الاقتصاد سلاحاً... كيف تستخدم الدول العقوبات والتجارة والطاقة؟

حاويات ورافعات في مرفأي لوس أنجليس ولونغ بيتش بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)
حاويات ورافعات في مرفأي لوس أنجليس ولونغ بيتش بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)
TT

الاقتصاد سلاحاً... كيف تستخدم الدول العقوبات والتجارة والطاقة؟

حاويات ورافعات في مرفأي لوس أنجليس ولونغ بيتش بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)
حاويات ورافعات في مرفأي لوس أنجليس ولونغ بيتش بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)

مع تشديد الولايات المتحدة ضغوطها الاقتصادية على إيران في ظل الحرب بين البلدين، وتصاعد التوتر التجاري والتكنولوجي بين واشنطن وبكين، تعود إلى الواجهة مسألة توظيف الاقتصاد سلاحاً في صراعات النفوذ بين الدول. فقد أطلقت واشنطن أخيراً حملة جديدة لزيادة الضغط الاقتصادي على طهران، فيما شهدت المنافسة بين الولايات المتحدة والصين إجراءات متبادلة شملت الرسوم الجمركية وقيود التصدير والتكنولوجيا.

وتكشف هذه التطوّرات عن اتساع الأدوات الاقتصادية التي تستخدمها الدول للضغط على خصومها وتعزيز موقعها. فمن العقوبات المالية والرسوم الجمركية إلى قيود التكنولوجيا والطاقة والمواد الحيوية وسلاسل الإمداد، يشكّل حجم الاقتصاد وموقع الدولة داخل النظام التجاري والمالي العالمي جزءاً أساسياً من قوة الدولة في توظيف الاقتصاد ضمن صراعات النفوذ.

العقوبات في خدمة الأهداف السياسية

تُعد العقوبات من أكثر صور توظيف الاقتصاد وضوحاً في صراعات النفوذ. ومن خلال العقوبات، تستطيع دولة أو مجموعة دول حرمان دولة خصم من مصادر التمويل أو الوصول إلى الأسواق والتكنولوجيا، بهدف زيادة التكلفة الاقتصادية المترتبة على مواقفها وقراراتها السياسية، والضغط عليها لتغيير هذه السياسات.

ويشير «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» (CSIS)، وهو مركز أبحاث أميركي متخصص في القضايا السياسية والأمنية والاستراتيجية، إلى أن أدوات الحرب الاقتصادية تشمل -إضافة إلى العقوبات المالية- سياسات تجارية وصناعية وتنظيمية يمكن من خلالها التأثير في قدرة الخصم على تحويل موارده الاقتصادية إلى قوة.

وتقدّم روسيا منذ غزوها أوكرانيا مثالاً بارزاً على استخدام العقوبات الاقتصادية للضغط على دولة بهدف التأثير في سياساتها. فقد استهدفت العقوبات الغربية قطاعات مالية وصناعية وتكنولوجية روسية، إلى جانب محاولات تقليص عائدات موسكو من الطاقة، في إطار الضغط عليها بسبب استمرار الحرب. وسَعَت روسيا إلى الحد من تأثير هذه الإجراءات عبر إعادة توجيه جزء من تجارتها نحو أسواق أخرى والبحث عن قنوات بديلة للحصول على السلع والتمويل، بما يساعدها على تحمل تكلفة العقوبات ومواصلة حربها.

ورغم أن العقوبات لم تدفع موسكو إلى تغيير سياستها تجاه أوكرانيا، فإنها أرخت بظلالها على الاقتصاد الروسي، من خلال تقييد الوصول إلى بعض التقنيات والاستثمارات والأسواق الغربية، وزيادة تكلفة بعض الواردات والمعاملات التجارية، فضلاً عن الضغوط التي تعرّضت لها قطاعات تعتمد على التكنولوجيا الأجنبية. وهنا يظهر أحد حدود فاعلية العقوبات السياسية: فقد تُلحق العقوبات تكلفة اقتصادية ملموسة بالدولة المستهدَفة، من دون أن تكون هذه التكلفة كافية بالضرورة لدفع قيادتها إلى تغيير السياسة التي فُرضت العقوبات بسببها.

ناقلة نفط تابعة لمجموعة «سوفكومفلوت» الروسية تعبر مضيق البوسفور في تركيا (رويترز)

التجارة أداة للضغط الاقتصادي

تؤدي التجارة دوراً أكثر تعقيداً في صراعات النفوذ، لأن العلاقة التجارية التي تحقق مكاسب للدولتين في الظروف الطبيعية قد تتحوّل إلى مصدر قوة لإحداهما عند وقوع خلاف بينهما. وكلما زاد اعتماد دولة على سوق الدولة الأخرى أو على منتجات يصعب استبدالها، ازدادت قدرة الأخيرة على توظيف هذا الاعتماد لتحقيق أهداف سياسية.

ويبرز ذلك خصوصاً في العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، حيث تُستخدم الرسوم الجمركية وقيود التصدير والسياسات الصناعية في سياق التنافس بين البلدين على موقعيهما في الاقتصاد العالمي، وعلى الصناعات والتقنيات التي يُتوقع أن تؤثر في موازين القوة مستقبلاً.

ويظهر ذلك بوضوح في أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والمعادن الحيوية. فالسيطرة على التكنولوجيا أو على المواد الضرورية لإنتاجها تمنح الدول أدوات ضغط تضاف إلى أهميتها التجارية. وفي المقابل، تدفع هذه المخاطر الحكومات والشركات إلى نقل بعض مراحل الإنتاج إلى الداخل أو إلى دول أخرى وتنويع مصادر الاستيراد، حتى عندما تكون التكلفة الاقتصادية أعلى. وتبرز فيتنام والمكسيك، على سبيل المثال، بين الدول التي استقطبت استثمارات وتصنيعاً كان يتركز جزء منه في الصين، مع سعي الشركات الأميركية إلى تنويع سلاسل الإمداد وتقليص مخاطر الاعتماد الكبير على السوق الصينية.

رقاقة إلكترونية وسط علمَي الولايات المتحدة والصين (رويترز)

إيران تحت وطأة العقوبات

تمثل إيران حالة بارزة لاستخدام القوة الاقتصادية في ممارسة الضغط السياسي. فقد استهدفت العقوبات الأميركية على مدى سنوات مصادر رئيسية للإيرادات الإيرانية، وفي مقدّمتها صادرات النفط، إلى جانب القطاع المالي، كما شملت بعض الإجراءات شركات ومؤسسات أجنبية تتعامل مع طهران. وهدفت واشنطن من خلال هذه الإجراءات إلى زيادة التكلفة الاقتصادية على إيران والضغط عليها في ملفات مرتبطة ببرنامجها النووي وسياساتها الإقليمية.

وأشارت صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية المتخصصة في الشؤون الاقتصادية والدولية إلى أن سياسة «الضغط الأقصى» الأميركية ألحقت أضراراً كبيرة بالاقتصاد الإيراني. وأدت القيود المفروضة على النفط والقطاع المالي والتعاملات الخارجية إلى تضييق قدرة طهران على الاستفادة من مواردها الاقتصادية والوصول إلى النظام المالي الدولي، وإن لم تؤدِّ هذه الضغوط إلى تحقيق جميع الأهداف السياسية التي وضعتها واشنطن.

وتظهر التجربة الإيرانية حجم التأثير الذي تستطيع الولايات المتحدة ممارسته من خلال موقعها في النظام المالي والاقتصادي العالمي، إذ تؤثر العقوبات الأميركية أيضاً في قرارات الشركات والمؤسسات الأجنبية التي تخشى التعرّض لإجراءات عقابية عند التعامل مع طهران. وبذلك تستخدم واشنطن ثقلها الاقتصادي لتوسيع نطاق الضغط على إيران وزيادة التكلفة الاقتصادية التي تواجهها في ظل المواجهة بين البلدين.

العلم الإيراني أمام منشأة نفطية (رويترز)

الطاقة مورد اقتصادي وورقة استراتيجية

وتبقى الطاقة في قلب صراعات النفوذ بسبب ارتباطها المباشر بالصناعة والنقل والأسعار والنمو الاقتصادي. فامتلاك احتياطيات كبيرة من النفط والغاز يمنح الدول المنتجة ثقلاً اقتصادياً واستراتيجياً في علاقاتها الدولية، وقدرة كبرى على التأثير في الدول المستوردة، التي يمكن أن تتأثر اقتصاداتها بتراجع الإمدادات أو ارتفاع أسعار الطاقة.

وقد أعادت حرب أوكرانيا إبراز دور الطاقة في صراعات النفوذ، إذ استخدمت روسيا إمدادات الغاز إلى أوروبا ورقة للضغط في خضم المواجهة مع الغرب، من خلال خفض الإمدادات إلى عدد من الدول الأوروبية، مستفيدةً من الاعتماد الكبير لعدد من هذه الدول على الغاز الروسي. ودفع ذلك أوروبا إلى تسريع جهودها لتقليص هذا الاعتماد وتنويع مصادرها من الطاقة.

وتبرز أهمية الطاقة أيضاً في التوترات المرتبطة بإيران ومضيق هرمز، نظراً إلى الدور الحيوي للمضيق في إمدادات النفط والغاز وتأثير أي اضطراب في حركة الملاحة عبره على الاقتصاد العالمي.

ومع التحوّل نحو الطاقة النظيفة، تبرز موارد أخرى تمنح الدول ثقلاً اقتصادياً واستراتيجياً. فالنفط والغاز يحتفظان بأهميتهما، فيما تزداد قيمة الليثيوم والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة والبطاريات، مع تنامي الحاجة إليها في الصناعات الجديدة. وهذا الاعتماد يمنح الدول التي تملك هذه الموارد أو تسيطر على إنتاجها أوراق قوة جديدة في علاقاتها مع الدول الأخرى.

منجم للعناصر الأرضية النادرة في كاليفورنيا الأميركية (رويترز)

الاقتصاد في موازين القوة

تكمن قوة الأدوات الاقتصادية في أنّ الدول يحتاج بعضها إلى بعض. فالعقوبات تكون مؤثرة لأن الدولة المستهدَفة تحتاج إلى الأسواق والتمويل، وقيود التصدير تكون مؤلمة عندما يصعب العثور على التكنولوجيا البديلة، والطاقة تصبح ورقة ضغط عندما يعتمد المستورد على عدد محدود من الموردين.

لكن توظيف الاعتماد الاقتصادي وسيلةً للضغط يدفع الدول أيضاً إلى محاولة تقليل اعتمادها على الدول الأخرى، عبر تنويع الموردين، وزيادة الإنتاج المحلي، وتخزين المواد الحيوية وإعادة رسم سلاسل الإمداد. ومن هنا تتسع سياسات «خفض المخاطر»، التي تقوم على تقليل الاعتماد المفرط على دولة أو مصدر واحد في القطاعات الحيوية، فيما يحظى الأمن الاقتصادي باهتمام متزايد في سياسات عديد من الدول.

وهكذا تشكّل المنافسة الاقتصادية جزءاً من صراع أوسع على القدرة على التأثير: مَن يملك السوق التي يصعب الاستغناء عنها؟ ومَن يتحكّم بالموارد والتكنولوجيا؟ ومَن يستطيع فرض تكلفة اقتصادية على خصمه من دون أن يتحمّل تكلفة مماثلة؟

وفي عالم شديد الترابط اقتصادياً، تشكّل القدرة على التحكم بالأسواق والموارد والتكنولوجيا والتمويل عنصراً مهماً من عناصر القوة بين الدول. فكلّما امتلكت دولة أوراقاً اقتصادية يصعب على خصومها الاستغناء عنها، ازدادت قدرتها على استخدام هذه الأوراق للضغط وتعزيز موقعها في صراعات النفوذ.


مقالات ذات صلة

العملات المشفرة تتعافى من خسائرها مع انتعاش الأسواق عقب فوز الديمقراطيين

الاقتصاد عملات مشفرة في رسم توضيحي (رويترز)

العملات المشفرة تتعافى من خسائرها مع انتعاش الأسواق عقب فوز الديمقراطيين

تعافت العملات المشفرة الأربعاء من خسائر تكبدتها خلال الليل، مع انتعاش الأسواق عقب فوز الديمقراطيين.

«الشرق الأوسط» (لندن - هونغ كونغ)
الاقتصاد بعض المارة أمام لوحة إلكترونية تعرض سعر صرف الين الياباني الحالي مقابل الدولار الأميركي خارج مكتب وساطة في طوكيو (رويترز)

الأسواق العالمية تتراجع مع فوز الديمقراطيين بمجلسَي الكونغرس الأميركي

امتدت تداعيات فوز الديمقراطيين بالسيطرة على مجلسَي الكونغرس الأميركي إلى الأسواق العالمية، الأربعاء، مع تراجع الأسهم والدولار وارتفاع سندات الخزانة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أفق العاصمة التايلاندية بانكوك مع حلول الشفق عشية رأس السنة (رويترز)

مجموعة أعمال تايلاندية ترفع توقعات نمو الاقتصاد إلى 2.6 % بدعم الصادرات والصناعة

توقعت مجموعة أعمال تايلاندية بارزة نمو اقتصاد البلاد بمعدل يتراوح بين 2.4 و2.6 في المائة خلال العام الحالي.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الاقتصاد شاشة بيانات مالية في غرفة التعامل ببنك هانا في سيول (إ.ب.أ)

انتخابات أميركا تهوي بأسهم التكنولوجيا الآسيوية

تراجعت أسهم التكنولوجيا في الأسواق الآسيوية الناشئة بشكل حاد، الأربعاء، مع تنامي المخاوف من تقدم الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي الأميركي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
شمال افريقيا الفريق الحكومي في المقدمة مع النواب خلال مناقشة الخطة المالية السنوية (البرلمان)

برلمان الجزائر يبحث موازنة ضخمة وسط تحفظات شديدة

بدأ النواب في الجزائر، منذ يوم الاثنين، مناقشة «مشروع قانون المالية لسنة 2027»، وسط تحفظات شديدة على النص، تتلخص في 5 مسائل حيوية...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

أذربيجان تتوقع نمواً 2.7 % في 2027 رغم تراجع قطاع النفط والغاز

منصة نفط بحرية في بحر قزوين بالقرب من باكو (رويترز)
منصة نفط بحرية في بحر قزوين بالقرب من باكو (رويترز)
TT

أذربيجان تتوقع نمواً 2.7 % في 2027 رغم تراجع قطاع النفط والغاز

منصة نفط بحرية في بحر قزوين بالقرب من باكو (رويترز)
منصة نفط بحرية في بحر قزوين بالقرب من باكو (رويترز)

قال رئيس ديوان وزارة الاقتصاد في أذربيجان، إلنور غمالوف، الأربعاء، إن بلاده تتوقع تراجعاً في قطاع النفط والغاز بنسبة 1.8 في المائة خلال عام 2027 -وهي النسبة ذاتها المتوقعة لعام 2026- في حين يُنتظر أن يحقق الاقتصاد ككل نمواً بنسبة 2.7 في المائة.

وتتوقع الحكومة تسارع وتيرة النمو الاقتصادي، مقارنة بنسبة 1.7 في المائة متوقعة للعام الحالي، مدعومة بقطاعات الصناعات غير النفطية، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والسياحة، والنقل.

ومن المتوقع أن يشهد القطاع غير النفطي والغازي توسعاً بمتوسط ​​4.4 في المائة في عام 2027.

وتستند التوقعات الأساسية للحكومة لعام 2027 إلى افتراض أن سعر للنفط يبلغ 65 دولاراً للبرميل.


تضخم منطقة اليورو يرتفع إلى أعلى مستوى في 3 سنوات ويعزز رهانات رفع الفائدة

أعلام الاتحاد الأوروبي أمام مقر البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي أمام مقر البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
TT

تضخم منطقة اليورو يرتفع إلى أعلى مستوى في 3 سنوات ويعزز رهانات رفع الفائدة

أعلام الاتحاد الأوروبي أمام مقر البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي أمام مقر البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)

ارتفع معدل التضخم في منطقة اليورو إلى أعلى مستوى له في ثلاث سنوات خلال أكتوبر (تشرين الأول)، مدفوعاً بارتفاع أسعار الطاقة، وسط توقعات بمواصلة صعوده خلال الأشهر المقبلة، ما قد يعزّز رهانات الأسواق على رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مجدداً في ديسمبر (كانون الأول).

وأظهرت بيانات صدرت الأربعاء عن مكتب الإحصاء الأوروبي (يوروستات) ارتفاع التضخم في الدول الـ21 الأعضاء في منطقة اليورو إلى 4 في المائة في أكتوبر، مقارنة بـ3.8 في المائة في سبتمبر (أيلول)، بما يتماشى مع توقعات الاقتصاديين في استطلاع أجرته «رويترز».

في المقابل، استقر التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة الأكثر تقلباً، عند 2.5 في المائة، بما يتوافق أيضاً مع التوقعات.

ويواصل التضخم ارتفاعه بوتيرة سريعة متجاوزاً مستهدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2 في المائة، في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة بفعل الحرب الأميركية على إيران، وما ترتب عليها من زيادة أسعار الوقود، التي انتقلت آثارها إلى أسعار التجزئة في منطقة تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة.

ورغم أن موجة ارتفاع الأسعار لم تؤدِ حتى الآن إلى ظهور آثار تضخمية ثانوية يصعب احتواؤها، رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مرتين منذ بداية العام، للحيلولة دون ارتفاع توقعات التضخم بالتوازي مع زيادة الأسعار.

وأبقى البنك أسعار الفائدة دون تغيير الأسبوع الماضي، غير أن عدداً من صانعي السياسة النقدية، بينهم رئيسا البنكين المركزيين الألماني والإيطالي، أشاروا بالفعل إلى ترجيح رفعها مجدداً في ديسمبر.

وتُسعّر الأسواق المالية حالياً ما بين رفعتين وثلاث رفعات لأسعار الفائدة على الودائع لدى البنك المركزي الأوروبي، البالغة حالياً 2.5 في المائة، خلال العام المقبل، وسط تغير مستمر في التوقعات بالتوازي مع تحركات أسعار النفط.

وعلى صعيد مكونات التضخم، ارتفع معدل تضخم الخدمات، الذي يمثّل أكبر مكون في سلة أسعار المستهلكين، إلى 3.3 في المائة من 3.2 في المائة، فيما صعدت أسعار السلع الصناعية إلى 1.2 في المائة من 1.1 في المائة. كما واصل تضخم الغذاء تسارعه، مع ارتفاع أسعار الأغذية غير المصنعة بنسبة 4.6 في المائة على أساس سنوي.

وقال محللون إن بيانات الأربعاء تشير إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة لم يؤدِ حتى الآن إلى موجة ثانية من الضغوط التضخمية، لكن ذلك لا يوفر سوى قدر محدود من الارتياح لصانعي السياسة النقدية.

وأوضحوا أن ارتفاع أسعار الطاقة، ولا سيما الديزل والغاز الطبيعي، ينعكس سريعاً على تكاليف السلع والخدمات الأخرى، بما يولّد آثاراً غير مباشرة يُتوقع أن تستمر لفترة. كما أن انخفاض مستويات مخزونات الغاز الطبيعي يزيد مخاطر ارتفاع تكاليف التدفئة.

ورغم أن هذه الضغوط قد لا تظهر بوضوح في البيانات الحالية، يُرجح أن تتضح خلال الأشهر المقبلة، ولا سيما في يناير (كانون الثاني)، حين تُعاد مراجعة أسعار عدد من السلع عادةً.

ويتوقع البنك المركزي الأوروبي حالياً بقاء التضخم فوق 4 في المائة خلال معظم النصف الأول من عام 2027، قبل أن يتراجع سريعاً باتجاه مستويات أعلى بقليل من 2 في المائة، مع خروج القراءات المرتفعة المسجلة في الفترة المقابلة من العام السابق من حسابات التضخم السنوي.


«المركزي الأوروبي» يتوقع تسارع نمو الأجور في منطقة اليورو مطلع عام 2027

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

«المركزي الأوروبي» يتوقع تسارع نمو الأجور في منطقة اليورو مطلع عام 2027

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

توقع البنك المركزي الأوروبي ارتفاعاً طفيفاً في وتيرة نمو الأجور بمنطقة اليورو، خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المقبل، استناداً إلى أحدث اتفاقات الأجور، وفق بيانات نشرها الأربعاء.

ويراقب البنك، الذي أبقى أسعار الفائدة دون تغيير الأسبوع الماضي، مع التلميح إلى احتمال رفعها في اجتماعه المقبل، أي مؤشرات على انتقال موجة التضخم الأخيرة، المدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة، إلى الأجور، وفق «رويترز».

وأظهر المؤشر الرئيسي لتتبع الأجور لدى البنك، الذي يرصد اتفاقات المفاوضة الجماعية السارية، أن الزيادات في الأجور بلغت 2.7 في المائة خلال النصف الثاني من العام الحالي.

وأشار المؤشر، الذي يوزع أثر المدفوعات لمرة واحدة على مدى 12 شهراً، إلى تراجع نمو الأجور إلى 2.4 في المائة خلال الربع الثالث من العام المقبل، إلا أن البنك نبَّه إلى أن هذا التقدير يستند إلى عينة محدودة من الاتفاقات.

وباستبعاد المدفوعات لمرة واحدة، ارتفع مؤشر تتبع الأجور لدى البنك من 2.6 في المائة في عام 2026 إلى 2.8 في المائة خلال الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2027.