاً لحدود أدوات «الفيدرالي»؛ فارتفاع أسعار الخام لا يظهر في فاتورة الوقود فقط، بل ينتقل تدريجياً إلى تكاليف النقل والشحن والإنتاج والخدمات. وكلما طال أمد الارتفاع، زادت احتمالات انتقاله إلى أسعار أوسع نطاقاً.

وهنا يصبح دور السياسة النقدية غير مباشر: لا يستطيع «الفيدرالي» زيادة إمدادات النفط، لكنه يستطيع محاولة منع ارتفاع أسعار الطاقة من خلق موجة ثانية من التضخم عبر الطلب والأجور والتوقعات.

ويقول ريان سويت، كبير الاقتصاديين العالميين في «أكسفورد إيكونوميكس» لـ«إنفستوبيديا»، إن 3 من أبرز مصادر التضخم فوق هدف «الفيدرالي» هي حرب الشرق الأوسط، وطفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، والرسوم الجمركية، وهي ضغوط لا يستطيع البنك المركزي معالجتها مباشرة برفع أسعار الفائدة.

الذكاء الاصطناعي يضيف معادلة جديدة

لا تتوقف المعضلة عند الطاقة.

فطفرة الإنفاق على مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي أصبحت عاملاً مهماً في الاقتصاد الأميركي؛ ليس فقط من خلال الطلب على الرقائق والطاقة والمعدات، وإنما أيضاً عبر تأثيرها في الاستثمار والنمو وعوائد السندات طويلة الأجل.

وهنا يجد «الفيدرالي» نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فإذا استمر الاستثمار في الذكاء الاصطناعي بقوة، فقد يبقي الطلب مرتفعاً ويزيد الضغوط السعرية. أما إذا تباطأت الطفرة بصورة حادة، فقد يتراجع الاستثمار والنمو، ما يغير الحسابات باتجاه سياسة نقدية أكثر تيسيراً.

أي إن أحد مصادر التضخم الحالية يمكن أن يتحول، إذا تباطأ فجأة، إلى مصدر ضغط على النمو.

رفع واحد أم بداية مسار؟

لهذا السبب، قد لا يكون السؤال الأهم بعد قرار الأربعاء هو ما إذا كان «الفيدرالي» سيرفع الفائدة، بل: ماذا سيفعل بعد ذلك؟

فالأسواق تسعّر بالفعل استمرار التشديد، مع توقعات بـ3 زيادات في سبتمبر (أيلول) وديسمبر (كانون الأول) ومارس (آذار). لكن تسعير هذه الزيادات لا يعني بالضرورة أن «الفيدرالي» حسم بدء دورة تشديد جديدة.

فقد يكون رفع الأربعاء، كما يرى بعض الاقتصاديين، إجراءً لإدارة المخاطر يهدف إلى تأكيد التزام البنك بإعادة التضخم إلى هدفه، حتى مع توقعه أن يتلاشى بعض صدمات العرض مع مرور الوقت.

في المقابل، إذا قدّم رئيس «الفيدرالي» القرار باعتباره بداية مسار لإعادة السياسة النقدية إلى مستوى أكثر تشدداً، فقد تعيد الأسواق تسعير الزيادات المقبلة، بما يرفع عوائد السندات ويزيد تكلفة الاقتراض ويضغط على تقييمات الأسهم.

ويرى كبير الاقتصاديين الأميركيين في «دويتشه بنك»، ماثيو لوزيتي، أن رفع الفائدة مرة واحدة نادراً ما يكون كافياً لإحداث أثر ملموس في الاقتصاد، ما يجعل لغة «الفيدرالي» بشأن الخطوات التالية أهم من الزيادة الأولى نفسها.

وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في يوليو الماضي (أ.ب)

الاختبار الحقيقي لوارش

في نهاية المطاف، لا يواجه وارش معادلة بسيطة بين كبح التضخم ودعم النمو، بل يواجه اختباراً أكثر تعقيداً: كيف يستخدم السياسة النقدية لمواجهة تضخم تتداخل في دفعه صدمات العرض مع قوة الطلب وتوقعات التضخم وظروف الأسواق المالية؟

فرفع الفائدة لن يخفض أسعار النفط مباشرة، ولن يلغي أثر الرسوم الجمركية، ولن يوقف طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. لكنه يظل الأداة المتاحة أمام «الفيدرالي» لمنع هذه الصدمات من الانتقال إلى سلوك سعري أكثر رسوخاً، أو إلى توقعات تضخمية يصعب كبحها لاحقاً.

ولهذا قد تكون رسالة وارش بعد القرار أهم من حجم الزيادة نفسها؛ فإذا أقنع الأسواق بأن التشديد محسوب ومتناسب مع مخاطر التضخم، وأنه لا يستهدف إضعاف الاقتصاد أكثر مما تقتضي الضرورة، فقد ينجح في احتواء الضغوط من دون التسبب في تباطؤ حاد.

أما إذا تحول رفع الفائدة إلى سلسلة طويلة من الزيادات في مواجهة تضخم تغذيه في الأساس عوامل لا تقع ضمن نطاق السياسة النقدية، فقد تنتقل المعركة من خفض التضخم إلى منع علاج التضخم من أن يصبح مصدراً جديداً لضعف النمو وسوق العمل.

ولا يقتصر اختبار وارش على هذه المعادلة الاقتصادية؛ فقراره يأتي أيضاً في ظل ضغوط سياسية من الرئيس دونالد ترمب لخفض أسعار الفائدة، ما يجعل أي مسار تشديدي جديد اختباراً لقدرة رئيس «الفيدرالي» على الموازنة بين احتواء التضخم والحفاظ على استقلالية البنك المركزي.

وهنا يكمن الاختبار الحقيقي لوارش: أن يثبت أن السياسة النقدية تُحدَّد وفق مسار التضخم والاقتصاد، لا وفق الضغوط السياسية، وأن يحدد في الوقت نفسه متى تكون الفائدة أداة فعالة لكبح التضخم، ومتى يصبح استخدامها لمواجهة صدمات العرض تكلفته الاقتصادية أكبر من فائدته.