«اتفاقية الامتياز»... نقطة تحوّل غيّرت مسار الطاقة في السعودية والعالم

نجحت الجولة الأخيرة من المفاوضات الرسمية وأقرها الملك عبد العزيز لتغير ملامح القرن العشرين

في هذه الصورة يعمل فريق استكشاف بموقع ناءٍ مستنداً إلى أدوات محدودة والعلم والحدس واتفاقية الامتياز التي وجّهت جهوده (أرامكو)
في هذه الصورة يعمل فريق استكشاف بموقع ناءٍ مستنداً إلى أدوات محدودة والعلم والحدس واتفاقية الامتياز التي وجّهت جهوده (أرامكو)
TT

«اتفاقية الامتياز»... نقطة تحوّل غيّرت مسار الطاقة في السعودية والعالم

في هذه الصورة يعمل فريق استكشاف بموقع ناءٍ مستنداً إلى أدوات محدودة والعلم والحدس واتفاقية الامتياز التي وجّهت جهوده (أرامكو)
في هذه الصورة يعمل فريق استكشاف بموقع ناءٍ مستنداً إلى أدوات محدودة والعلم والحدس واتفاقية الامتياز التي وجّهت جهوده (أرامكو)

في ربيع عام 1933، وفي غرفة تغمرها أشعة الشمس في مدينة جدة، جلس رجلان على طاولة وبينهما وثيقة تتضمن 37 مادة غيّرت لاحقاً مسار السعودية والعالم. كان ذلك في ظل اقتصاد عالمي يشهد اضطرابات كبيرة، ولم يكن أحد يعلم حينها على وجه اليقين أكان النفط موجوداً بكميات تجارية تحت رمال المملكة أم لا. ومع ذلك، ذيّل الرجلان تلك الوثيقة بالتوقيع عليها.

كان الرجلان هما: وزير المالية السعودي عبد الله السليمان، الذي كان رجلاً يملك الذكاء والفطنة، ولا يتهاون أو يتراخى في مطالبه، ويحرص كل الحرص على حماية مصالح المملكة، وعلى الجانب الآخر، كان لويد هاميلتون من شركة «سوكال»، الذي يتمتع بالخبرة الفنية، ويجمع بين الإصرار والتفاؤل.

أما الجسر بين هذين الرجلين اللذين ينتميان إلى عالمين مختلفين، فكان المستكشف البريطاني هاري سانت جون بريدجر فيلبي «عبد الله فيلبي»، مستشار الملك عبد العزيز، الذي كان شخصية نادرة تملك معرفة عميقة بالثقافتين، وساعد شركة «سوكال» في فتح قنوات التواصل مع القيادة السعودية لأول مرة في ديسمبر (كانون الأول) 1932.

المراهنة على النفط السعودي

كان الملك عبد العزيز آل سعود في أوائل ثلاثينات القرن العشرين يحكم مملكة موحدة حديثة العهد. ومع انهيار الاقتصاد العالمي آنذاك، تأثرت عائدات الحج التي كانت المصدر الرئيسي لدخل مملكته. وعلى الرغم مما كانت تتمتع به المملكة من عراقة تاريخية وطموحات، فإن ثرواتها كانت حبيسة باطن الأرض، لا دليل يثبت وجودها ولا وسيلة لاستخراجها.

في ذلك الوقت، كانت شركة «ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا» تجوب العالم بحثاً عن احتياطيات نفطية جديدة، واسترعى انتباهها المنطقة الشرقية من المملكة، التي لم يسبق للشركات الغربية أن أجرت أعمال مسح تذكر فيها، على الرغم مما كانت تتمتع به من شواهد جيولوجية مبشرة. وهكذا، تلاقت مصالح طرفين: مملكة تبحث عن مواردها، وشركة تراهن على النفط.

انطلقت المفاوضات الرسمية في جدة في فبراير (شباط) 1933، وبعد ثلاث جولات لم يكتب لها النجاح، لم يستسلم المفاوضان، فنجحت الجولة الأخيرة، وعندما عرضت المسودة النهائية على الملك عبد العزيز وقُرئت بالكامل جهراً، قال دون تردد: «توكّل على الله ووقّع». وتلاقت مصالح الطرفين، وما لبث ذلك أن غيّر ملامح القرن العشرين.

وهكذا، جاءت اتفاقية الامتياز، التي وُقّعت بين المملكة، وشركة «ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا» (سوكال)، دليلاً على الإرادة والعزيمة؛ وتضمنت واحدة من أبرز المهمات التي نُفذت بثقة وهدوء في تاريخ صناعة النفط.

توقيع عبد الله السليمان وزير المالية السعودي ولويد هاميلتون محامي شركة «سوكال» على اتفاقية امتياز التنقيب عن النفط في 1933 (أرامكو)

توظيف المواطن حجر زاويتها

وقّع وزير المالية عبد الله السليمان اتفاقية الامتياز نيابةً عن المملكة، ووقّعها لويد هاميلتون نيابةً عن شركة «سوكال» في 29 مايو (أيار) 1933، وجرى التصديق عليها بموجب المرسوم الملكي في يوليو (تموز) من العام نفسه.

تضمنت الاتفاقية شروطاً واسعة النطاق؛ إذ التزمت شركة «سوكال» بالشروع في أعمال الاستكشاف في غضون أشهر، وفي أعمال الحفر في غضون ثلاث سنوات. كما نصّت الاتفاقية على توظيف المواطنين السعوديين بوصفه التزاماً أساساً بموجب المادة (23)؛ وهي مادة كان لها دور حيوي في تطوير أجيال متعاقبة من الأيدي العاملة السعودية.

وفي 8 نوفمبر (تشرين الثاني) 1933، أسست شركة «سوكال» شركة «كاليفورنيا أرابيان ستاندرد أويل كومباني» (كاسوك)، لإدارة هذا الامتياز. وبعد عقد من الزمان، وتحديداً في عام 1944م، تغيّر اسم الشركة ليصبح شركة «الزيت العربية الأميركية»، التي عرفها العالم باسم «أرامكو السعودية».

من التوقيع إلى الاكتشاف

انطلقت أعمال الاستكشاف والتنقيب في عام 1935، وبعد ثلاث سنوات، وتحديداً في مارس (آذار) 1938، اكتُشف النفط في بئر الدمام رقم 7 بكميات أكدت صحة ما كان الموقعان على اتفاقية عام 1933 يراهنان عليه؛ لقد نجحت المقامرة ليس لصالح شركة «سوكال» وحسب، إنما لصالح مملكة كانت تقف على مشارف تحوّل شامل.

مثّلت الاتفاقية حجر الأساس الذي حكم العلاقات بين المملكة والشركة لعقود، ورسمت علامة بارزة على ميلاد صناعة النفط السعودية، وانطلاق الفصل الأول من التاريخ السعودي الحديث.

وهكذا، بعد أن كادت الاتفاقية تنهار، حسم الملك الموقف، وجاء التوقيع الذي غيّر كل شيء، وبنى تاريخاً من العز والتقدم.


مقالات ذات صلة

«غوغل» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يتجاوز الوكلاء إلى منظومة ابتكار متكاملة

خاص ترى «غوغل» أن مستقبل الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط يرتبط بتحويل الاستثمارات والمواهب إلى تطبيقات عملية وتقنيات قابلة للتصدير عالمياً (أدوبي)

«غوغل» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يتجاوز الوكلاء إلى منظومة ابتكار متكاملة

تؤكد «غوغل» أن نجاح الشرق الأوسط في الذكاء الاصطناعي يتطلب تطوير تقنيات محلية وتصديرها وتجاوز تحديات البيانات والحوكمة والمهارات.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد تعبئة وفرز أسطوانات الغاز داخل إحدى محطات التعبئة والإنتاج التابعة لـ«غازكو» (المركز الإعلامي للشركة)

«غازكو» ترفع أرباحها 47 % إلى 27.4 مليون دولار في الربع الثالث

ارتفع صافي ربح شركة «غازكو» بنسبة 47.5 في المائة على أساس سنوي، خلال الربع الثالث من عام 2026، ليبلغ 102.8 مليون ريال (27.41 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)

«السعودية للتأمين» تسجل تراجعاً في أرباحها 31 % خلال 9 أشهر إلى 6.5 مليون دولار

سجلت الشركة العربية السعودية للتأمين التعاوني (سايكو) انخفاضاً في صافي أرباحها خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 بنسبة 30.6 في المائة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد زوار يتوقفون عند جناح شركة «أرامكو» في معرض «مسك» العالمي للابتكار والتكنولوجيا الذي أُقيم في العاصمة السعودية الرياض (أرشيفية - أ.ف.ب)

«أرامكو» تعلن بدء توسعة خط «شرق ــ غرب»

أعلنت شركة «أرامكو السعودية» بدء الأعمال الهندسية الأولية لمشروع توسعة خط أنابيب «شرق - غرب»؛ في خطوة تستهدف تعزيز قدرات نقل النفط، بالتزامن مع دراسة الشركة

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)

نمو الإيرادات غير النفطية يعزز مرونة الميزانية السعودية

أظهرت نتائج الميزانية السعودية للربع الثالث من عام 2026 تحولاً لافتاً في هيكل الإيرادات، مع تجاوز الإيرادات غير النفطية نظيرتَها النفطية لأول مرة منذ 2020.

بندر مسلم (الرياض)

أذربيجان تتوقع نمواً 2.7 % في 2027 رغم تراجع قطاع النفط والغاز

منصة نفط بحرية في بحر قزوين بالقرب من باكو (رويترز)
منصة نفط بحرية في بحر قزوين بالقرب من باكو (رويترز)
TT

أذربيجان تتوقع نمواً 2.7 % في 2027 رغم تراجع قطاع النفط والغاز

منصة نفط بحرية في بحر قزوين بالقرب من باكو (رويترز)
منصة نفط بحرية في بحر قزوين بالقرب من باكو (رويترز)

قال رئيس ديوان وزارة الاقتصاد في أذربيجان، إلنور غمالوف، الأربعاء، إن بلاده تتوقع تراجعاً في قطاع النفط والغاز بنسبة 1.8 في المائة خلال عام 2027 -وهي النسبة ذاتها المتوقعة لعام 2026- في حين يُنتظر أن يحقق الاقتصاد ككل نمواً بنسبة 2.7 في المائة.

وتتوقع الحكومة تسارع وتيرة النمو الاقتصادي، مقارنة بنسبة 1.7 في المائة متوقعة للعام الحالي، مدعومة بقطاعات الصناعات غير النفطية، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والسياحة، والنقل.

ومن المتوقع أن يشهد القطاع غير النفطي والغازي توسعاً بمتوسط ​​4.4 في المائة في عام 2027.

وتستند التوقعات الأساسية للحكومة لعام 2027 إلى افتراض أن سعر للنفط يبلغ 65 دولاراً للبرميل.


تضخم منطقة اليورو يرتفع إلى أعلى مستوى في 3 سنوات ويعزز رهانات رفع الفائدة

أعلام الاتحاد الأوروبي أمام مقر البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي أمام مقر البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
TT

تضخم منطقة اليورو يرتفع إلى أعلى مستوى في 3 سنوات ويعزز رهانات رفع الفائدة

أعلام الاتحاد الأوروبي أمام مقر البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي أمام مقر البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)

ارتفع معدل التضخم في منطقة اليورو إلى أعلى مستوى له في ثلاث سنوات خلال أكتوبر (تشرين الأول)، مدفوعاً بارتفاع أسعار الطاقة، وسط توقعات بمواصلة صعوده خلال الأشهر المقبلة، ما قد يعزّز رهانات الأسواق على رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مجدداً في ديسمبر (كانون الأول).

وأظهرت بيانات صدرت الأربعاء عن مكتب الإحصاء الأوروبي (يوروستات) ارتفاع التضخم في الدول الـ21 الأعضاء في منطقة اليورو إلى 4 في المائة في أكتوبر، مقارنة بـ3.8 في المائة في سبتمبر (أيلول)، بما يتماشى مع توقعات الاقتصاديين في استطلاع أجرته «رويترز».

في المقابل، استقر التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة الأكثر تقلباً، عند 2.5 في المائة، بما يتوافق أيضاً مع التوقعات.

ويواصل التضخم ارتفاعه بوتيرة سريعة متجاوزاً مستهدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2 في المائة، في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة بفعل الحرب الأميركية على إيران، وما ترتب عليها من زيادة أسعار الوقود، التي انتقلت آثارها إلى أسعار التجزئة في منطقة تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة.

ورغم أن موجة ارتفاع الأسعار لم تؤدِ حتى الآن إلى ظهور آثار تضخمية ثانوية يصعب احتواؤها، رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مرتين منذ بداية العام، للحيلولة دون ارتفاع توقعات التضخم بالتوازي مع زيادة الأسعار.

وأبقى البنك أسعار الفائدة دون تغيير الأسبوع الماضي، غير أن عدداً من صانعي السياسة النقدية، بينهم رئيسا البنكين المركزيين الألماني والإيطالي، أشاروا بالفعل إلى ترجيح رفعها مجدداً في ديسمبر.

وتُسعّر الأسواق المالية حالياً ما بين رفعتين وثلاث رفعات لأسعار الفائدة على الودائع لدى البنك المركزي الأوروبي، البالغة حالياً 2.5 في المائة، خلال العام المقبل، وسط تغير مستمر في التوقعات بالتوازي مع تحركات أسعار النفط.

وعلى صعيد مكونات التضخم، ارتفع معدل تضخم الخدمات، الذي يمثّل أكبر مكون في سلة أسعار المستهلكين، إلى 3.3 في المائة من 3.2 في المائة، فيما صعدت أسعار السلع الصناعية إلى 1.2 في المائة من 1.1 في المائة. كما واصل تضخم الغذاء تسارعه، مع ارتفاع أسعار الأغذية غير المصنعة بنسبة 4.6 في المائة على أساس سنوي.

وقال محللون إن بيانات الأربعاء تشير إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة لم يؤدِ حتى الآن إلى موجة ثانية من الضغوط التضخمية، لكن ذلك لا يوفر سوى قدر محدود من الارتياح لصانعي السياسة النقدية.

وأوضحوا أن ارتفاع أسعار الطاقة، ولا سيما الديزل والغاز الطبيعي، ينعكس سريعاً على تكاليف السلع والخدمات الأخرى، بما يولّد آثاراً غير مباشرة يُتوقع أن تستمر لفترة. كما أن انخفاض مستويات مخزونات الغاز الطبيعي يزيد مخاطر ارتفاع تكاليف التدفئة.

ورغم أن هذه الضغوط قد لا تظهر بوضوح في البيانات الحالية، يُرجح أن تتضح خلال الأشهر المقبلة، ولا سيما في يناير (كانون الثاني)، حين تُعاد مراجعة أسعار عدد من السلع عادةً.

ويتوقع البنك المركزي الأوروبي حالياً بقاء التضخم فوق 4 في المائة خلال معظم النصف الأول من عام 2027، قبل أن يتراجع سريعاً باتجاه مستويات أعلى بقليل من 2 في المائة، مع خروج القراءات المرتفعة المسجلة في الفترة المقابلة من العام السابق من حسابات التضخم السنوي.


«المركزي الأوروبي» يتوقع تسارع نمو الأجور في منطقة اليورو مطلع عام 2027

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

«المركزي الأوروبي» يتوقع تسارع نمو الأجور في منطقة اليورو مطلع عام 2027

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

توقع البنك المركزي الأوروبي ارتفاعاً طفيفاً في وتيرة نمو الأجور بمنطقة اليورو، خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المقبل، استناداً إلى أحدث اتفاقات الأجور، وفق بيانات نشرها الأربعاء.

ويراقب البنك، الذي أبقى أسعار الفائدة دون تغيير الأسبوع الماضي، مع التلميح إلى احتمال رفعها في اجتماعه المقبل، أي مؤشرات على انتقال موجة التضخم الأخيرة، المدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة، إلى الأجور، وفق «رويترز».

وأظهر المؤشر الرئيسي لتتبع الأجور لدى البنك، الذي يرصد اتفاقات المفاوضة الجماعية السارية، أن الزيادات في الأجور بلغت 2.7 في المائة خلال النصف الثاني من العام الحالي.

وأشار المؤشر، الذي يوزع أثر المدفوعات لمرة واحدة على مدى 12 شهراً، إلى تراجع نمو الأجور إلى 2.4 في المائة خلال الربع الثالث من العام المقبل، إلا أن البنك نبَّه إلى أن هذا التقدير يستند إلى عينة محدودة من الاتفاقات.

وباستبعاد المدفوعات لمرة واحدة، ارتفع مؤشر تتبع الأجور لدى البنك من 2.6 في المائة في عام 2026 إلى 2.8 في المائة خلال الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2027.