مَن يدفع ثمن القطيعة الأميركية ــ الكندية؟

من «الجيرة الاستثنائية» إلى حرب الإرادات

مصنع فورد في أوكفيل قرب مدينة تورونتو الكندية (رويترز)
مصنع فورد في أوكفيل قرب مدينة تورونتو الكندية (رويترز)
TT

مَن يدفع ثمن القطيعة الأميركية ــ الكندية؟

مصنع فورد في أوكفيل قرب مدينة تورونتو الكندية (رويترز)
مصنع فورد في أوكفيل قرب مدينة تورونتو الكندية (رويترز)

لم تعُد الأزمة بين الولايات المتحدة وكندا خلافاً عابراً على رسم جمركي يمكن تسويته ببعض الاستثناءات. بل إن انهيار المفاوضات في اللحظات الأخيرة، وفرض واشنطن رسوماً بنسبة 50 في المائة على سلع كندية بنحو 20 مليار دولار أميركي، ثم تعهد أوتاوا برد «دولار مقابل دولار»، نقل العلاقة من مساومة تجارية إلى اختبار للسيادة والتحمل. الأرقام تقول إن كندا هي الطرف الأضعف: فسوقها أصغر، ونحو ثلاثة أرباع صادراتها تتّجه جنوباً، بينما تستطيع الولايات المتحدة توزيع الضرر على اقتصاد أوسع وأكثر تنوعاً. لكن الجغرافيا صنعت بينهما اقتصاداً لا يتوقّف عند الحدود؛ فالسيارة الواحدة قد تعبرها مراراً، والمصافي الأميركية تعتمد على النفط الكندي، وولايات أميركية شمالية تشتري الكهرباء من كندا. لذا؛ حتى ولو كانت أوتاوا ستخسر أكثر، فهذا لا يعني أن واشنطن ستخرج رابحة.

على امتداد عقود، قدّمت الولايات المتحدة وكندا نموذجاً نادراً لتحويل أطول حدود غير محصّنة في العالم إلى مساحة إنتاج مشتركة.

بدأ التحرير المنظّم بـ«اتفاق التجارة الحرة» عام 1989، ثم توسّع مع «نافتا» عام 1994، وأعيد تثبيته في اتفاق آخر بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا تفاوضت عليه إدارة دونالد ترمب الأولى.

ومع أن هذه الترتيبات لم تلغ النزاعات المزمنة بشأن الألبان والأخشاب وقواعد المنشأ، فإنها حصرتها داخل مؤسّسات وقواعد يمكن التنبؤ بها. ولكن، في يوليو (تموز) الماضي، رفضت واشنطن تمديد الاتفاقية تلقائياً، لتدخل مسار مراجعة أكثر غموضاً.

ولاية ترمب الثانية

بدأ الانقلاب مع عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض مطلع 2025؛ إذ فرض رسوماً على الصلب والألمنيوم والسيارات ومنتجات أخرى، وردّت كندا برسوم على سيارات وسلع أميركية وبمنع بيع المشروبات الكحولية الأميركية في معظم المقاطعات.

وفي الوقت نفسه، نقلت تهديدات ترمب المتكرّرة بجعل كندا «الولاية الحادية والخمسين» الخلاف من حسابات العجز التجاري إلى سؤال الهوية الوطنية. ولم تعُد مسائل كالمقاطعة الشعبية للسلع والسياحة الأميركيتين، وخطاب «كندا ليست للبيع»، مجرد «أداتي ضغط»، بل صارت تعبيراً عن شعور بأن الشريك الأكبر لا يطلب تنازلات محدّدة، وإنما يريد أن يعيد «إعادة تعريف» العلاقة على أساس التبعية.

بعدها، أضاف اختلاف البلدين بشأن «حرب إيران» طبقة سياسية إلى انعدام الثقة؛ إذ أعلنت الحكومة الكندية في مارس (آذار) أنها لم تُستشر، وبالتالي لم تشارك ولا تعتزم المشاركة في العمليات الهجومية الأميركية - الإسرائيلية، على الرغم من تأييدها منع إيران من امتلاك سلاح نووي والدفاع عن شركاء المنطقة.

صفقة سقطت عند حدود السيادة

في تحقيق مفصل نشرته الـ«نيويورك تايمز»، بدا الاتفاق قريباً مساء الثلاثاء الماضي. فقد عرضت واشنطن خفض رسوم الصلب والألمنيوم والسيارات، وإلغاء رسم على الأخشاب، مقابل تراجع كندا عن إجراءات انتقامية وفتح أكبر لقطاعات الزراعة والطاقة والتجارة الرقمية. لكن التفاصيل أعادت الخلاف، عندما تمسّك وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك برفض منح الشاحنات المتوسطة والثقيلة المعاملة المخفّفة المقترحة للسيارات، في حين عدّت أوتاوا ذلك تهديداً تدريجياً للمصانع التي تنتج شاحنات شركتي «فورد» و«جنرال موتورز» الأميركيتين في ولاية أونتاريو الكندية.

الرواية الكندية تقول إن واشنطن أرادت أيضاً أن تراجع اتفاقات كندا المستقبلية مع دول ثالثة، وأن توائم رسومها على الصلب مع السياسة الأميركية، وأن تتراجع عن برنامج «اشترِ الكندي» وبعض قواعد إبراز المحتويين الكندي والفرنسي على منصات البث. وبالنسبة لإدارة ترمب، كانت هذه «ضمانات» لمنع الصين وغيرها من استخدام كندا «ممراً خلفياً» إلى السوق الأميركية. لكن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني رأى فيها انتقاصاً من حرية بلاده التجارية والثقافية، ولا سيما أن واشنطن رفضت تقديم ضمان يمنعها من تغيير الرسوم لاحقاً.

طبعاً، تقدّم واشنطن رواية معاكسة جزئياً؛ إذ قال الممثل التجاري جيميسون غرير إن الكنديين عادوا في الساعات الأخيرة للمطالبة بخفض الحد الأدنى لرسوم السيارات من 7 في المائة إلى الصفر، وبمعاملة أفضل للسلع المصنوعة من الصلب والألمنيوم. وفي هذا المعنى، لم تكن الطاولة تضم طرفاً مرناً وآخر متعنّتاً، بل حكومتين رفعتا سقف المطالب وهما تظنان أن الزمن يعمل لمصلحتهما. وعند العاشرة والنصف ليلاً، وبعد اتصال مع دوغ فورد، رئيس حكومة مقاطعة أونتاريو، أمر كارني المفاوضين الكنديين بالعودة إلى أوتاوا.

القوة الأميركية... وهشاشة الحساب الكندي

حساب ترمب واضح... فمن يتحمّل الألم لمدة أقصر يتراجع أولاً. وفي ميزان الاقتصاد الكلّي، يملك الرئيس الأميركي أسباباً قوية لهذا الرهان. فقد بلغ تبادل السلع والخدمات بين البلدين 872.3 مليار دولار عام 2025، وفق مكتب «الممثل التجاري الأميركي»، لكن الاعتماد غير متناظر. فالسوق الأميركية تستوعب نحو 70 في المائة من الصادرات الكندية، وترتبط بها مباشرة قرابة 15 في المائة من اقتصاد كندا؛ في حين تمثل كندا شريكاً بالغ الأهمية، لكنها جزء من شبكة شركاء واسعة للاقتصاد الأميركي.

وهنا قدّر تريفور تومب، الاقتصادي في جامعة كالغاري الكندية، أن الرسوم الجديدة وحدها قد تكلف كندا نحو 90 ألف وظيفة على المدى الطويل. وقال جوزف شتاينبرغ، أستاذ الاقتصاد الكلي في جامعة تورونتو، للـ«نيويورك تايمز» إن رسماً يبلغ 50 في المائة قد يوقف صادرات بعض الشركات الكندية كلياً ويؤدي إلى إغلاق بعضها. وتتجمّع الصدمة، خصوصاً في الأخشاب والآلات والإلكترونيات والأثاث والبلاستيك، إضافة إلى صناعة السيارات التي تبيع أكثر من 90 في المائة من إنتاجها إلى الأميركيين.

هنا يظهر الجانب الذي يمكن وصفه بسوء تقدير كندي، إذا طال أمد المواجهة. إذ لا تستطيع اتفاقات حديثة مع كوريا الجنوبية والصين وألمانيا والهند أن تعوّض سريعاً سوقاً ضخمة ملاصقة بُنيت المصانع والطرق وخطوط الأنابيب لخدمتها. ثم إن الرسوم الانتقامية ترفع الأسعار على المستهلك الكندي نفسه. ويقدّر شتاينبرغ أن أثر الرسم، أيّاً كان اتجاهه، سيكون أكبر بنحو عشرة أضعاف على الاقتصاد الكندي بسبب فارق الحجم والاعتماد. وبالتالي، «وطنية» الرأي العام تمنح كارني وقتاً، لكنها لا تلغي الحساب الصناعي.

أميركا لا تحتاج إلى كندا... إلا حيث تحتاج إليها

مع هذا، تختزل عبارة ترمب «نحن لا نحتاج كندا، بل هم يحتاجون إلينا» ميزان القوة، لكنها لا تصف سلاسل الإنتاج. فقد أظهرت الـ«وول ستريت جورنال» أن شركة «ستيلانتيس» (مالكة كرايسلر) تجمع طراز «باسيفيكا» في مدينة وندسور الكندية الحدودية، وأن «جنرال موتورز» تنتج شاحنات في أوشاوا، و«فورد» تتأهّب لإنتاج شاحنات في أوكفيل. وبجانب أن «فورد» و«جنرال موتورز» تصنعان محركات كندية لشاحنات وسيارات رياضية تُباع في الولايات المتحدة، تمثل السيارات المُنتجة في كندا نحو 6 في المائة من المبيعات الأميركية، لكن القطع تعبر الحدود مرّات عدة؛ ما يجعل الرسم يتراكم داخل المنتج نفسه.

لذا؛ حذّر وارن براون، المسؤول السابق في «جنرال موتورز»، من أن رفع الرسم إلى 50 في المائة سيخفّض المبيعات ويرفع أسعار الملصقات والشحن، وأن البلدين سيواجهان إذ ذاك «مشقّة جدية». وحتى رئيس نقابة عمال السيارات الأميركية شون فين، المؤيد للرسوم الانتقائية لحماية الوظائف، عدّ التصعيد ضد بلد يتمتع بأجور ومعايير عمل ونقابات قوية توجيهاً خاطئاً للسلاح التجاري.

لكن، الاعتماد يزداد وضوحاً في قطاع الطاقة، حيث تفيد إدارة معلومات الطاقة الأميركية بأن قيمة واردات الولايات المتحدة من الطاقة الكندية بلغت 111 مليار دولار في 2025، وأن كندا تمدّ مصافي الغرب الأوسط بالنفط الثقيل الذي صُممت لمعالجته، فضلاً عن الغاز والكهرباء. كذلك تعتمد الزراعة الأميركية على البوتاس الكندي، وتعتبر كندا السوق الأولى لصادرات 32 ولاية أميركية. ومعنى هذا أن واشنطن ولو كانت أقدر على احتمال الضربة الإجمالية، سيكون الأذى حاداً في مصانع ومدن وقطاعات محدّدة.

«معركة تحمّل»... وصندوق اقتراع

إذن، لدى كارني أفضلية سياسية قصيرة الأجل. وفعلاً تظهر استطلاعات نقلتها «بوليتيكو» و«أكسيوس» غالبية كندية مؤيدة للتشدّد، وارتفعت شعبيته إلى 60 في المائة قبيل انهيار المفاوضات. وأيضاً وقف رؤساء المقاطعات من أحزاب مختلفة خلفه، وإن أخذ دوغ فورد المواجهة إلى مستوى شخصي بإهاناته ترمب وتهديداته المرتبطة بالكهرباء.

هذه الوحدة تجعل التراجع الفوري أشبه بخضوع، لكنها قد تتآكل إذا ارتفع معدل البطالة، البالغ أصلاً 6.4 في المائة، أو عجزت برامج الدعم عن إنقاذ الشركات الصغيرة.

في المقابل، يواجه ترمب اختباراً بعد أسابيع لا سنوات. ووجد استطلاع «نيويورك تايمز/ سيينا» في يونيو (حزيران) أن 54 في المائة من الناخبين المرجّحين في الولايات المتأرجحة يعارضون الرسوم، وبلغت النسبة 59 في المائة في ولاية ماين الحدودية. ومن ماين، حذرت سيناتورتها الجمهورية سوزان كولينز من أن الرسوم «خطأ يرفع تكلفة العائلات»، في حين وصف السيناتور الجمهوري توم تيليس سياسة «يوم التحرير» بأنها فشلت. بل، في ميشيغان وأوهايو وماين وأيوا، يستطيع الديمقراطيون ربط أسعار السيارات والطاقة والزراعة مباشرة بقرار البيت الأبيض.

هذا يفسّر الرهان الكندي على الصمود حتى انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني)، كما قال محللون لـ«أكسيوس» و«بوليتيكو»، ويفسر أيضاً إرجاء ترمب تنفيذ مضاعفة رسوم السيارات والصلب إلى الأول من يناير (كانون الثاني).

التهديد شديد، لكن المهلة تترك باب التسوية مفتوحاً وتؤجل قسماً من الألم إلى ما بعد الاقتراع. والرد الكندي المقرّر في 8 سبتمبر (أيلول) صُمّم بدوره ليستهدف الصلب والألبان والمعدّات الزراعية والإلكترونيات وغيرها، أي قطاعات قادرة على إيصال الشكوى إلى الكونغرس. وستشمل الإجراءات أكثر من 700 منتج أميركي، بقيمة 27.6 مليار دولار كندي، أي نحو 20 ملياراً أميركياً.

كندا تبحث عن بدائل

الزعيم الكندي كارني يحاول تحويل المواجهة «مشروعاً» أوسع. فقد دعا في خطابه أمام «منتدى دافوس» في يناير الماضي، إلى «تحالف ديمقراطيات مؤيدة للتجارة الحرة» والعمل معاً لمواجهة ما سماه «الإكراه الاقتصادي الذي تمارسه القوى الكبرى». وهو سيتوجه في سبتمبر إلى ستراسبورغ لحضور خطاب حالة الاتحاد الأوروبي، قبل القمة الكندية - الأوروبية في أكتوبر (تشرين الأول). لكن «بوليتيكو» لاحظت أن الاتحاد الأوروبي وبريطانيا واليابان تجنّبت حتى الآن الانضمام إلى جبهة مضادة لواشنطن. فهي تتعاطف مع أوتاوا، لكنها تحتاج بدورها إلى السوق والحماية الأميركيتين، في حين آليات الرد الجماعي على الإكراه الاقتصادي لا تزال جنينية.

هنا تكمن خلاصة الأزمة. فربما أخطأت كندا إذا افترضت أن التضامن الشعبي والشراكات الجديدة يستطيعان سريعاً موازنة الجغرافيا والحجم الأميركيين. وربما أخطأت إدارة ترمب أكثر إذا تصوّرت أن التفوّق الاقتصادي يحوّل الإذعان نتيجةً تلقائية، أو أن تفكيك شبكة إنتاج قارية يمكن أن يحدث من دون رفع أسعار الأميركيين والإضرار بحلفائهم الصناعيين.

فالمواجهة ليست بين اقتصادين متساويين، لكنها أيضاً ليست مباراة يكسبها الأكبر بمجرد مضاعفة الرسم.

إنها معركة بين قدرة كندا على تحمّل خسارة اقتصادية مركزة، وقدرة ترمب على تحمل ارتدادها السياسي قبل انتخابات التجديد النصفي. ولهذا؛ قد يكون المخرج الوحيد اتفاقاً مختلفاً بما يكفي كي لا يبدو أي من الطرفين أنه «وقّع تحت الإكراه».

اختلال القوة يرجّح كفة واشنطن... لكن تشابك السيارات والطاقة والانتخابات يحرم ترمب نصراً بلا تكلفة

مصافحة ودية بين ترمب وكارني ... قبل تفجر الخلاف الأخير (مصدر الصورة: البيت الأبيض)

أميركا وكندا... تجارة بين بلدين لا تفصلها الحدود

> تفيد الأرقام بأن العلاقة الأميركية - الكندية ليست تبادلاً تقليدياً بين بائع ومشترٍ، بل منظومة إنتاج وطاقة واستثمار مشتركة. ووفق مكتب «الممثل التجاري الأميركي»، بلغ إجمالي تجارة السلع والخدمات 872.3 مليار دولار عام 2025؛ إذ صدّرت الولايات المتحدة إلى كندا سلعاً بقيمة 333.6 مليار دولار واستوردت منها 381.9 مليار، أي بعجز سلعي مقداره 48.3 مليار، لا 60 ملياراً كما قال ترمب. لكن واشنطن حققت فائضاً في الخدمات بلغ 27.7 مليار دولار؛ ما يخفّض الاختلال الإجمالي ويبيّن أن العجز السلعي وحده لا يقدّم الصورة كاملة. السيارات هي المثال الأوضح على التكامل؛ إذ تنتقل المحركات والصلب والألمنيوم وقطع الغيار عبر الحدود مرات عدة قبل اكتمال المركبة. وأنتجت كندا 8 في المائة من سيارات أميركا الشمالية في 2025، وهي أكبر سوق خارجية للشاحنات الأميركية الكبيرة، في حين تعتمد مصانع «ديترويت» على تجميع ومحرّكات وقطع مصنوعة في أونتاريو. وفي قطاع الطاقة، بلغت قيمة التجارة الثنائية 137 مليار دولار عام 2025؛ منها 111 ملياراً واردات أميركية من كندا و26 ملياراً صادرات في الاتجاه المعاكس، حسب إدارة معلومات الطاقة. وتشمل الروابط النفط الخام والمنتجات المكرّرة والغاز الطبيعي وشبكات كهرباء عابرة للحدود؛ وجاء 67 في المائة من قيمة تجارة الكهرباء الثنائية من صادرات كندية إلى الولايات المتحدة. كندا هي أيضاً السوق الأولى لصادرات 32 ولاية، والأولى أو الثانية لـ44 ولاية، وفق وزارة التجارة الأميركية. وفي المقابل، يتجه نحو ثلاثة أرباع الصادرات الكندية إلى السوق الأميركية، ويدخل نحو 70 في المائة منها في سلاسل توريد أميركية. وتشمل أبرز المبادلات الآلات والسيارات وقطعها، والوقود والمعادن، والإلكترونيات والبلاستيك والمنتجات الزراعية والورقية. لذلك؛ لا تعني إعادة التوطين نقل مصنع واحد، بل إعادة رسم شبكة قارية استغرق بناؤها أكثر من ثلاثة عقود. وبمتوسط حسابي، تعبر الحدود تجارة تناهز 2.4 مليار دولار يومياً. ولا يقتصر الاعتماد على السلع، فقد حققت الولايات المتحدة صادرات خدمية إلى كندا بقيمة 92.3 مليار دولار في 2025، تشمل التمويل والتكنولوجيا والسفر وخدمات الأعمال، في حين توظف الاستثمارات المتبادلة عمالاً على جانبي الحدود. وهذا ما يحوّل أي رسم تكلفةً داخلية أيضاً.


مقالات ذات صلة

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

حصاد الأسبوع نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً،

نظير مجلي ( القدس)
حصاد الأسبوع شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع

إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

البعض لقبها بـ«أخطر امرأة في ألمانيا»، وآخرون وصفوها بـ«ممداني الألماني» نسبة إلى عمدة نيويورك زهران ممداني، أما الصحافة التركية فأطلقت عليها تسمية

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)

«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

نشطت المشاورات لتشكيل حكومة ائتلافية محلية في ولاية برلين، بعد أيام على صدور نتائج الانتخابات. ويقود المفاوضات حزب «دي لينكا» الفائز بالانتخابات بنسبة قاربت

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع الاستطلاعات الأميركية... من يتقدم في الأرقام ومَن يفوز في الصناديق؟

الاستطلاعات الأميركية... من يتقدم في الأرقام ومَن يفوز في الصناديق؟

مع تسارع العد العكسي لانتخابات الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، يدخل الأميركيون سباقين متداخلين: أحدهما على مقاعد الكونغرس، والآخر على تفسير مزاج الناخبين.

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

تصاعدت تحركات إثيوبيا، على مدار العقد الماضي، للحصول على منفذ بحري يجنّبها أزمة استقلال إريتريا عنها عام 1993، وجعلها «دولة حبيسة» تعتمد على موانئ جارتها

محمد الريس ( القاهرة)

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
TT

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً، بل ربما سأثير هلع الكثيرين من أصدقائي الطيبين، لكنني أعتقد أن علينا أن نربط مصيرنا مع العرب في إسرائيل». هذه الكلمات نُشرت يوم 16 يونيو (حزيران) 2019، بقلم شخص يدعى نتان إيشل، المعروف كأقرب المستشارين إلى بنيامين نتنياهو. وجاء نشرها في اليوم نفسه، في صحيفتين على طرفي نقيض، «هآرتس» التي تعد اليسار الراديكالي في نظر اليمين، و«مكور ريشون»، صحيفة اليمين الاستيطاني التي يعدها اليسار منبراً للتيار اليميني الفاشي. كل من يعرف أسرار السياسة الإسرائيلية يفهم أن هذا المقال يعبّر عن وجهة نظر نتنياهو نفسه، وأن الرسالة التي تحملها كانت موجّهة من اليمين الحاكم، إلى الجمهور العام في إسرائيل، من أقصى اليمين، إلى أقصى اليسار، عبر الوسط الليبرالي. ومفادها أن اليمين يملك الشجاعة لتغيير السياسة الرسمية تجاه المواطنين العرب، التي اتّسمت طيلة سنوات الدولة العبرية، بالتمييز العنصري وقمع الحريات.

شكّل المقال أعلاه صدمة، يومها. ففي حينه، كانت إسرائيل تعيش أزمة دستورية تاريخية؛ إذ إنها عبرت 5 معارك انتخابية خلال سنتين ونصف السنة. وبدا أن «العرب ليسوا مشكلة، بل هم الحل»، كما كتب إيشل في المقال نفسه. فما الذي جرى خلال 7 سنوات، حتى يتراجع نتنياهو عن هذا الطريق، ويتخذ موقفاً مناقضاً، يملؤه العداء والكراهية؟

وليس نتنياهو وحده، فإسرائيل تقرّر، اليوم، عبر لجنة الانتخابات المركزية فيها، التي يُفترض أنها نموذج في النزاهة، تعمل على حرمان مواطنيها العرب من حقّهم الأوّلي في الترشح للكنيست (البرلمان)، فتصوّت بأكثريتها الساحقة لشطب جميع قوائم المرشحين العربية؟

قراءة معمقة في التطورات، تبين أن غالبية الأحزاب الإسرائيلية غارقة في مستنقع عنصري موحل. وبما أن العرب في إسرائيل أقلية، تتعامل الأحزاب معهم بتعالٍ وفوقية، تماماً كما كان الآريّون في أوروبا يتعاملون مع اليهود، فيشطبونهم ويدوسون حقوقهم، ويعملون كل ما من شأنه أن يقلل من شأنهم.

ونعود إلى السؤال: ما الذي دفع نتنياهو لإنصاف العرب ثم يقرّر التراجع، لدرجة أنه بات يرى في العرب «جبهة ثامنة» في حروب إسرائيل، إلى جانب إيران و«حزب الله» اللبناني و«حزب الله» العراقي و«حماس» في غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة والحوثيين في اليمن؟

منصور عباس (أ.ف.ب)

بداية انعطافة

هناك من يرى بداية الانعطاف عام 2016، عندما قرر المستشار القضائي للحكومة، أبيحاي مندلبليت، إعداد لائحة اتهام في 3 قضايا فساد خطيرة. هؤلاء المحلّلون يحسبون أن نتنياهو، عندما قرر التقارب مع المواطنين العرب، يُقدِم على إجراء ديمقراطي طبيعي، ويبغي إنصاف المواطنين العرب بعد عشرات السنين من التمييز العنصري ضدهم، ليثبت أن اليمين تحديداً هو الذي يحقق لهم مساراً للمساواة، خصوصاً أنه صادق على «الخطة 922» التي تخصّص لهم ميزانية تسدّ بعضاً من هوة التمييز بقيمة 5 مليارات دولار. وهي الخطة التي أُعدت بالتعاون مع «القائمة العربية المشتركة» بقيادة النائب أيمن عودة واللجنة القطرية لرؤساء البلديات العربية بقيادة مازن غنايم.

لكن فريق مساعدي نتنياهو كان يتعاطى مع الموضوع بطريقة أخرى، فهو يخطط لتشكيل تحالف من أحزاب اليمين يكون ضمانة لمواجهة جهاز القضاء، الذي يحاكمه بثلاث لوائح اتهام بالفساد. وتلك الأحزاب كانت مشتتة. اليمين المتطرف فيها، يخشى من حكومات نتنياهو التي تضم دائماً حزباً أو أكثر من الوسط، فعرض عليهم صفقة: «حلف دائم معه، في السراء والضراء، ولا يتفسخ في أي ظروف. ويسانده في المحكمة»، لكنه عندما وجد أن قادة اليمين المتطرف يتبجّحون عليه، ويحاولون فرض شروط، لجأ لحيلة التحالف مع إحدى القوائم العربية.

يومها، كانت الأحزاب العربية قد توحّدت جميعاً تحت لواء «القائمة المشتركة». ونتنياهو يعرف أن السبيل لتفسيخها هو ضم أحدها إلى الائتلاف. وبذا يضرب 3 عصافير بحجر: يفتت الوحدة كعادته في التعامل مع كل خصومه، ويضمن أكثرية لتشكيل حكومة، ويكسب احتراماً في الغرب على أنه ينهي سياسة نبذ العرب والتمييز ضدهم.

إلا أن اليمين المتطرف العميق اشترط ألا يعقد تحالفاً مع العرب. وهكذا أجهضت الفرصة، لكن خصوم نتنياهو في اليمين الوسط، بقيادة نفتالي بنيت ويائير لبيد، استغلوا الوضع، وأقاموا ائتلافاً مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس عام 2021، وتمكّنوا من تشكيل حكومة بفضل هذا التحالف.

صمدت هذه الحكومة سنة ونصف السنة، من دون تحقيق تغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية في مدة قصيرة كهذه، لكنها أكسبت الأحزاب العربية شرعية في الساحة السياسية، وحققت للعرب العديد من الإنجازات، في مقدمتها «الخطة 555» التي توفر للعرب ميزانية تقدر بعشرة مليارات دولار.

البداية مع رابين

لم يكن تحالف عباس مع حكومة بنيت – لبيد الأول الذي يضم العرب، فعام 1993، انسحب حزب «شاس» لليهود الشرقيين المتدينين (حريدي) من حكومة إسحاق رابين، لتغدو حكومة أقلية، فلجأ رابين إلى العرب، الذين كانوا ممثلين بحزبين هما «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة النائب توفيق زياد (3 نواب) والحزب الديمقراطي العربي بقيادة النائب عبد الوهاب دراوشة (نائبان)، فشكلوا ما سُمّي «الجسم المانع»، أي الذي يمنع اليمين من إسقاط الحكومة.

وحقاً أظهر رابين نية خالصة في هذا التحالف، ووافق على شرطين: بدء عملية لتحقيق المساواة التامة لمواطني إسرائيل العرب، والاعتراف بـ«منظمة التحرير الفلسطينية». وكان هذا التحالف ناجحاً وناجعاً، في الموضوعين. وجاءت «اتفاقيات أوسلو» ثمرةً له، لكن كما هو معروف، اغتال اليمين الإسرائيلي رابين. وجاء إلى الحكم نتنياهو في حقبته الأولى (1996 - 1999).

هكذا نُسِف المسار. وعاد «استثناء» العرب ومحاولة إبقائهم على هامش الحياة السياسية، ورجعت الأحزاب العربية إلى موقعها الكفاحي من الصفوف الخلفية للمعارضة في الكنيست، والمظاهرات في الشوارع، والضغوط الدولية، عبر مؤسسات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي... وغيرها. وعاد نتنياهو ليستغلها «غولا» يخيف به اليهود.

التحريض قديم

ليس صحيحاً الانطباع بأن نتنياهو يستغل هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لتأجيج الكراهية للعرب في إسرائيل، فالتحريض عليهم كان قائماً قبل ذلك بكثير وهو نفسه أدّى به دوراً حاسماً.

ومن دلائل نجاح تحريضه على العرب ما جاء في نتائج استطلاع رأي أجراه «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية» قبل أسبوع من دعوة نتنياهو ضم العرب إلى الائتلاف في يونيو (حزيران) 2019، أن 81 في المائة من الجمهور اليهودي لا يرغبون في مشاركة الأحزاب العربية فيها، فيما قال 13 في المائة من اليهود إنهم يرغبون بذلك.

لكن هجوم «حماس» المذكور تحوّل إلى معيار للسياسة الإسرائيلية، وعقدة مجتمع كامل، وفي صلبه الكراهية للفلسطينيين، كل الفلسطينيين، بمن في ذلك أطفال غزة وتأييد إعدامهم مع أمهاتهم وبناتهم وشيوخهم. وحتى الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل وضعوا في إطار عدائي.

لماذا؟ هل شاركوا في هجوم «حماس» أو وافقوا عليه؟

جميع السياسيين والعسكريين الإسرائيليين يعرفون أن المواطنين العرب هم النقيض التام لحركة «حماس» وموقفهم كان معارضاً كلياً لهجومها، بل إن العديد من هؤلاء العرب قتلوا أو جرحوا خلال الهجوم.

العرب ضد الهجوم

لقد كان العرب في النقب طليعة متلقّي صواريخ «حماس» في ذلك الهجوم، وقتل منهم 6 أشخاص، كذلك قتل المهاجمون امرأة فلسطينية محجّبة؛ لمحاولتها ثنيهم عن قتل مدنيين، وقالت لهم إن فعلهم لا يلائم القيم الإسلامية، فأطلقوا عليها الرصاص. وأطلقوا على مُسعف عربي من بلدة أكسال قرب الناصرة، يعمل في منظمة نجمة داود الحمراء، وهو يسعف أحد المصابين اليهود. وحتى «الحركة الإسلامية»، التي يقودها النائب منصور عباس، أدانت هجوم 7 أكتوبر بوصفه «مجزرة وعملاً غير إنساني وغير مبرّر لا يعكس قيم الشعب الفلسطيني». ومثله فعل تقريباً كل السياسيين العرب في إسرائيل.

لذا، فالقول إنه «بعد 7 أكتوبر لا يجوز تشكيل حكومة تستند إلى الأحزاب العربية»، نوع من التجنّي يقوم على الكذب ونكران الجميل، ويخفي في الحقيقة قيم العنصرية العمياء. ومن شدة خطورة هذه السياسة على مستقبل إسرائيل، يشتعل صراع بين اليهود أنفسهم حول كيفية التعاطي معه.

الغالبية، بما في ذلك قوى الوسط الليبرالي بقيادة غادي آيزنكوت ونفتالي بنيت ويائير لبيد، يتبنّى هذا الموقف العنصري بلا خجل ولا وجل. وهؤلاء رغم خوضهم تجربة جيدة في التحالف مع منصور عباس، خنعوا أمام حملة نتنياهو، وتنصّلوا من هذا التحالف، وتعهدوا برفض أي حكومة تستند إلى أي حزب عربي. وآيزنكوت تحديداً، حاول تخفيف هذه المعارضة وقال، خلال لقاء مع ناخبين في القدس، يوم الجمعة الماضي: «منذ الصباح، ينشغل طاقمي بالوعد الذي قيل إنه أعطي لهم، وهو أن منصور عباس سيكون في الحكومة. كل من يعرفني يعرف أنني لا أقدّم الوعود». ولكن جوابه ما زال يترك له مخرجاً؛ فحسب قوله، يجب على كل شريك أن يوافق على 3 مبادئ أساسية هي: أن دولة إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية – ليبرالية، وأن يوافق على قيم وثيقة الاستقلال، وأن يوافق على واجب الخدمة العسكرية أو الوطنية». ويوم الثلاثاء الأخير قال، خلال لقاء إذاعي مع «إف إم 103»، إنه قرر إضافة شرط رابع هو أن من يريد أن ينضم إلى حكومته أن يؤيد تصفية «حماس».

في المقابل، هناك تيار ليبرالي ويساري يرفض هذا التوجه العنصري، ويقول إن الشعب اليهودي الذي تعرض للتمييز العنصري بأبشع أشكاله في الماضي، يمارسه اليوم بوضوح وصراحة وبشكل رسمي وعلني. وبحسب يائير جولان، رئيس حزب الديمقراطيين فإن «دمج الأحزاب والمجتمع العربي في أي ائتلاف حكومي قادم ضرورة استراتيجية لإنقاذ إسرائيل، ولإلحاق هزيمة باليمين، الذي يدمر إسرائيل». لكن جولان هذا انضم إلى أحزاب اليمين العنصري في شطب سامي أبو شحادة، رئيس حزب «التجمع».

يائير لبيد (أ.ف.ب)

اليهود الذين تعرّضوا للتمييز العنصري

في الماضي يمارسونه اليوم بشكل رسمي وعلني

معركة عربية حذرة

في هذه الأثناء، تدير الأحزاب العربية معركتها بحذر، كي لا تعطي اليمين سلاحاً ضدها في أي ساحة. واليمين يضع محاربة هذه الأحزاب هدفاً أساسياً في حملته، خصوصاً وهو يرى كيف يقع خصومه في حبائل مؤامرته. وهو يخوض معركة قضائية لشطب جميع الأحزاب العربية، ومنعها من المشاركة في الانتخابات، بحجة أنها تؤيد الإرهاب، ولا تعترف بإسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية.

قادة الأحزاب العربية أدركوا خطورة المعركة الانتخابية على مستقبل مجتمعهم، فسلكوا أسلم الدروب لزيادة وزنهم في الحلبة السياسية. وكانت الخطوة الأولى منع إضاعة أي أصوات عربية، فبنوا تحالفاً يضم الأحزاب العربية الثلاثة: «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة البروفسور يوسف جبارين، و«الحركة العربية للتغيير» بقيادة النائب أحمد الطيبي و«التجمع الوطني» بقيادة سامي أبو شحادة، وارتبطوا مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس باتفاق فائض أصوات.

والخطوة الثانية، توقيع «ميثاق شرف» يضمن معركة انتخابية نزيهة ونظيفة بين القائمتين العربيتين، واتفاق قادتهما على التعاون أيضاً بعد الانتخابات في الكنيست، كي يحظوا معاً بأفضل مواقع قيادية برلمانية.

والثالثة، ضمّ عباس نائباً يهودياً إلى القائمة، هو اللواء السابق في الشرطة، يوآف سيغالوفتس، ومنحه المكان الثاني في لائحته الانتخابية. وسيغالوفتش ذو رصيد غني في مكافحة الإجرام المنظم، الذي يعد اليوم أخطر آفة تواجه العرب في إسرائيل، ووجوده في قائمة عربية يقطع الطريق على من يعدها غير شرعية.

شطب أبو شحادة

والرابعة، توسيع دائرة المعركة مع اليمين، وإدخال جهات دولية من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض القوى في الولايات المتحدة، لمنع الحملة العنصرية ضدهم. وسامي أبو شحادة، الذي شُطب في لجنة الانتخابات بسبب مقال كتبه يوم 8 أكتوبر 2023، غداة هجوم «حماس» على إسرائيل يمجِّد فيه الهجوم ويعده هجوم مقاومة ناجحاً، ومتوقعاً وفقاً لقوانين الفيزياء، «لكل فعل رد فعل»، تراجع عن مضمون مقاله، وقال أمام اللجنة، الأربعاء، إنه كتب المقال في حينه قبل أن يعرف ما تضمنه هجوم «حماس» من ممارسات بشعة. وأضاف أنه يعد كتابة المقال خطأً، ولو كان سيكتبه اليوم لكتبه بطريقة أخرى، وأكد أنه يرفض العنف ضد أي جهة كانت، دولة أو بشراً، وأن تاريخه السياسي حافل في تأييد السلام العادل؛ ولذلك فإن الاقتراح لشطبه غير عادل.

لكن هذا التراجع لم يسعفه، لا بل تقرر شطب حتى القائمة التي يقودها عباس وتبدي استعداداً لدخول الحكومة، وانضمت المحكمة العليا إلى هذا الموقف، وأبلغته أنها ستشطبه إذا استمر في المحكمة، لكنها تنصحه بأن ينسحب ويُبطِل هو ترشحه. وهكذا كان. وانضم سلوكه هذا إلى الإجراءات السابقة، التي عُدَّت جزءاً من الجهود العاقلة لسحب البساط من تحت أقدام اليمين.

البداية بالأحزاب... وبعدها المواطنة

اليوم، يرى العرب أن معركتهم جذرية ومصيرية، فمن يريد شطب أحزابهم، يمهّد عملياً للتخلص منهم كمواطنين، وهم يقرؤون جيداً كيف تؤثر الآراء الوحشية كآراء وزير المالية بتسلئيل سموتريتش على جهات يهودية كثيرة، بدءاً بالميليشيات المسلحة التي تهدد وجودهم، وحتى البروفسور الإرهابي من جامعة بار إيلان، الذي وضع خطة لإقامة تنظيم إرهابي يهودي يقتل مئات منهم لغرض حملهم على الرحيل من الوطن.


إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
TT

إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع

البعض لقبها بـ«أخطر امرأة في ألمانيا»، وآخرون وصفوها بـ«ممداني الألماني» نسبة إلى عمدة نيويورك زهران ممداني، أما الصحافة التركية فأطلقت عليها تسمية «ممداني التركي»... كل هذه تسميات تلاحق إيليف إيرالب، المحامية الألمانية - التركية التي تأمل بأن تصبح عمدة برلين بعد فوز حزبها «دي لينكا»، حزب أقصى اليسار، بالانتخابات المحلية في العاصمة الألمانية. الذين يتكلّمون عن «خطرها» يشيرون إلى تعهّداتها بتأميم شركات السكن الكبرى في العاصمة ضمن خطط لتخفيض أسعار الإيجارات. والذين يشبّهونها بعمدة نيويورك الشاب، يقصدون خلفيتها المهاجرة و«الكاريزما» التي تتمتّع بها وقربها من «البرلينيين» وحضورها القوي على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الصفات لعبت دوراً أساسياً في تحقيق حزبها فوزاً غير مسبوق في برلين؛ إذ حصل على ما يقارب الـ26 في المائة من نسبة الأصوات، متقدماً بـ6 نقاط على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم بزعامة المستشار فريدريش ميرتس، وهو يحكم حتى برلين حالياً.

إذا نجحت إيليف إيرالب البالغة من العمر 45 سنة، بتشكيل حكومة في ولاية - مدينة برلين، فستصبح أول سيدة ومن أصول مهاجرة تحكم العاصمة الألمانية. ويأتي هذا الحدث بينما يتأهب حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف ليبدأ بحكم أول ولاية ألمانية يكسبها هي سكسونيا آنهالت حيث فاز بنسبة 44 في المائة؛ إذ بدأ مرشح الحزب لترؤس الحكومة أولريش زيغموند مشاوراته لتشكيل حكومة الولاية خلال الأسابيع المقبلة.

في الحقيقة، كثيرون ربطوا بين فوز أولريش، أو حزب «البديل من أجل ألمانيا» بشكل عام، وفوز إيرالب وحزبها، واعتبروا ما أنجزته إيرالب رد فعل من الناخبين الرافضين لاتجاه البلاد أكثر نحو أقصى اليمين. وقد يكون جزءاً من ذلك صحيح إضافة إلى عوامل أخرى. ولكن في أي حال، أصبحت إيرالب حديث الصحافة الألمانية اليومي منذ فوزها قبل ثلاثة أسابيع.

«أمثالي لا ينبغي أن يشغلوا منصب العمدة في هذا البلد»!بهذه الجملة أعلاه افتتحت إيليف إيرالب كلمتها المسجلة والتي توجّهت فيها للناخبين مع إطلاق حملتها الانتخابية. ولاحقاً شرحت ما تقصده بذلك.

إذ قالت في مقابلة مع صحيفة «تاغس شبيغل» البرلينية: «على عكس كثرة من الساسة، أنا لا أنتمي إلى حزب سياسي منذ عقود ولست جزءاً من المؤسسة السياسية. أنا ابنة لاجئين جاؤوا إلى ألمانيا من تركيا قبل فترة قصيرة من ولادتي». وحقاً كان هذا أن خلفيتها المهاجرة ستلعب دوراً محورياً في حملتها الانتخابية.

ولدت إيليف إيرالب في يناير (كانون الثاني) 1981 في مدينة ميونيخ الألمانية بعد أشهر قليلة من وصول والديها من تركيا هرباً من الانقلاب العسكري وما تبعه من عنف وقمع.

وبعكس معظم الأتراك الذين جاؤوا إلى ألمانيا عمالاً، فإن والديها كانا متعلمَين، ووصلا طالبين للجوء في ألمانيا الغربية في سبتمبر (أيلول) 1980. وهما يتحدّران من بلدة بانلي قرب مدينة قيصري، وكانا ناشطين سياسيين نقابيين سجناً بعد الانقلاب العسكري. الوالد كان طبيباً والوالدة ناشطة نسوية في الحزب العمالي الاشتراكي، سجنت بعد الانقلاب ولم يطلق سراحها إلا بسبب تقدّم حملها بشكل واضح عندما كانت حاملاً بإيرالب. وبالنتيجة، تمكنا من الهرب إلى ألمانيا حيث قدّما طلب لجوء في ميونخ. ولكن عمل والدها دفع بالعائلة لاحقاً إلى الانتقال إلى مدينة دورتموند، حيث كبرت إيرالب قبل أن تنتقل مرة أخرى إلى مدينة هامبورغ في سن الثامنة حيث أنهت المدرسة.

دراسة القانون في هامبورغ

بعد المدرسة، درست إيرالب القانون في جامعة هامبورغ وتخرّجت محامية، وأسهم في اختيارها تخصصها، وفق تصريح لها، المعاملة المختلفة والعنصرية التي تعرضت لهما عائلتها في ألمانيا.

لقد تطرقت إيرالب مراراً لتجربة عائلتها لدى وصولها إلى ألمانيا، وعملية اللجوء المعقدة والطويلة التي واجهوها، ومما قالته: «لقد عشت تجربة ما الذي يعنيه عندما تتّخذ السلطات قرارات غير مفهومة، وقد شعرت كذلك بالعنصرية والتمييز... لقد عاصرت عائلات عوملت معاملة مختلفة مثل عائلتنا، ولهذا درست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع».

وقبل إكمال تخصّصها في القانون الجزائي في جامعة هامبورغ، أمضت إيرالب فصلاً في مدينة أليكانتي في إسبانيا. وهو ما مكّنها من تعلّم الإسبانية، لتضاف إلى لغاتها الألمانية والتركية والإنجليزية.

وبعد تخرّجها عام 2007، انتقلت عام 2010 إلى برلين لتعمل مستشارة قانونية لكتلة حزب «دي لينكا» البرلمانية من دون أن تنضمّ للحزب اليساري آنذاك؛ إذ إنها لم تصبح عضواً في الحزب إلا عام 2017. بل، برّرت إيرالب قرارها الانضمام إلى الحزب المنتمي لأقصى اليسار بأنه جاء كرد مباشر على دخول حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف إلى البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى آنذاك. ومعلوم، أن الحزب اليميني المتطرف استغل من موجة اللاجئين السوريين التي وصلت إلى ألمانيا عام 2015 لتوسيع قاعدته الشعبية، بانياً حملته الانتخابية ضد اللاجئين والمسلمين.

العيش في بيئة مهاجرين

منذ انتقالها إلى برلين، تعيش إيرالب في منطقة كرويتزبيرغ، المعروفة بـ«إسطنبول الصغيرة»، وقال عنها المستشار الألماني فريدريش ميرتس - قبل أن يصبح مستشاراً - إنها «لا تمثل ألمانيا». وهي تعيش حياة بسيطة، في شقة تستأجرها مع زوجها وولديها اللذين يرتادان مدرسة عامة في الحي. وكانت قد حرصت خلال حملتها الانتخابية على عكس هذه الصورة، بأنها واحدة من سكان المدينة وأنها تشبههم، وأن الأمر لا يتعلق فقط بأصولها المهاجرة.

لقد قالت عن ذلك: «الحملة لا تتعلق بأصولي المهاجرة بل بواقع أنني مثل الجميع هنا. أعرف مشاكل المدينة، الإيجارات المرتفعة والمدارس المتهالكة ونظام التنقل المتردي». وتابعت: «أنا لا أعيش في فيلا في غرونافالد، وأولادي لا يرتادون مدارس خاصة بل مدرسة عادية». وبالمناسبة، غرونافالد منطقة راقية في غرب برلين مليئة بالفلل الفخمة ومحاطة بمدارس خاصة.

أزمة السكن

أزمة السكن في برلين شكلت بالفعل محور حملة إيليف إيرالب الانتخابية. وكانت قد ذكرت في إحدى المقابلات أنها هي نفسها تبحث عن شقة منذ 7 سنوات من دون توفيق. وفي الحقيقة، تعاني برلين من أزمة سكن كبيرة وارتفاع إيجارات مستمر رغم وجود قوانين تحد من رفعها. ويعيش معظم سكان برلين (قرابة 85 في المائة منهم) في شقق مستأجرة في بلد ما زالت فيه ثقافة امتلاك المنزل غير شعبية. وخلال السنوات العشر الأخيرة، ارتفعت أسعار الإيجارات بنسبة 70 في المائة مع تزايد عدد القادمين للعيش في المدينة. وعلى الرغم من وجود قانون يحد رفع الأسعار منذ عام 2015، فإن مالكي الشقق وشركات التأجير تستغل ثغرات في القانون لرفع الإيجارات بشكل دوري.

من جانبها، طرحت إيرالب أفكاراً راديكالية للتعامل مع أزمة السكن، منها الاستحواذ على الشقق المملوكة من كبرى الشركات العقارية الخاصة، بشرائها من ميزانية ولاية برلين بسعر محدد (أقل من سعر السوق الحالي) ثم تحويلها لكي تدار من قبل هيئة غير ربحية.

الخطط تشبه تأميم الشركات، ولكن علامات استفهام كثيرة تحيط بها، من قانونيتها إلى المخاطر التي قد تحملها على ميزانية الولاية التي قد لا تكون قادرة على تحملها. ولقد أثارت هذه الخطط مخاوف كبيرة لدى الشركات المالكة للشقق مثل «فينوفيا» التي تهوي أسهمها منذ فوز إيرالب. وحتى المستشار ميرتس الذي يرفض حزبه التحالف مع «دي لينكا»، تعهد بعد فوز إيرالب وحزبها في برلين، بإدخال قوانين سريعاً تمنع الاستحواذ على شركات العقارات وتحبط خطط الاستيلاء عليها.

أصداء كبيرة

مع هذا، فإن تركيز إيرالب على مواجهة أزمة السكن لقيت صدى كبيراً لدى سكان العاصمة الذين ذكروا في استفتاءات سابقة بأن أزمة السكن هي الموضوع الأول الذي يهتمون به في الانتخابات المحلية. وبينما لم تطرح الأحزاب الأخرى الرئيسة أي أفكار جديدة لمواجهة أزمة السكن، بدت أفكار «دي لينكا» جديدة وجذابة للناخبين. وقال كثيرون من الذين صوّتوا للحزب، إنهم لا يوافقونه في كل السياسات ولكن خطط حل أزمة السكن شكلت عاملاً رئيساً في التصويت لهم. وهكذا، نجح الحزب بمضاعفة أصواته عن الانتخابات السابقة. وما يذكر، أن «دي لينكا» استعان كذلك بفريق عمدة نيويورك ممداني، إذ قدم إلى برلين أحد مستشاريه في حملته الانتخابية ليقدم النصح لفريق إيرالب.

من جهة ثانية، رغم أن أزمة السكن كانت محور حملة إيرالب الانتخابية، فإن أصولها المهاجرة ونضالها في مواجهة التمييز العنصري ظَهَرا أيضاً بشكل محوري في لقاءاتها مع الناخبين. وكان لافتاً أنها استخدمت اللغة التركية في جزء كبير من حملتها في منطقة تعد القلب النابض للجالية التركية. والواقع أن إيرالب أمضت عدة سنوات ناشطة حقوقية أكثر منها سياسية. وحتى عندما انضمت إلى «دي لينكا»، أسست داخل الحزب جناحاً ضم من هم من أصول مهاجرة للترويج للألمان بخلفيات مختلفة وتسليط الضوء على قضايا تمييز يتعرض لها لاجئون ومهاجرون.

وبخلاف الأحزاب الألمانية الأخرى، لا يخشى «دي لينكا»، ولا إيرالب، إظهار التضامن مع القضية الفلسطينية، وهو ما جذب عدداً كبيراً من الناخبين من أصول عربية لهم. وإن كان تسبّب أيضاً بجدل أحاط بالحزب، خاصة، بعد ظهور صور لمشاركة ناشطين فلسطينيين في الحفلة التي أقامها الحزب ليلة صدور النتائج؛ إذ اتهمت الصحافة اليمينية إيرالب، وأيضاً اتهمها بعض الساسة منهم وزير الداخلية، بـ«معاداة السامية». ورد مكتب إيرالب بأنها ستتقدم بدعوى تشهير ضد وزير الداخلية.

الحملات المعادية

هذا، وتشن الصحافة الألمانية حملة لا تتوقف على إيرالب منذ فوزها. وفي المقابل، تكرر إيرالب مراراً بأنها تريد لبرلين أن تكون مكاناً لكل السكان من بينهم أتباع الديانة اليهودية، كما أنها تريد للحوار أن يكون أساسياً بين المجتمعات المسلمة واليهودية في برلين. أيضاً، تتهم الصحافة الألمانية «دي لينكا» بعلاقات مع الجريمة المنظمة، بعد انتشار صورة أيضاً لأحد «زعماء» العشائر العربية - كما تسميهم الصحافة الألمانية - موجود في حفل الحزب ليلة الفوز. لكن الحزب برر لاحقاً بأن الحفل كان مفتوحاً للعامة ولم يكن بالدعوات فقط.

ومن القصص السلبية الأخرى التي تنشرها الصحافة الألمانية يومياً عن إيرالب، قصة عن انتمائها لمجموعة يسارية راديكالية تعرف بـ«المساعدة الحمراء»، وهي مراقبة من المخابرات الداخلية. ولكن إيرالب لم تخف يوماً انتماءها للمجموعة، وأعلنت أعلنت أنها تركتها العام الماضي بسبب اختلاف حول قضايا أساسية.


«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
TT

«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)

نشطت المشاورات لتشكيل حكومة ائتلافية محلية في ولاية برلين، بعد أيام على صدور نتائج الانتخابات. ويقود المفاوضات حزب «دي لينكا» الفائز بالانتخابات بنسبة قاربت الـ26 في المائة، مع حزب «الخضر» الذي حصل على 14 في المائة من نسبة الأصوات والحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الذي حصل على 12 في المائة منها.

الحزبان الأخيران حددا شروطاً أساسية قبل انطلاق المفاوضات؛ إذ طالب حزب «الخضر» حزب «دي لينكا» باتخاذ موقف واضح من «معاداة السامية»، ومن الاتهامات المرتبطة بذلك التي تلاحق أفراداً في الحزب. وقالت كاتارينا دروغه، زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب «الخضر» في ولاية برلين، إن على «دي لينكا» اتخاذ «موقف أقوى ضد معاداة السامية في صفوفه، فنحن لا نتكلّم عن حوادث معزولة بل عن مشاكل هيكلية». وأضافت أنه إذا «لم يحدد (دي لينكا) بشكل واضح الخطوات الصارمة التي سيصار إلى اتخاذها للتعامل مع هذه المشكلة، فلن يمكن إجراء مشاورات لتشكيل حكومة معهم».

أما الحزب الديمقراطي الاجتماعي فقال إنه يتوقع «تفسيراً» من إيرالب حول انتمائها لمجموعة «المساعدة الحمراء» المتطرفة والتي تخضع لمراقبة المخابرات الداخلية. وقال شتيفان كراخ، زعيم الكتلة البرلمانية للحزب في برلمان برلين، إن المشاورات لن تبدأ قبل الحصول على تفسير حول عضويتها تلك، وأيضاً بعد مناقشة ارتباط الحزب بمعاداة السامية والجريمة المنظمة.

أما فيما يخص حزب «دي لينكا»، فهو حزب من أقصى اليسار، شكّل عام 2007 من مجموعة أحزاب يسارية وشيوعية من بينها حزب «الوحدة العمالية» الألماني، وهو حزب ماركس لينيني أسس عام 1946 في مناطق شرق ألمانيا التي كانت تحت حكم الاتحاد السوفياتي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

ولدى الحزب تجربة بحكم محلي في ولاية ثورينجيا (الشرقية سابقاً) التي حكمها طوال 10 سنوات، وكان رئيس حكومة الولاية فيها هو بودو راميلو الذي تمتع بشعبية كبيرة طوال فترة حكمه. ويستعين فرع الحزب في برلين من تجربة «دي لينكا» في تورينجيا في الحكم، لإجراء المشاورات الحكومية ووضع برنامج الحكومة في حال نجحت المشاورات.