قوبلت التصريحات الأخيرة لشيخ العقل في السويداء، حكمت الهجري، بالرفض من قبل نخب سورية من دروز الجولان المحتل، الذين عدوها «تطاولاً على جوهر العقيدة التوحيدية»، بقوله إن الدروز «مشتركون العقيدة مع دولة إسرائيل»، وإنهم «جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل»، مؤكدين أن كلامه «لا يستند على أي حيثية تاريخية، أو أخلاقية، أو وطنية»، مطالبين بصدور موقف مِن أعلى مرجعيات الدروز.
بعد حرب يونيو (حزيران) 1967 التي احتلت على أثرها إسرائيل هضبة الجولان السورية، بقي سكان بلدات (مجدل شمس، ومسعدة، وبقعاثا، وعين قنيا) السوريين فيها، وهم من أتباع الطائفة الدرزية، ويبلغ عددهم 23 ألف نسمة.

وأصدرت الهيئة الدينية في تلك القرى الواقعة شمال الهضبة، الاثنين الماضي، بياناً استنكرت فيه تصريحات الهجري التي أطلقها في مقطع مصور نهاية الأسبوع الماضي. وأدان ثلاثة من نخب مجدل شمس في حديث لـ«الشرق الأوسط» تصريحات الشيخ الهجري، وعبروا عن مخاوفهم حيال مصير السويداء، وقلقهم على سوريا الموحدة.

الكاتب والصحافي حسان شمس، وهو من سكان «مجدل شمس»، يؤكد أن تصريحات الهجري ومشروعه الانفصالي «مرفوضين جملة وتفصيلاً»، مشدداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أن كل المواقف التي اتخذها «لا تستند على أي حيثية تاريخية، ولا أخلاقية، ولا منطقية، ولا وطنية».
ويصف شمس مشروع الهجري بأنه «مشروع دمار لسوريا بشكل عام، ولتاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا كدروز»، مشدداً على أنه «لا يحق له المقامرة بمستقبل طائفة جذورها الوطنية ضاربة في عمق التاريخ».
وبرأيه، فإن الهجري بتصريحاته الأخيرة التي لاقت استنكاراً محلياً وإقليمياً «تجاوز المسموح له بكثير، وتطاول حتى على جوهر العقيدة التوحيدية الدرزية، فما قاله بأن الدروز جزء لا يتجزأ من إسرائيل هو تلفيقات، وهذيان... وعلامة إفلاس، وصرخة استغاثة لا تدل على أن هناك من الإسرائيليين من وعده بأي شيء».
للتذكير، أنه بعد أحداث السويداء في يوليو (تموز) 2025 التي ذهب ضحيتها مئات المسلحين من الفصائل الدرزية المحلية وعناصر الجيش والأمن، والمدنيين، سيطر الهجري وما يعرف بـ«الحرس الوطني» التابع له على أجزاء واسعة من المحافظة، وطالب بحق تقرير المصير لأهالي السويداء، وأعلن سعيه إلى إقامة ما يسميها «دولة باشان» في السويداء بدعم من إسرائيل.
شمس يوضح أن الهجري بنى مشروعه على «تخاريف»، وبالتالي «غير مسموح له بأن يدفّع الطائفة ثمن مواقفه»، مشيراً إلى أنه بغض النظر عن الأحداث التي جرت في السويداء -وهي مستنكرة، ومدانة، ويجب أن يحاسب كل إنسان شارك في هذه «المجازر»- فليس مسموحاً للهجري وغيره أن يحرّف ويشوه تاريخ منطقة، ويقامر بحاضرها، ومستقبلها.
ويذهب شمس أبعد من ذلك، مطالباً بإصدار موقف مِن أعلى مرجعيات الدروز الروحية والزمنية في كل مكان تتبرأ مِنه.
وأقصى ما يمكن أن يحصل عليه الهجري، حسب شمس، هو اتفاق عمّان الثلاثي الذي أعلن عنه في سبتمبر (أيلول) 2025، وهو رفضه في حينها، «ولكنه حالياً سيقبله مرغماً»، معرباً عن عدم ثقته في أن يكون جزءاً من مرحلة قادمة «لأنه غير مؤتمن»، بحسب تعبيره، معتبراً أن أكثر ما تحتاج إليه السويداء «انتفاضة كرامة على مَن أهدر كرامتها، وطي هذه الصفحة السوداء مِن تاريخها، ومحو لطخة العار التي جسدتها فترة تسيُّد الهجري».

د. نزار أيوب -باحث متخصص في القانون الدولي، وحقوق الإنسان، وقضايا العدالة الانتقالية، وهو من مجدل شمس أيضاً- يرى أن الهجري بتصريحاته تمادى في حشر نفسه في الزاوية، مختطفاً سكان محافظة كاملة من محافظات سوريا، ومعتمداً في ذلك على قمع كل من يبدي معارضة لنهجه المتمثل في إنكار تاريخ السويداء، ودورها الوطني.
ويبيّن أيوب لـ«الشرق الأوسط» أن «تصريحات الهجري التي تتملق إسرائيل، وتستجدي حكومتها ليس لها سند في الواقع، ولا في القانون، ولن تكون السويداء ولا درعا ولا الجولان المحتل جزءاً من إسرائيل تحت أي ظرف، لأنها قوة احتلال».
ويلفت إلى أن إسرائيل توظف خطاب الهجري في سياق محادثاتها مع السلطة الانتقالية في دمشق للضغط عليها من أجل الوصول إلى تفاهمات أمنية في جنوب سوريا، ولتحصل على أفضل نتائج ممكنة، لكنها ستتخلى عن الهجري عندما تقتضي مصلحتها ذلك.
يعيد أيوب إلى الأذهان أن سياسة إسرائيل تجاه الدروز العرب -وبينهم دروز الجولان المحتل- تقوم على الاستغلال، إذ تنتهج منذ إقامتها سياسة فرق تسد في تعاملها مع العرب الفلسطينيين، وسكان دول المحيط العربي، ومن ضمنهم الموحدون الدروز.
ويصف أيوب «دولة باشان» التي رفع الهجري رايتها بأنها «وهم مطلق، فالمجتمع الدولي والمحيط العربي مع الإبقاء على وحدة سوريا، وضد تقسيمها إلى كيانات».

منذ سيطرة الهجري على المناطق الواقعة تحت نفوذه في السويداء لم يحقق أياً من الوعود التي أطلقها للأهالي، ويزداد سوء الأوضاع فيها بشكل يومي على كافة الصعد، وسط تساؤلات: إلى أين يسير الهجري بالسويداء.
أيوب يرى أن الهجري لا يستطيع الذهاب بالسويداء إلى أي مكان، حيث هنالك توافق وطني بين الوطنيين السوريين، ومن ضمنهم سكان السويداء، على وحدة سوريا، وسلامتها الإقليمية، وسيادتها على كامل أراضيها، ومن ضمنها الجولان المحتل، موضحاً أن إسرائيل لن تقبل بضم أي من سكان محافظات جنوب سوريا تحت أي ظرف، فعقيدتها تقوم على التوسع الاستيطاني الاحتلالي، والسيطرة على أراضي الغير بعد تهجير سكانها الأصليين.
وفي أحسن الأحوال، وفي حال بقيت إسرائيل تسيطر على مناطق في جنوب سوريا، فإنها ستقيم جيشاً من المرتزقة يساعدها على حماية الجبهة الشمالية، حسب أيوب الذي يوضح أنه في حالة سوريا، هنالك اعتراف دولي واسع بالسلطة الانتقالية السورية، وتوافق دولي واضح حول وحدة سوريا، وسيادتها على أراضيها، وتصريحات الهجري هي بمثابة حلم غير قابل للتحقيق تحت أي ظرف كان.
ظاهرة شاذة يجب وضع حد لها
الكاتب والباحث السوري د. ثائر كنج أبو صالح -من أهالي مجدل شمس- يذهب إلى ما ذهب إليه شمس، وأيوب، برفض تصريحات الهجري، ومشروعه.
ويعتبر أبو صالح لـ«الشرق الأوسط» أن تصريحات الهجري الأخيرة «تنم عن جهل فاضح بالتاريخ، والعقيدة، ويبدو أنه وبحكم اغترابه لسنوات طويلة يجهل تاريخ وعقيدة الدروز، ويظنها صفقة من صفقاته يستطيع أن يشكلها كما شاء لتخدم أغراضه، ومصالحه، ولذلك نحن ندين ونستنكر كلامه، ونعتبره ظاهرة شاذة يجب على أهل جبل العرب وضع حد لها بأسرع وقت».

ويوضح: «نعيش تحت الاحتلال منذ ما يقرب من الستين عاماً، ونعرف إسرائيل، وسياساتها، وما تضمره، وتخطط له، فهي تسعى لاستعمال الورقة الدرزية في سوريا للإبقاء على البلاد ضعيفة، وغير قادرة على النهوض...»، معرباً عن اعتقاده بأن الهجري «فقد البوصلة، ولا يعرف إلى أين يأخذ أهل السويداء تحت تهديد السلاح، وأصبح غير قادر على التراجع».
كما أعرب أبو صالح عن اعتقاده بأن السلطة في دمشق «تتحمل المسؤولية الأولى إلى ما آلت إليه الأحوال في السويداء، وهي التي يجب أن تجترح الحلول للخروج من الأزمة».





