ذاكرة الماء... نساء يُعِدن تشكيل وجه «البندقية»

تقوم المدينة على شبكة من نحو 150 قناة صالحة للملاحة

تعمل بياتريس (28 عاماً) في قيادة قوارب «الجندول» منذ عام (دانييلا سالا)
تعمل بياتريس (28 عاماً) في قيادة قوارب «الجندول» منذ عام (دانييلا سالا)
TT

ذاكرة الماء... نساء يُعِدن تشكيل وجه «البندقية»

تعمل بياتريس (28 عاماً) في قيادة قوارب «الجندول» منذ عام (دانييلا سالا)
تعمل بياتريس (28 عاماً) في قيادة قوارب «الجندول» منذ عام (دانييلا سالا)

تبدو البندقية، تلك المدينة المعلقة فوق الماء، للوهلة الأولى كأنها عصية على التغيير. مدينة تنتمي إلى الماضي بقدر ما تنتمي إلى الحاضر، وتواصل تغذية خيال ملايين الزوار القادمين إليها من مختلف أنحاء العالم. غير أن المدينة التي تبدو ثابتة خارج الزمن تتغير في الواقع باستمرار، وإن كان تغيرها يجري ببطء وتحت السطح، مثل المياه التي تحملها، حسب صحيفة «الغارديان» البريطانية.

لطالما ارتبط اسم البندقية بفكرة الخلود والثبات. مدينة لا تتغير، أو هكذا تبدو، لكن خلف هذه الصورة الحالمة تواجه البندقية واقعاً أكثر هشاشة وتعقيداً. فارتفاع مستوى سطح البحر، وتقلبات المد والجزر التي أصبحت أكثر صعوبة في التنبؤ بها، يُعيدان تشكيل البحيرة، ويهددان التوازن الدقيق الذي تقوم عليه المدينة.

وفي الداخل، تضغط السياحة الجماعية على نسيج الحياة اليومية. منازل تتحول إلى مساكن للإيجار قصير الأجل، ومتاجر وخدمات محلية تفسح المجال أمام أنشطة موجهة إلى الزوّار، فيما يواصل السكان مغادرة المركز التاريخي للمدينة. ومع رحيلهم، تشغل السياحة المساحات التي يتركونها وراءهم، لتصبح فينيسيا أمام مفارقة واضحة: السياحة نتيجة التحول الذي تشهده المدينة، وسبب له في الوقت نفسه.

لكن بعيداً عن قصتي السياحة المفرطة والتغير المناخي، تجري في البندقية عملية تحول أكثر هدوءاً، تتعلق بمن يملك الحق في استخدام فضائها العام، ومن يحق له أن يكون جزءاً من هويتها.

حين يكون الماء هو الشارع

تقوم البندقية على شبكة من نحو 150 قناة صالحة للملاحة، وهي ليست مجرد ممرات مائية خلابة، بل شوارع المدينة الفعلية، فعبرها ينتقل السكان، وتتحرك الأعمال، وتدور تفاصيل الحياة اليومية.

وعلى مدى قرون، كان هذا الفضاء تحكمه قواعد واضحة، وأعراف غير مكتوبة، أبقت النساء إلى حد كبير بعيداً عنه.

فكما تعرضت النساء في مدن كثيرة للتهميش داخل الفضاء العام والشوارع، واجهن في البندقية شكلاً مشابهاً من الإقصاء، لكن في الماء هذه المرة.

لم يكن حضورهن مألوفاً في قيادة القوارب، أو في مهن مثل قيادة الجندول والقوارب التقليدية، أو في صناعة القوارب، ولا في مسابقات التجديف.

غير أن هذا الواقع بدأ يتغير.

وتروي القصص التي يجمعها هذا المشروع كيف تستعيد نساء البندقية هذا الفضاء من خلال التقاليد نفسها، فهن لا يقطعن صلتهن بالماضي، بل يستندن إليه؛ يحملن مهارات ومهناً شكلت جزءاً من هوية المدينة لقرون، ثم يعِدن تقديمها من منظور جديد.

أول امرأة تقود الجندول

في عام 2010، أصبحت جورجيا بوسكولو أول امرأة تحصل على رخصة لقيادة الجندول في البندقية، منهية بذلك حاجزاً مهنياً استمر قروناً، وممهدة الطريق أمام نساء أخريات.

ومع ذلك، لا تزال النساء العاملات في هذه المهنة قلة. ووفقاً لزملائهن من سائقي الجندول، يمكن عدّ العاملات فعلياً في المهنة على أصابع اليدين، رغم أن عدداً أكبر من النساء اجتزن اختبارات التأهيل خلال السنوات الأخيرة.

وتضم البندقية نحو 440 سائق جندول مرخصاً، إضافة إلى نحو 200 سائق بديل؛ وهم أشخاص مؤهلون اجتازوا الاختبارات المطلوبة، لكنهم لم يحصلوا بعد على رخصتهم الخاصة.

امرأة وحيدة بين «الساندوليستي»

ولا تقتصر عودة النساء إلى مياه البندقية على الجندول، فهناك أيضاً مهنة «الساندوليستا»، وهي قيادة قارب «ساندولو»، أحد القوارب الفينيسية التقليدية ذات القاع المسطح، والذي كان يستخدم على نطاق واسع في الماضي للتنقل اليومي عبر البحيرة.

واليوم، لم يتبقَّ من العاملين في هذه المهنة سوى نحو 20 شخصاً، بينهم امرأة واحدة فقط: كيارا كورتو.

أما في أحواض بناء القوارب التقليدية المتبقية في المدينة، والمعروفة باسم «سكويري»، فتتولى سيلفيا سكاراموتسا دوراً نادراً للغاية؛ فهي المرأة الوحيدة التي تحمل لقب «مايسترا داسيا»، أي خبيرة صناعة القوارب الخشبية وبنائها وإصلاحها.

«فتيات بأقصى سرعة»

وفي الوقت الذي تدخل فيه بعض النساء إلى المهن التقليدية، تعمل أخريات على فتح أبواب جديدة.

في عام 2020، أسست مارتا كانينو مبادرة «Fie a Manetta»، وهو اسم يمكن ترجمته تقريباً إلى «فتيات بأقصى سرعة»، في إشارة إلى النساء اللاتي يتولين قيادة القوارب.

وتُعد المبادرة أول مدرسة، ولا تزال الوحيدة، لتعليم قيادة القوارب ذات المحركات في البندقية، تديرها نساء وتفتح أبوابها أمام الجميع.

ولدت الفكرة من إدراك كانينو أن عالم الملاحة لا يزال إلى حد كبير مجالاً يُهيمن عليه الرجال.

وتقول كانينو: «يا فتيات، علينا أن نبدأ التعرف بعضنا إلى بعض، ومنح دورنا في هذه المدينة قيمة اجتماعية ووزناً سياسياً».

إعادة تعريف المدينة من الماء

لا تدخل النساء إلى مياه البندقية عبر شعارات كبيرة أو حملات صاخبة. يحدث الأمر في كثير من الأحيان بهدوء، من خلال العمل والممارسة اليومية.

امرأة تقود جندولاً، وأخرى تجدّف بقارب تقليدي، وثالثة تبني القوارب، وأخريات يتعلمن قيادة القوارب ذات المحركات.

قد تبدو هذه الممارسات، كل واحدة منها على حدة، مجرد استثناءات محدودة في مدينة عريقة تحكمها تقاليد راسخة، لكنها، مجتمعة، تكشف عن تحول أعمق.

فالنساء لا يكتفين بدخول فضاء كان مغلقاً أمامهن طويلاً؛ إنهن يشاركن في إعادة تعريف هذا الفضاء نفسه.

وفي مدينة يكون فيها الماء شارعاً، يصبح وجود النساء على الماء أكثر من مجرد ممارسة لمهنة أو مهارة؛ إنه استعادة لجزء من المجال العام، وإعادة رسم لعلاقة المدينة بسكانها، ولصورة البندقية التي يحملها العالم عنها.

وهكذا، في حين تتغير البندقية بفعل ارتفاع المياه والسياحة وضغوط العصر، تتغير أيضاً من الداخل بفضل نساء يخضن مياهها، ويحملن تقاليدها إلى مستقبل مختلف.


مقالات ذات صلة

ما سر القصر المهجور بجوار مطار هيثرو؟

يوميات الشرق بوابات المدخل هي كل ما تبقى من العقار (فيسبوك)

ما سر القصر المهجور بجوار مطار هيثرو؟

في ظل مسارات الطائرات التي تحلق فوق مطار هيثرو، وبالقرب من قرية ستانویل الهادئة التي لا تلفت الأنظار كثيراً، تختبئ بقايا عقار كان ذات يوم واحداً من أبرز القصور.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق طرابلس كما بدت في فيلم «فأر أسود» (الشرق الأوسط)

«مهرجان رمّان»... دعوة إلى تخيّل مدننا من زاوية جديدة

تحوَّل فيلم «فأر أسود» في نسخته المجدَّدة من فيلم قصير إلى عرض حي وتجربة سمعية بصرية تتداخل فيها الموسيقى والصوت والإضاءة والذاكرة.

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق نحن بحاجة إلى الحب لكي نزدهر (بيكسباي)

3 أسباب تجعلنا نفتقد حبيباً سابقاً لا نريد العودة إليه

رغم أن الحياة الرومانسية تتفق مع مبادئ مثل الحداثة والتغيير، فإنه ورغم ذلك يمكن أن يؤدي الانفصال عن حبيب في لحظة ما إلى انقلاب مثير للفضول.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق تم إقناع الضحايا باستثمار مدخراتهم عبر زراعة الأشجار في كوستاريكا (رويترز)

أقنعوا ضحاياهم بالاستثمار في أشجار كوستاريكا... واستولوا على 95 مليون دولار

حُكم بالسجن على 3 مديرين في شركة لزراعة الأشجار في بريطانيا بعد قيامهم بعملية احتيال استثمارية بقيمة 95 مليون دولار، بعدما قاموا بخداع آلاف الأشخاص.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق تربية الأطفال أمر صعب ومرهق (رويترز)

ما أفضل طريقة للتعبير عن حبك لأطفالك؟

طرحت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) سؤالاً بشأن أفضل طريقة للتعبير عن حبك لأطفالك.

«الشرق الأوسط» (لندن )

12 منصة أرضية تنضم إلى 4 طائرات… وخطط لمد العمليات إلى جميع مناطق المملكة

طائرة تنفذ عملية بذر للسحب ضمن برنامج الاستمطار (البرنامج الإقليمي لاستمطار السحب)
طائرة تنفذ عملية بذر للسحب ضمن برنامج الاستمطار (البرنامج الإقليمي لاستمطار السحب)
TT

12 منصة أرضية تنضم إلى 4 طائرات… وخطط لمد العمليات إلى جميع مناطق المملكة

طائرة تنفذ عملية بذر للسحب ضمن برنامج الاستمطار (البرنامج الإقليمي لاستمطار السحب)
طائرة تنفذ عملية بذر للسحب ضمن برنامج الاستمطار (البرنامج الإقليمي لاستمطار السحب)

ارتبط استمطار السحب طويلاً بصورة طائرة تتجه نحو السحابة المناسبة لتنفيذ عملية البذر، لكن هذه الصورة تتجه إلى التغيّر في السعودية، مع الاستعداد لتوزيع 12 منصة أرضية في مناطق مختلفة، لتعمل ضمن منظومة تضم 4 طائرات مخصصة للاستمطار، في توسع ينقل أدوات البذر من الجو إلى الأرض.

وتكشف معلومات حصلت عليها «الشرق الأوسط» من البرنامج الإقليمي لاستمطار السحب أن غرفة العمليات المطورة ستتيح إدارة أسطول الطائرات الأربع ومتابعة المنصات الأرضية الـ12 بالتزامن، بينما يتولى 35 خبيراً وفنياً في الأرصاد متابعة العمليات على مدار الساعة.

ويأتي التوسع في وقت بلغت فيه حصيلة البرنامج 942 مهمة استمطار جوية في سماء المملكة، بأكثر من 2509 ساعات طيران تشغيلية، إلى جانب 83 مهمة بحثية بإجمالي 232 ساعة طيران لدراسة السحب، بينما تغطي العمليات حالياً 6 مناطق، مع خطط لتوسيعها مستقبلاً إلى جميع مناطق السعودية.

منظومة في الجو وعلى الأرض

تضع المنصات الأرضية عنصراً جديداً ضمن القدرات التشغيلية للبرنامج إلى جانب الطائرات؛ إذ سيتم توزيع المنصات في مناطق مختلفة، وربط متابعتها بغرفة العمليات؛ ما يسمح بإدارة أكثر من أداة ضمن منظومة تشغيلية واحدة.

ولم يحدد البرنامج، مواقع توزيع المنصات أو الجدول الزمني لدخولها العمل، إلا أن دمج متابعتها مع الطائرات يأتي بالتزامن مع تطوير غرفة العمليات التي تجمع في مساحة واحدة فرق الأرصاد والطيران والخدمات الأرضية وتقنيات الاستمطار والفرق الفنية والإدارات ذات العلاقة.

والهدف هو اختصار المسافة بين المعلومة والقرار؛ فعملية الاستمطار لا تبدأ مع إقلاع الطائرة، وإنما قبل ذلك بكثير، عندما تظهر سحابة على شاشات المراقبة، ويبدأ الخبراء في تحديد ما إذا كانت تستحق التدخل أصلاً.

ليست كل سحابة هدفاً

ليست كل سحابة تبدو ممطرة قابلة للاستمطار؛ اذ يبحث الخبراء، وفق المعلومات المقدمة لـ«الشرق الأوسط»، عن سحب ركامية متماسكة تمتلك تيارات هوائية صاعدة قوية، تساعد على رفع مواد الاستمطار إلى داخلها، إلى جانب ضرورة توافر رطوبة وقطرات مياه كافية.

ويختلف التعامل كذلك باختلاف درجة حرارة السحابة؛ فالسحب الباردة، التي تقل حرارتها عن الصفر، يجري بذرها بمواد تساعد على تكوين بلورات ثلجية تذوب لاحقاً وتهطل، بينما تستخدم أملاح طبيعية عند قاعدة السحب الدافئة للمساعدة على تجمع القطرات وزيادة حجمها.

وقد تخدع السحابة العين؛ إذ يمكن أن تبدو رمادية وكثيفة في السماء، لكنها تُستبعد من العملية إذا كانت خفيفة أو رقيقة وتفتقر إلى تيارات صاعدة مناسبة؛ لأن بذرها في هذه الحالة لن يحقق النتيجة المستهدفة.

دقائق لحسم القرار

وإذا اجتازت السحابة هذه المعايير، يبدأ سباق آخر مع الزمن، تراقب فرق البرنامج السماء لحظة بلحظة عبر الرادارات والأقمار الاصطناعية، ثم يحلل خبراء الأرصاد مسار الرياح ونمو السحابة لتحديد أفضل موقع وتوقيت للتدخل، قبل أن يقرر فريق الخبراء توجيه الطائرة وتحديد نوع وكمية المواد المناسبة للبذر.

وقد لا تملك الفرق سوى «دقائق معدودة» لتنفيذ ذلك؛ إذ أوضح البرنامج أن فرصة التدخل تقع ضمن نطاق زمني ضيق، ما يستدعي التحرك قبل أن تضعف السحابة أو تبدأ في التلاشي. وهنا تظهر إحدى وظائف غرفة العمليات المطورة؛ إذ تستخدم أنظمة حاسوبية حديثة لتحليل بيانات الطقس في ثوانٍ بهدف اختصار وقت اتخاذ القرار، إلى جانب ارتباطها المباشر بطائرة الأبحاث King Air 360، التي تمد الفرق بصور ثلاثية الأبعاد وبيانات فورية تساعد على قراءة تفاصيل السحابة.

942 مهمة في سماء المملكة

وتظهر الأرقام حجم العمليات التي باتت تُدار خلف هذه المنظومة؛ إذ نفذ البرنامج 942 مهمة استمطار جوية بأكثر من 2509 ساعات طيران تشغيلية. وبالتوازي مع العمليات التنفيذية، نفذ 83 مهمة بحثية بإجمالي 232 ساعة طيران لدراسة السحب، بينما جرى تدريب وتأهيل 115 مختصاً من خلال 38 دورة تدريبية.

ولا تتحرك عمليات الاستمطار بالوتيرة نفسها في أنحاء المملكة؛ إذ تحدد طبيعة المناخ والسحب موسم النشاط في كل نطاق جغرافي. ففي المنطقة الوسطى والشمالية، وتحديداً الرياض والقصيم وحائل، تنشط العمليات من الخريف إلى الربيع لاستهداف السحب الباردة، بينما تتركز على المرتفعات الجنوبية الغربية وجبال الحجاز بين أبريل (نيسان) وأغسطس (آب)، بالتزامن مع نشاط السحب التضاريسية والدافئة.

وإذا ظهرت مجموعة سحب مناسبة في الوقت نفسه، يوجه البرنامج الطائرات إلى السحابة الأكثر جاهزية وغزارة، إلى جانب إعطاء أولوية للمحميات والمناطق الأكثر احتياجاً لدعم مصادر المياه وزيادة الغطاء النباتي.

من المطر إلى أثره على الأرض

ولا تنتهي العملية بانتهاء البذر؛ إذ تنتقل الفرق بعدها إلى متابعة ما حدث داخل السحابة وعلى الأرض. ويقول البرنامج إنه يتابع السحابة بالرادار بعد البذر لرصد نمو قطرات المطر وزيادة كثافتها، ويقارن كميات الأمطار المسجلة، إلى جانب متابعة بيانات أرضية وبيانات الأقمار الاصطناعية المرتبطة برطوبة التربة.

وبحسب المعلومات المقدمة للصحيفة، أُجريت أكثر من 13000 قراءة مرتبطة برطوبة التربة، وسجلت منطقة القصيم ومحمية الملك سلمان الملكية أعلى استجابة في ارتفاع رطوبة الأرض ضمن المؤشرات التي جرى رصدها.

كما غطت عمليات البرنامج 67 في المائة من المواقع البيئية المهمة للمركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر، بما يعادل 255 موقعاً، في ارتباط بين بعض أولويات عمليات الاستمطار ومستهدفات دعم مصادر المياه وزيادة الغطاء النباتي. ومع ذلك، لا تقدم المعلومات التي حصلت عليها الصحيفة تقديراً رقمياً لمقدار الزيادة في الهطول التي يمكن نسبتها مباشرة إلى عمليات الاستمطار، وهو ما يجعل الرحلات البحثية وعمليات القياس والمتابعة جزءاً موازياً للعمل التشغيلي.

وبعد سنوات ارتبط فيها مشهد الاستمطار أساساً بالطائرة التي تتجه نحو السحابة، ترسم القدرات الجديدة صورة أوسع للعملية؛ بطائرات ومنصات أرضية مرتقبة في مناطق مختلفة، وغرفة عمليات تتابعها بالتزامن، ضمن خطة تتجه في نهايتها إلى توسيع نطاق عمليات الاستمطار ليشمل جميع مناطق المملكة.


ما سر القصر المهجور بجوار مطار هيثرو؟

بوابات المدخل هي كل ما تبقى من العقار (فيسبوك)
بوابات المدخل هي كل ما تبقى من العقار (فيسبوك)
TT

ما سر القصر المهجور بجوار مطار هيثرو؟

بوابات المدخل هي كل ما تبقى من العقار (فيسبوك)
بوابات المدخل هي كل ما تبقى من العقار (فيسبوك)

في ظل مسارات الطائرات التي تحلق فوق مطار هيثرو، وبالقرب من قرية ستانویل الهادئة التي لا تلفت الأنظار كثيراً، تختبئ بقايا عقار كان ذات يوم واحداً من أبرز القصور الريفية في المنطقة.

إنها «ستانويل بليس»، التي كانت في زمن مضى قصراً فخماً ومقراً للملك فيصل الثاني، آخر ملوك العراق، قبل أن تختفي معالمها تدريجياً ولا يبقى منها اليوم سوى شذرات متناثرة وذكريات تروي فصولاً من تاريخ طويل، امتد من حياة طبقة النبلاء الإنجليز إلى سنوات الحرب العالمية الثانية، ثم ارتبط لفترة قصيرة بالمنفى الملكي، حسب صحيفة «مترو» اللندنية.

قرون من التاريخ

شهدت «ستانويل بليس» توسعات وتغييرات متتالية على مدى قرون، مع انتقال ملكية العقار بين عائلات عدة.

لكن أبرز التحولات العمرانية شهدها مطلع القرن التاسع عشر، عندما تولت عائلة غيبونز تطوير المنزل الرئيسي وإنشاء القصر الذي أصبح مركزاً للعقار.

وكانت أراضي الملكية تمتد على مساحة واسعة من الحدائق والمراعي والمزارع التي كان يستأجرها السكان المحليون، في صورة تعكس نمط الحياة التقليدي لطبقة ملاك الأراضي والنبلاء في الريف الإنجليزي.

ويُعتقد أن المساحات الخضراء المحيطة بالقصر صُممت في القرن الثامن عشر، وكانت تمتد على مئات الأفدنة.

لكن مساحة العقار بدأت بالتقلص تدريجياً مع بيع أجزاء من أراضيه واستخدامها في مشروعات مختلفة، من بينها إنشاء خزانات للمياه وتطوير قطع صغيرة من الأراضي الزراعية، لتبدأ بذلك نهاية حقبة طويلة من اتساع «ستانويل بليس».

من القصر إلى قلب المجهود الحربي

في عام 1933، انتقلت ملكية «ستانويل بليس» إلى السير جون غيبسون، وهو مهندس مدني بارز أصبح لاحقاً فارساً تقديراً لإسهاماته خلال الحرب العالمية الثانية.

ولم يكن غيبسون مجرد مالك لعقار ريفي؛ فقد لعب دوراً مهماً في عدد من المشروعات الهندسية الكبرى في بريطانيا خلال الحرب.

ومن بين أعماله الإسهام في مشروع «خزان كوين ماري»، كما شغل منصب نائب المدير وكبير المهندسين المدنيين في وزارة الإمدادات البريطانية، لكن أبرز أدواره جاء في مشروع عسكري بالغ السرية عُرف باسم «مرافئ مولبيري». وكانت هذه المرافئ الاصطناعية الضخمة جزءاً من الاستعدادات لغزو الحلفاء نورماندي عام 1944؛ إذ ساعدت على إنشاء بنية تحتية مؤقتة لتسهيل إنزال القوات والمعدات والإمدادات على الساحل الفرنسي.

وهكذا، ارتبط القصر الريفي الهادئ لفترة من الزمن بأحد أكثر المشاريع الهندسية والعسكرية أهمية في الحرب العالمية الثانية.

الملك فيصل الثاني في «ستانويل بليس»

بعد الحرب، ارتبط اسم «ستانويل بليس» بضيف مختلف تماماً عن المهندسين والعائلات الأرستقراطية التي سكنت العقار عبر تاريخه.

فقد أصبح الملك فيصل الثاني ملك العراق من بين الذين ارتبطوا بالقصر، الذي وفر له مقراً بعيداً عن بلاده.

كان فيصل الثاني آخر ملوك العراق، وتولى العرش وهو في سن صغيرة، في ظل الوصاية ثم في مرحلة شهد فيها العراق تحولات سياسية عميقة.

لكن علاقته بـ«ستانويل بليس» لم تدم طويلاً.

وفي عام 1958، أطاح انقلاب عسكري بالنظام الملكي في العراق، وانتهت حياة الملك فيصل الثاني بالاغتيال خلال الأحداث الدامية التي شهدتها بغداد.

ومع مقتله، انقطعت صلة القصر بالملك العراقي، ولم يمض وقت طويل قبل أن يدخل العقار مرحلة جديدة من الإهمال.

نهاية القصر

بحلول ستينات القرن الماضي، كانت آثار الإهمال قد بدأت تظهر بوضوح على «ستانويل بليس».

ولم يعد القصر الذي شهد قروناً من التاريخ قادراً على الصمود أمام التحولات التي كانت تجري حوله.

وفي نهاية المطاف، هُدم المنزل الرئيسي لإفساح المجال أمام استخراج الحصى من أرض الموقع، لتختفي بذلك معظم معالم القصر المادية.

وهكذا، لم يعد «ستانويل بليس» قصراً يمكن زيارته أو التجول في أروقته، بل أصبح اسماً يختبئ خلف المشهد الحديث للمنطقة المحيطة بمطار هيثرو.

ففي المكان الذي كان ذات يوم يحتضن حياة الأرستقراطية الإنجليزية، ثم استقبل ملك العراق، أصبحت الطائرات الحديثة تعبر السماء فوق أرض تحمل ذاكرة مختلفة تماماً.

وبين ضجيج محركات الطائرات وامتداد البنية التحتية الحديثة، لا يكاد يبقى من القصر سوى آثار متفرقة وقصة تاريخية تذكّر بأن بعض أكثر الأماكن هدوءاً في محيط لندن يمكن أن تخفي وراءها فصولاً من تاريخ بريطانيا والعراق وأوروبا.


أفلام مصرية جديدة تبحث عن نصيبها من الإيرادات بنهاية «موسم الصيف»

محمود حميدة وشيرين رضا في أحد مشاهد فيلمهما الجديد (الشركة المنتجة)
محمود حميدة وشيرين رضا في أحد مشاهد فيلمهما الجديد (الشركة المنتجة)
TT

أفلام مصرية جديدة تبحث عن نصيبها من الإيرادات بنهاية «موسم الصيف»

محمود حميدة وشيرين رضا في أحد مشاهد فيلمهما الجديد (الشركة المنتجة)
محمود حميدة وشيرين رضا في أحد مشاهد فيلمهما الجديد (الشركة المنتجة)

رغم اقتراب موسم الصيف السينمائي في مصر من نهايته، فإن دور العرض تستقبل خلال سبتمبر (أيلول) الحالي عدداً من الأفلام الجديدة، لتبحث عن نصيبها من الإيرادات قبل نهاية الموسم، ربما لتأخر أصحابها في إنهاء مراحلها الأخيرة، أو لأنها لم تجد توقيتاً مناسباً في ذروة الموسم الأكثر منافسة الذي يمنح الأولوية لأفلام نجوم الشباك بدور العرض.

ولعل أبرز هذه الأفلام «ريد فلاج» و«شيش دو»، ومن المتوقع عرض فيلم «شكوى 713317» لياسر شفيعي بنهاية هذا الشهر، وفيلم أحمد حلمي «حدوتة».

وينطلق عرض فيلم «ريد فلاج» 9 سبتمبر، وهو من بطولة أحمد حاتم، وجميلة عوض، وشريف منير، ونسرين أمين، وانتصار، وتدور أحداثه حول الطيار هشام، متعدد العلاقات وزوجته التي تعمل مديرة لإحدى شركات الدعاية والإعلان، والتي تتسلل إليها الشكوك حول خيانة زوجها لها. ويؤدي الفنان شريف منير شخصية والد الزوج الذي يعمل حائكاً لملابس النساء، ويشير عنوان الفيلم إلي وجود إشعار خطر في علاقة بطليه، ويكشف بأسلوب كوميدي عن مفهوم الـ«ريد فلاج»، وتأثيره على العلاقات العاطفية. الفيلم كتبه أحمد محيي عن فكرة كيرو أيمن وإخراج محمود كريم.

أبطال الفيلم على الملصق الدعائي (الشركة المنتجة)

وحظي الإعلان الترويجي لفيلم «شيش دو» باهتمام لافت عبر «السوشيال ميديا»؛ حيث أشاد مغردون بعودة الفنان باسم سمرة للكوميديا، من خلال الفيلم الذي يؤدي بطولته أمام بيومي فؤاد وأحمد صيام ومالك عماد وبسنت أبو باشا ورحمة أحمد ومحمود عزب، ومن إنتاج وإخراج أكمل شهير، في أول أفلامه مخرجاً، بعد مشاركته ممثلاً في أعمال درامية، ويشارك في إنتاجه اللبناني رولان ضو.

ويناقش الفيلم -الذي يعرض 17 الشهر الحالي- الصراع الطبقي والانهيار الأخلاقي، وتدور أحداثه خلال ليلة واحدة، يعثر فيها الصديقان عادل ونبيل على شاب ثري فاقد الوعي، فيقرران اختطافه وطلب فدية، هرباً من الفقر الذي يعيشان فيه. وفي خضم الأحداث، تتشابك مصالح الخاطفين مع عائلة الشاب، وتكشف المواقف عن صراع الطبقات في قالب من الكوميديا السوداء.

ومن المنتظر عرض فيلم «شكوى 713317» للمخرج ياسر شفيعي نهاية هذا الشهر، وهو أول أفلامه الطويلة، وقد شهد عرضه الافتتاحي ضمن فعاليات «مهرجان القاهرة السينمائي»؛ حيث فاز بجائزة أفضل سيناريو في مسابقة «آفاق السينما العربية». ويشارك في بطولته محمود حميدة وشيرين، وتدور أحداثه حول زوجين متقاعدين تتعطل ثلاجة منزلهما العتيقة، لتتحول المشكلة إلى أزمة كبيرة بعد وقوعهما ضحية لشركة صيانة مشبوهة، ما يهدد استقرار حياتهما.

وحاز الفنان محمود حميدة جائزة أفضل ممثل من «مهرجان الدار البيضاء» بالمغرب عن دوره في الفيلم، كما تُوّج العمل بجائزة أفضل فيلم في المهرجان ذاته. وشارك الفيلم في عدد كبير من المهرجانات، من بينها مهرجان «شانغهاي» الدولي ومهرجان «روتردام».

ملصق الفيلم الذي ينافس في نهاية الموسم الصيفي (الشركة المنتجة)

يذكر أن الفيلم من إنتاج «رد ستار» و«أفلام مصر العالمية»، ويقول المنتج صفي الدين محمود لـ«الشرق الأوسط» إن فيلم «شكوى 713317» تأجل عرضه لأنه على مدى هذا العام شارك في عدد كبير من المهرجانات العربية والغربية؛ لذا رأينا تأجيل عرضه حتى لا نؤثر على هذه المشاركات، لافتاً إلى أنه «في طريقه للعرض الجماهيري بمصر نهاية هذا الشهر، أو أوائل الشهر المقبل على الأكثر».

كما يُتوقع عرض فيلم «حدوتة» للفنان أحمد حلمي خلال الفترة المقبلة، من دون تحديد موعد نهائي لطرحه حتى الآن. ويشارك في بطولته أمينة خليل، وماجد المصري، وخالد الصاوي، ورحمة أحمد، ومحمد عبد العظيم، وهو من تأليف أحمد عبد الرحمن وإخراج مازن أشرف.

ويجسد حلمي في الفيلم شخصية رجل فقد والديه منذ طفولته، ويعيش لدى أسرة أخرى، قبل أن تشهد حياته عدداً من المفارقات. ومن المتوقع أيضاً عرض فيلمه الثاني «أضعف خلقه» ضمن منافسات الموسم الصيفي العام المقبل، ليشكّل الفيلمان عودة مهمة لأحمد حلمي إلى السينما بعد غياب 4 سنوات منذ عرض فيلمه «واحد تاني».

ويرى الناقد الفني المصري سيد محمود سلام أن «عرض أفلام جديدة مع نهاية الموسم الصيفي سيحظى بفرص ضعيفة لتحقيق إيرادات لافتة»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «أفلاماً لنجوم كبار خلال هذا الموسم لم تحقق الإيرادات المتوقعة منها، وجاءت أقل بكثير مقارنة بأفلام الموسم الصيفي من العام الماضي، ما دفع عدداً من شركات الإنتاج والتوزيع إلى التراجع عن فكرة طرح أفلامها حالياً، بعد تكبدها خسائر من أفلام الصيف، إلى حين استقرار السوق».

وأضاف: «إن ما سيُعرض خلال الفترة المقبلة سيقتصر على الأفلام قليلة الميزانية، أما الأفلام الكبيرة إنتاجياً، التي يقوم ببطولتها نجوم شباك، فمن المتوقع تأجيل طرحها خلال الفترة الحالية».