كيف يُعيد رفع الفائدة الأميركية ترتيب أولويات القطاع الخاص السعودي؟

مختصون لـ«الشرق الأوسط»: تنوع قنوات التمويل يُعزز قدرة الشركات على إدارة رأس المال

موظف في إحدى المؤسسات المالية يحمل نقوداً من فئة الخمسمائة ريال (رويترز)
موظف في إحدى المؤسسات المالية يحمل نقوداً من فئة الخمسمائة ريال (رويترز)
TT

كيف يُعيد رفع الفائدة الأميركية ترتيب أولويات القطاع الخاص السعودي؟

موظف في إحدى المؤسسات المالية يحمل نقوداً من فئة الخمسمائة ريال (رويترز)
موظف في إحدى المؤسسات المالية يحمل نقوداً من فئة الخمسمائة ريال (رويترز)

لم تعد الفائدة المرتفعة مجرد رقم يظهر في تكلفة القروض التي تدفعها الشركات، بل أصبحت عاملاً يدخل في صميم قراراتها: أي مشروع يستحق التمويل؟ وأي توسع يمكن تأجيله؟ وأي مصدر للتمويل أكثر كفاءة؟

ومع رفع «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي أسعار الفائدة، وانتقال أثر القرار إلى السعودية، يجد القطاع الخاص نفسه أمام اختبار جديد لقدرته على إدارة رأس المال في بيئة نقدية أكثر تشدداً.

غير أن هذا الاختبار يأتي هذه المرة في سوق مالية أكثر اتساعاً وتنوعاً، وبخيارات تمويلية لم تعد تقتصر على القروض المصرفية.

ويقول محللون إن ارتفاع تكلفة الأموال يعيد ترتيب أولويات الشركات السعودية، ويدفعها إلى إيلاء أهمية أكبر للتدفقات النقدية والإنتاجية والعائد على الاستثمار، بالتزامن مع البحث عن هياكل تمويل أكثر كفاءة، وتنويع مصادر رأس المال.

وفي المقابل، لا يعني ارتفاع الفائدة بالضرورة توقف خطط التوسع، بقدر ما يجعل قرار الاستثمار أكثر انتقائية، ويرفع أهمية توجيه رأس المال إلى المشروعات القادرة على تحقيق عوائد مجدية.

وكان مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي قد رفع سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق يتراوح بين 3.75 و4 في المائة، في أول زيادة منذ يوليو (تموز) 2023، مع استمرار التضخم فوق مستهدف البنك البالغ 2 في المائة، وارتفاع مخاطر انتقال موجة أسعار الطاقة إلى الاقتصاد الأميركي.

وينتقل أثر السياسة النقدية الأميركية إلى السوق السعودية بحكم ارتباط الريال بالدولار، ما يرفع تكلفة التمويل المحلية، ويضع الشركات أمام اختبار جديد لقدرتها على إدارة رأس المال والسيولة والديون في بيئة مالية أكثر تشدداً.

وسألت «الشرق الأوسط» مختصين عن كيفية تعامل الشركات السعودية مع دورة الفائدة المرتفعة، ومدى قدرتها على التكيف مع ارتفاع تكلفة رأس المال، وإعادة ترتيب أولوياتها الاستثمارية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على زخم التوسع والنمو.

خيارات تمويل أوسع في مواجهة الفائدة

ويرى المختصون أن الاقتصاد السعودي شهد خلال السنوات الماضية تحولات أسهمت في تنويع مصادر التمويل، وتوسيع أدوات السوق المالية، ما أتاح للشركات خيارات تتجاوز الائتمان المصرفي التقليدي، لتشمل الصكوك والسندات وزيادة رأس المال والاستثمار الخاص، إلى جانب الأرباح المحتجزة وغيرها من قنوات التمويل.

وتمنح هذه الخيارات الشركات مساحة أكبر لإدارة أثر ارتفاع تكلفة الأموال، من خلال المفاضلة بين مصادر التمويل وفق تكلفتها وآجالها واحتياجاتها، إلى جانب إعادة تقييم المشروعات وهياكل رأس المال وتحسين إدارة السيولة والديون.

تنويع التمويل يوسع مساحة التكيف

وفي هذا الإطار، قال أستاذ الاقتصاد في جامعة الملك عبد العزيز، الدكتور سالم باعجاجة، لـ«الشرق الأوسط»، إن ارتفاع أسعار الفائدة يُمثل اختباراً لنضج القطاع الخاص السعودي وقدرته على التعامل مع دورات الاقتصاد والمال، موضحاً أن الشركات التي يعتمد نموها بدرجة كبيرة على انخفاض تكلفة التمويل تكون أكثر حساسية لتغيرات السياسة النقدية.

وأوضح أن الشركات القادرة على إدارة السيولة والديون بكفاءة، ورفع الإنتاجية، وتنويع مصادر الإيرادات والتمويل، تمتلك مساحة أكبر للتكيف مع ارتفاع تكلفة رأس المال، والحفاظ على قدرتها على الاستثمار والنمو.

وأشار باعجاجة إلى أن قرار «الاحتياطي الفيدرالي» جاء في وقت شهدت فيه السعودية خلال السنوات الماضية تحولات اقتصادية واستثمارية وسعت دور القطاع الخاص، ورفعت أهمية الأنشطة والشركات غير النفطية، ما يجعل قدرة المنشآت على إدارة دورة الفائدة جزءاً من اختبار أوسع لقدرتها على تحقيق نمو مستدام.

وقال إن من أبرز مؤشرات تغير المشهد اتساع خيارات تمويل القطاع الخاص، الذي لم يعد يعتمد على القروض المصرفية وحدها، مضيفاً: «من المؤشرات المهمة على تغير المشهد أن تمويل القطاع الخاص لم يعد محصوراً في القروض المصرفية كما كان في السابق. فكلما اتسعت خيارات الشركات بين التمويل المصرفي، وإصدارات الصكوك والسندات، وزيادة رأس المال، والاستثمار الخاص، والأرباح المحتجزة، أصبحت قراراتها أكثر تركيزاً على الاستثمارات النوعية ذات العائد المرتفع».

تكلفة رأس المال تفرض انضباطاً أكبر

من ناحيته، قال المختص في الشأن الاقتصادي أحمد الشهري لـ«الشرق الأوسط» إن القطاع الخاص السعودي راكم خلال السنوات الماضية خبرة في التعامل مع دورات رفع الفائدة وتغير تكلفة رأس المال، لافتاً إلى أن استمرار دوره المتنامي في الاقتصاد المحلي لا يتوقف بالضرورة على انخفاض أسعار الفائدة، وإنما يرتبط بدرجة أكبر بقدرته على إدارة التمويل وتوجيهه بكفاءة.

وأوضح الشهري أن تطور القدرات التمويلية والمؤسسية واتساع أدوات السوق المالية في السعودية يمنح الشركات مساحة أكبر للتعامل مع ارتفاع تكلفة الأموال، من خلال إعادة ترتيب هياكل رأس المال، وتحسين الكفاءة التشغيلية، وتوجيه الاستثمارات نحو الأنشطة والمشروعات الأكثر إنتاجية.

وقال إن ارتفاع تكلفة رأس المال لا يعني بالضرورة تراجع الاستثمار، وإنما يجعل قرارات تخصيصه أكثر انتقائية، مضيفاً: «ارتفاع تكلفة المال لا يعني بالضرورة أن الاستثمار يتراجع، بقدر ما يؤكد أن رأس المال أصبح أكثر انتقائية، وأن على الشركات توجيه الأموال إلى مشروعات ذات عائد مرتفع».

ويرى الشهري أن دورة الفائدة المرتفعة قد تدفع القطاع الخاص إلى مزيد من الانضباط في قرارات التوسع، بحيث يصبح العائد المتوقع والجدوى الاقتصادية للمشروعات عاملاً أكثر حسماً في تخصيص رأس المال، بدلاً من الاعتماد على انخفاض تكلفة التمويل بوصفها عاملاً رئيسياً في اتخاذ القرار.

وفي أعقاب قرار «الاحتياطي الفيدرالي»، رفع البنك المركزي السعودي (ساما) معدل اتفاقية إعادة الشراء «الريبو» بمقدار 25 نقطة أساس إلى 4.50 في المائة، كما رفع معدل اتفاقية إعادة الشراء المعاكس «الريبو العكسي» بالمقدار نفسه إلى 4 في المائة. وأوضح البنك المركزي أن القرار يأتي اتساقاً مع هدفه في المحافظة على الاستقرار النقدي.


مقالات ذات صلة

شراكة بين «سمو» و«داون تاون السعودية» لتطوير برج سكني في الخُبَر

الاقتصاد جناح «سمو العقارية» في «منتدى مستقبل العقار» بالرياض (موقع الشركة الإلكتروني)

شراكة بين «سمو» و«داون تاون السعودية» لتطوير برج سكني في الخُبَر

أعلنت شركة «سمو العقارية» توقيع اتفاقية مع شركة «داون تاون السعودية» لتطوير وتنفيذ وتسويق وبيع مشروع برج سكني في الخُبَر.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد متجر سلع استهلاكية في السعودية (واس)

السعودية تسجل 6484 قيداً للامتياز التجاري بنمو يبلغ 53 %

سجلت قيود الامتياز التجاري في السعودية نمواً بنسبة 53 في المائة خلال الأشهر الـ9 الأولى من عام 2026، لتصل إلى 6484 قيداً، مقارنة مع 4227 قيداً للعام الماضي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص الاقتصاد السعودي يعوّل على محركاته غير النفطية لامتصاص الصدمات

خاص الاقتصاد السعودي يعوّل على محركاته غير النفطية لامتصاص الصدمات

تُظهر مؤشرات الاقتصاد السعودي قدرة متزايدة على التعامل مع الصدمات الخارجية، مدعومة باتساع قاعدة الأنشطة غير النفطية التي واصلت النمو رغم التوترات الجيوسياسية.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد مدينة الملك عبد الله الاقتصادية التي تطورها شركة «إعمار المدينة الاقتصادية» (الموقع الرسمي)

«إعمار المدينة الاقتصادية» ترفع خسائرها 78.5 % إلى 64 مليون دولار في الربع الثالث

سجَّلت شركة «إعمار المدينة الاقتصادية» صافي خسارة بقيمة 241 مليون ريال (64.27 مليون دولار) خلال الرُّبع الثالث من عام 2026.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد صورة لمنتجات «الكيميائية» (الشركة)

تراجع الأرباح الصافية لـ«الكيميائية» 26 % إلى 17.2 مليون دولار

تراجع صافي ربح الشركة الكيميائية السعودية القابضة (الكيميائية) بنسبة 26 في المائة إلى 64.6 مليون ريال (17.2 مليون دولار) خلال الرُّبع الثالث من عام 2026.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

التضخم السنوي في إندونيسيا يتراجع إلى 3.23 % خلال أكتوبر

امرأة تجلس بجوار بسطة لبيع الفاكهة في مدينة سورابايا الإندونيسية (أ.ف.ب)
امرأة تجلس بجوار بسطة لبيع الفاكهة في مدينة سورابايا الإندونيسية (أ.ف.ب)
TT

التضخم السنوي في إندونيسيا يتراجع إلى 3.23 % خلال أكتوبر

امرأة تجلس بجوار بسطة لبيع الفاكهة في مدينة سورابايا الإندونيسية (أ.ف.ب)
امرأة تجلس بجوار بسطة لبيع الفاكهة في مدينة سورابايا الإندونيسية (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات رسمية، الاثنين، تباطؤ معدل التضخم السنوي في إندونيسيا بشكل طفيف إلى 3.23 في المائة خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، مقارنةً بـ3.28 في المائة خلال سبتمبر (أيلول)، ليسجل مستوى أدنى بقليل من توقعات استطلاع أجرته «رويترز» عند 3.29 في المائة.

ويستهدف البنك المركزي الإندونيسي إبقاء معدل التضخم ضمن نطاق يتراوح بين 1.5 و3.5 في المائة خلال عاميْ 2026 و2027.

وأظهرت البيانات أن معدل التضخم الأساسي السنوي، الذي يستثني الأسعار الخاضعة لسيطرة الحكومة وأسعار المواد الغذائية المتقلبة، بلغ 2.56 في المائة، مقارنةً بتوقعات المحللين عند 2.75 في المائة.

وقال نائب رئيس هيئة الإحصاء الإندونيسية، أتنغ هارتونو، إن ارتفاع أسعار المواد الغذائية، ولا سيما الفلفل الحار والأرز ولحوم البقر، شكّل المحرك الرئيسي للتضخم خلال أكتوبر، إلى جانب زيادة تكاليف النقل نتيجة ارتفاع أسعار الوقود.

كان بنك إندونيسيا قد رفع سعر الفائدة الرئيسي بإجمالي 100 نقطة أساس خلال شهري مايو (أيار) ويونيو (حزيران) الماضيين، في مسعى لدعم الروبية التي كانت تواجه ضغوطاً هبوطية، واحتواء التضخم.


النحاس يستردّ جزءاً من خسائره في لندن مع بداية الأسبوع

عمال يتناقلون أكياس خام النحاس داخل منجم في كولويزي بجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
عمال يتناقلون أكياس خام النحاس داخل منجم في كولويزي بجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
TT

النحاس يستردّ جزءاً من خسائره في لندن مع بداية الأسبوع

عمال يتناقلون أكياس خام النحاس داخل منجم في كولويزي بجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
عمال يتناقلون أكياس خام النحاس داخل منجم في كولويزي بجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)

استعادت أسعار النحاس في بورصة لندن للمعادن بعض خسائرها المسجلة خلال الأسبوع الماضي، في تعاملات الاثنين، مدعومة بمخاوف نقص الإمدادات وتراجع أسعار النفط، بالتزامن مع انعقاد يوم ثالث من المحادثات الرامية إلى التوصل لاتفاق ينهي الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وارتفع سعر النحاس القياسي، لأجَل ثلاثة أشهر، في بورصة لندن للمعادن بنسبة 0.55 في المائة، ليصل إلى 14233 دولاراً للطن المتري، بحلول الساعة 03:26 بتوقيت غرينتش، وفق «رويترز».

في المقابل، تراجع عقد النحاس الأكثر تداولاً في بورصة شنغهاي للعقود الآجلة بنسبة 0.35 في المائة، إلى 108630 يواناً (16.338.78 دولاراً) للطن.

وأدى تدفق المخزونات إلى المستودعات الأميركية، تحسباً لفرض رسوم جمركية محتملة على واردات النحاس المكرر، إلى اختناقات في الإمدادات على المستوى الإقليمي، وأثار مخاوف بشأن توافر المعدن بالأسواق.

في السياق نفسه، خفّضت لجنة النحاس التشيلية «كوتشيلكو»، يوم الجمعة، بشكل حاد توقعاتها لإنتاج تشيلي من النحاس خلال عام 2026، علماً بأن البلاد تُعد أكبر منتج للمعدن في العالم.

وفي الصين؛ أكبر مستهلك للنحاس عالمياً، دفع شُح الإمدادات العلاوة السعرية للنحاس المستورد في ميناء يانغشان، التي تحظى بمتابعة وثيقة في الأسواق، إلى 200 دولار للطن، مقتربةً من أعلى مستوياتها في أكثر من عقد.

وتعكس هذه العلاوة قوة الطلب على واردات النحاس بالصين، في وقت تراجعت فيه المخزونات لدى المستودعات الخاضعة لمراقبة بورصة شنغهاي للعقود الآجلة بأكثر من 75 في المائة خلال الأشهر الستة الماضية.

وقال محللون ببنك «آي إن جي»، في مذكرة، إن «العوامل الأساسية للسوق لا تزال داعمة للأسعار، في ظل استمرار ظهور مؤشرات على شح الإمدادات في السوق الفعلية».

وفي أسواق أخرى، تراجعت أسعار النفط، في حين ارتفع مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي، المثقل بأسهم شركات التكنولوجيا، بنحو 1.5 في المائة، بالتزامن مع استمرار المحادثات، لليوم الثالث على التوالي، بين مسؤولين إيرانيين وقطريين؛ سعياً إلى التوصل لاتفاق ينهي الحرب.

ومِن شأن انخفاض أسعار النفط أن يخفف الضغوط على النشاط الاقتصادي والطلب على المعادن الصناعية المرتبطة بالنمو، مثل النحاس.

وكانت المخاوف من ارتفاع أسعار النفط قد أسهمت في جعل أكتوبر (تشرين الأول) الماضي أول شهر تسجل فيه أسعار النحاس تراجعاً منذ يونيو (حزيران) الماضي.

تحركات المعادن الأخرى

وعلى صعيد المعادن الأخرى في بورصة لندن، تراجعت أسعار الألمنيوم بنسبة 0.57 في المائة، والزنك بنسبة 0.16 في المائة، في حين ارتفع الرصاص بنسبة 0.08 في المائة، والنيكل بنسبة 1.4 في المائة، والقصدير بنسبة 1.34 في المائة.

وفي بورصة شنغهاي، انخفضت أسعار الألمنيوم بنسبة 1.04 في المائة، والزنك بنسبة 1.18 في المائة، والرصاص بنسبة 0.25 في المائة، والنيكل بنسبة 0.66 في المائة، والقصدير بنسبة 0.44 في المائة.


بنك إنجلترا يتجه إلى رفع أسعار الفائدة وسط ضغوط التضخم

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
TT

بنك إنجلترا يتجه إلى رفع أسعار الفائدة وسط ضغوط التضخم

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

من المرجّح أن يرفع بنك إنجلترا أسعار الفائدة، الخميس، استجابةً للضغوط التضخمية الناجمة عن الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة، لكنه قد يسعى في المقابل إلى الحد من رهانات المستثمرين على سلسلة زيادات إضافية خلال العام المقبل.

ويتوقع اقتصاديون استطلعت وكالة «رويترز» آراءهم أن يرفع البنك سعر الفائدة الأساسي إلى 4 في المائة، مقارنةً بـ3.75 في المائة حالياً، في أول زيادة منذ أغسطس (آب) 2023، حين كان التضخم يتجاوز بأكثر من ثلاثة أضعاف المستوى المستهدف البالغ 2 في المائة.

وكان البنك قد تعرض لانتقادات بسبب تقديره السابق بأن موجة التضخم الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة ستكون أقل استمرارية مما كانت عليه فعلياً، وهو ما يجعله أكثر حذراً من تكرار التجربة، في ظل استمرار ارتفاع أسعار الطاقة العالمية وعدم ظهور مؤشرات واضحة إلى نهاية مستدامة للحرب مع إيران.

وعلى خلاف المرة السابقة، حين كان بنك إنجلترا من أوائل البنوك المركزية الكبرى التي بادرت إلى رفع الفائدة، سبقه هذه المرة كل من مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي والبنك المركزي الأوروبي إلى اتخاذ خطوات لاحتواء التضخم المدفوع بارتفاع أسعار الطاقة.

ضغوط متزايدة على بنك إنجلترا

قال محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي إن البنك لا يستطيع انتظار أدلة قاطعة على ظهور ما يُعرف بـ«الآثار التضخمية من الجولة الثانية»، عندما تنتقل زيادة التضخم إلى الأجور والأسعار، لأن الانتظار قد يؤدي إلى التدخل بعد فوات الأوان.

لكن تحديد حجم الأدلة الكافية للتحرك، ومدى حتمية انتقال الضغوط التضخمية إلى الأجور والأسعار في ظل استمرار الحرب مع إيران، لا يزال موضع انقسام داخل لجنة السياسة النقدية، التي صوَّت ستة من أعضائها مقابل ثلاثة في سبتمبر (أيلول) للإبقاء على أسعار الفائدة من دون تغيير.

وكان بيلي قد أشار الشهر الماضي إلى أن الشركات التي تحدث إليها تبدو أكثر قدرة على استيعاب ارتفاع التكاليف مقارنةً بما كان عليه الوضع في عام 2022.

وفي سبتمبر، حذّر البنك من احتمال تجاوز التضخم مستوى 4 في المائة مطلع العام المقبل، مشيراً إلى أن الارتفاع المسجل في أسعار الطاقة منذ توقعاته الصادرة في يوليو (تموز) يشبه إلى حد كبير السيناريو السلبي الذي وضعه، والذي ينطوي على مخاطر ترسّخ التضخم عند مستويات مرتفعة.

ومنذ ذلك الحين، جاءت معدلات التضخم أعلى من توقعات البنك، إذ ارتفعت أسعار المستهلكين بنسبة 3.5 في المائة خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في سبتمبر، مقارنةً بتوقعات البنك البالغة 3 في المائة في يوليو.

وقال ستيفان كوبمان، كبير استراتيجيي الاقتصاد الكلي في بنك «رابوبنك»، إن الضغوط باتت تفرض نفسها بصورة متزايدة على صانعي السياسة النقدية، مضيفاً أن اللجنة، حتى وإن كانت تفضّل الإبقاء على الفائدة من دون تغيير، ستضطر في مرحلة ما إلى الاستجابة لبعض توقعات الأسواق، معتبراً أن هذا الوقت قد حان.

انقسام داخل لجنة السياسة النقدية

وأظهر استطلاع «رويترز» أن التوقعات ترجّح تصويت سبعة أعضاء مقابل اثنين لمصلحة رفع الفائدة، مع احتمال استمرار العضوين الخارجيين آلان تايلور وسواتي دينغرا في تأييد الإبقاء عليها من دون تغيير.

ويستند العضوان في موقفهما إلى وجود طاقات إنتاجية غير مستغلة في الاقتصاد، بما يتيح مجالاً للانتظار قبل تشديد السياسة النقدية، رغم أن بيانات النمو الأخيرة جاءت أفضل من المتوقع.

في المقابل، وجَّه عدد من صانعي السياسة النقدية الأكثر تشدداً، بينهم كبير الاقتصاديين في البنك هوو بيل، والعضوان الخارجيان كاثرين مان وميغان غرين، انتقادات إلى طريقة تعامل البنك مع موجة التضخم الحالية.

لكن حتى هؤلاء قد يترددون في تأييد توقعات الأسواق التي تسعّر ثلاثاً إلى أربع زيادات إضافية بمقدار ربع نقطة مئوية خلال عام 2027، بما قد يرفع سعر الفائدة الأساسي إلى نطاق يتراوح بين 4.75 و5 في المائة.

وقال ألكسندر هارفي، الاقتصادي المختص بالشأن البريطاني في مؤسسة «أوكسفورد إيكونوميكس»، إن اللجنة قد لا تقدم توجيهات واضحة بشأن عدد الزيادات المقبلة، إلا أن محضر الاجتماع أو تصريحات بيلي قد تتضمن إشارات إلى أن سعر الفائدة لن يصل بالضرورة إلى المستويات التي تسعّرها الأسواق المالية حالياً.

تصريحات المسؤولين ترسم مسار الفائدة

وأشار هارفي إلى أن تصريحات أعضاء لجنة السياسة النقدية ستوفر مؤشرات مهمة بشأن المسار المقبل للفائدة، ولا سيما مواقف الأعضاء الداخليين في البنك، الذين لا تزال آراؤهم متقاربة بشأن القرار.

وفي حين تميل الأسواق المالية إلى توقع مزيد من الزيادات، أظهر استطلاع الاقتصاديين الذي أجرته «رويترز» الشهر الماضي انقساماً في الآراء بشأن احتمال مواصلة رفع الفائدة بعد زيادة نوفمبر (تشرين الثاني).

وكانت مان قد اعتبرت أن الرهانات القوية على رفع الفائدة تعكس علاوة مخاطر ساهم البنك نفسه في تضخيمها، نتيجة اعتماده سياسة الترقب والانتظار عقب اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، بدلاً من توجيه إشارات واضحة إلى التزامه باحتواء التضخم.

وبالتوازي مع نشر توقعاته الاقتصادية الجديدة، ستتجه أنظار المستثمرين إلى التقييم الأولي الذي سيقدمه البنك لموازنة وزير المالية جون هيلي، التي أُعلنت الأسبوع الماضي.

وتضمنت الموازنة دعماً محدوداً للأسر وسائقي السيارات المتضررين من ارتفاع تكاليف الطاقة، على أن يُموّل جزء من هذه التدابير من خلال فرض ضريبة على المصارف. ويرى اقتصاديون أن هذه الإجراءات لن تسهم إلا بشكل طفيف في الحد من الزيادة المتوقعة في التضخم.

ومن المقرر أن يعلن بنك إنجلترا قراره عند الساعة 12:00 ظهراً بتوقيت غرينتش الخميس، على أن يعقد بيلي وعدد من نوابه مؤتمراً صحافياً عند الساعة 12:30 ظهراً.