«المحنّك» و«المستحنك»... من قاموس عشاق السينما في السعودية

منصات التواصل تصنع لغة ساخرة لتصنيف المتابعين وطرائق تعبيرهم عن ذائقتهم

أصبحت نقاشات الأفلام جزءاً من التجربة السينمائية السعودية (مولدة بالذكاء الاصطناعي)
أصبحت نقاشات الأفلام جزءاً من التجربة السينمائية السعودية (مولدة بالذكاء الاصطناعي)
TT

«المحنّك» و«المستحنك»... من قاموس عشاق السينما في السعودية

أصبحت نقاشات الأفلام جزءاً من التجربة السينمائية السعودية (مولدة بالذكاء الاصطناعي)
أصبحت نقاشات الأفلام جزءاً من التجربة السينمائية السعودية (مولدة بالذكاء الاصطناعي)

تصنع المجتمعات السينمائية عادةً مفرداتها الخاصة، فتُعرِّف بها أفرادها وتسخر من بعض ظواهرها. وفي العالم الغربي، تبدو كلمة «سينيفيل» أشهر الأوصاف المرتبطة بعاشق السينما؛ إذ تطلَق على الشخص شديد الاهتمام بالأفلام والمرتبط بعالمها عاطفياً وثقافياً. أما في السعودية، فقد اكتسبت كلمتا «مُحَنَّك» و«مُسْتَحَنَّك» حضوراً لافتاً في النقاشات السينمائية على منصات التواصل الاجتماعي.

يُوصف المتابع واسع المعرفة بأنه «محنّك سينمائياً»؛ تعبيراً عن كثرة ما شاهده من أفلام، ومعرفته بكبار المخرجين، وقدرته على الربط بين الأعمال وفهم أدوات الصورة والمونتاج. ويستطيع «المحنَّك» التقاط الإشارات التي قد تفوت المشاهد العادي، كما يمتلك مخزوناً يتيح له ربط الفيلم بمدرسة فنية أو مرحلة تاريخية أو أعمال سابقة.

وقد تمتد اهتماماته من السينما الصامتة وأفلام الأربعينات والخمسينات إلى أحدث إنتاجات المنصات وصالات العرض. ويَعرف الفارق بين الواقعية الإيطالية الجديدة والموجة الفرنسية الجديدة، وينتقل بسهولة من أفلام ألفريد هيتشكوك، وأكيرا كوروساوا، وياسوجيرو أوزو، إلى الأعمال السينمائية المعاصرة.

بين الخبرة والاستعراض

تحمل كلمة «محنَّك» في أصلها معنى الخبرة التي تصنعها التجربة، ثم انتقلت إلى قاموس السينما، مثلما تُستخدم في وصف المتمرِّس في السياسة أو الرياضة أو شؤون الحياة. بيد أنها اكتسبت، مع شيوع استخدامها، نبرة ساخرة أيضاً؛ فقد يكتب أحدهم: «وصل المحنّك السينمائي»، عندما يدخل شخص يحوّل حديثاً بسيطاً عن فيلم إلى محاضرة طويلة، أو يحيط رأيه بسياج من المصطلحات.

ومن هذه المساحة خرجت كلمة «مُسْتَحَنَّك»، وهي أوضح في دلالتها الساخرة. فالمُسْتَحَنَّك شخص يسعى إلى الظهور بمظهر الخبير، ويتخذ من السينما وسيلة للاستعراض الثقافي. وقد تمنحه الأفلام الغامضة شعوراً بالتفوُّق، فيما تصبح أسماء المخرجين الكبار جزءاً من الصورة التي يرسمها لنفسه أمام الآخرين. وفي كثير من الأحيان يميل إلى رؤية البطء عمقاً، والغموض عبقرية.

الجماهيري والنخبوي

ترتبط بعض صور «الاستحناك» بالعزوف المعلن عن الأفلام الجماهيرية؛ فالإعجاب بأفلام كريستوفر نولان، أو ستيفن سبيلبرغ، أو إنتاجات «مارفل» يحتاج، في نظر صاحب هذه الشخصية، إلى تبرير، فيما قد يكفي انتماء الفيلم إلى مهرجان أوروبي أو امتداده أكثر من 3 ساعات ليستحق الإعجاب المسبق.

وربما يزداد حماس «المستحنك» للعمل كلما قلَّ عدد مشاهديه، حتى تصبح ندرةُ الفيلم جزءاً من قيمته، والوصولُ إليه إنجازاً يوازي مشاهدته. وهو بهذا المعنى قريب من «المدَّعِي» أو «المتفذلك»، الذي قد يعلن إعجابه بفيلم شديد التعقيد؛ لأن الاعتراف بالملل يبدو في نظره أقل هيبة، أو يقلِّل من قيمة أفلام ناجحة وكلاسيكية، مثل «العرَّاب»، و«نادي القتال»، لمجرد شيوعها بين الجمهور.

جمهور يتسع وقاموس يتشكَّل

يرتبط انتشار الكلمتين باتساع المجتمع السينمائي السعودي خلال السنوات الأخيرة، في ظل ما أتاحته صالات السينما والمهرجانات والمنصات الرقمية وتطبيقات التقييم والحسابات المختصة. وأسهمت هذه المساحات مجتمعة في تكوين جمهور يتحدث عن الأفلام يومياً، ويتجادل بشأنها، ويضع القوائم، ويمنح التقييمات، ويتابع الجوائز والإيرادات.

نقاشات الأفلام تتجاوز التقييم إلى محاولة إثبات الذات (مولدة بالذكاء الاصطناعي)

وتكشف الأرقام عن حجم هذا الاتساع؛ إذ سجل شباك التذاكر السعودي خلال عام 2025 إيرادات بلغت 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، وعرض 538 فيلماً، وفقاً للتقرير السنوي الصادر عن «هيئة الأفلام». وتمنح هذه الأرقام فكرة عن حجم الجمهور الذي تشكَّل حول السينما، ثم صنع تدريجياً نقاشاته وتصنيفاته ومفرداته الخاصة.

ومع نمو هذا المجتمع، ظهرت داخله تيارات وصور نمطية، فبرزت الحاجة إلى كلمات تختصرها. وأدت منصات التواصل دوراً أساسياً في صناعة هذه اللغة؛ فكلمة واحدة مثل «مستحنك» تختصر وصفاً كاملاً لشخصية مألوفة لدى المتابعين. ومع كثرة الاستخدام، تتحول الكلمة نكتةً مشتركةً، ومن ثَم صفةً قد يتبناها بعضهم طوعاً، فيكتب أحدهم عن نفسه ساخراً: «بدأت أستحنك»، بعد مشاهدة فيلم أوروبي طويل، أو يصف قائمته بأنها «اختيارات المحنَّكين»؛ استباقاً لسخرية الآخرين منه.

وامتدت هذه التصنيفات إلى تفاصيل أطرف، من بينها تاريخ الانضمام إلى منصة «ليتربوكسد»، الذي تحوَّل لدى بعض المستخدمين شارةَ أقدمية ودليلاً على سبق صاحبه إلى متابعة الأفلام وتقييمها. ونشأت عبر منصات التواصل مماحكات ساخرة بين أصحاب الحسابات القديمة والملتحقين حديثاً؛ إذ يمنح بعض الأوائل تاريخ انضمامهم قيمة ثقافية إضافية

المعرفة أم التعالي؟

رغم التقارب الظاهري بين «المحنَّك» و«المستحنك»، فإن الفارق بينهما يبقى متعلقاً بالسلوك أكبر من ارتباطه بنوعية الأفلام. فقد يحب المحنَّك فيلماً تجارياً ضخماً وعملاً مستقلاً محدود الجمهور في الوقت نفسه؛ إذ تمنحه معرفته مساحة أوسع للاختيار والاستمتاع. أما المستحنك، فيستخدم هذه المعرفة لإقامة مسافة بينه وبين بقية الجمهور، ويحوّل ذائقته الشخصية معياراً للذكاء والثقافة.

ولا شك في أن مشاهدة أفلام آندريه تاركوفسكي، وإنغمار بيرغمان، والعودة إلى كلاسيكيات الأربعينات والخمسينات، والاهتمام بأعمال المهرجانات، كلها علامات على فضول سينمائي ثري. غير أن «الاستحناك» يبدأ حين تتحول هذه المشاهدات شاراتِ تَفوُّق، ويصبح اسم المخرج وسيلة لإحراج الآخرين، أو تُقاس قيمة الفيلم بمدى صعوبة الوصول إليه ومشقَّة إكمال مشاهدته.

وتحمل الكلمتان في النهاية دلالة تتجاوز المزاح، بوصفهما شاهدتين على تشكُّل ثقافة سينمائية محلية، وعلى رغبة جمهورها في صياغة لغته الخاصة. فمثلما تصف كلمة «سينيفيل» عاشق السينما في أنحاء العالم، تمنح كلمتا «مُحَنَّك» و«مُسْتَحَنَّك» التجربةَ نكهتها المحلية؛ الأولى تحتفي بالخبرة حيناً وتغمزها حيناً آخر، والثانية تختصر التصنُّع السينمائي في كلمة خفيفة وسهلة التداول.


مقالات ذات صلة

زجاجة مياه على سطح المنزل… حيلة بسيطة للإضاءة

يوميات الشرق تم إنشاء الصورة باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي (شات جي بي تي)

زجاجة مياه على سطح المنزل… حيلة بسيطة للإضاءة

من زجاجة بلاستيكية عادية إلى «مصباح» يضيء المنازل نهاراً… فكرة بسيطة ظهرت في البرازيل وانتشرت حول العالم كحل منخفض التكلفة للمناطق التي تعاني ضعف الإضاءة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فسيفساء أرضية ملونة بفيلا تعود للعصر الروماني في أدراميتّيون (مجلة العلوم الاجتماعية)

فسيفساء عمرها 1800 عام تكشف عن قصة حب روماني لكلب وقطة

كلب يقفز وقط يحمل اسماً… تفاصيل صغيرة في فسيفساء رومانية فاخرة عثر عليها علماء الآثار في تركيا قد تكون تُخفي قصة شخصية تعود إلى نحو 1800 عام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «العودة إلى الجذور... عين على المستقبل» عنوان «موركس دور» الـ26 (فيسبوك موركس دور)

«موركس دور»... ليلة تلاقت فيها الجذور والحداثة

استحضر الحفل رموز الفن اللبناني عبر مقاطع مصوَّرة بتقنية الذكاء الاصطناعي، من بينهم فيلمون وهبي ونصري شمس الدين وصباح وفيروز.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق بوابات المدخل هي كل ما تبقى من العقار (فيسبوك)

ما سر القصر المهجور بجوار مطار هيثرو؟

في ظل مسارات الطائرات التي تحلق فوق مطار هيثرو، وبالقرب من قرية ستانویل الهادئة التي لا تلفت الأنظار كثيراً، تختبئ بقايا عقار كان ذات يوم واحداً من أبرز القصور.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق تعمل بياتريس (28 عاماً) في قيادة قوارب «الجندول» منذ عام (دانييلا سالا)

ذاكرة الماء... نساء يُعِدن تشكيل وجه «البندقية»

تبدو البندقية، تلك المدينة المعلقة فوق الماء، للوهلة الأولى كأنها عصية على التغيير. مدينة تنتمي إلى الماضي بقدر ما تنتمي إلى الحاضر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

منتجع قمرة الجبلي... تجربة ضيافة تعزز جاذبية الباحة للزوار

منتجع «قمرة» الجبلي في الباحة طُوِّر على مساحة تتجاوز 21 ألف متر مربع (أسفار)
منتجع «قمرة» الجبلي في الباحة طُوِّر على مساحة تتجاوز 21 ألف متر مربع (أسفار)
TT

منتجع قمرة الجبلي... تجربة ضيافة تعزز جاذبية الباحة للزوار

منتجع «قمرة» الجبلي في الباحة طُوِّر على مساحة تتجاوز 21 ألف متر مربع (أسفار)
منتجع «قمرة» الجبلي في الباحة طُوِّر على مساحة تتجاوز 21 ألف متر مربع (أسفار)

افتتحت الشركة السعودية للاستثمار السياحي «أسفار»، التابعة لـ«صندوق الاستثمارات العامة»، منتجع قمرة الجبلي في الباحة (جنوب غربي السعودية)، وذلك برعاية الأمير الدكتور حسام بن سعود بن عبد العزيز، أمير المنطقة.

ويأتي افتتاح المنتجع امتداداً لدور «أسفار» في الاستثمار بالمدن الواعدة، انطلاقاً من المزايا التنافسية التي تتمتع بها كل مدينة، حيث تستهدف تعظيم قيمة مقوماتها، وتحويلها إلى فرص ومنتجات سياحية.

وتمثل الباحة نموذجاً لهذا التوجه؛ بما تمتلكه من قاعدة سياحية قائمة، وطبيعة جبلية ومناخ مميز، وتنوع بيئي وإرث ثقافي ومنتجات محلية، حيث تشكل هذه المقومات مجتمعة فرصة استثمارية واعدة لإضافة معروض نوعي يوسّع تجربة الزائر، ويعزز القيمة الاقتصادية للوجهة، ويدعم نموها على المدى الطويل.

الأمير حسام بن سعود رعى افتتاح منتجع قمرة الجبلي في الباحة (أسفار)

وتؤكد هذه الخطوة على ما تشهده المملكة من حراكٍ متسارع في تطوير الوجهات السياحية، وترجمة لمستهدفات «رؤية السعودية 2030» الرامية إلى بناء قطاعٍ سياحي مستدام يعزز التنوع الاقتصادي، ويرفع من تنافسية الوجهات الوطنية.

ويعد «قمرة» أولى ثمار محفظة «أسفار» الاستثمارية التي انتقلت إلى مرحلة التشغيل، بما يجسد تحول رؤيتها نحو مشروع قائم يعكس نموذجها في تطوير الوجهات، والقائم على التكامل بين الاستثمار المباشر في الأصول السياحية، والقدرات والخبرات التشغيلية والشراكات النوعية، بما يرسخ منظومة قادرة على تحقيق قيمة اقتصادية وسياحية مستدامة تتجاوز حدود المشروع إلى الوجهة بأكملها.

ويضم المنتجع، الذي طُوِّر على مساحة تتجاوز 21 ألف متر مربع، 30 غرفة وجناحاً جبلياً صُممت بما ينسجم مع الهوية الطبيعية لمنطقة الباحة، ويقدم تجربة ضيافة ترتكز على خصوصية المكان وتنوعه البيئي والثقافي، إلى جانب مجموعة من التجارب والأنشطة التي تعزز من جاذبية الوجهة.

منتجع «قمرة» يضم 30 غرفة وجناحاً جبلياً تنسجم مع الهوية الطبيعية للباحة (أسفار)

ويعكس المنتجع في صورته الحالية المرحلة الأولى من المشروع، بينما تعتزم «أسفار» المضي في تطوير مرحلته الثانية بإضافة 70 غرفة وجناحاً جديداً، بما يوسع الطاقة الاستيعابية للمشروع، ويعزز قدرته على مواكبة نمو الطلب السياحي بالمنطقة.

ويحرص «قمرة» على أن تكون خصوصية الباحة جزءاً من تجربة ضيوفه، من خلال إشراك المجتمع المحلي والاستفادة من منتجات المنطقة ومحاصيلها، والتعاون مع الجهات والجمعيات المحلية ذات الصلة، بما يفتح مساحة أوسع أمام المنتج المحلي ليكون حاضراً في التجربة السياحية التي يصنعها المشروع.

كما يُجسِّد نموذج «أسفار» في بناء الشراكات التي تعزز القيمة الاستثمارية للوجهة، واستقطاب خبرات تشغيلية عالمية، بما يحقق تكاملاً بين الضيافة والتجارب، ويعزز جاهزية الوجهة لاستقبال الزوار، وفق أفضل الممارسات العالمية.

منتجع «قمرة» يقدم تجربة ضيافة ترتكز على خصوصية المكان وتنوعه البيئي والثقافي (أسفار)

ويتجاوز أثر المشروع تشغيل أصلٍ سياحي، ويمتد إلى بناء منظومة اقتصادية متكاملة تدعم نمو الوجهة على المدى الطويل، عبر تحفيز سلاسل القيمة المرتبطة بالقطاع السياحي، وإيجاد فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتمكين الكفاءات الوطنية، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، بما يسهم في ترسيخ التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة.

ويمثل المنتجع إضافةً نوعية إلى معروض سياحي قائم في الباحة، من خلال تقديم تجربة تجمع بين الإقامة والضيافة والمغامرة، وتوسّع الخيارات المتاحة أمام زوار المنطقة، ليسهم هذا التنوع في تعزيز قدرة الباحة على استقطاب شرائح ودوافع مختلفة للزيارة على مدار العام.

ويجسد «قمرة» النهج الاستثماري الذي تتبناه «أسفار» في مدن السعودية الواعدة؛ إذ تنطلق الشركة من قراءة المزايا التنافسية لكل مدينة وما تملكه من مقومات وطلب وفرص للنمو، ثم تستثمر في الأصول والقدرات التي يمكن أن تعظّم قيمة الوجهة، بالشراكة مع القطاع الخاص والخبرات المتخصصة، لتبني محفظة استثمارات سياحية قادرة على تحقيق عوائد مستدامة.


حسام أبو دان: «غزة 13» يروي أحلامنا التي قتلتها «حرب الإبادة»

طاقم العمل خلال تصوير أحد مشاهد الفيلم (حساب المخرج بفيسبوك)
طاقم العمل خلال تصوير أحد مشاهد الفيلم (حساب المخرج بفيسبوك)
TT

حسام أبو دان: «غزة 13» يروي أحلامنا التي قتلتها «حرب الإبادة»

طاقم العمل خلال تصوير أحد مشاهد الفيلم (حساب المخرج بفيسبوك)
طاقم العمل خلال تصوير أحد مشاهد الفيلم (حساب المخرج بفيسبوك)

قال المخرج الفلسطيني حسام أبو دان إن فيلمه الروائي الطويل الأول «غزة 13» هو أول فيلم روائي يتم تصويره داخل قطاع غزة بعد الحرب ويكون صناعة فلسطينية كاملة، مؤكداً في حديث مع «الشرق الأوسط» أن الفيلم يروي واقعة حقيقية شهدها، ويعكس الآمال والأحلام التي أطاحت بها حرب الإبادة، لافتاً إلى أن التصوير تم في ظروف بالغة الصعوبة، حيث تعرض أحد أفراد طاقم التصوير لإصابة لا يزال يعالج منها، إذ كان يجري التصوير على بعد أمتار قليلة من أماكن وجود الجنود الإسرائيليين، كما عَبّر عن سعادته أن يكون العرض الافتتاحي للفيلم بالدورة الـ51 من مهرجان تورونتو السينمائي بكندا الذي يقام في الفترة من 10 سبتمبر (أيلول) إلى 20 الجاري.

وأدرج مهرجان «تورونتو» الفيلم ضمن الاختيارات الرسمية وداخل أحد أهم أقسام المهرجان المخصص للأعمال السينمائية العالمية التي تجمع بين القيمة الفنية والبعد الإنساني، والذي يعني بالأصوات الجديدة والمتميزة من جميع أنحاء العالم، ويضم هذا القسم 54 فيلماً من 50 دولة.

وبينما عبّر أبو دان عن سعادته بعرض الفيلم عالمياً للمرة الأولى بمهرجان عريق، فإنه في الوقت ذاته يؤكد أنه لم يفاجأ باختيار الفيلم لأن قصص غزة تستحق أن تصل للعالم، وقد أشاد مسؤولو المهرجان بمستوى العمل وأعجبوا به لأنه يناقش قضية مهمة تتعلق بتأثير الحرب على المجتمع الغِزي وعلى حياة الناس.

المخرج الفلسطيني حسام أبو دان (حسابه على فيسبوك)

الفيلم بطولة فراس المصري وغسان سالم وحنا عطا الله ومريم زيارة؛ يستكشف من منظور إنساني تفاصيل الصمود والروابط العائلية من خلال علاقة أب وابنته المراهقة وتعاملهما مع مواقف الحياة اليومية وسط ظروف صعبة داخل مخيم للاجئين بغزة. وعن فكرة الفيلم يقول مخرجه إنها خطرت في باله بعد أن عاش جانباً من هذه الظروف الصعبة التي جعلته أكثر تأملاً لما فعلته حرب الإبادة بالمجتمع الفلسطيني، وأضاف: «عرض الكثير من الأخبار والأفلام عن كل شيء في غزة، حتى بتنا نرى بعض الأمور التي فقدناها أشياء بسيطة، رغم أنها لم تكن كذلك أبداً بل هي أمور إنسانية في غاية الأهمية».

ويضرب مثلاً بذلك، قائلاً: «في نشرات الأخبار يذكرون عدد الشهداء الذين فُقدوا في حرب الإبادة، ثم يقولون وبشكل عارض إن نساء فقدن أجنتهن بسبب ظروف الحرب والنزوح، كما لو كانت قصة عابرة، غير أنها بالنسبة لي مؤثرة جداً؛ لأن هذه الحرب هدمت الآمال والأحلام، لذا كان حماسي تجاه القصة نابع من أن هناك زوايا أخرى مهمة انعكست عليها ظروف الحرب بشكل كامل».

لم يكن تصوير الفيلم الذي تصل مدته إلى 77 دقيقة أقل صعوبة من واقع القصة، بحسب المخرج الفلسطيني الذي يقول: «تم تصوير العمل في ظروف غاية في الصعوبة، في ظل الحرب وقلة الإمكانيات، كنا نصور حسب الظروف، وحاولنا قدر الإمكان أن نبحث عن أماكن تحقق ما يتطلبه الفيلم وتؤَمن فريق العمل، وقد كنا على بعد أمتار من اعتداءات جنود الاحتلال، وأُصيب زميلنا خالد أبو حنان إصابة بالغة في اليوم الرابع من بدء التصوير، وهو لا يزال يتلقى العلاج».

ملصق مشاركة الفيلم الفلسطيني بمهرجان تورونتو (حساب المخرج على فيسبوك)

استغرق تصوير الفيلم نحو 12 يوماً، وتم وضع خطة لتقليل طاقم العمل وترتيب كل شيء، وتابع أبو دان: «بتوفيق من الله أكملنا العمل، رغم تصوير الفيلم في ظل ظروف معقدة تختلف عن الظروف التي يعمل بها أي سينمائي بالعالم، وحرصنا على تهيئة الأدوار بشكل صحيح بين فريق العمل، كنا 5 أشخاص هم عدد الطاقم الميداني، وكان كل شخص مكلفاً بأكثر من مهمة، اخترنا مواقع تصوير تكون قريبة من بعضها، وكان التنقل يتم بحرص تام».

ويلفت حسام أبو دان إلى أن فيلم «غزة 13» هو أول فيلم طويل يتم تصويره وتنفيذ كل أعماله داخل غزة بعد الحرب، عدا مرحلة الصوت التي جرت بين لبنان وباريس، مشيراً إلى أنه نفسه لم يغادر غزة منذ اندلعت الحرب في 2023. وفيما يعد الفيلم أول عمل روائي طويل لأبو دان، فإنه صور أيضاً فيلماً وثائقياً عن غزة، كما أخرج عدداً من المسلسلات التلفزيونية ومن بينها «شارة نصر جلبوع»، «ميلاد الفجر»، و«عنقود».

وقبل أن يُعرض «غزة 13» في عرضه العالمي الأول بمهرجان تورونتو السينمائي تلقى المخرج الفلسطيني حسام أبو دان عروضاً لمشاركة الفيلم في عدة مهرجانات دولية وعربية، وقال إن الفيلم بدأ يتجه لمساره العالمي، وهناك جولة من المهرجانات الدولية تنتظره بعد «تورونتو»، و«هذا فخر كبير لنا لاستمرار حضور قصص غزة ورسالتها للعالم عبر السينما».


زجاجة مياه على سطح المنزل… حيلة بسيطة للإضاءة

تم إنشاء الصورة باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي (شات جي بي تي)
تم إنشاء الصورة باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي (شات جي بي تي)
TT

زجاجة مياه على سطح المنزل… حيلة بسيطة للإضاءة

تم إنشاء الصورة باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي (شات جي بي تي)
تم إنشاء الصورة باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي (شات جي بي تي)

من زجاجة بلاستيكية عادية إلى «مصباح» يضيء المنازل نهاراً... فكرة بسيطة ظهرت في البرازيل وانتشرت حول العالم كحل منخفض التكلفة للمناطق التي تعاني ضعف الإضاءة الطبيعية أو محدودية الكهرباء، حسب موقع «لايفستيل» (Lifestyle).

قد تبدو زجاجة المياه البلاستيكية الموضوعة على سطح أحد المنازل شيئاً عادياً، لكنها في بعض المناطق تؤدي وظيفة تتجاوز بكثير حفظ المياه. فزجاجة شفافة مملوءة بالماء يمكن أن تتحول إلى مصدر للضوء داخل منزل مظلم، مستفيدة من أشعة الشمس خلال ساعات النهار.

وتُعرف هذه الفكرة باسم «مصباح موزر»، نسبة إلى الميكانيكي البرازيلي ألفريدو موزر، الذي طورها في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، في ظل مشكلات كانت تواجه إمدادات الكهرباء في البرازيل.

كيف تعمل الفكرة: المبدأ بسيط للغاية. تُملأ زجاجة شفافة مصنوعة من البلاستيك «PET» بالماء، ثم يُدخل جزء منها عبر فتحة تُحدَث في سقف المنزل، فيما يبقى الجزء الآخر خارج السقف معرضاً لأشعة الشمس.

وعندما تسقط أشعة الشمس على الزجاجة، يعمل الماء على تشتيت الضوء ونشره داخل الغرفة، لتتحول الزجاجة إلى مصدر للإضاءة الطبيعية خلال النهار. وتُضاف في بعض الحالات كمية صغيرة من المبيّض أو الكلور إلى الماء، بهدف الحد من نمو الطحالب والحفاظ على شفافية الزجاجة والماء لفترة أطول.

ولم تبق الفكرة في نطاقها المحلي طويلاً. فقد اكتسبت بعداً دولياً في عام 2011، عندما تبنت مؤسسة «ماي شيلتر» برنامج «لتر من الضوء» في الفلبين، مستندة إلى التقنية بوصفها حلاً اقتصادياً وسهل التطبيق ويمكن تكراره في مناطق مختلفة.

وخلال أول 20 شهراً من المشروع، وصلت المبادرة إلى أكثر من 150 ألف أسرة في الفلبين، وإلى نحو 350 ألف منزل في 15 دولة.

وفي السنوات التالية، توسعت المبادرة إلى مناطق أخرى، فيما أشارت مراجع تابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) إلى انتشارها في أكثر من 30 دولة.

وتكمن أهمية «مصباح موزر» في بساطته قبل أي شيء آخر. فهو لا يحتاج إلى شبكة كهرباء أو أجهزة معقدة، وإنما يعتمد على زجاجة بلاستيكية وماء وضوء الشمس.

ورغم أن هذه الطريقة لا تحل محل الإضاءة الكهربائية ليلاً، فإنها توفر خلال النهار بديلاً منخفض التكلفة للمنازل التي تفتقر إلى النوافذ أو تعاني محدودية وصول الضوء الطبيعي، كما تقلل الحاجة إلى تشغيل المصابيح الكهربائية في الأماكن المظلمة.