مَن يدفع ثمن القطيعة الأميركية ــ الكندية؟

من «الجيرة الاستثنائية» إلى حرب الإرادات

مصنع فورد في أوكفيل قرب مدينة تورونتو الكندية (رويترز)
مصنع فورد في أوكفيل قرب مدينة تورونتو الكندية (رويترز)
TT

مَن يدفع ثمن القطيعة الأميركية ــ الكندية؟

مصنع فورد في أوكفيل قرب مدينة تورونتو الكندية (رويترز)
مصنع فورد في أوكفيل قرب مدينة تورونتو الكندية (رويترز)

لم تعُد الأزمة بين الولايات المتحدة وكندا خلافاً عابراً على رسم جمركي يمكن تسويته ببعض الاستثناءات. بل إن انهيار المفاوضات في اللحظات الأخيرة، وفرض واشنطن رسوماً بنسبة 50 في المائة على سلع كندية بنحو 20 مليار دولار أميركي، ثم تعهد أوتاوا برد «دولار مقابل دولار»، نقل العلاقة من مساومة تجارية إلى اختبار للسيادة والتحمل. الأرقام تقول إن كندا هي الطرف الأضعف: فسوقها أصغر، ونحو ثلاثة أرباع صادراتها تتّجه جنوباً، بينما تستطيع الولايات المتحدة توزيع الضرر على اقتصاد أوسع وأكثر تنوعاً. لكن الجغرافيا صنعت بينهما اقتصاداً لا يتوقّف عند الحدود؛ فالسيارة الواحدة قد تعبرها مراراً، والمصافي الأميركية تعتمد على النفط الكندي، وولايات أميركية شمالية تشتري الكهرباء من كندا. لذا؛ حتى ولو كانت أوتاوا ستخسر أكثر، فهذا لا يعني أن واشنطن ستخرج رابحة.

على امتداد عقود، قدّمت الولايات المتحدة وكندا نموذجاً نادراً لتحويل أطول حدود غير محصّنة في العالم إلى مساحة إنتاج مشتركة.

بدأ التحرير المنظّم بـ«اتفاق التجارة الحرة» عام 1989، ثم توسّع مع «نافتا» عام 1994، وأعيد تثبيته في اتفاق آخر بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا تفاوضت عليه إدارة دونالد ترمب الأولى.

ومع أن هذه الترتيبات لم تلغ النزاعات المزمنة بشأن الألبان والأخشاب وقواعد المنشأ، فإنها حصرتها داخل مؤسّسات وقواعد يمكن التنبؤ بها. ولكن، في يوليو (تموز) الماضي، رفضت واشنطن تمديد الاتفاقية تلقائياً، لتدخل مسار مراجعة أكثر غموضاً.

ولاية ترمب الثانية

بدأ الانقلاب مع عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض مطلع 2025؛ إذ فرض رسوماً على الصلب والألمنيوم والسيارات ومنتجات أخرى، وردّت كندا برسوم على سيارات وسلع أميركية وبمنع بيع المشروبات الكحولية الأميركية في معظم المقاطعات.

وفي الوقت نفسه، نقلت تهديدات ترمب المتكرّرة بجعل كندا «الولاية الحادية والخمسين» الخلاف من حسابات العجز التجاري إلى سؤال الهوية الوطنية. ولم تعُد مسائل كالمقاطعة الشعبية للسلع والسياحة الأميركيتين، وخطاب «كندا ليست للبيع»، مجرد «أداتي ضغط»، بل صارت تعبيراً عن شعور بأن الشريك الأكبر لا يطلب تنازلات محدّدة، وإنما يريد أن يعيد «إعادة تعريف» العلاقة على أساس التبعية.

بعدها، أضاف اختلاف البلدين بشأن «حرب إيران» طبقة سياسية إلى انعدام الثقة؛ إذ أعلنت الحكومة الكندية في مارس (آذار) أنها لم تُستشر، وبالتالي لم تشارك ولا تعتزم المشاركة في العمليات الهجومية الأميركية - الإسرائيلية، على الرغم من تأييدها منع إيران من امتلاك سلاح نووي والدفاع عن شركاء المنطقة.

صفقة سقطت عند حدود السيادة

في تحقيق مفصل نشرته الـ«نيويورك تايمز»، بدا الاتفاق قريباً مساء الثلاثاء الماضي. فقد عرضت واشنطن خفض رسوم الصلب والألمنيوم والسيارات، وإلغاء رسم على الأخشاب، مقابل تراجع كندا عن إجراءات انتقامية وفتح أكبر لقطاعات الزراعة والطاقة والتجارة الرقمية. لكن التفاصيل أعادت الخلاف، عندما تمسّك وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك برفض منح الشاحنات المتوسطة والثقيلة المعاملة المخفّفة المقترحة للسيارات، في حين عدّت أوتاوا ذلك تهديداً تدريجياً للمصانع التي تنتج شاحنات شركتي «فورد» و«جنرال موتورز» الأميركيتين في ولاية أونتاريو الكندية.

الرواية الكندية تقول إن واشنطن أرادت أيضاً أن تراجع اتفاقات كندا المستقبلية مع دول ثالثة، وأن توائم رسومها على الصلب مع السياسة الأميركية، وأن تتراجع عن برنامج «اشترِ الكندي» وبعض قواعد إبراز المحتويين الكندي والفرنسي على منصات البث. وبالنسبة لإدارة ترمب، كانت هذه «ضمانات» لمنع الصين وغيرها من استخدام كندا «ممراً خلفياً» إلى السوق الأميركية. لكن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني رأى فيها انتقاصاً من حرية بلاده التجارية والثقافية، ولا سيما أن واشنطن رفضت تقديم ضمان يمنعها من تغيير الرسوم لاحقاً.

طبعاً، تقدّم واشنطن رواية معاكسة جزئياً؛ إذ قال الممثل التجاري جيميسون غرير إن الكنديين عادوا في الساعات الأخيرة للمطالبة بخفض الحد الأدنى لرسوم السيارات من 7 في المائة إلى الصفر، وبمعاملة أفضل للسلع المصنوعة من الصلب والألمنيوم. وفي هذا المعنى، لم تكن الطاولة تضم طرفاً مرناً وآخر متعنّتاً، بل حكومتين رفعتا سقف المطالب وهما تظنان أن الزمن يعمل لمصلحتهما. وعند العاشرة والنصف ليلاً، وبعد اتصال مع دوغ فورد، رئيس حكومة مقاطعة أونتاريو، أمر كارني المفاوضين الكنديين بالعودة إلى أوتاوا.

القوة الأميركية... وهشاشة الحساب الكندي

حساب ترمب واضح... فمن يتحمّل الألم لمدة أقصر يتراجع أولاً. وفي ميزان الاقتصاد الكلّي، يملك الرئيس الأميركي أسباباً قوية لهذا الرهان. فقد بلغ تبادل السلع والخدمات بين البلدين 872.3 مليار دولار عام 2025، وفق مكتب «الممثل التجاري الأميركي»، لكن الاعتماد غير متناظر. فالسوق الأميركية تستوعب نحو 70 في المائة من الصادرات الكندية، وترتبط بها مباشرة قرابة 15 في المائة من اقتصاد كندا؛ في حين تمثل كندا شريكاً بالغ الأهمية، لكنها جزء من شبكة شركاء واسعة للاقتصاد الأميركي.

وهنا قدّر تريفور تومب، الاقتصادي في جامعة كالغاري الكندية، أن الرسوم الجديدة وحدها قد تكلف كندا نحو 90 ألف وظيفة على المدى الطويل. وقال جوزف شتاينبرغ، أستاذ الاقتصاد الكلي في جامعة تورونتو، للـ«نيويورك تايمز» إن رسماً يبلغ 50 في المائة قد يوقف صادرات بعض الشركات الكندية كلياً ويؤدي إلى إغلاق بعضها. وتتجمّع الصدمة، خصوصاً في الأخشاب والآلات والإلكترونيات والأثاث والبلاستيك، إضافة إلى صناعة السيارات التي تبيع أكثر من 90 في المائة من إنتاجها إلى الأميركيين.

هنا يظهر الجانب الذي يمكن وصفه بسوء تقدير كندي، إذا طال أمد المواجهة. إذ لا تستطيع اتفاقات حديثة مع كوريا الجنوبية والصين وألمانيا والهند أن تعوّض سريعاً سوقاً ضخمة ملاصقة بُنيت المصانع والطرق وخطوط الأنابيب لخدمتها. ثم إن الرسوم الانتقامية ترفع الأسعار على المستهلك الكندي نفسه. ويقدّر شتاينبرغ أن أثر الرسم، أيّاً كان اتجاهه، سيكون أكبر بنحو عشرة أضعاف على الاقتصاد الكندي بسبب فارق الحجم والاعتماد. وبالتالي، «وطنية» الرأي العام تمنح كارني وقتاً، لكنها لا تلغي الحساب الصناعي.

أميركا لا تحتاج إلى كندا... إلا حيث تحتاج إليها

مع هذا، تختزل عبارة ترمب «نحن لا نحتاج كندا، بل هم يحتاجون إلينا» ميزان القوة، لكنها لا تصف سلاسل الإنتاج. فقد أظهرت الـ«وول ستريت جورنال» أن شركة «ستيلانتيس» (مالكة كرايسلر) تجمع طراز «باسيفيكا» في مدينة وندسور الكندية الحدودية، وأن «جنرال موتورز» تنتج شاحنات في أوشاوا، و«فورد» تتأهّب لإنتاج شاحنات في أوكفيل. وبجانب أن «فورد» و«جنرال موتورز» تصنعان محركات كندية لشاحنات وسيارات رياضية تُباع في الولايات المتحدة، تمثل السيارات المُنتجة في كندا نحو 6 في المائة من المبيعات الأميركية، لكن القطع تعبر الحدود مرّات عدة؛ ما يجعل الرسم يتراكم داخل المنتج نفسه.

لذا؛ حذّر وارن براون، المسؤول السابق في «جنرال موتورز»، من أن رفع الرسم إلى 50 في المائة سيخفّض المبيعات ويرفع أسعار الملصقات والشحن، وأن البلدين سيواجهان إذ ذاك «مشقّة جدية». وحتى رئيس نقابة عمال السيارات الأميركية شون فين، المؤيد للرسوم الانتقائية لحماية الوظائف، عدّ التصعيد ضد بلد يتمتع بأجور ومعايير عمل ونقابات قوية توجيهاً خاطئاً للسلاح التجاري.

لكن، الاعتماد يزداد وضوحاً في قطاع الطاقة، حيث تفيد إدارة معلومات الطاقة الأميركية بأن قيمة واردات الولايات المتحدة من الطاقة الكندية بلغت 111 مليار دولار في 2025، وأن كندا تمدّ مصافي الغرب الأوسط بالنفط الثقيل الذي صُممت لمعالجته، فضلاً عن الغاز والكهرباء. كذلك تعتمد الزراعة الأميركية على البوتاس الكندي، وتعتبر كندا السوق الأولى لصادرات 32 ولاية أميركية. ومعنى هذا أن واشنطن ولو كانت أقدر على احتمال الضربة الإجمالية، سيكون الأذى حاداً في مصانع ومدن وقطاعات محدّدة.

«معركة تحمّل»... وصندوق اقتراع

إذن، لدى كارني أفضلية سياسية قصيرة الأجل. وفعلاً تظهر استطلاعات نقلتها «بوليتيكو» و«أكسيوس» غالبية كندية مؤيدة للتشدّد، وارتفعت شعبيته إلى 60 في المائة قبيل انهيار المفاوضات. وأيضاً وقف رؤساء المقاطعات من أحزاب مختلفة خلفه، وإن أخذ دوغ فورد المواجهة إلى مستوى شخصي بإهاناته ترمب وتهديداته المرتبطة بالكهرباء.

هذه الوحدة تجعل التراجع الفوري أشبه بخضوع، لكنها قد تتآكل إذا ارتفع معدل البطالة، البالغ أصلاً 6.4 في المائة، أو عجزت برامج الدعم عن إنقاذ الشركات الصغيرة.

في المقابل، يواجه ترمب اختباراً بعد أسابيع لا سنوات. ووجد استطلاع «نيويورك تايمز/ سيينا» في يونيو (حزيران) أن 54 في المائة من الناخبين المرجّحين في الولايات المتأرجحة يعارضون الرسوم، وبلغت النسبة 59 في المائة في ولاية ماين الحدودية. ومن ماين، حذرت سيناتورتها الجمهورية سوزان كولينز من أن الرسوم «خطأ يرفع تكلفة العائلات»، في حين وصف السيناتور الجمهوري توم تيليس سياسة «يوم التحرير» بأنها فشلت. بل، في ميشيغان وأوهايو وماين وأيوا، يستطيع الديمقراطيون ربط أسعار السيارات والطاقة والزراعة مباشرة بقرار البيت الأبيض.

هذا يفسّر الرهان الكندي على الصمود حتى انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني)، كما قال محللون لـ«أكسيوس» و«بوليتيكو»، ويفسر أيضاً إرجاء ترمب تنفيذ مضاعفة رسوم السيارات والصلب إلى الأول من يناير (كانون الثاني).

التهديد شديد، لكن المهلة تترك باب التسوية مفتوحاً وتؤجل قسماً من الألم إلى ما بعد الاقتراع. والرد الكندي المقرّر في 8 سبتمبر (أيلول) صُمّم بدوره ليستهدف الصلب والألبان والمعدّات الزراعية والإلكترونيات وغيرها، أي قطاعات قادرة على إيصال الشكوى إلى الكونغرس. وستشمل الإجراءات أكثر من 700 منتج أميركي، بقيمة 27.6 مليار دولار كندي، أي نحو 20 ملياراً أميركياً.

كندا تبحث عن بدائل

الزعيم الكندي كارني يحاول تحويل المواجهة «مشروعاً» أوسع. فقد دعا في خطابه أمام «منتدى دافوس» في يناير الماضي، إلى «تحالف ديمقراطيات مؤيدة للتجارة الحرة» والعمل معاً لمواجهة ما سماه «الإكراه الاقتصادي الذي تمارسه القوى الكبرى». وهو سيتوجه في سبتمبر إلى ستراسبورغ لحضور خطاب حالة الاتحاد الأوروبي، قبل القمة الكندية - الأوروبية في أكتوبر (تشرين الأول). لكن «بوليتيكو» لاحظت أن الاتحاد الأوروبي وبريطانيا واليابان تجنّبت حتى الآن الانضمام إلى جبهة مضادة لواشنطن. فهي تتعاطف مع أوتاوا، لكنها تحتاج بدورها إلى السوق والحماية الأميركيتين، في حين آليات الرد الجماعي على الإكراه الاقتصادي لا تزال جنينية.

هنا تكمن خلاصة الأزمة. فربما أخطأت كندا إذا افترضت أن التضامن الشعبي والشراكات الجديدة يستطيعان سريعاً موازنة الجغرافيا والحجم الأميركيين. وربما أخطأت إدارة ترمب أكثر إذا تصوّرت أن التفوّق الاقتصادي يحوّل الإذعان نتيجةً تلقائية، أو أن تفكيك شبكة إنتاج قارية يمكن أن يحدث من دون رفع أسعار الأميركيين والإضرار بحلفائهم الصناعيين.

فالمواجهة ليست بين اقتصادين متساويين، لكنها أيضاً ليست مباراة يكسبها الأكبر بمجرد مضاعفة الرسم.

إنها معركة بين قدرة كندا على تحمّل خسارة اقتصادية مركزة، وقدرة ترمب على تحمل ارتدادها السياسي قبل انتخابات التجديد النصفي. ولهذا؛ قد يكون المخرج الوحيد اتفاقاً مختلفاً بما يكفي كي لا يبدو أي من الطرفين أنه «وقّع تحت الإكراه».

اختلال القوة يرجّح كفة واشنطن... لكن تشابك السيارات والطاقة والانتخابات يحرم ترمب نصراً بلا تكلفة

مصافحة ودية بين ترمب وكارني ... قبل تفجر الخلاف الأخير (مصدر الصورة: البيت الأبيض)

أميركا وكندا... تجارة بين بلدين لا تفصلها الحدود

> تفيد الأرقام بأن العلاقة الأميركية - الكندية ليست تبادلاً تقليدياً بين بائع ومشترٍ، بل منظومة إنتاج وطاقة واستثمار مشتركة. ووفق مكتب «الممثل التجاري الأميركي»، بلغ إجمالي تجارة السلع والخدمات 872.3 مليار دولار عام 2025؛ إذ صدّرت الولايات المتحدة إلى كندا سلعاً بقيمة 333.6 مليار دولار واستوردت منها 381.9 مليار، أي بعجز سلعي مقداره 48.3 مليار، لا 60 ملياراً كما قال ترمب. لكن واشنطن حققت فائضاً في الخدمات بلغ 27.7 مليار دولار؛ ما يخفّض الاختلال الإجمالي ويبيّن أن العجز السلعي وحده لا يقدّم الصورة كاملة. السيارات هي المثال الأوضح على التكامل؛ إذ تنتقل المحركات والصلب والألمنيوم وقطع الغيار عبر الحدود مرات عدة قبل اكتمال المركبة. وأنتجت كندا 8 في المائة من سيارات أميركا الشمالية في 2025، وهي أكبر سوق خارجية للشاحنات الأميركية الكبيرة، في حين تعتمد مصانع «ديترويت» على تجميع ومحرّكات وقطع مصنوعة في أونتاريو. وفي قطاع الطاقة، بلغت قيمة التجارة الثنائية 137 مليار دولار عام 2025؛ منها 111 ملياراً واردات أميركية من كندا و26 ملياراً صادرات في الاتجاه المعاكس، حسب إدارة معلومات الطاقة. وتشمل الروابط النفط الخام والمنتجات المكرّرة والغاز الطبيعي وشبكات كهرباء عابرة للحدود؛ وجاء 67 في المائة من قيمة تجارة الكهرباء الثنائية من صادرات كندية إلى الولايات المتحدة. كندا هي أيضاً السوق الأولى لصادرات 32 ولاية، والأولى أو الثانية لـ44 ولاية، وفق وزارة التجارة الأميركية. وفي المقابل، يتجه نحو ثلاثة أرباع الصادرات الكندية إلى السوق الأميركية، ويدخل نحو 70 في المائة منها في سلاسل توريد أميركية. وتشمل أبرز المبادلات الآلات والسيارات وقطعها، والوقود والمعادن، والإلكترونيات والبلاستيك والمنتجات الزراعية والورقية. لذلك؛ لا تعني إعادة التوطين نقل مصنع واحد، بل إعادة رسم شبكة قارية استغرق بناؤها أكثر من ثلاثة عقود. وبمتوسط حسابي، تعبر الحدود تجارة تناهز 2.4 مليار دولار يومياً. ولا يقتصر الاعتماد على السلع، فقد حققت الولايات المتحدة صادرات خدمية إلى كندا بقيمة 92.3 مليار دولار في 2025، تشمل التمويل والتكنولوجيا والسفر وخدمات الأعمال، في حين توظف الاستثمارات المتبادلة عمالاً على جانبي الحدود. وهذا ما يحوّل أي رسم تكلفةً داخلية أيضاً.


مقالات ذات صلة

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

حصاد الأسبوع «تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات

ميشال أبونجم (باريس)
حصاد الأسبوع ميلونشون (رويترز)

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
حصاد الأسبوع قناة السويس (رويترز)

مصر والصين بعد زيارة شي جينبينغ... من شراكة المشاريع إلى صناعة المستقبل

قبل زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى القاهرة، انشغل معظم القراءات بالسؤال عمّا يمكن أن تضيفه الزيارة إلى العلاقات المصرية - الصينية. أما بعد اختتامها،

وارف قميحة
حصاد الأسبوع تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة


«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.