تواصلت ردود الفعل في العراق على تصريحات مثيرة للجدل أدلى بها زعيم منظمة «بدر»، هادي العامري، بخصوص مشاركة الفصائل المسلحة في قمع ما يُعرف بـ «حراك تشرين» عام 2019، وسط معلومات عن تحركات لمقاضاته.
ففي سياق دفاعه عن الفصائل بشأن ما عدّه دورها في الدفاع عن النظام السياسي الحالي، إن كان على مستوى محاربة تنظيم «داعش» أو في سياق محاولة التصدي لكل محاولات زعزعة أركانه، أكد العامري أن الفصائل هي التي تولت إخماد ما سمّاها «فتنة تشرين»، في إشارة إلى التظاهرات الشعبية التي اندلعت في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019.
وبدا أن كلامه هذا كان بمثابة زلة لسان، خصوصاً أنه جاء بعد مرور نحو 7 سنوات على ذلك الحراك الجماهيري الذي راح ضحيته آلاف الضحايا على أيدي ما سُمّي آنذاك «الطرف الثالث» الذي لم تُكشف هويته، رغم أن الشعار الوحيد الذي رفعه المتظاهرون كان «نريد وطناً».
والعامري هو أحد أقطاب قوى الإطار التنسيقي الشيعي وعضو في اللجنة الثلاثية التي تضمه إلى جانب رئيسي الوزراء السابقين نوري المالكي ومحمد شياع السوداني لغرض التوسط بين الحكومة العراقية، من جهة، والفصائل المسلحة الرافضة تسليم سلاحها، من جهة أخرى. وجاءت تصريحاته المثيرة للجدل خلال احتفال جماهيري قبل أيام عندما قال إن «المقاومة هي التي وقفت بشجاعة أمام فتنة تشرين وحفظت الدولة والنظام السياسي».
وأثار كلامه هذا حفيظة عوائل قتلى المظاهرات والمصابين منهم.
زلة لسان
وبدت تصريحات العامري بمثابة محاولة لتبرير عدم التسرّع في تسليم سلاح الفصائل، لا سيما تلك التي أعلنت أن سلاحها عقائدي، وأنها مرتبطة بالصراع الدائر حالياً بين الولايات المتحدة وإيران، خصوصاً بعد زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف للعراق الأسبوع الماضي. لكن هذه التصريحات التي وُصفت بأنها «زلة لسان»، فتحت عليه أبواب الانتقادات من قِبل ضحايا «حراك تشرين»، خصوصاً أن هناك مَن ربط بين كلامه عن تصدي الفصائل المسلحة لـ«الفتنة» عام 2019 و«الطرف الثالث» الذي وُجّهت إليه الاتهامات بقتل المتظاهرين.
ولم تعلن الفصائل المسلحة موقفاً في السابق حيال الاتهامات التي كانت توجّه لها بوصفها «الطرف الثالث» المجهول. لكن كلام العامري أوحى بأن هذا الطرف بات معروفاً، بحيث بدأت عائلات الضحايا تحرّك دعاوى قضائية.

ولم يرد العامري بنفسه على التفسيرات التي قُدّمت لكلامه، لكن سياسياً شيعياً مقرباً من قوى الإطار التنسيقي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «تصريحات العامري، مثلما أرادها، كانت دفاعاً عن موقف الفصائل في لحظة مفصلية، خصوصاً أن حراك تشرين كانت تؤيده أطراف إقليمية ودولية وكان بالفعل أخطر حراك ضد الطبقة السياسية آنذاك، رغم أن شعاراته وطنية». وتابع أن «المحاولات التي جرت لشيطنة ما سُمّي وقتها بالطرف الثالث بوصفه معادياً للطرفين، أي للحكومة وللمتظاهرين، بحيث جرى آنذاك توجيه اتهامات للبعثيين وسواهم بمن في ذلك الإسرائيليين، كانت تهدف إلى تحقيق نتيجة واحدة وهي حماية العملية السياسية من مخاطر تهددها، حسب ما تصوّرت الطبقة السياسية (الحاكمة)».
ورأى المصدر أن «العامري ما كان يمكنه أن يجد دليلاً لحماية النظام السياسي أقوى مما قامت به الفصائل، دون أن يدرك ربما تداعيات ذلك، لا سيما أن الطريقة التي حمت بها الفصائل النظام السياسي كانت عبر وسيلة واحدة هي مواجهة المتظاهرين (محاولة قمعهم)، الأمر الذي أوقع مزيداً من الخسائر».
ورداً على سؤال بشأن لماذا لا يوضح العامري طبيعة تصريحه لكي يخفف من الهجمة القوية ضده، والتي سيكون ميدانها القضاء، قال السياسي الشيعي إن «أي تبرير أو تراجع سيضعف موقفه ويزيد من الاتهامات ضد الفصائل في وقت تواجه فيه حالياً موقفاً صعباً على صعيد المطالبات بنزع سلاحها. ولذلك يبدو أنه (العامري) يفضّل المواجهة مع المحتجين (عائلات الضحايا) حتى لو ترتب على ذلك نتائج قانونية ربما لا تكون لصالحه».
الإفلات من العقاب
إلى ذلك، بدأت عشرات من عائلات ضحايا «حراك تشرين» في استكمال الوثائق التي تثبت مقتل أو إصابة أبنائهم في مواجهات مع القوات الأمنية خلال مشاركتهم باحتجاجات عام 2019 لتقديمها ضمن دعاوى رسمية أمام المحاكم العراقية، على خلفية تصريحات زعيم منظمة «بدر». ومع أن عائلات الضحايا التي كلّفت محامين للدفاع عنها في الدعاوى بمواجهة العامري، تعرف بلا شك أن المحاكم قد لا تدينه بشكل مباشر كون تصريحاته سياسية، فإن الهدف الذي تسعى إلى تحقيقه هو على الأرجح رد الاعتبار لأبنائهم من قتلى وجرحى ضد الاتهامات التي وجهتها لهم السلطات آنذاك عبر إطلاق أوصاف قاسية عليهم من قبيل «العملاء» و«أبناء السفارات».
وفي هذا السياق، يقول الخبير القانوني علي التميمي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «قتل المتظاهرين، طبقاً للقانون العراقي، يُعد إبادة جماعية لا تسقط بالتقادم، وبالتالي فإن الاعتداء الذي طال المتظاهرين في بغداد والناصرية وكربلاء والنجف كان عملاً إرهابياً وفق القانون العراقي وتعريف الإرهاب». وتابع أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم أو مضي المدة وفق اتفاقية منع التقادم في جرائم الإبادة، ولذلك يمكن تحريكها في أي وقت زمني قادم».





