ترمب وهيغسيث يعيدان رسم هرم القيادة العسكرية الأميركية

استقالة دريسكول وترشيح كاو وتيلي يفتحان النقاش حول دور «البنتاغون»

وزير الدفاع بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين والأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية بالشرق الأوسط في «البنتاغون» - 16 أبريل الماضي (أ.ب)
وزير الدفاع بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين والأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية بالشرق الأوسط في «البنتاغون» - 16 أبريل الماضي (أ.ب)
TT

ترمب وهيغسيث يعيدان رسم هرم القيادة العسكرية الأميركية

وزير الدفاع بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين والأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية بالشرق الأوسط في «البنتاغون» - 16 أبريل الماضي (أ.ب)
وزير الدفاع بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين والأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية بالشرق الأوسط في «البنتاغون» - 16 أبريل الماضي (أ.ب)

لم تكن استقالة وزير الجيش الأميركي دان دريسكول، ثم إعلان الرئيس دونالد ترمب ترشيح القائم بأعمال وزير البحرية هونغ كاو لتولي المنصب بصورة دائمة، مجرد تغييرين متزامنين في قيادة المؤسسة العسكرية الكبرى في العالم؛ فالقراران يُلخّصان اتجاهاً امتدّ منذ وصول بيت هيغسيث إلى وزارة الحرب في يناير (كانون الثاني) 2025، شمل تقليص القيادات العليا، وتوسيع رقابته على التعيينات والترقيات، وإزاحة المسؤولين غير المنسجمين مع أولوياته.

مؤيدو هذه التغييرات يصفونها بأنها استعادة للسيطرة المدنية ومحاسبة بيروقراطية متضخمة. أما المنتقدون فيرون أن كثافة التغييرات وطريقتها تضيقان مساحة المشورة العسكرية المستقلة، وتربطان الاستمرار في المنصب بالولاء السياسي والشخصي. وبين الروايتين، تكشف حالة دريسكول أن الصراع لم يعد يدور فقط حول الثقافة المؤسسية، بل أيضاً حول من يقود التحديث، ومن يملك الكلمة الأخيرة عندما تختلف التقديرات المهنية مع توجه القيادة السياسية.

خروج دريسكول وصعود كاو

أعلن دريسكول استقالته من دون أن يقدم سبباً علنياً، وحدد الثالث من سبتمبر (أيلول) آخر يوم كامل له في المنصب. وفي رسالته الرسمية، أشاد بترمب وهيغسيث وبجنود الجيش. لكن صحيفة «واشنطن بوست» نقلت عن مصادر مطلعة أن ترمب كان قد شجعه قبل أسابيع على البقاء حتى انتخابات التجديد النصفي، وأن دريسكول اشتكى للرئيس من أن إدارة هيغسيث تضر بالجيش. البيت الأبيض وصف هذه الرواية بأنها غير صحيحة.

هيغسيث ورئيس الأركان المشتركة الجنرال دان كين وقائد «سنتكوم» الجنرال تشارلز كوبر خلال مؤتمر في «البنتاغون» - 16 أبريل (رويترز)

وكان دريسكول أحد أبرز وجوه التحول نحو شراء أسرع وأرخص للمعدّات العسكرية، وإدخال الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي، وفتح الباب أمام شركات تقنية أصغر بدلاً من الاعتماد الحصري على كبار المتعهدين. لذلك، لا تبدو استقالته منفصلة عن إقالة رئيس أركان الجيش راندي جورج، وخروج قادة آخرين ارتبطوا بالأجندة نفسها.

وعيّن ترمب آدم تيلي، مساعد وزير الجيش للأشغال المدنية، قائماً بأعمال الوزير «بمفعول فوري». وسبق لتيلي أن عمل في البيت الأبيض خلال ولاية ترمب الأولى ورئيساً لموظفي السيناتور الجمهوري بيل هاغرتي. لكن التعيين يبقي قمة الجيش في وضع مؤقت؛ إذ يتولى الجنرال كريستوفر لانييف أيضاً رئاسة الأركان بالوكالة.

في المقابل، يقدم ترشيح كاو، المحارب القديم واللاجئ الفيتنامي السابق، نموذجاً أقرب إلى ما تفضله الإدارة: ضابط متقاعد أمضى 25 عاماً في العمليات الخاصة البحرية، ومرشح جمهوري سابق، وعمل منسجماً مع هيغسيث منذ توليه المنصب بالوكالة بعد إطاحة جون فيلان.

هرم قيادي أكثر انضباطاً

بدأت إعادة تشكيل قيادات وزارة الحرب علناً في فبراير (شباط) 2025، عندما أقال ترمب رئيس هيئة الأركان المشتركة تشارلز براون، وأعقب هيغسيث ذلك بإقالة قائدة البحرية ليزا فرانشيتي، ونائب رئيس أركان القوات الجوية جيمس سلايف، والسعي إلى استبدال كبار المحامين العسكريين. ثم توالت المغادرات والإقالات، وبينها قادة للجيش والقوات الجوية وقيادات قتالية وأجهزة استخبارية. وتختلف الإحصاءات لأن بعضها يحصي المعزولين فقط، وبعضها يضم المستقيلين والمتقاعدين مبكراً؛ لذا لا يصح جمعها في رقم واحد.

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث إلى القوات في القاعدة البحرية الأميركية بقاعدة غوانتانامو بكوبا - 10 يونيو (رويترز)

إلى جانب تغيير الأشخاص، أمر هيغسيث في مايو (أيار) 2025 بخفض 20 في المائة من مواقع الجنرالات ذوي الأربع نجوم في الخدمة الفعلية، والنسبة نفسها من الضباط الجنرالات في الحرس الوطني، مع خفض إجمالي لا يقل عن 10 في المائة لجميع رتب الجنرالات والأدميرالات. وقدرت وكالة «أسوشييتد برس» أن الخطة قد تلغي أكثر من 120 موقعاً قيادياً.

الحجة الرسمية لهذه التغييرات هي تحويل الموارد المهدورة لتعزيز تمويل الوحدات القتالية، وربط الهيكل بخطة جديدة للقيادات الموحدة. لكن حجم وسرعة التعديلات ليسا القضية الوحيدة؛ فقد رافق تقليص القيادات خطاب عن استعادة «روح المحارب» وإنهاء سياسات التنوع، كما طالت الإقالات عدداً من أبرز النساء والضباط السود. يقول هيغسيث إن للرئيس والوزير حق اختيار فريق يثقون به.

في المقابل، تقول كاري لي، كبيرة الباحثين والمديرة التنفيذية في «شبكة الديمقراطية والأمن» التابعة لصندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن النمط يعكس «شخصنة» للقوة، لأن البقاء في صفوف «البنتاغون» القيادية بات يتأثر بالمواقف الشخصية وبمدى تأييد السياسات المفضلة، لا بسوء الأداء أو رفض تنفيذ الأوامر فقط. وتقترح لي اختباراً فاصلاً: هل يُعاقب الضابط على إخفاق في مهمته الحالية؟ أم على أداء سابق لا يروق للوزير؟

توصيات الترقية

لم يقتصر تدخل هيغسيث على شاغلي المناصب الحالية. ووفق «نيويورك تايمز»، حذف الوزير خلال العام الحالي، أسماء ما لا يقل عن 45 ضابطاً من توصيات الترقية التي رفعتها إليه القوات، وكان أكثر من نصفهم من النساء أو الضباط السود. كما أفادت تقارير أحدث بإزالة مرشحين لرتبتي لواء وعميد في الجيش، من دون إعلان أسباب فردية.

بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في «البنتاغون» - 31 مارس (رويترز)

ويقول «البنتاغون» إن مجالس الترقيات تُقدّم توصيات لا قرارات ملزمة، وإن للرئيس ووزير الدفاع صلاحيات واسعة في اختيار كبار القادة. وهذا صحيح من حيث المبدأ القانوني. لكن لي تضع اختباراً ثانياً للعملية: هل يتم اختيار البدلاء على أساس الكفاءة؟ أم على أساس تأييدهم مواقف سياسية بعينها؟ فالضابط الذي يرى أسماء ناجحة مهنياً تُشطب بلا تفسير قد يستنتج أن الاختلاف في الرأي يحمل تكلفة مهنية. ولهذا عبّر مشرّعون جمهوريون، بينهم سوزان كولينز وتوم تيليس ودون بيكون، عن قلق من غياب الشفافية، بينما دافع آخرون عن حق الإدارة في بناء فريقها.

وبهذا المعنى، تمثل قوائم الترقيات أداة أعمق من الإقالة: فهي لا تغير القيادة الراهنة فحسب، بل تحدد مسبقاً من سيصل إلى غرف القرار بعد أعوام. وإذا اقترنت بمعايير واضحة ومرتبطة بالأداء، فقد تصبح وسيلة إصلاح. أما إذا بقيت الأسباب سرية أو بدت انتقائية، فإنها قد تشجع الامتثال وتضعف قدرة المؤسسة على الاحتفاظ بخبرات متنوعة.


مقالات ذات صلة

الانتخابات النصفية تهدد موازنة البنتاغون القياسية

تحليل إخباري ترمب وهيغسيث في حفل استقبال رسمي ببكين يوم 14 مايو (رويترز)

الانتخابات النصفية تهدد موازنة البنتاغون القياسية

تواجه خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لرفع موازنة وزارة الحرب إلى 1.5 تريليون دولار، اختباراً يتجاوز الخلاف على حجم الإنفاق.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث (د.ب.أ)

أميركا تقيل مسؤولاً عسكرياً رفيعاً وسط ترقّب لضربات جديدة على إيران

أقالت الولايات المتحدة أحد كبار مسؤولي التخطيط العسكري لديها، في تغيير مفاجئ يبدو أنّه يتزامن مع استعداد ترمب لاستئناف ضربات واسعة النطاق على إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الفريق بريت سيلفيا (أ.ب)

هيغسيث يطيح بكبير المخططين بـ«البنتاغون» في ظل التلويح بضرب إيران

قال مصدر مطلع لشبكة «سي إن إن» الأميركية إن وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، أطاح بكبير مسؤولي التخطيط في «البنتاغون».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ طائرة حربية من طراز «إف-35» تابعة لـ«البحرية» الأميركية تستعد للهبوط في بورتوريكو (أ.ف.ب)

اتفاق بين «البنتاغون» و«لوكهيد مارتن» لإنتاج 850 مقاتِلة «إف-35»

أعلن «البنتاغون» وشركة «لوكهيد مارتن»، الخميس، اتفاقاً مُدته عشر سنوات لإنتاج 850 طائرة حربية من طراز «إف-35».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس دونالد ترمب يصافح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مؤتمر صحافي مشترك في قاعدة إلمندورف-ريتشاردسون المشتركة بألاسكا - 15 أغسطس 2025 (أ.ب)

جمهوريون يهددون بعرقلة 350 مليار دولار لتمويل «البنتاغون» احتجاجاً على قرار ترمب

أثار قرار الرئيس دونالد ترمب تعليق عقوبات جديدة على موسكو غضب الجمهوريين والديمقراطيين على السواء مما عدّوه سياسة تمنح الرئيس الروسي موارد إضافية للحرب

هبة القدسي (واشنطن)

عضو مسلم وحاكمة سمراء... انتصارات غير مسبوقة للديمقراطيين من الأقليات

يهتف المؤيدون بينما يتحدث آرون فورد المدعي العام لولاية نيفادا والمرشح الديمقراطي لمنصب الحاكم خلال فعالية أقيمت ليلة الانتخابات في لاس فيغاس (أ.ب)
يهتف المؤيدون بينما يتحدث آرون فورد المدعي العام لولاية نيفادا والمرشح الديمقراطي لمنصب الحاكم خلال فعالية أقيمت ليلة الانتخابات في لاس فيغاس (أ.ب)
TT

عضو مسلم وحاكمة سمراء... انتصارات غير مسبوقة للديمقراطيين من الأقليات

يهتف المؤيدون بينما يتحدث آرون فورد المدعي العام لولاية نيفادا والمرشح الديمقراطي لمنصب الحاكم خلال فعالية أقيمت ليلة الانتخابات في لاس فيغاس (أ.ب)
يهتف المؤيدون بينما يتحدث آرون فورد المدعي العام لولاية نيفادا والمرشح الديمقراطي لمنصب الحاكم خلال فعالية أقيمت ليلة الانتخابات في لاس فيغاس (أ.ب)

انتهت انتخابات التجديد النصفي التي جرت أمس الثلاثاء في الولايات المتحدة بهزيمة للجمهوريين، وكسر محظورات غير معلنة عبر فتح الطريق أمام ديمقراطيين من الأقليات لنيل مناصب في الصف الأول.

فيما يأتي لمحة عن هذه الانتصارات غير المسبوقة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

حاكمة سمراء البشرة

انتخبت كيشا لانس بوتومز حاكمة لولاية جورجيا، لتصبح أول امرأة سمراء تشغل هذا المنصب على مستوى الولايات المتحدة.

وتقدّم نفسها على موقع حملتها الإلكتروني بأنها متحدرة من عائلة من العبيد في إحدى مزارع جورجيا في الجنوب الذي التصقت به صورة العبودية، ثم الفصل العنصري، قبل أن يصبح مسرحاً للنضال من أجل الحقوق المدنية. وكانت كيشا تولّت رئاسة بلدية أتلانتا، كبرى مدن ولاية جورجيا، بين عامي 2018 و2022.

كيشا لانس بوتومز حاكمة لولاية جورجيا (أ.ف.ب)

حاكِمة وعضوة في مجلس الشيوخ من السكان الأصليين لأميركا

أصبحت ديب هالاند، المنتمية إلى قبيلة لاغونا بويبلو، أول امرأة من السكان الأصليين تتولى منصب حاكمة في ولاية نيو مكسيكو (جنوب غرب).

وكانت دخلت التاريخ من قبل بصفتها أول امرأة من السكان الأصليين تتولى حقيبة وزارية، عندما عيّنت وزيرة مسؤولة عن الأراضي الفدرالية في عهد الرئيس السابق جو بايدن.

في شمال البلاد، في ولاية مينيسوتا، حقّقت بيغي فلاناغان إنجازاً لافتاً آخر، إذ أصبحت أول امرأة من السكان الأصليين تدخل مجلس الشيوخ. وكانت حتى ذلك الحين تشغل منصب نائبة حاكم الولاية.

عضو مجلس شيوخ مسلم

أعلن عبد الرحمن السيّد المنتمي للجناح اليساري في «الحزب الديمقراطي» فوزه في ولاية ميشيغان (شمال). وهو ابن مهاجرين مصريين، وبذلك يكون أول عضو مسلم في مجلس الشيوخ الأميركي.

وخلال الحملة الانتخابية هاجمه دونالد ترمب وأنصاره دون هوادة، متهمين إياه، وكذلك عائلته، بإقامة روابط مع جماعة «الإخوان المسلمين»، وتنظيم «القاعدة». وأطلق عليه الرئيس الأميركي اسم «محمد»، ونعته بأنه «متعاطف مع الإرهاب».

والسيّد -بدوره- شديد الانتقاد للدعم الأميركي لإسرائيل. وقد أثار عداء جزء من الجالية اليهودية في ولاية تضمّ في الوقت ذاته واحدة من كبرى الجاليات العربية الأميركية في البلاد.

رئيس من أصل إفريقي لمجلس النواب؟

يُتوقّع أن يتولى الرئيس الحالي لكتلة النواب الديمقراطيين، حكيم جيفريز، رئاسة المجلس بعد الانتصار الواسع الذي حققه معسكره. وبذلك سيصبح أول أميركي من أصل أفريقي يرأس مجلس النواب.

سوابق على مستوى الولايات

انتخبت فلوريدا (جنوب شرق) للمرة الأولى في تاريخها حاكماً أسود، هو الجمهوري بايرون دونالدز. على الطرف الآخر من البلاد، اختارت كاليفورنيا الديمقراطي خافيير بيثيرا لمنصب الحاكم، ليصبح أول شخص من أصل إسباني يفوز بقيادة أكثر الولايات الأميركية اكتظاظاً بالسكان. وتعكس هذه النتائج الانتخابية «رفضاً واسعاً للكراهية والانقسام»، بحسب ما صرّح به لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بيل شيبلر، مدير الاستراتيجية في جمعية «ستيت فويسز» المدنية. وأضاف: «هؤلاء القادة الجدد لا يظهرون بين ليلة وضحاها، إنهم يأتون من مجتمعات تنظّم نفسها بين انتخابات وأخرى».


انتصارات تاريخية للديمقراطيين في انتخابات حاكمي تكساس وجورجيا

الديمقراطية كيشا لانس بوتومز أول امرأة سوداء تُنتخب لمنصب حاكم ولاية جورجيا (رويترز)
الديمقراطية كيشا لانس بوتومز أول امرأة سوداء تُنتخب لمنصب حاكم ولاية جورجيا (رويترز)
TT

انتصارات تاريخية للديمقراطيين في انتخابات حاكمي تكساس وجورجيا

الديمقراطية كيشا لانس بوتومز أول امرأة سوداء تُنتخب لمنصب حاكم ولاية جورجيا (رويترز)
الديمقراطية كيشا لانس بوتومز أول امرأة سوداء تُنتخب لمنصب حاكم ولاية جورجيا (رويترز)

يتجه الديمقراطيون صوب تحقيق مكاسب كبيرة في انتخابات حكام الولايات؛ إذ حققوا انتصارات في أوهايو، وتكساس، وأيوا، وجورجيا وويسكونسن، وفقاً لتقديرات وسائل الإعلام الأميركية، في حين لا يزال من السابق لأوانه تحديد نتائج عدد من السباقات الأخرى حتى صباح الأربعاء.

ودخلت مرشحتان التاريخ. ففي جورجيا، أصبحت الديمقراطية كيشا لانس بوتومز أول امرأة سوداء تُنتخب لمنصب حاكم الولاية في البلاد. وفي تكساس، أصبحت الديمقراطية جينا إينوهوسا أول حاكمة من أصل لاتيني في تاريخ الولاية، بعد أن هزمت الحاكم الجمهوري الحالي، وفق ما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وشملت الانتخابات إجمالاً 36 سباقاً انتخابياً على منصب الحكام، واحتل تدني شعبية الرئيس دونالد ترمب وتكاليف المعيشة صدارة اهتمامات الناخبين، إلى جانب القضايا المحلية التي تراوحت بين حقوق المياه ومراكز البيانات ومعدلات الإصابة بالسرطان.

وإذا تمكن الديمقراطيون من تحقيق مكاسب صافية لا تقل عن مقعدين، فسيتصدرون غالبية الولايات للمرة الأولى منذ عام 2010. وفيما يلي ثمانية انتخابات رئيسية لمنصب حاكم الولاية:

تكساس

هزمت إينوهوسا عضو مجلس نواب تكساس، حاكم الولاية جريج أبوت لتصبح أول ديمقراطية تُنتخب لهذا المنصب منذ عام 1990، كما أصبحت أول حاكمة من أصل لاتيني في تاريخ الولاية.

كانت إينوهوسا منافسة غير متوقعة لأحد أشهر حكام الولايات الجمهوريين وأكثرهم تمويلاً في البلاد. ووفقاً لصحيفة «تكساس تريبيون»، أنفق أبوت على حملته الانتخابية ما يقارب ثمانية أمثال ما أنفقته إينوهوسا.

جورجيا

فازت بوتومز، رئيسة بلدية أتلانتا السابقة، على الجمهوري ريك جاكسون الملياردير والمسؤول التنفيذي في مجال الرعاية الصحية، في السباق لخلافة الحاكم الجمهوري برايان كيمب. وبذلك، أصبحت أول امرأة سوداء تُنتخب حاكمة في الولايات المتحدة وأول ديمقراطية يجري اختيارها حاكمة لجورجيا منذ أكثر من ربع قرن.

عدَّ كلا الحزبين انتخابات منصب الحاكم بمثابة اختبار مبكر لمعنويات الناخبين في ولاية من المرجح أن تكون ساحة معركة حاسمة في انتخابات الرئاسة عام 2028.

أما جاكسون، الذي أنفق أكثر من 100 مليون دولار من أمواله الخاصة على الحملة الانتخابية، فقد أيَّد بشكل عام أجندة ترمب، في حين سعت بوتومز إلى حشد التحالف الديمقراطي المتنوع الذي ساعد بايدن على الفوز بالولاية في عام 2020.

اكتسبت بوتومز شهرة على مستوى البلاد في عام 2020 عندما تولت رئاسة بلدية أكبر مدن جورجيا خلال الاحتجاجات والاضطرابات المدنية وجائحة «كوفيد - 19». وتقع قاعدتها الانتخابية في منطقة أتلانتا الحضرية، التي أدى نموها السريع إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي في جورجيا.

أوهايو

هزمت الديمقراطية الطبيبة إيمي أكتون رجل الأعمال الجمهوري فيفيك راماسوامي بعد سباق انتخابي جذب الاهتمام الوطني بسبب إعلان مثير للجدل ظهرت فيه والدة أكتون المنفصلة عنها. ففي مقطع فيديو نشرته حملة راماسوامي، نفت دونا آرثر رواية أكتون عن طفولة اتسمت بالمعاناة من التشرد والانتهاك الجنسي، وحثت سكان أوهايو على عدم التصويت لها.

الديمقراطية الطبيبة إيمي أكتون تحيي أنصارها بعد الإعلان عن فوزها في أوهايو (أ.ف.ب)

وقالت أكتون، المديرة السابقة لوزارة الصحة في أوهايو التي قادت استجابة الولاية لجائحة «كوفيد - 19»، إنها تعرضت للاعتداء الجنسي من زوج أمها الذي فر من الولاية بعد اتهامه باغتصاب ابنة زوجته، ولم يحاكم قط. وتوفي عام 2004.

وتلاشت سمعة الولاية بوصفها متأرجحة على الدوام بعد عام 2016، عندما فاز بها ترمب بدعم قوي من ناخبي الطبقة العاملة، الذين ساعدوا في تحويلها ولايةً يمكن الاعتماد عليها في التصويت لصالح الحزب الجمهوري. ولم يفز الديمقراطيون سوى بواحدة فقط من آخر تسع انتخابات لمنصب حاكم الولاية.

أيوا

فاز مراجع الحسابات روب ساند، وهو الديمقراطي الوحيد في أيوا الذي يشغل حالياً منصباً بالانتخاب على مستوى الولاية، على رجل الأعمال الجمهوري زاك لان في أول انتخابات على منصب حاكم شاغر منذ عام 2006؛ إذ لم تسع الحاكمة الجمهورية الحالية كيم رينولدز إلى إعادة انتخابها.

مراجع الحسابات الديمقراطي روب ساند (د.ب.أ)

وكانت معدلات الإصابة بالسرطان في الولاية، التي تحتل المرتبة الثانية على مستوى البلاد بعد كنتاكي، مسألة رئيسية في الحملة الانتخابية إلى جانب قضايا أخرى، مثل تكلفة المعيشة. فقد سيطرت على اهتمامات الناخبين المخاوف من أن يكون التعرض للنترات والمبيدات الحشرية والملوثات البيئية الأخرى سبباً في ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان.

وركزت المنافسة أيضاً على التعليم ومساءلة الحكومة. وخاض ساند حملته الانتخابية بصفته مراقباً مستقلاً ينتقد الإدارة المالية للجمهوريين وبرنامج تمويل خاص بالالتحاق بالمدارس الخاصة في الولاية. أما لان، فقد تبنى خفض الضرائب وحرية اختيار المدرسة ونهجاً أكثر تحفظاً تجاه القضايا الاجتماعية.

ويسكونسن

كان السؤال المحوري في سباق انتخابات حاكم ولاية ويسكونسن هو ما إذا كان الناخبون، الذين أيَّدوا ترمب في عام 2024 وبايدن في عام 2020، يريدون حاكماً متوافقاً مع الرئيس الجمهوري؟ وقلل الجمهوري توم تيفاني، النائب في الكونغرس لثلاث فترات الذي حظي بتأييد ترمب، من أهمية هذه الصلة. لكن منافسه الديمقراطي ديفيد كرولي المسؤول التنفيذي لمقاطعة ميلووكي، فاز في السباق بعد أن سعى إلى ربط تيفاني بأجندة ترمب.

الديمقراطي ديفيد كرولي (رويترز)

في الكونغرس، أيَّد تيفاني قضايا مثل الحق في حمل السلاح وخفض الضرائب، وشارك في طرح مشروع قانون اتحادي من شأنه حظر معظم عمليات الإجهاض بعد نحو ستة أسابيع من الحمل. أما كرولي، فقد ركز حملته الانتخابية على دعم الحق في الإجهاض. وتحظر ولاية ويسكونسن الإجهاض بعد 20 أسبوعاً من الحمل وتشترط فترة انتظار مدتها 24 ساعة.

نيفادا

في منافسة تركز على القدرة على تحمل التكاليف، يخوض الحاكم الجمهوري جو لومباردو سباقاً متقارباً مع منافسه الديمقراطي آرون فورد المدعي العام للولاية.

وعبَّر سكان نيفادا عن مخاوفهم بشأن الرسوم الجمركية وتباطؤ قطاع السياحة وارتفاع أسعار الوقود؛ ما أتاح لفورد فرصة للتغلب على لومباردو على الرغم من تفوق الحاكم الحالي في جمع التبرعات بنحو المثلين.

وبرزت مراكز البيانات قضية محورية في الحملة الانتخابية. فقد اقترح فورد وقف التخفيضات الضريبية الجديدة لمراكز البيانات، ويريد إلزام المطورين بحماية السكان من ارتفاع تكاليف الطاقة. كما دعا إلى فرض لوائح صارمة لحماية الوظائف من تأثير الذكاء الاصطناعي.

أما لومباردو، فدافع بشكل عام عن مراكز البيانات بصفتها محركاً للاقتصاد مع السعي في الوقت نفسه لفرض قيود جديدة على بعض الحوافز الضريبية التي جذبت هذه القطاع إلى الولاية.

أريزونا

أصبحت المياه مسألة انتخابية رئيسية في ولاية أريزونا التي تعاني الجفاف، حيث تسعى الحاكمة الديمقراطية كاتي هوبس إلى إعادة انتخابها في مواجهة النائب الجمهوري في الكونغرس آندي بيجز. ومن القضايا الرئيسية الأخرى، تكلفة المعيشة والهجرة، وتسعى هوبس إلى تصوير نفسها على أنها أكثر صرامة في مسألة أمن الحدود مقارنة بالعديد من الديمقراطيين على الصعيد الوطني.

تحتفل المدعية العامة لولاية أريزونا كريس مايز خلال حفل نظمه الديمقراطيون في أريزونا لمتابعة نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية (رويترز)

واحتلت حقوق الإجهاض مكانة بارزة في السباق الانتخابي، وتؤيدها هوبس في حين أن بيجز له سجل طويل في معارضتها. ووافق ناخبو أريزونا على تعديل دستوري يحمي حقوق الإجهاض في عام 2024.

ميشيغان

تُعدّ المنافسة في ميشيغان واحدة من أكثر السباقات تنافسية بين انتخابات حكام الولايات، حيث تتنافس الديمقراطية جوسلين بنسون ضد النائب الجمهوري جون جيمس. ويتنافس المرشحان لخلافة الحاكمة الديمقراطية جريتشن ويتمر التي انتهت مدة ولايتها؛ ما يجعل هذه الانتخابات من بين 19 سباقاً على مقاعد شاغرة في هذه الدورة الانتخابية.

وميشيغان ولاية متأرجحة منقسمة بشكل متقارب فاز بها ترمب في عامي 2016 و2024، في حين فاز بها بايدن في عام 2020.


كيف سيستخدم ترمب صلاحياته بعد خسارة حزبه الغالبية في الكونغرس؟

ترمب خلال حديثه في «ناشونال مول» بواشنطن يوم 2 نوفمبر (رويترز)
ترمب خلال حديثه في «ناشونال مول» بواشنطن يوم 2 نوفمبر (رويترز)
TT

كيف سيستخدم ترمب صلاحياته بعد خسارة حزبه الغالبية في الكونغرس؟

ترمب خلال حديثه في «ناشونال مول» بواشنطن يوم 2 نوفمبر (رويترز)
ترمب خلال حديثه في «ناشونال مول» بواشنطن يوم 2 نوفمبر (رويترز)

اعتمد الرئيس الأميركي دونالد ترمب لهجة تصالحية مفاجئة بعدما أفقده الفوز الكاسح للديمقراطيين في انتخابات منتصف الولاية الكثير من نفوذه السياسي. لكن إلى متى ستدوم هذه اللهجة؟

فمن استئناف العمليات العسكرية ضدّ إيران إلى استخدام حقّ النقض ضدّ مشاريع القوانين التي يقرّها الديمقراطيون، لا يزال في وسع الرئيس البالغ 80 عاماً أن يستخدم ما تبقّى له من صلاحيات لإحداث اضطرابات كبيرة في العامين الأخيرين من ولايته.

وقال مدير كلية الإعلام والشؤون العامة في جامعة جورج واشنطن بيتر لوغ لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «كلّما حُشر ترمب في الزاوية، رفع صوته أكثر وردّ بالهجوم».

حق النقض

هنّأ ترمب الديمقراطيين الثلاثاء على فوزهم بالانتخابات وأبدى استعداده للعمل معهم. وقد يجد نفسه مضطراً إلى ذلك، خصوصاً إذا انقلب عليه الجمهوريون بعد هزيمة يعزوها كثيرون منهم إلى الحرب على إيران.

إلا أنّ ترمب تباهى مراراً في الوقت نفسه بصلاحيته الرئاسية في نقض أيّ مشروع قانون يدفع به الديمقراطيون ويصل إلى مكتبه في البيت الأبيض. حتى إنّه نشر صورة قبعة بيسبول حمراء كُتبت عليها كلمة «فيتو».

صورة للقبعة التي نشرها ترمب على «تروث سوشيال»

وأفادت تقارير بأنّ إدارته أعدّت خطة لتمرير سياساته المتشدّدة في مجال الهجرة بموجب أوامر تنفيذية، على غرار ما فعله خلال الأيام المائة الأولى من ولايته الثانية.

وأكّد ترمب الذي واجه إجراءات عزل مرتين وهو أوّل رئيس للولايات المتحدة يُنتخب بعد إدانته جنائياً، أنّه مستعدّ أيضاً للتصدّي لتحقيقات يقودها الديمقراطيون.

إيران

السياسة الخارجية هي المجال الذي يحتفظ فيه الرؤساء الأميركيون بصلاحيات واسعة حتى عندما يتراجع نفوذهم في أواخر ولايتهم.

وقد يستأنف ترمب عمليات عسكرية واسعة النطاق ضدّ إيران، رغم أنّه أشار الثلاثاء إلى أنّه ما زال يسعى إلى اتفاق ينهي الحرب التي أطلقها في فبراير (شباط). وقال لقناة «فوكس نيوز»: «وإلّا فسأكمل المهمة ببساطة».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

وقال رايان هاس من معهد بروكينغز: «لا أظنّ أنه يريد أن يذكره التاريخ بوصفه داعية حرب. يريد أن يُذكر بأنه ترك أميركا أقوى».

ومع استمرار الحرب على إيران، استبعد ترمب أيضاً ما تردّد عن احتمال إقالته وزير الحرب بيت هيغسيث في إطار تعديل وزاري.

أوكرانيا والعلاقات مع موسكو وبكين

لطالما أراد ترمب أن يُنظر إليه على أنه صانع سلام، ومن المرجّح أن يواصل الضغط على أوكرانيا للقبول بتسوية مع روسيا. ومن المقرّر عقد جولة جديدة من المحادثات الثلاثية الأسبوع المقبل.

لكن هزيمته في انتخابات منتصف الولاية قد تُضعف قدرته على التأثير في الرئيس الصيني شي جينبينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، اللذين يرى فيهما ندّين له على رأس قوتين عظميين.

وتأتي هذه النكسة الانتخابية قبل أقلّ من أسبوعين من لقاء محتمل يجمع القادة الثلاثة خلال قمة في الصين في وقت لاحق من هذا الشهر.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرحب بنظيره الصيني شي جينبينغ أمام مقر المتحف الوطني في واشنطن يوم 25 سبتمبر (أ.ب)

معالم تخلّد اسمه

قطب العقارات السابق قد يختار الابتعاد عن المواجهة والتفرّغ لما يحبّه أكثر من أي شيء آخر، وهو ترك بصمة في معالم واشنطن.

ففي خطابه الأخير في حملة انتخابات منتصف الولاية، بالكاد تطرّق ترمب إلى القضايا السياسية، وتحدّث عن أعمال تجديد البركة العاكسة عند نصب لينكولن التذكاري وعن خطط أخرى لتجميل العاصمة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

ويشكّل هذا الحوض أحد أبرز المواقع التاريخية في العاصمة الأميركية، واكتسب شهرته لكونه شهدت إلقاء مارتن لوثر كينغ خطابه الشهير «لدي حلم» (I Have a Dream) عام 1963، من على درجات نصب لينكولن التذكاري المجاور.

وأكثر ما يعتزّ به قاعة الاحتفالات الضخمة التي يشيّدها في البيت الأبيض بكلفة 400 مليون دولار. ومن المقرّر إنجازها في أواخر عام 2028، قبل وقت قصير من مغادرته منصبه نهائياً.