الرئيس اللبناني: خيار الحرب لن يؤدي إلا إلى مزيد من المآسي والخراب

المطارنة يطالبون بقوة دولية بديلة عن «اليونيفيل» في الجنوب

الرئيس عون مستقبلاً اللجنة العليا لمتابعة مقررات وتوصيات ملتقى البقاع «إنماء وانتماء» (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس عون مستقبلاً اللجنة العليا لمتابعة مقررات وتوصيات ملتقى البقاع «إنماء وانتماء» (الرئاسة اللبنانية)
TT

الرئيس اللبناني: خيار الحرب لن يؤدي إلا إلى مزيد من المآسي والخراب

الرئيس عون مستقبلاً اللجنة العليا لمتابعة مقررات وتوصيات ملتقى البقاع «إنماء وانتماء» (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس عون مستقبلاً اللجنة العليا لمتابعة مقررات وتوصيات ملتقى البقاع «إنماء وانتماء» (الرئاسة اللبنانية)

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن «خيار الحرب لن يؤدي إلا إلى مزيد من المآسي والخراب من دون أي نتيجة أخرى»، مشدداً على أن الوحدة الوطنية هي «أهم الخيارات المتاحة لمواجهة التحديات الراهنة»، ومؤكداً أن لبنان يحتاج إلى الاستقرار والأمن للانتقال إلى مرحلة النهوض.

كلام رئيس الجمهورية جاء خلال استقباله اللجنة العليا لمتابعة مقررات وتوصيات ملتقى البقاع «إنماء وانتماء»، برئاسة مفتي زحلة والبقاع الشيخ الدكتور علي الغزاوي. وفيما كان بحث في الأوضاع الداخلية والتطورات في الجنوب، أكد عون أن «اللبنانيين متفقون على الأهداف الرئيسية، وفي مقدمها تحرير الأرض وإعادة الأسرى والإعمار وعودة النازحين».

لا خيار إلا التفاوض

وقال عون: «هل يجب أن يدفع الجنوب ثمن الحروب بين الحين والآخر؟ لقد اتخذنا خيار التفاوض لأنه لم يكن لدينا من خيار آخر. فخيار الحرب لن يؤدي إلا إلى مزيد من المآسي والخراب من دون أي نتيجة أخرى». وأضاف: «لطالما قلت إني منفتح على أي خيار يؤدي إلى تحقيق الأهداف الرئيسية من دون دم أو دمار». ورأى أن المسار القائم، رغم عدم تحقيقه إنجازاً كاملاً في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، أوجد «نوعاً من الضوابط نسعى من خلالها إلى تحقيق وقف إطلاق النار بشكل كامل، والانسحاب الإسرائيلي تمهيداً لإطلاق الأسرى».

الوحدة الوطنية لمواجهة التحديات

وفي سياق حديثه، أثنى عون على كلمة رئيس مجلس النواب نبيه بري في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر، لا سيما لجهة «التأكيد على اتفاق الطائف والمحافظة على المؤسسة العسكرية والسلم الأهلي». وشدد على أن «وحدتنا الوطنية هي أهم الخيارات المتاحة لمواجهة التحديات الراهنة»، داعياً إلى تغليب المصلحة الوطنية والحفاظ على الدولة ومؤسساتها.

وفي الشأن الداخلي، شدد رئيس الجمهورية على أهمية الدولة الحاضنة لجميع اللبنانيين، مؤكداً أنها «وحدها التي تحميهم وتؤمن مطالبهم، لا سيما أن مواطنيها يتفيأون علَمها ويشتركون في هويتهم الوطنية». وقال إن المسؤولية مشتركة في قيام الدولة وتعزيز حضورها في مختلف النواحي الاقتصادية والاجتماعية.

فرصة لإعادة النهوض

واعتبر عون أن «البلد تعب من حالة الحرب والفساد والركود وسوء الإدارة التي سادت طيلة السنوات السابقة»، لافتاً إلى وجود فرصة لإعادة النهوض، خصوصاً مع انفتاح المستثمرين من الخارج على لبنان، شرط «أن نؤمن لهؤلاء الاستقرار الأمني والسياسي والإدارة السليمة».

وقال عون: «المهم وسط كل ما نشهده اليوم، المحافظة على انتمائنا للوطن والولاء له، والتحدث بلغة مصلحته وخدمة شعبه، لا استغلال هذا الشعب والطوائف والأحزاب والمذاهب لمصالح شخصية»، مضيفاً: «ليس هناك من بلد مفلس بل بلد أساء نظامه إدارة مقدراته».

ودعا إلى الخروج من الزواريب الضيقة إلى رحاب المصلحة العليا، محذراً من أنه «إذا وقع البلد فلن ينجو أحد»، ومؤكداً أن لبنان لن ينسى الماضي بل سيأخذ العبر منه، وأن «حق الاختلاف مقدس، لكن الخلاف غير مسموح به، ويجب ألا يتعدى سقف الأمن الوطني ومصلحة الدولة».

المطارنة الموارنة

في موازاة ذلك، طالب المطارنة الموارنة المجتمع الدولي بالتدخل لوقف الاعتداءات الإسرائيلية.

وجددوا في اجتماعهم الشهري برئاسة البطريرك الماروني بشارة الراعي، شجبهم للاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، مطالبين المجتمع الدولي بالتدخل لوقفها، وجميع الأطراف المعنيين بالالتزام بموجبات اتفاق الإطار.

اجتماع المطارنة الموارنة برئاسة البطريرك بشارة الراعي (الوكالة الوطنية للإعلام)

وأكد المطارنة، في بيان لهم، أنهم «يُعبِّرون عن أسفهم الشديد ويُكرِّرون شجبهم للعمليات العسكرية الإسرائيلية التي تتعرّض لها قرى وبلدات ومدن في الجنوب»، مطالبين «القوى الدولية القادرة بوضع حدٍّ نهائي لذلك، والأطراف المعنيين جميعاً بالتزام موجبات اتفاق الإطار».

وتوقف البيان عند الانسحاب التدريجي لقوات الأمم المتحدة العاملة في الجنوب، والذي ينتهي في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، داعياً إلى إيجاد بديل عنها. وقال المطارنة إنهم «يدعون إلى توافقٍ على قواتٍ دولية أو مُتعدِّدة الجنسيات بديلة منها، تتحلّى بصيغةِ عملٍ حازمة تسمح بإنجاح استرداد لبنان أراضيه حتى الحدود الدولية عبر قواه العسكرية الشرعية».

وفي ملف العدالة، رحب المطارنة بإلغاء عقوبة الإعدام، شرط أن يترافق ذلك مع تشدد في تطبيق القانون وتعزيز هيبة الدولة. وأكدوا أن إلغاء العقوبة يجب أن «يقترن بتشدُّدٍ في فرض هيبة القوانين التي تُرسِّخ الأمن والاستقرار في البلاد، وتحول دون اضطرار المعنيين إلى اللجوء إلى تسوياتٍ كالتي حصلت في قانون العفو العام».


مقالات ذات صلة

الجيش الإسرائيلي يستأنف محاولات السيطرة على «علي الطاهر» بجنوب لبنان

المشرق العربي مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي يستأنف محاولات السيطرة على «علي الطاهر» بجنوب لبنان

حاول الجيش الإسرائيلي التقدم في مرتفعات «علي الطاهر» الاستراتيجية فجر الأربعاء، في اختبار جديد لدفاعات «حزب الله» في المنطقة.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي ملك الأردن مستقبلاً قائد الجيش اللبناني بعمان في 30 أغسطس 2026 (الديوان الملكي)

ملك الأردن يقود جهداً دولياً لدعم استقرار لبنان وجيشه

بدأت عمان في حشد جهد دبلوماسي يقوده الملك عبد الله الثاني لـ«توفير دعم دولي للمؤسسات اللبنانية، والقيام بدورها».

محمد خير الرواشدة (عمان)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس بعد اجتماعهما في أثينا 31 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)

عون: هدف المفاوضات مع إسرائيل تجنيب لبنان ويلات الحرب وحماية سيادته واستقراره

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم (الأربعاء)، أن الأهداف الرئيسية للمفاوضات مع إسرائيل هي تجنيب لبنان ويلات الحرب وحماية سيادته واستقراره.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي أفراد من الجيش اللبناني خلال مهمة في بلدة الكحالة بجبل لبنان 10 أغسطس 2023 (رويترز)

الجيش اللبناني يدعو إلى عدم الانجرار وراء مزاعم منسوبة لوسائل إعلام إسرائيلية

نفت قيادة الجيش اللبناني، الأربعاء، مزاعم منسوبة إلى وسائل إعلام إسرائيلية تتناول مواقف متعلقة بالجيش ومهماته في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي دوريات الجيش السوري على طول الحدود السورية اللبنانية بريف القصير في أبريل 2026 وتمشيط الأنفاق التي يستخدمها «حزب الله» (أ.ف.ب)

لبنان يفكك شبكة أمنية خطيرة تابعة لـ«حزب الله» وفلول الأسد

أحبطت السلطات اللبنانية مخططاً أمنياً يستهدف الأمن في لبنان وسوريا، على أثر تفكيك شبكة أمنية خطيرة تنشط بين البلدين وتتبع «حزب الله» وفلول النظام السوري السابق

يوسف دياب (بيروت )

إسرائيل ترحل أزمة العلاقة مع البنوك الفلسطينية إلى ما بعد الانتخابات

شعار بنك «هبوعليم» الإسرائيلي أمام أحد فروعه في تل أبيب (رويترز)
شعار بنك «هبوعليم» الإسرائيلي أمام أحد فروعه في تل أبيب (رويترز)
TT

إسرائيل ترحل أزمة العلاقة مع البنوك الفلسطينية إلى ما بعد الانتخابات

شعار بنك «هبوعليم» الإسرائيلي أمام أحد فروعه في تل أبيب (رويترز)
شعار بنك «هبوعليم» الإسرائيلي أمام أحد فروعه في تل أبيب (رويترز)

قال نائب محافظ بنك إسرائيل، آندرو أفير، إن الحكومة الإسرائيلية الجديدة ستكون مطالبة بإيجاد حل للعلاقة بين البنوك الإسرائيلية ونظيراتها الفلسطينية، بعد التوصل ​إلى اتفاق سمح بتمديد هذه العلاقة حتى نهاية العام الحالي 2026.

وتجرى الانتخابات الإسرائيلية في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، فيما تشير الاستطلاعات إلى صعوبات تكتنف مستقبل الائتلاف الحكومي الحالي في الاحتفاظ بالأغلبية التي تمكنه من تشكيل الحكومة.

وأعلنت وزارة المالية الإسرائيلية تمكنها من الاتفاق مع البنوك الإسرائيلية على تمديد العلاقة مع البنوك الفلسطينية حتى نهاية العام، ما ينهي بشكل مؤقت أزمة كان من شأنها أن تدفع السلطة الفلسطينية أكثر نحو الانهيار.

وكان من المقرر أن يوقف بنكان إسرائيليان ‌التعامل مع البنوك الفلسطينية، وهما بنك ديسكونت إسرائيل، في الأول من سبتمبر (أيلول) الحالي، وبنك «هبوعليم» الشهر المقبل، لكن بعد مفاوضات مع وزارة المالية، قال أفير إن البنكين وافقا ​على تأجيل قطع العلاقات حتى نهاية 2026.

وأضاف أفير لـ«رويترز»: «بعد ذلك، ستتحول المسألة للحكومة الجديدة ​التي ستقرر من ينبغي أن يتحمل ذلك العبء المتمثل في أعمال الخدمات المصرفية ⁠المراسلة مع البنوك الفلسطينية... الموعد النهائي تأجل».

ولا تملك البنوك الفلسطينية وصولاً مباشراً إلى النظام المالي العالمي؛ لذا فهي تحتاج إلى بنوك إسرائيلية تعمل كوسيط بينها وبين هذا النظام، وتقوم البنوك الإسرائيلية بتحويل الأموال إلى الخارج، وإدارة التجارة المتبادلة، لكنها معرضة لما تصفه بـ«مخاطر قانونية تتعلق بحظر غسل الأموال، ومخاوف تمويل الإرهاب».

ولضمان استمرار هذا النشاط، ومنع الانهيار الاقتصادي في السلطة الفلسطينية، تمنح الدولة البنوك الإسرائيلية خطاب تعويض (حصانة) تتحمل بموجبه المسؤولية القانونية في حال وجود مطالبات، أو غرامات في الخارج.

مبنى سلطة النقد الفلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (موقع سلطة النقد)

وظل هذا الوضع سارياً حتى وصل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى منصبه، وكان يعارض توقيع الإعفاءات، لكنه تراجع عن ​هذا الموقف عدة مرات بسبب ضغوط من الولايات المتحدة، والحكومة الإسرائيلية.

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» في تقرير سابق أن سموتريتش استغل مسألة حاجة السلطة الفلسطينية إلى استمرار «العلاقة البنكية»، وساوم الدول التي ضغطت من أجل ذلك، مقابل غض الطرف عن المستوطنين في الضفة، والتوسع الاستيطاني، لكنه ظل يهاجم علاقة البنوك الفلسطينية بما يصفه بـ«الإرهاب»، وهو وضع زاد من التوتر في المصارف الإسرائيلية.

وعلى الرغم من موافقة الحكومة الإسرائيلية الشهر قبل الماضي على تمديد العلاقة، أبلغ البنكان الإسرائيليان (ديسكونت وهبوعليم) أنهما سيوقفان التعامل مع البنوك الفلسطينية، لأن«الأمر لا يستحق المخاطرة».

وبعد مفاوضات طويلة تم إقناعهما بالاستمرار، وهو وضع سيؤجل بت المسألة للحكومة القادمة. وتدرك الحكومة الحالية وأي حكومة أخرى أن قطع العلاقة مع البنوك سيعني انهيار السلطة الفلسطينية.

وتشير تقديرات سلطة النقد الفلسطينية إلى أن بنكي «ديسكونت»، و«هبوعليم» يعالجان معاملات سنوية للسلطة الفلسطينية بقيمة 51 مليار شيقل (17 مليار دولار)، في حين يمر 90 في المائة من التجارة الفلسطينية، مثل الأغذية والوقود والأدوية، عبر إسرائيل.

القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

وتعاني السلطة الفلسطينية من خطر الانهيار بسبب غياب أفق سياسي، وأزمة مالية عميقة نتيجة حجب سموتريتش أموال العوائد الضريبية من جهة، ومحاصرته البنوك بإجراءات من بينها التهديد بوقف التعامل معها، إضافة إلى رفضه استقبال المزيد من عملة الشيقل التي راحت تخنق البنوك الفلسطينية، وتهدد الاقتصاد.

وقال أفير: «الحل طويل الأجل هو إيجاد جهة دائمة تقدم ​خدمات مصرفية مراسلة بين البنوك ​الفلسطينية والإسرائيلية، سواء ⁠كان ذلك من خلال استمرار بنك هبوعليم وديسكونت، أو عبر شركة حكومية تحل محلهما. لكن يتعين الاتفاق على جهة دائمة ما لتنفيذ الخدمات المصرفية المراسلة».


«حماس» مصدومة من اختطاف العرابيد... وإسرائيل تتحدث عن «كنز استخباري»

فلسطينية تودع شقيقتها إسراء الحاسي (7 سنوات) بعد أن قُتلت بنيران الجيش الإسرائيلي وسط غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
فلسطينية تودع شقيقتها إسراء الحاسي (7 سنوات) بعد أن قُتلت بنيران الجيش الإسرائيلي وسط غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

«حماس» مصدومة من اختطاف العرابيد... وإسرائيل تتحدث عن «كنز استخباري»

فلسطينية تودع شقيقتها إسراء الحاسي (7 سنوات) بعد أن قُتلت بنيران الجيش الإسرائيلي وسط غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
فلسطينية تودع شقيقتها إسراء الحاسي (7 سنوات) بعد أن قُتلت بنيران الجيش الإسرائيلي وسط غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

تسيطر حالة من الصدمة على الجهات الأمنية الحكومية وغيرها داخل حركة «حماس»، بعد العملية الإسرائيلية الخاطفة التي استهدفت قبيل ظهر الثلاثاء، المسؤول الأمني البارز في الحركة وحكومتها، معين العرابيد، والذي اختطف ونقل إلى داخل إسرائيل.

وفي المقابل، تتحدث تقارير إسرائيلية عما تصفه بـ«كنز استخباري» يمكن أن تحصل عليه الأجهزة الأمنية الإسرائيلية باستجواب العرابيد.

وبعد يوم واحد من العملية، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أثناء تفقده قواته في غزة، إن الدولة العبرية لن تنسحب من القطاع الفلسطيني. وأكد نتنياهو من منطقة «الخط الأصفر» الذي يفصل ما بين الأنحاء حيث تنتشر قوات إسرائيلية وتلك الواقعة تحت إدارة «حماس»: «نحن نسيطر على المنطقة، لن نتراجع، سنبقى على هذا الخط».

وكادت العملية الإسرائيلية التي نفذتها قوة من جهاز الأمن العام «الشاباك»، تتعقد أكثر، خاصةً أن العرابيد وأفراد عائلته بمن فيهم زوجته وابنته، ومرافقون له شاركوا بالاشتباكات لمحاولة إفشال العملية.

ونُفذت العملية الأمنية الإسرائيلية، في وسط مربع «الفلل» السكني في منطقة الكتيبة بمدينة غزة التي كان يُنظر إليها باعتبارها آمنة، خاصةً أن مقر جهاز الأمن الداخلي الحكومي في غزة الذي كان يقوده العرابيد، كما تؤكد مصادر لـ«الشرق الأوسط»، لا يبعد سوى نحو 250 متراً أو أقل من مكان الحدث.

وتضم المنطقة كذلك كثيراً من النازحين وعائلات فلسطينية لديها أسلحة استخدمت فقط منذ أيام في شجار كبير تخلله إطلاق نار لساعات، وقتل فيه شخص على الأقل.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر في «حماس» بغزة، أنه تم تشكيل لجنة تحقيق موسعة في ظروف العملية وكيفية تسلل القوات الإسرائيلية إلى المنطقة، مشيرةً إلى أنه تم جمع جميع مقاطع الفيديو التي التقطت من المواطنين الذين يقطنون بالمنطقة والنازحين بالقرب منها، إلى جانب ما التقطته الكاميرات الأمنية والخاصة ببعض المنازل والعمارات السكنية، للوقوف عند كل خطوة جرت فيها العملية.

ماذا حدث وقت الهجوم؟

يكشف مصدران أمنيان لـ«الشرق الأوسط» عن أن العرابيد كان يخرج من منزله برفقة أحد المرافقين حين تمت مباغتتهم بإطلاق النار اتجاههم من قبل أفراد القوة الإسرائيلية الخاصة، قبل أن تكتشف زوجته. وقال أحد المصدرين إن «الزوجة (قُتلت في الهجوم)، أطلقت النار باتجاه أفراد القوة الإسرائيلية، وبعدها هب اثنان من أبنائها لإطلاق النار (أصيبا بإصابات بالغة في الاشتباكات) ومحاولة إتاحة الفرصة أمام والدهما للانسحاب من المكان، رغم إصابته في قدمه».

وأكد المصدر الأمني الثاني أن «كاميرات المراقبة، وشهادات الشهود أظهرت أن أفراد القوة الإسرائيلية لاحقوا العرابيد وأصابوه واختطفوه واقتادوه لخارج مدينة غزة باتجاه مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي، وسط تحليق مكثف لطائرات حربية ومسيرة تؤمن انسحاب تلك القوة».

فلسطينيون بموقع غارة إسرائيلية بمدينة غزة يوم الثلاثاء واكبت اختطاف مسؤول أمني في «حماس» (إ.ب.أ)

وبحسب مصدر فصائلي، فإن «نجل العرابيد الذي كان قد تزوج منذ 4 أشهر، تم استئصال عينه نتيجة إصابته فيها بشكل مباشر، فيما أصيب نجله الآخر الذي كان من المفترض أن يعقد قرانه، أمس الثلاثاء، بجروح خطيرة. بينما أصيبت شقيقتهما بجروح متوسطة، مشيراً إلى أن الأم (الزوجة) تعرضت لإطلاق نار مباشر في رأسها خلال الاشتباك. كما أصيب اثنان على الأقل من المرافقين كانا في الفناء الخلفي للمنزل لحظة الهجوم، وهبوا للاشتباك مع القوة الإسرائيلية».

وأشار المصدر إلى أن أكثر من 5 صواريخ أطلقتها طائرات مسيرة، إلى جانب أكثر من 14 قنبلة ألقتها طائرات مسيرة صغيرة «كواد كابتر» في المنطقة ومحيطها لتشتيت الانتباه وحماية القوة الخاصة.

ونشر مقطع فيديو التقط من قبل سكان في المنطقة، لحظة زحف العرابيد وهو مصاب، وكان يبدو أنه يحاول الهروب من المكان، إلا أن المركبة التي كانت تقل القوة الخاصة وصلت إليه، قبل أن يطلق النار اتجاههم، إلا أن القوة الإسرائيلية ردت بإطلاق النار وإلقاء قنبلة اتجاهه قبل أن يتم اختطافه.

احتفاء إسرائيلي بـ«كنز استخباري»

ولم يتوقف الاحتفاء الإسرائيلي بالعملية، وأشاد بها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مساء الثلاثاء، وادعى أن العرابيد كان يقف خلف الاحتفاظ برهائن إسرائيليين ومحاولة استعادة قدرات «حماس» بغزة. فيما نفى مصدر قيادي في الحركة لـ«الشرق الأوسط» أن يكون له أي دور يتعلق بملف المختطفين الإسرائيليين لدى الحركة خلال الحرب.

ووصف المراسل العسكري للقناة الـ12 العبرية نيتسان شافيرا، ما يمكن أن يُدلي به العرابيد من اعترافات بأنه قد يكون بمثابة «كنز استخباري» بالنسبة لإسرائيل.

ووفقاً للقناة الـ12 العبرية، فإن العرابيد تلقى العلاج في أحد مستشفيات إسرائيل وهو بحالة جيدة، وأنه بدأ التحقيق معه، وسط تقديرات أمنية أن لديه الكثير ليقدمه من معلومات أمنية لدوره المهم في حركة «حماس»، مشيرةً إلى أن العملية نفذت من قبل جهاز «الشاباك» فقط، ولم تشارك أي من مجموعات العصابات المسلحة في قطاع غزة.

ولفتت القناة إلى أن جهاز «الشاباك» تابع العرابيد لفترة طويلة، حتى وصلت ما وصفتها بـ«المعلومات الذهبية، والفرصة المناسبة لاعتقاله، وتم تنفيذ العملية بمستوى عالٍ جداً من السرية، وتم التخطيط لإخفاء التفاصيل، إلا أن تسرب التقارير (عن طبيعة الهجوم) من جهات فلسطينية، اضطر الأجهزة الأمنية للكشف عنها».

وكانت مصادر ميدانية أكدت، الثلاثاء، لـ«الشرق الأوسط»، أن التقديرات تشير إلى أن القوة الخاصة الإسرائيلية كانت موجودة في المنطقة منذ يومين على الأقل قبل التنفيذ.

وذكر تقرير لهيئة البث الإسرائيلية أن جهاز «الشاباك» تمكن من تحديد مكان العرابيد منذ عدة أسابيع، وتم دراسة إمكانية تصفيته جواً، لكن تم إدراك إمكانية إحضاره إلى إسرائيل للتحقيق من خلال عملية خاصة.

وبيَّن التقرير أنه «تم التخطيط للعملية على مدار أشهر، وأديرت من غرفة العمليات الخاصة في (الشاباك)»، مشيراً نقلاً عن مصادر أن «قرار إحضاره حياً للتحقيق اتخذ بسبب دوره في إعادة بناء (حماس)، وكونه من العناصر التي أعاقت تفكيك الحركة ونزع سلاحها، وأنه تم التنسيق للعملية مع الأميركيين، واتخذ قرار الموافقة من قبل نتنياهو، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس»، وفق التقرير.

المعلومات ليست هدفاً وحيداً للعملية

وقالت مصادر إسرائيلية للقناة الـ12، إن العملية لا تهدف فقط إلى جمع معلومات استخباراتية؛ بل تستهدف كذلك خلق شعور بالمطاردة بين كبار قادة حركة «حماس»، حتى في حالة وجود نوع من الهدنة في غزة.

وذكرت صحيفة «معاريف» العبرية أن العملية خلقت إدراكاً داخل «حماس» أن قياداتها مكشوفة للاستخبارات الإسرائيلية، وباتت تدرك أنها قادرة على الوصول إلى كل منزل ونفق. فيما قال مسؤول أمني إسرائيلي للصحيفة إن «العرابيد في وضع مماثل يشبه وضع الشقيقين محمد ويحيى السنوار اللذين كانا يسيطران على الجناح العسكري لـ(حماس)». فيما نفى مصدر مطلع من الحركة لـ«الشرق الأوسط» تلك الرواية، مكتفياً بالتأكيد أنه ليس مجرد ضابط أو مسؤول أمني عادي.

فلسطيني يمشي في موقع غارة إسرائيلية بمدينة غزة يوم الثلاثاء واكبت اختطاف مسؤول أمني في «حماس» (إ.ب.أ)

ونقلت الصحيفة تقييمات عن مصادرها أن «العملية كانت استراتيجية؛ إذ كانت هناك قدرة على تصفية الهدف من الجو كما فعلت مع غيره، لكن إسرائيل قررت جلبه للحصول على المعلومات»، مرجحةً أن «تُثمر العملية نتائج وفق المعلومات التي يمكن أن يقدمها»

وقالت صحيفة «هآرتس» العبرية إنه «من وجهة النظر الإسرائيلية، يعد اعتقال العرابيد ذا قيمة كبيرة، ومن خلال استجوابه، يمكن معرفة مثلاً ما تعرفه (حماس) عن شبكة العملاء التي تديرها إسرائيل في قطاع غزة حالياً، كأحد دروس أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والتي أظهرت التحقيقات أن العمليات التشغيلية للعملاء كانت ضئيلة جداً قبل الحرب».

ورجحت الصحيفة أن تتخذ «حماس» خطوات لمحاولة الحد من الضرر الاستخباراتي الذي سيلحق بها جراء عملية الاختطاف.

وكانت مصادر من «حماس» أكدت، الثلاثاء، لـ«الشرق الأوسط» أن العرابيد كان مسؤولاً عن ملف المتخابرين مع إسرائيل، كما أنه تولى مسؤولية عدة ملفات أمنية حساسة، منها اعتقال الموالين لتنظيم «داعش» وغيرهم، كما أشرف على عمليات تحقيق تتعلق بالعصابات المسلحة.


الجيش الإسرائيلي يستأنف محاولات السيطرة على «علي الطاهر» بجنوب لبنان

مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)
مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يستأنف محاولات السيطرة على «علي الطاهر» بجنوب لبنان

مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)
مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)

حاول الجيش الإسرائيلي التقدم في مرتفعات «علي الطاهر» الاستراتيجية في جنوب لبنان، فجر الأربعاء، في اختبار جديد لدفاعات «حزب الله» في المنطقة، إذ شن هجوماً جديداً في المنطقة، قبل أن تتعرض قواته لنيران «حزب الله»، ما دفعها للتراجع مرة أخرى، وإطلاق وابل من الغارات والقذائف المدفعية استهدفت المنطقة والتلال المحيطة فيها.

وتعد هذه المحاولة، أحدث اختبار لدفاعات «حزب الله» في المرتفع الذي يحاول الجيش الإسرائيلي السيطرة عليه منذ 12 أسبوعاً، حسبما قالت مصادر أمنية في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»، إذ تجددت محاولة التقدم بعد أسبوع من التمهيد الناري المكثف بالغارات الجوية والقصف المدفعي، كما ترافقت مع تفجيرات استهدفت بلدة كفرتبنيت القريبة من المرتفع الاستراتيجي.

وتسعى القوات الإسرائيلية للسيطرة على المرتفع الاستراتيجي، باستخدام آليات عسكرية، غالباً ما تكون مسيرة، إضافة إلى الدفع بعسكريين من المشاة في محاولة للدخول إلى منشآت يقول الجيش الإسرائيلي إنها موجودة ضمن أنفاق في التلة.

ويصر الجيش الإسرائيلي على السيطرة على تلة تمتد لنحو 1.5 كيلومتر، عبر التقدم العسكري، بعدما رفض «حزب الله» مبادرة أميركية لإخلائها وتسليمها للجيش اللبناني. ومنذ أسبوعين، نفذ الجيش الإسرائيلي عشرات الغارات الجوية في المنطقة المحيطة بها، ودمّر المباني والقصور المشيدة في أسفل التلة، كما أطبق الحصار عليها بالمسيرات والرصد الجوي والقصف المدفعي، في محاولة لمنع أي مقاتل من الحزب للخروج من أنفاقها.

تقدم جديد

وتحدثت مصادر ميدانية في قضاء النبطية عن محاولة تقدم «بدأت ليل الثلاثاء - الأربعاء بآليات عسكرية وأفراد مشاة وتصدى لها مقاتلو (حزب الله)»، مشيرة إلى «سماع أصوات رصاص وانفجارات تواصلت حتى الصباح». وقالت المصادر إن «الزخم الناري الذي شهدته المنطقة، هو الأعنف والأكثر كثافة منذ أسابيع ما يشير إلى حدث أمني في المنطقة».

وأفادت وسائل إعلام لبنانية بأن «حزب الله» تصدى لمحاولة تقدم إسرائيلية باتجاه علي الطاهر بعد منتصف الليل، وأنه استهدف آلية عسكرية بمسيّرة ما أدى إلى تدميرها.

وحَسَمَ الجيش الإسرائيلي الأمر، في بيان أصدره الأربعاء، قال فيه إن مقاتلي «حزب الله» أطلقوا فجر الأربعاء طائرتين مسيّرتين مفخختين باتجاه قوات الجيش الإسرائيلي في منطقة مرتفعات علي الطاهر. وأضاف: «أطلق المقاتلون النار باتجاه إحدى المسيّرتين وتمكنوا من اعتراضها، ولم تقع إصابات في صفوف قواتنا».

ورداً على هذا العمل، استهدف الجيش الإسرائيلي «بنى تحتية تابعة لتنظيم (حزب الله) الإرهابي في منطقة النبطية جنوب لبنان، وقد استخدم مخربو التنظيم هذه البنى التحتية لتخطيط وتوجيه مخططات إرهابية بهدف استهداف قوات جيش الدفاع في المنطقة الأمنية ومواطني دولة إسرائيل.

ونُفذت هذه الغارات لإزالة تهديد فوري»، حسبما جاء في البيان.

كثافة نارية

وسُجّل معدل يقارب خمس غارات في الساعة منذ ليل الثلاثاء وحتى فجر الأربعاء، تخللتها رشقات متتالية من القصف المدفعي، فيما دوّت الانفجارات في أنحاء واسعة من المنطقة. وشن سلاح الجو الإسرائيلي عشرات الغارات على محيط مرتفعات «علي الطاهر» فجر الأربعاء، إذ أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية بأن أهالي مدينة النبطية وبلداتها وقراها «أمضوا ليلة طويلة أخرى من الاعتداءات بالغارات الجوية والقصف المدفعي العنيف والتي أشاعت أجواء من التوتر والهلع».

تفجير إسرائيلي في بلدة أرنون بالقرب من تلة علي الطاهر بجنوب لبنان الاثنين (د.ب.أ)

وأوضحت الوكالة أن «الطيران الحربي الإسرائيلي شن، اعتباراً من بعد منتصف الليل، سلسلة غارات على حي الرويس في بلدة النبطية الفوقا، مستهدفاً ومدمراً المزيد من منازل المدنيين»، كما «تعرضت بلدة عربصاليم (التي تبعد نحو 7 كيلومترات عن علي الطاهر) فجراً، لغارة شنها الطيران الحربي، استهدفت غرفة الوقف التابعة لجبانة البلدة ودمرها، وهي غرفة تضم أدوات حفر وعربات نقل صغيرة لزوم حفر القبور». كما «أدت الغارة إلى أضرار كبيرة في أضرحة الجبانة وتحطم شواهد الكثير منها، كما تحطم زجاج عشرات المنازل المحيطة بمكان الغارة، فضلاً عن حالة من التوتر والرعب عاشها أهالي البلدة». ونفذت مسيرة غارة بصاروخ موجه منزلاً في النبطية الفوقا.

قصف مدفعي

وعلى مدار الليل، قصفت مدفعية إسرائيلية وبشكل عنيف ومركز مرتفع علي الطاهر ومحيط تلة الدبشة عند الأطراف الشمالية للنبطية الفوقا، ودوحة كفررمان، وأطراف ميفدون وزوطر الشرقية، حسبما أفادت «الوكالة». وصباحاً، تعرضت أطراف زوطر الشرقية لعملية تمشيط بالرشاشات الثقيلة. ويوم الأربعاء، أقدمت القوات الإسرائيلية على تنفيذ تفجيرات في مشاع بلدة المنصوري لجهة بلدة مجدل زون في قضاء صور، كما نفذت تفجيراً في حولا، إضافة إلى تفجير ضخم في بلدة كفرتبنيت.

واستهدفت غارة من مسيرة حي الرويس جهة الحديقة المعصومة في مدينة النبطية وأدت إلى سقوط قتيل وإصابة شخص بجروح. وسجلت غارة على حي الدير في النبطية الفوقا من دون إصابات.

في غضون ذلك، أحصت وزارة الصحة اللبنانية مقتل 8920 شخصاً، و30559 جريحاً في حصيلة تراكمية محدثة للحرب الإسرائيلية على لبنان منذ 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 حتى 1 سبتمبر (أيلول) 2026.