يقول خبراء إنّ عمر الإنسان المدوّن في شهادة الميلاد ليس سوى جزء بسيط من قصة الشيخوخة، إذ أثبتت دراسة علمية أُجريت في النمسا أنّ أعضاء الجسم المختلفة، مثل الرئة والكلى والبنكرياس والمخّ، تتقدَّم في العمر بوتيرة متفاوتة، وأنّ الذكاء الاصطناعي بات قادراً على رصد بعض التغيرات المرتبطة بالشيخوخة من خلال عيّنات مجهرية من الأنسجة البشرية.
وطوَّر فريق بحثي من مركز بحوث طبّ الجزيئات التابع لأكاديمية العلوم النمساوية (سيم)، ومعهد لودفيغ بولتزمان للعلوم الطبية التابع لجامعة فيينا، منظومة تعمل بالذكاء الاصطناعي أطلق عليها اسم «ساعة الأنسجة»، يمكن من خلالها تقدير العمر البيولوجي لأعضاء الجسم استناداً إلى صور خاصة بعلم الأنسجة. ووجدوا، من خلال فحص أكثر من 25 ألف صورة تشمل عيّنات من 40 نوعاً مختلفاً من أنسجة الجسم، أنّ الأعضاء البشرية لا تتقدَّم في العمر بالوتيرة نفسها، وأنه يمكن متابعة وتيرة الشيخوخة من خلال عيّنات الدم.
ويرى الباحثون أن هذه الدراسة، التي نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن دورية «نيتشر ميديسن» العلمية المتخصّصة في العلوم الطبية، يمكن أن تسهم في التشخيص المبكر لبعض الأمراض وعلاجها.
ولاستخلاص هذه النتائج العلمية، جمع رئيس فريق الدراسة أندري رينديرو والمجموعة البحثية المُشاركة معه بين تقنيات الذكاء الاصطناعي وإحدى أكبر مجموعات الأنسجة البشرية في العالم. وكانت الدراسات السابقة الخاصة بالشيخوخة البيولوجية تركز على التغيرات التي تحدث في الأنسجة على مستوى الجزيئات، مثل تغيّرات الحمض النووي والبصمة الجينية، لكن الدراسة الجديدة تُضيء بشكل أساسي على البنية الفيزيائية للأنسجة، وما إذا كانت تحتوي على سجل يسمح بتحديد عمر أعضاء الجسم المختلفة.
واستخدم الباحثون بيانات من مشروع التعبير الجيني للأنسجة «جي تي إي إكس»، الذي يحتوي على عيّنات من 983 شخصاً تخصّ 40 نوعاً مختلفاً من الأنسجة، مثل المخّ والقلب والرئتين والبنكرياس والجلد والأمعاء. وفي إطار الدراسة، حُوّلت هذه العيّنات إلى صور رقمية عالية الجودة تكشف التركيب المجهري لكلّ عضو.
وبشكل مجمل، حلّل الباحثون 25712 صورة مختلفة، تمثّل نحو 480 مليون مقطع مربع من الصور الرقمية للعيّنات الفردية المختلفة، باستخدام نماذج تصوير حوسبية فائقة التقدّم.

ورغم أنّ النماذج الحوسبية المستخدمة في الدراسة لم تكن مدرّبة على تحديد عامل السنّ في العيّنات محل التجربة، تبيّن أنّ السنّ أهم عامل مؤثر في شكل الأنسجة بمختلف الأعضاء التي خضعت للفحص. واستخدم الباحثون النتائج التي توصّلوا إليها لاستنباط ما أطلقوا عليه اسم «ساعة الأنسجة»، التي يمكنها تحديد العمر البيولوجي لكلّ عضو بشري على حدة، اعتماداً على شكله تحت المجهر.
ويرى الباحثون أنّ نسبة الخطأ في التنبّؤ بعمر النسيج البشري لا تتجاوز 4.9 سنوات في المتوسط، وأنّ هذه التقنية تحقق نتائج أفضل من الدراسات التي تعتمد على فحص الحمض النووي وسيلةً لتحديد عمر النسيج البشري. كما يمكن تحديد العمر التقديري للأنسجة من خلال عوامل عدّة، مثل طول التيلوميرات (وهي الجزء الطرفي في نهاية الكروموسومات)، والتغيّرات المرضية في الأنسجة، فضلاً عن عدد الأمراض المزمنة التي يعانيها كلّ شخص.
ويقول الباحث أندري رينديرو للموقع الإلكتروني «سايتيك ديلي» المتخصّص في البحوث العلمية، إنّ «الأنسجة البشرية تحتوي على سجل مفصل بشكل مثير للدهشة لعملية الشيخوخة»، مضيفاً أنه «من الممكن، عن طريق الجمع بين صور الأنسجة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، رصد أنماط لعملية الشيخوخة البيولوجية بالعين المجرّدة، مع البدء في فهم كيفية تطوّر الشيخوخة في أجزاء الجسم المختلفة».
وأظهرت النتائج وجود مسارات مختلفة لتقدُّم العمر لكل نوع من الأنسجة الحية، إذ يبدأ تسارع الشيخوخة لدى بعض الأعضاء، مثل الرئة والكلى والبنكرياس وغدة الأدرينالين، في مرحلة مبكرة من العمر، بين 20 و40 عاماً، في حين تتسارع الشيخوخة في أعضاء أخرى في مراحل لاحقة.
وكشفت التجربة أيضاً عن أنّ تسارُع شيخوخة بعض الأعضاء قد يقترن ببعض الحالات المرضية أو التغيّرات الفسيولوجية، مثل الفشل الكلوي بالنسبة للكلى، أو انقطاع الطمث بالنسبة للرحم، أو السكري في حالة البنكرياس.
وعمد الفريق البحثي أيضاً إلى محاولة تحديد عمر بعض الأعضاء البشرية عن طريق عيّنات الدم، إذ قارن الباحثون التعبير الجيني المعتمد على عيّنات الدم بالأعمار التي قيست من خلال فحص صور الأنسجة الحيّة لدى الأشخاص أنفسهم، ثم استخدموا نتائج المقارنة لوضع مؤشّرات لقياس العمر البيولوجي للأعضاء بواسطة عيّنات الدم فقط.
واستطاعت المؤشّرات التنبؤية القائمة على الدم تحديد أعمار الأنسجة لدى مرضى يعانون بعض الأمراض، مثل الزهايمر والتليفات الكيسية والتهابات الأوعية الدموية والسكري. ويقول الباحثون إنّ أكبر مؤشّرات الشيخوخة ظهرت، على سبيل المثال، في أنسجة المخّ.
ويرى الباحث يمين تشينج، أحد المشاركين في الدراسة، أن «هذا البحث يُضيء على أنّ الشيخوخة لا تتعلق ببساطة بعامل الزمن، وأنّ أعضاء الجسم تشيخ بوتيرة مختلفة، وهذه العملية تتشكّل فيما يبدو عن طريق عوامل تخصّ الجسم بشكل عام، وأخرى تخصّ كلّ عضو على حدة، وأنه من الممكن في المستقبل ابتكار أشكال جديدة من الاختبارات أو التحاليل الطبية لا تتطلب قدراً كبيراً من التدخُّل، من أجل متابعة الحالة الصحية لبعض الأعضاء أو رصد معدلات تقدم بعض الأمراض عن طريق عيّنات الدم وحدها».
