السعودية تدخل 2027 بتعافٍ قوي وتنوع أكبر في محركات النمو

مختصون لـ«الشرق الأوسط»: الإيرادات غير النفطية توسّع قاعدة الاقتصاد وتدعم الاستدامة المالية

المركز المالي في السعودية (واس)
المركز المالي في السعودية (واس)
TT

السعودية تدخل 2027 بتعافٍ قوي وتنوع أكبر في محركات النمو

المركز المالي في السعودية (واس)
المركز المالي في السعودية (واس)

تدخل المالية العامة السعودية عام 2027 من قاعدة مختلفة عن العام الحالي، مع توقعات بتعافي النمو بقوة بعد الانكماش المرتبط بتراجع إنتاج النفط، في وقت أظهر فيه الاقتصاد غير النفطي قدرة متزايدة على دعم النشاط وتخفيف أثر الصدمة النفطية. ويعكس بيان الميزانية التمهيدي استمرار الرهان على الإنفاق الاستثماري، وتنويع مصادر النمو، بالتوازي مع مسار يستهدف خفض العجز تدريجياً خلال السنوات المقبلة.

وتوقع البيان نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 12.8 في المائة 2027، بعد انكماش متوقع بنحو 3.6 في المائة خلال 2026، فيما يُقدّر العجز عند 3.6 في المائة من الناتج المحلي. وفي الوقت نفسه، يواصل القطاع غير النفطي توسيع إسهاماته في الاقتصاد، مدعوماً بتنامي الإيرادات غير النفطية، ودور القطاع الخاص والاستثمارات المرتبطة بالتحول الاقتصادي.

وقال مختصون لـ«الشرق الأوسط» إن هذه المؤشرات تعكس تحولاً تدريجياً في مصادر النمو والإيرادات، مع استمرار النفط في أداء دوره الرئيسي في المالية العامة والصادرات، لكن ضمن اقتصاد أصبحت لديه قاعدة أوسع من الأنشطة القادرة على توليد النمو والدخل.

وتوقعت السعودية إنفاقاً حكومياً بنحو 1.392 تريليون ريال (371 مليار دولار) في موازنة 2027، مقابل إيرادات عند 1.202 تريليون ريال (320.5 مليار دولار)؛ بحيث يتوقع أن يبلغ العجز ما قيمته 190 مليار ريال (50.5 مليار دولار) فيما يُقدّر عجز الموازنة بنحو 3.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

3 سيناريوهات للإيرادات

وتضمنت تقديرات موازنة 2027 ثلاثة سيناريوهات للإيرادات خلال الفترة من 2027 إلى 2029، مع تثبيت الإنفاق الحكومي عند نحو 1.392 تريليون ريال سنوياً، بما يعكس اختلاف النتائج المالية المحتملة تبعاً لمسار الإيرادات.

وحسب السيناريو الأساسي، تُقدّر الإيرادات عند 1.202 تريليون ريال، مقابل عجز يبلغ نحو 191 مليار ريال، فيما يفترض السيناريو المرتفع ارتفاع الإيرادات إلى 1.261 تريليون ريال، وتراجع العجز إلى نحو 132 مليار ريال. وفي المقابل، يفترض السيناريو المنخفض تراجع الإيرادات إلى 1.134 تريليون ريال، ليرتفع العجز إلى نحو 259 مليار ريال.

وتعكس هذه السيناريوهات اتساع نطاق الاحتمالات أمام المالية العامة، في ظل ارتباط جزء من الإيرادات بتطورات أسواق النفط والاقتصاد العالمي، مع استمرار الحكومة في التخطيط للإنفاق ضمن مستويات محددة. كما تُظهر قدرة السياسة المالية على استيعاب تفاوت الإيرادات، من خلال تغير مستوى العجز، بدلاً من ربط الإنفاق بالكامل بالتقلبات قصيرة الأجل في الإيرادات.

الإنفاق والعجز

قال أستاذ الاقتصاد المساعد في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، الدكتور عبد الله المير، إن استمرار الإنفاق عند مستويات مرتفعة رغم تسجيل عجز في موازنة 2027 يعكس توجهاً لاستخدام السياسة المالية لدعم النمو وتمويل التحول الهيكلي في الاقتصاد.

وأوضح أن العجز المقدر بنحو 3.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي يأتي، من وجهة نظره، ضمن سياسة مالية تسعى إلى الموازنة بين دعم النشاط الاقتصادي والحفاظ على الاستدامة المالية، مشيراً إلى أن تقييم مستوى العجز يرتبط بطبيعة الإنفاق الذي يموله.

وأضاف أن توجيه الإنفاق إلى مشروعات البنية التحتية والتنمية والتحول الاقتصادي يمكن أن يدعم النمو ويوسع قاعدة الأنشطة غير النفطية، في حين أن ارتفاع الإنفاق الجاري غير المنتج قد يزيد أعباء الدين وتكاليف التمويل ويضغط على الاحتياطيات.

وأشار المير إلى أن الدين العام في السعودية، وفق تقديراته، يدور حالياً بين 30 و33 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مع استمرار الحكومة في استخدام أدوات التمويل المحلية والدولية، بما فيها الصكوك والسندات.

الإيرادات غير النفطية

ويرى المير أن التحول في هيكل الإيرادات يُمثل أحد المؤشرات المهمة على اتساع القاعدة الاقتصادية وانخفاض حساسية المالية العامة لتقلبات أسعار النفط، مشيراً إلى ارتفاع نسبة تغطية الإيرادات غير النفطية لإجمالي النفقات من نحو 17 في المائة خلال 2015 إلى نحو 36 في المائة 2025.

وقال إن هذا التحول تزامن مع توسع الاقتصاد السعودي ونمو إسهامات القطاع الخاص والاستثمارات، مدفوعاً باتساع الأنشطة غير النفطية في قطاعات تشمل البنية التحتية والسياحة والتحول الرقمي.

وأضاف أن الاستثمارات المرتبطة باستراتيجية الاستثمار الوطنية، وتوسع صندوق الاستثمارات العامة، وبرنامج المقرات الإقليمية، أسهمت في تنشيط القطاعات غير النفطية، مشيراً، وفق تقديراته، إلى استقطاب أكثر من 700 شركة عالمية لمقراتها الإقليمية في الرياض.

مخاطر خارجية

وحول المخاطر التي قد تواجه موازنة 2027، أشار المير إلى أن التطورات الجيوسياسية في المنطقة والعالم تظل من أبرز العوامل المؤثرة في أسواق النفط والسلع وحركة الشحن.

وأوضح أن تباطؤ الاقتصاد العالمي، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة، قد ينعكس على الطلب على النفط السعودي والصادرات غير النفطية، في حين يمكن لاستمرار التضخم العالمي وارتفاع أسعار الفائدة أن يرفع تكاليف التمويل على القطاع الخاص.

ولفت كذلك إلى احتمال انتقال جزء من الضغوط التضخمية العالمية إلى الأسعار المحلية عبر ارتفاع تكاليف السلع والخدمات والشحن، مشيراً إلى أن التضخم في السعودية يُتوقع أن يبلغ 2.1 في المائة خلال 2026.

مؤشر الاقتصاد غير النفطي

ويرى المير أن نمو الناتج المحلي الحقيقي للأنشطة غير النفطية سيكون المؤشر الأهم لمتابعة أداء الاقتصاد السعودي خلال 2027، بوصفه مؤشراً على استمرار التنويع الاقتصادي وتراجع الاعتماد النسبي على النفط.

وأضاف أن نمو الأنشطة غير النفطية ينعكس على الإيرادات غير النفطية واستدامة المالية العامة وسوق العمل، إلى جانب مؤشرات أخرى تشمل التضخم، ونسبة تغطية الإيرادات غير النفطية للنفقات، والبطالة بين السعوديين، وإسهامات القطاع الخاص في الناتج المحلي ونسبة الدين إلى الناتج.

التحول الاقتصادي

من جهته، قال الدكتور والمستشار المالي حسين العطاس إن أرقام موازنة 2027 تكشف عن تركيز السياسة المالية على استدامة النمو الاقتصادي بالتوازي مع الاستدامة المالية، وليس فقط ضبط الإنفاق أو تقليص العجز.

وأوضح أن الموازنة تستهدف مواصلة الإنفاق على المشروعات والقطاعات الداعمة للتحول الاقتصادي، وتعزيز دور القطاع الخاص ورفع إسهامات الأنشطة غير النفطية، مع الحفاظ على مستويات إنفاق قادرة على دعم النمو والاستثمار.

ويرى العطاس أن ذلك يعكس انتقال السياسة المالية من التركيز على إدارة الإيرادات النفطية إلى إدارة اقتصاد أكثر تنوعاً، واستخدام المالية العامة بوصفها أداة لتمكين النمو المستدام.

المركز المالي في السعودية (واس)

نمو الإيرادات غير النفطية

وأشار العطاس إلى أن أبرز التحولات خلال العقد الماضي تمثّل في النمو الكبير للإيرادات غير النفطية، التي ارتفعت من نحو 166 مليار ريال في 2015 إلى نحو 505 مليارات ريال في 2025، عادّاً أن هذا النمو يعكس تحولاً هيكلياً في الاقتصاد، وليس مجرد زيادة مؤقتة في الإيرادات.

وأضاف أن توسع قاعدة الأنشطة الاقتصادية غير النفطية، إلى جانب تنامي دور القطاع الخاص والسياحة والخدمات والصناعة والتقنية والاستثمار، جعل الاقتصاد السعودي يمتلك قاعدة أوسع لتوليد النمو والإيرادات.

النفط لا يزال ركيزة

وحسب العطاس، فإن أبرز إنجاز اقتصادي بعد نحو عقد على إطلاق «رؤية 2030» يتمثل في انتقال التنويع الاقتصادي من مرحلة التخطيط والمبادرات إلى ظهور أثره الفعلي في الاقتصاد والمالية العامة، مشيراً إلى أن الإيرادات غير النفطية أصبحت مصدراً مهماً للمالية العامة.

ولفت إلى أن انخفاض حساسية الاقتصاد السعودي لتقلبات أسعار النفط لا يعني زوال تأثير الخام، إذ لا يزال مكوناً رئيسياً في الإيرادات والصادرات، ومن ثم يظل تغير الأسعار والإنتاج مؤثراً في المالية العامة.

لكنه أشار إلى أن الفارق اليوم يتمثل في اتساع الاقتصاد غير النفطي وقدرته على توليد النمو والإيرادات، ما يجعل الاقتصاد السعودي أكثر تعدداً في محركاته، مع بقاء النفط ركيزة أساسية.

وقال العطاس إن جوهر التحول الاقتصادي لا يتمثل في الاستغناء عن النفط، وإنما في بناء اقتصاد يستطيع مواصلة النمو والتوسع مع اختلاف ظروف السوق النفطية.


مقالات ذات صلة

الدفاعات الجوية السعودية تحبط محاولة استهداف حقل شيبة

الخليج حقل شيبة التابع لشركة «أرامكو السعودية» (الشرق الأوسط)

الدفاعات الجوية السعودية تحبط محاولة استهداف حقل شيبة

اعترضت الدفاعات الجوية السعودية طائرة مسيّرة حاولت استهداف أحد المعامل في حقل شيبة التابع لشركة «أرامكو السعودية» بالمنطقة الشرقية، صباح الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج هيئة كبار العلماء في السعودية (الشرق الأوسط)

«كبار العلماء» السعودية: استهداف الحوثيين للمقدسات والمدنيين إرهاب بكل المقاييس

أكّدت هيئة كبار العلماء في السعودية، الأربعاء، أنّ ما تقوم به الميليشيا الحوثية من استهداف للمقدسات والمدنيين إرهاب بكل المقاييس.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا الرئيس السيسي خلال جلسة «التنمية الحضرية والعمرانية» بـ«منتدى مصر» الثلاثاء (الرئاسة المصرية)

السيسي: الجهد العسكري مع السعودية دفاعي ولا يشمل هجوماً على اليمن

قال السيسي، مساء الأربعاء، إن «المقصود هو الدفاع عن أراضي المملكة وحدودها، وأراضي أي دولة عربية أخرى إذا طلب من مصر ذلك».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الرياض الأربعاء (واس)

ولي العهد يتسلَّم رسالة لخادم الحرمين من الرئيس المصري

تسلّم الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، رسالة خطية لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان فهد بن عبد الرحمن الدوسري (رئاسة الحكومة)

السفير السعودي لدى لبنان يُثمن جهود الحكومة للحفاظ على المؤسسات

ثمّن سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان فهد بن عبد الرحمن الدوسري الجهود التي تبذلها الحكومة اللبنانية للحفاظ على الدولة ومؤسساتها الوطنية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

ترمب يستعرض جهود مكافحة عمليات الاحتيال بالعملات المشفرة الآتية من الخارج

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للإعلان عن برنامج لحماية المبلغين عن المخالفات (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للإعلان عن برنامج لحماية المبلغين عن المخالفات (رويترز)
TT

ترمب يستعرض جهود مكافحة عمليات الاحتيال بالعملات المشفرة الآتية من الخارج

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للإعلان عن برنامج لحماية المبلغين عن المخالفات (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للإعلان عن برنامج لحماية المبلغين عن المخالفات (رويترز)

يستعرض الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الأربعاء، جهود إدارته لمكافحة الشبكات الإجرامية الأجنبية التي تستدرج الأميركيين إلى استثمارات احتيالية في العملات المشفرة، وفق ما أفاد به مسؤول في البيت الأبيض «رويترز»، في إطار فعالية أوسع نطاقاً بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية.

ومن المتوقع أن يستعرض ترمب وعدد من أعضاء حكومته، خلال فعالية في البيت الأبيض، جهود الحكومة لمصادرة مواقع إلكترونية تُستخدم في عمليات احتيال استثماري بالعملات المشفرة، إلى جانب المساعي الرامية إلى وقف عمليات الاحتيال عبر انتحال الهوية على الإنترنت، وفق المسؤول.

وأضاف مسؤول في الإدارة الأميركية أن من المتوقع حضور وزير الأمن الداخلي ماركواين مولين، ومدير «مكتب التحقيقات الاتحادي» كاش باتيل، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، والمدعي العام تود بلانش. كما يُتوقع حضور كبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، ونائب رئيس الموظفين ستيفن ميلر، والمدير الوطني لـ«الأمن السيبراني» شون كيرنكروس.

وقدّم الأميركيون أكثر من مليون شكوى إلى «مكتب التحقيقات الاتحادي» بشأن عمليات الاحتيال عبر الإنترنت العام الماضي، بزيادة قدرها 17 في المائة مقارنة بعام 2024، وفقاً لتقرير صادر عن «المكتب» أشار أيضاً إلى أن الخسائر المالية التي أبلغ عنها المشتكون بلغت مستويات قياسية.

وتشارك عائلة ترمب على نطاق واسع في استقطاب استثمارات العملات المشفرة.

وخلص تحقيق أجرته «رويترز» إلى أن ترمب ونجليه أضافوا ما لا يقل عن 2.3 مليار دولار إلى ثروة العائلة من خلال مشروعاتهم الرئيسية في مجال العملات المشفرة، في حين تكبّد المستثمرون الذين استقطبتهم العائلة خسائر بلغت 2.3 مليار دولار.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي، في بيان لـ«رويترز» رداً على التحقيق، إن «جميع الإجراءات التي يتخذها الرئيس ترمب وإدارته تصب في مصلحة الشعب الأميركي».

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، أصدر ترمب عفواً عن تشانغبينغ تشاو، المؤسس المدان لمنصة «بينانس» لتداول العملات المشفرة، بعدما ترك منصبه إثر إقرار الشركة بالذنب في قضية تتعلق بالإخفاق في الحفاظ على برنامج فعّال لمكافحة غسل الأموال.

وفي مارس (آذار) الماضي، وجّه ترمب وزارة العدل، بموجب أمر تنفيذي، إلى إعطاء الأولوية لتحديد هوية المحتالين الذين يرتكبون جرائم عبر الإنترنت وملاحقتهم قضائياً. كما وجّه لاحقاً وزارة الأمن الداخلي إلى العمل مع شركات خاصة لمراقبة مجموعات القرصنة الإلكترونية الأجنبية.


تراجع مخزونات النفط والبنزين الأميركية بأكثر من التوقعات

خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)
خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)
TT

تراجع مخزونات النفط والبنزين الأميركية بأكثر من التوقعات

خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)
خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)

أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، الأربعاء، أن مخزونات النفط الخام والبنزين في الولايات المتحدة انخفضت خلال الأسبوع الماضي بأكثر من التوقعات، في حين ارتفعت مخزونات المقطرات.

وأوضحت الإدارة، في تقريرها الأسبوعي الذي يحظى بمتابعة واسعة، أن مخزونات النفط الخام تراجعت بمقدار 3.06 مليون برميل لتصل إلى 412.5 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 16 أكتوبر (تشرين الأول)، وذلك مقارنة بتوقعات المحللين في استطلاع أجرته وكالة «رويترز» بانخفاض قدره 820 ألف برميل.

كما أشارت الإدارة إلى ارتفاع مخزونات النفط الخام في مركز التسليم في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بمقدار 987 ألف برميل خلال الأسبوع نفسه.

وذكرت إدارة معلومات الطاقة أن كميات النفط الخام التي تمت معالجتها في المصافي ارتفعت بمقدار 34 ألف برميل يومياً.

وانخفضت معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.1 نقطة مئوية خلال الأسبوع لتصل إلى 93.4 في المائة. وفقاً للبيانات.

وفيما يتعلق بالبنزين، أفادت الإدارة بأن المخزونات الأميركية انخفضت بمقدار 2.95 مليون برميل لتصل إلى 205.3 مليون برميل، مقابل توقعات بانخفاض قدره 443 ألف برميل.

وأظهرت البيانات ارتفاع مخزونات المقطرات -التي تشمل الديزل وزيت التدفئة- بمقدار 1.68 مليون برميل لتصل إلى 104.3 مليون برميل، مخالفةً بذلك توقعات كانت تشير إلى انخفاض قدره 1.16 مليون برميل.

كما ذكرت إدارة معلومات الطاقة أن صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام ارتفع بمقدار 837 ألف برميل يومياً.

وعلى الفور، تحولت العقود الآجلة لخام برنت والخام الأميركي إلى الارتفاع وسط تداولات متقلبة شهدتها جلسة الأربعاء، وذلك فور صدور التقرير.


ضوابط قضائية صارمة تحاصر قانون الفجوة المالية في لبنان

مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)
مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)
TT

ضوابط قضائية صارمة تحاصر قانون الفجوة المالية في لبنان

مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)
مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)

أعاد قرار المجلس الدستوري في لبنان إبطال المادة الثالثة من قانون إصلاح المصارف وإعادة تنظيمها، استجابةً للطعن المقدّم من رئيس الجمهورية جوزيف عون، رسم مسار معالجة الفجوة المالية واسترداد الودائع، بما قد ينعكس على صياغة القانون المرتقب والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي للتوصل إلى اتفاق تمويلي.

ويعيد القرار مصرف لبنان إلى موقع محوري في إدارة عملية إعادة هيكلة المصارف، في تطور تتجاوز تداعياته قانون إصلاح المصارف إلى مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، الذي يُعدّ من المرتكزات الأساسية لمعالجة الفجوة المالية وتحديد المسؤوليات عن الخسائر وتوزيع أعبائها.

وتكمن الأهمية الاستثنائية للقرار في إعادة الاعتبار إلى المضمون الأساسي للقانون رقم 23، الصادر في صيف العام الماضي، والذي يُلزم بالتقيد بأحكام قانون النقد والتسليف، ويستهدف «تعزيز استقرار النظام المالي، ومعالجة حالات التعثر، وحماية الودائع في عملية التصفية والإصلاح، والحدّ من استخدام الأموال العامة في عملية إصلاح أي مصرف متعثر». وبذلك، يشطب القرار عملياً استهلالية التعديل المطعون به، والتي نصت على «وضع إطار قانوني حديث يتلاقى مع المعايير الدولية المتبعة».

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

وليس خافياً، وفق قراءة مسؤول مالي معنيّ، أن تداعيات القرار لا تقتصر على بُعده القانوني البحت، ولا على واقع الرفض الضمني للتعديل الوارد من قبل فريق الصندوق الدولي، بل تمتدّ تلقائياً إلى اختلاف المقاربات السياسية والقطاعية في إعداد مندرجات مشروع قانون الفجوة المالية الذي يفترض أن تشرع اللجان النيابية بمناقشته قريباً، سواء بنسخته المحالة من الحكومة بنهاية العام الماضي، أو بعد اكتمال المراجعة المرتقبة من قبل الفريق الاقتصادي الحكومي، وبالاستناد إلى خلاصات المداولات مع حاكمية البنك المركزي ومؤسسات مالية دولية.

ويشير المسؤول المالي إلى أن القرار يشدد الضوابط القضائية على مسار المعالجات المطروحة، ويتكامل في هذا السياق مع مطالعة سابقة لمجلس شورى الدولة، تم إعادة تثبيتها قبل أشهر، وتقضي بأنه لا يمكن شطب الودائع أو إلغاء ديون والتزامات مصرف لبنان المركزي بقرار حكومي دون سند تشريعي صريح وضمانات دستورية تحفظ حق الملكية الفردية. كما رفض المجلس تحميل المودعين وحدهم كلفة الخسائر المالية، مؤكداً مسؤولية الدولة ومصرف لبنان في الأزمة المالية.

بذلك، اكتسبت الخشية من العودة إلى نقطة «الصفر» التي أوردتها «الشرق الأوسط» ضمن ترقباتها المسبقة لمنحى القرار، دفعاً قوياً بتأثيره الفوري واللاحق على القانون الارتكازي لمعالجة الفجوة، ولا سيما لجهة وصف المسؤوليات، وبالتبعية تحديد الأحمال على ثلاثي الدولة، والبنك المركزي، والمصارف، فيما تنحو توجيهات صندوق النقد، بتأييد حكومي غير مضمر وفقاً لما ورد في مشروع القانون، إلى تضييق المساهمة بالأموال العامة لأبعد حدود.

الرئيس عون مستقبلاً وفداً من جمعية المصارف (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

ومن المرجح، حسب مصادر معنية ومنحى المعطيات المحدثة، انحسار التطلعات لتجديد عقد اتفاق أولي مع صندوق النقد خلال الأشهر القليلة المقبلة، بالنظر إلى ربط توقيعه بدخول قانون معالجة أوضاع المصارف حيز التنفيذ، والمشروط قانونياً بصدور قانون معالجة الفجوة المالية، مع اشتراط توافقها مع المعايير الدولية. فضلاً عن الحاجة إلى إقرار موازنة العام المقبل، واعتماد إطار مالي متوسط الأجل يتوافق مع استدامة الدين العام في البلاد.

وتكشف الأرقام المرتبطة بالفجوة المالية عن حجم المأزق الذي تواجهه الحكومة اللبنانية في ظل الضغوط المتواصلة من صندوق النقد الدولي، وسط تباين في وجهات النظر بشأن كيفية توزيع الخسائر ومعالجة العجز المالي لدى الأطراف المعنية، وهي الدولة ومصرف لبنان والمصارف. وفي خضم هذه الخلافات، تبقى حقوق المودعين معلّقة إلى حين إقرار القانون الذي يحدد آليات التعامل مع مدخراتهم العالقة، المقدّرة بنحو 80 مليار دولار.

ويقابل هذه الودائع حجم مماثل من توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان، استُخدم معظمها في تمويل الدولة، التي استجرّت أموالاً تُقدّر بنحو 64 مليار دولار، وفق الأرقام الواردة في المعطيات المالية للأزمة.

وفي الأساس، ثمة «فجوة» عميقة في توصيف الأزمة وخلفياتها، حسب المسؤول المالي المعني، بينما تفترض التداعيات وموجبات إيفاء الحقوق، التوافق الناجز على تعريف «الأزمة النظامية» التي أقر بها صندوق النقد، وباعتبار أن المسألة لا تتعلق بتعثر مصرف واحد، أو حتى عدد من المصارف، وفق تأكيد حاكم المركزي، كريم سعيد، بل بانهيار متزامن للقدرة المالية للدولة، وللمركز المالي لمصرف لبنان، ولسيولة القطاع المصرفي، ولثقة المواطنين، بحيث أصبحت كل هذه العناصر تغذي بعضها، وصولاّ إلى انهيار شامل. كما ينبغي التنويه في سياق المقاربات العلاجية، بأن تخلّف الدولة عن سداد السندات الدولية في ربيع عام 2020، والبالغة حينها نحو 31 مليار دولار، ثم انهيار سعر صرف العملة الوطنية بنسبة قاربت 98 في المائة، الذي محا تقريباً ديون الدولة بالليرة، منحا الدولة فترة سماح طويلة نسبياً لعزل موجبات الديون عن الموازنة العامة، لكن ذلك يؤجل الاستحقاقات فقط ولا يشطبها، بأي حال، مع وجود شريحة واسعة من الدائنين الدوليين، مما يوجب ضم الملف إلى مشروع قانون الانتظام المالي.